تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
تنعاد

تنعاد

هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»

كتابة: روان عباس 8 دقيقة قراءة
تصميم: مهرة شرارة

هذه القصة ليست مجرد سرد ذاتي عن حبي وحنيني للبنان، بل هي بالأحرى تساؤلٌ عن الكيفية التي يمكن أن نكون بها ذواتٍ ثورية في ظل إبادة تتخذ من لبنان موضعًا لها، أي: كيف نحافظ على الأمل، ونحن نشهد و/أو نختبر أشكالًا من العنف الشديد يوميًا. وللإجابة عن هذا السؤال، نحتاج أولًا إلى تحديد المفاهيم التي نبني عليها هذا السؤال، أي تعريف ما نعنيه بالثوريين، وبالعنف أو العنف الشديد، وماذا نعني عندما نصف فترة زمنية بأنها فترة إبادة جماعية.

زرتُ بيروت ثلاث مرات: مرة في عام 2022، وفي مايو ونوفمبر 2025. في الزيارة الأخيرة، التقيتُ بامرأة عراقية لبنانية في الجامعة الأمريكية ببيروت، كنتُ أحضر مؤتمرًا حول «الأرشيف الجندري: أو كيفية التعامل مع العمل الأرشيفي من منظور جندري». دعتني لاحقًا لرحلة بسيارتها حول الضاحية الجنوبية حيث تقيم. أرادتني أن أتذوق الآيس كريم والكنِفة خبز من مكانٍ ما هناك، وفوق ذلك أخبرتني أنها ستُريني المكان الذي اغتُيل فيه حسن نصر الله بغارة إسرائيلية، بينما كنا نتجول بالسيارة، أرتني «عين الرمانة»، المكان الذي اندلعت فيه الحرب الأهلية اللبنانية. أخبرتني أن هذا المكان يُستخدم عادةً خلال الانتخابات، خاصةً الانتخابات البرلمانية، حيث يحاول كل حزب جمع الأصوات المرتبطة بطائفته المُحددة. ويُصبح جمع الأصوات الطائفية في هذا المكان تذكيرًا بدماء الشهداء وتخليدًا لذكرى قتلهم.

«تنذكر ما تنعاد» قال أحد أصدقائي، وهو يردد عبارة من أغنية فيروز؛ بينما أريه صورًا لمنازل التقطتُها خلال زيارتي. طلب مني أن أنظر عن كثب وسأجد آثار رصاص على المباني هناك. أخبروني أن اللبنانيين تركوا المبنى على حاله تذكيرًا بالدمار المروع الذي خلفته الحرب الأهلية، حتى لا تتكرر.

يقع محل الآيس كريم الذي اصطحبتني إليه صديقتي في حي مسيحي. وهي  مسلمة شيعية، ومنزلها قريب من المحل في «سانت تريز». أخبرتني أن والدها اشترى هذا المنزل قصدًا حتى يتمكنوا من الفرار إلى الحي المسيحي عندما تهدد إسرائيل بشن هجوم. روت لي قصصَ فرارها الأخيرة، حيث كانت تأتي إلى محل الآيس كريم وتشاهد قصف منزلها من هناك. وبينما كنا نتجول، أرتني المكان الذي اغتُيل فيه نصر الله، وروت لي قصة الثمانين قنبلة التي ألقتها إسرائيل على الحي الذي كان يختبئ فيه تحت الأرض. كانت الأرض التي وقع فيها القصف خالية تمامًا من أي حياة، ولكن بجوارها مباشرة، توجد بعض المباني الشاهقة والناس يسيرون فيها ويمارسون حياتهم اليومية بشكل معتاد. إنه حي مكتظ للغاية، وعلى بُعد خمس دقائق منه يقع مخيم شاتيلا، وهو أكثر ازدحامًا وضيقًا.

تِنْذَكَر ما تِنعاد.. ويصيروا الإشْيا بعاد

في غيرَك ناس جداد.. في شي تاني

«تنعاد»، ولكن ما الذي يُفترض ألا يُعاد تكراره هنا؟ الخراب؟ إراقة الدماء؟ الشهداء؟ الحداد؟ الحزن؟ المجازر؟ لكنها تتكرر مرارًا وتكرارًا. متى توقفت أصلًا؟ لقد شهدنا، أو عشنا للمرة الثانية خلال العامين الماضيين، نزوح سكان جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت خلال العدوان الإسرائيلي على المنطقة بأسرها. كيف لنا أن نفصل بين أشكال العنف المتطرفة، وكيف لنا أن نميّز بين أوقات الخراب وأوقات العنف إذا كانت تتكرر باستمرار، ربما بأشكال مختلفة أو حتى متشابهة؟ تناول العديد من الباحثين مفهوم العنف، ومن أبرزهم فالتر بنيامين الذي قدم في مقالته «نقد العنف» مفهومًا للعنف القائم على المشروعية، أو بعبارة أخرى، العنف القانوني. يقول بنيامين إن العنف القانوني يُمارس لسببين: أولهما، الحفاظ على القانون، أي معاقبة مَن يخالفون القوانين الجزائية للمجتمع العقابي، وثانيهما، سنّ القوانين، أي بناء المجتمع. فلكي تُسنّ القوانين وتُعتمد، لا بد من فرض النظام، ولكي يُفرض النظام، يجب تصنيف بعض الأفعال على أنها خاطئة وبالتالي معاقبتها، بينما يجب تصنيف أفعال أخرى على أنها صحيحة وبالتالي تبريرها باعتبارها النظام الصحيح للأمور.

إذا فكرنا في مفهوم العنف المشروع في إطار القانون الدولي في هذه الأوقات، يمكننا اتباع تحليل جريجوريو أجامبين لدولة الاستثناء أو حالة الاستثناء، حيث يناقش أجامبين مفهوم بنيامين للعنف في حوار مع كارل شميت، يرى الأخير أن العنف يُرتكب في ظل حالة الاستثناء عندما  تُفوض الديكتاتوريات من قِبل الدستور، لأن هذا النوع من الديكتاتوريات يؤدي إلى الحفاظ على شكلية القانون دون تطبيقه، فيظهر فقط بوصفه مظهر معياري لا يُنفذ أبدًا. هذه الأشكال من الديكتاتوريات يحكمها حكامٌ يقررون ذلك، وبالتالي فهم مَن يقرر ما ومَن يخضع للاستثناء ومتى يُفرض. يصبح هؤلاء الحكام أنفسهم داخل هذا الاستثناء وخارجه في آنٍ واحد، لأنهم المتحكمون الوحيدون في أين وكيف ومتى يُنفذ. يواجه الحاكم، بمجرد أن يقرر الاستثناء، معضلة عجزه عن اتخاذ قرار إنفاذ هذا الاستثناء. يأتي هذا العجز لأن حالة الاستثناء تفرض نفسها على الحاكم، وعلى مَن حوله، فتصبح أكبر من أن يستطيع السيطرة عليها. يفترض الحاكم الديكتاتوري ثبوت الحياة وعقلانية أسبابها ونتائجها وسهولة تراتبياتها. يفترض الحاكم أنه يمتلك دائمًا القدرة على اتخاذ القرار، ولكن بمجرد أن يخرج الأمر عن سيطرته، لأن الحياة لا تتبع التراتبية العقلانية، يعجز عن ذلك، وتصبح بذلك حالة الاستثناء هي القاعدة. تتحول القدرة على تحديد الاستثناء وفرضه بالنسبة للحاكم من معجزة إلى كارثة، ويصبح عندها كل الناس قادرين على ممارسة العنف خارج إطار القانون وتحديد حالات الاستثناء كما يحلو لهم. 

***

 في سياق مختلف، يُجادل طلال أسد بأن الحداثة بشكلها الحضاري تشكلت من خلال العنف، ليس فقط من خلال الغزوات الاستعمارية والاستعباد والتطهير العرقي للسكان الأصليين، بل أيضًا في صميم مفهوم الإنسانية نفسه. فتُعد الإنسانية بالنسبة للحضارة الحديثة نتاجًا للخطيئة الأولى. وهكذا أصبح لُب الأمر هو معاقبة المذنبين باسم الحب والرحمة، إذ أن «كل البشر خطاة قادرون على الخلاص، فالخطيئة والخلاص جوهر الإنسانية، وعملية الخلاص تتطلب التوبة والتكفير». على منحى آخر، يسرد إتيان باليبار أشكالًا مختلفة من العنف، ليس فقط لكونه جزءًا لا يتجزأ من السياسة، بل لأن ممارسة العنف هو ممارسة السياسة نفسها. كما يقدم تحليلًا لأشكال العنف اليومية التي نقبلها ونتعايش معها بوصفها نمطًا طبيعيًا للحياة. ويستعرض منها العنف الطائفي الذي يفترض تفوق جماعة عرقية أو دينية والعنف القائم على العولمة في صور تغيّر المناخ وتدمير الحياة البيئية، أو القائم على الرأسمالية في أشكال استغلال فائض قيمة العمل والأشكال المستمرة للتراكم البدائي واستخراج وشراء وبيع العمل الميت. لعلّه إذن ليس هناك وقت محدد للإبادة الجماعية، فلا يمكن معرفة نقطة يبدأ عندها العنف أو ينتهي، بالأحرى هو لم ينتهِ قط. بل إنه يزداد عنفًا ويتخذ أشكالًا متعددة في آنٍ واحد أو في أزمنة مختلفة؛ وربما يتفوق بعض هذه الأشكال على غيرها. فماذا علينا إذًا أن نفعل؟ وإلى أين نتجه الآن؟

«يجب أن نبدأ، في رأيي، بالتأمل في هذا الغموض الجوهري، وطرح أسئلة لن يكون لها إجابات قاطعة أبدًا» لم يتركنا أيٌّ من هؤلاء الباحثين أسرى لهذا العنف، وأعتزم أن أفعل الشيء نفسه، لكنني لا أعرف كيف، إذ لا أملك إجابة. ربما يكون طرح السؤال هو البداية، وربما لا توجد إجابة لتلك الأسئلة أصلًا. يقول بنيامين إن المَخرج هو شكل من أشكال العنف الإلهي والنقي الذي لا يُمارس لصنع القانون أو الحفاظ عليه، بل لتدميره. ويقول إن هذا الشكل من العنف ينشأ في ظل الحالات الاستثنائية، إذ يستغل الناس تحول حالة الاستثناء إلى كارثة بالنسبة إلى الدكتاتور ولكن معجزة بالنسبة إليهم حيث يصبح في قدرتهم هم الآن ممارسة العنف أيضًا. إنها الخلل، والفجوة، والثغرة: الإسخاتون والتي يعرفها جيورجيو أغامبين على أنها نهاية الزمان المنتصف بين الآخرة وبين الخلاص. 

الإسخاتون، أو نهاية الزمان، التي كانت بمثابة مفتاح لحالة الاستثناء وفرض الدكتاتور لعنفه، أصبحت مع الوقت مفتاح لهلاك هذا الدكتاتور وممارسة العنف ضده. لم تعد النقطة التي ينتهي عندها الزمان، نقطة يتحكم بها الدكتاتور وحده. لقد فقد السيطرة عليها. أصبح الناس، أولئك العاديون، قادرين على التحكم في الكيفية التي ينتهي بها الزمان وما يأتي بعده. وهم لا يريدون أن ينتهي الزمان وهم مقهورين تحت عنف هذا الدكتاتور أو ذلك. يريدون أن ينتهي الزمان وهم قادرين على ممارسة سياسة التعاطف والوعي والتأمل وتحويل الاقتصاد من اقتصاد ربحي إلى رعائي. يرفضون التسليم التام للانخراط في أي شكل من أشكال التنازل عن القيم. ويرفضون تحويل مطالبتهم بالتحرر إلى حريات معيارية تصبح فيها الثورة أسلوب حياة ضمن الوضع الراهن بدلاً من كونها قوة لإحداث اضطراب وتغيير. ويريدون أن يصبحوا ممارسين للثورة في حياتهم اليومية.

***

في محاضرة الأنثروبولوجيا بالجامعة، تُكلفنا أستاذتنا، حنان سبع، بقراءة مواد عن فلسطين بشكل متكرر، في كل حصة تقريبًا، والتأمل في الإبادة الجماعية وما يحدث من حولنا من عنف. في الأسبوع الماضي، انشغلنا داخل المحاضرة بالتعليق على التأملات الكتابية لكل واحد منا عما قرأه. كتب أحد زملائي تأملاته حول معنى أن تكون أكاديميًا في زمن الإبادة الجماعية، وتساءل عن ماهية دورنا وما ينبغي علينا فعله، وكيف يُمكننا المساهمة. قضيتُ الحصة بأكملها أفكر في هذه الأسئلة، وأدعوكم للتفكير فيها أيضًا، إذ لا أملك إجابات جاهزة وواضحة، ولا أعتقد أنني سأمتلكها يومًا. لكن في نهاية الحصة، استشهدت حنان بياسين الحاج صالح، وطلبت منا ألا نعتاد على الأهوال. فإذا كان الوضع الراهن، أو حالة الاستثناء، يُحاول تبرير هذا النوع من العنف، فعلينا أن نواجه هذه الفظائع بشجاعة، وألا نتوقف عن التحديق في وجهها. بدت هذه الإجابة مرضية لي على نحوٍ ما. لكنني بشكل عام لست في رفاهية الحيرة بين الإجابات. فأنا في حاجة إلى أية إجابة. أية إجابة ستكون مطمئنة بالنسبة لي.  

***

عدتُ إلى المنزل وأرسلتُ رسالةً نصيةً إلى صديقتي أسألها إن كانت قد غادرت بيتها أم لا تزال في بيروت. أخبرتني أنها غادرت مع والديها إلى برمانا، شمال بيروت. وقالت إنها سعيدةٌ عندما تتذكر أنها دعتني إلى منزلها وأنني تمكنت من رؤية مكتبة والدها وعمها. كانت المكتبة ضخمةً نوعًا ما، وتقع في الزاوية اليسرى من مكتبه، وعلى يمينها صورة لصديقتي ووالدها في سوريا. سألتني حينها إذا كنت خائفة من تواجدي في بيتها، كون هذه المنطقة دائمًا ما تكون مهددة بالقصف. أجبتها بالنفي.

أفكر الآن في خوفي من عدمه. لا أستطيع حاليًا تحديد ما شعرت به عندها. لكن بدا الوضع لي أقرب مما كنت أتخيل. هؤلاء الناس الذين نراهم عبر الشاشات ونعدهم أضرارًا جانبية يحبون الآيس كريم ولديهم بيوت تشبه بيوتنا. بدا الوضع عاديًا تمامًا، كما لو كانت الإبادة في كل مكان وفي كل وقت. 

1   (أسد، 2013، 4).

2  (باليبار 2020، 392).

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن