تقليب المواجع
عن أثر الصور من «أبو غريب» إلى غزة
كُتب هذا النص ضمن فترة التدريب والدراسة الخاصة بالأكاديمية البديلة للصحافة العربية.
بين أكتوبر 2023 ونظيره عام 2025 تعودت -كأغلب مَن أعرف- على طقوس تخزين الألم والتحديق به.
أجلس على السرير بعد يوم طويل للغاية من العمل، والدراسة، والاجتماعات بخصوص الفن والمعرفة والتحرر من الاستعمار وخلق مساحات بديلة والكلمات الرنانة الجديدة التي نستخدمها لنؤكد على رأسمالنا الرمزي «النضالي»، وأقلب في تويتر. فيديو لطفلة غزاوية تصرخ فيما تُبتر أقدامها بلا تخدير، فيديو لطفل يرتعش بعد القصف، صوت صراخ وعويل، «الولاد ماتوا جعانين»، أسير اقتلع الاحتلال عينيه، رجل يمسك بشهادتي ميلاد توأميه تمتلأ عينيه بالدموع في هلع تام بعد أن قتلا توأميه في عمر أربعة أيام، وطفل بلا رأس، ومريض في خيمة يحترق على مرأى الجميع، وهكذا.
لا يغادر رأسي فيديو واحد، ليس الأقسى، ليس الأكثر عنفًا، ليس الأحزن، لكنه يطاردني دومًا. طفل يجري فيما يحمل مقعد سيارة فارغ لطفل آخر بعد استهداف مجمع الشفاء الطبي. يجري الطفل وحيدًا وسط دمار. يبكي بعويل قائلًا: «وحياة ربنا خايف.. فش إلي نفس.. وين بدّي أروح؟» عُذِّب الطفل كثيرًا، بالخوف، والجوع، والقتل. تقلص جسده، انعزل، وبات يجري باحثًا عن النجاة، لكن لا يعرف إلى أين.
أغلق هاتفي بعد مشاهدة لساعتين بحد أدنى، أستيقظ على صوت المنبه لأكرر البارحة، ولكن أتصفح تويتر لمدة 20 دقيقة قبل مغادرة السرير. أشعر حينها بألم معتاد في قدمي، في السنوات الأخيرة يبدأ بإحساس عدم الراحة، كأنني أصبحتُ أعي تمامًا أنني على قيد الحياة وأن بداخلي دم يجري. حينها تشبه حركة الدم غليان الماء، يحاول الماء أن يبقى ساكنًا، راكدًا، ولكن الحرارة تمنعه عن ذلك، فيستشيط غضبًا ويتحرك بلا راحة، كأنه لن يسكن أبدًا. بلا كمادات ممكنة لتسكين الحرارة، بلا إمكانية لوقف عدم الراحة. حين بحثتُ أول مرة حينها أخبرني جوجل أنها «متلازمة القدم المتململة». ضحكت إثر التسمية، قدمي لا «تململ». قدمي قلقة في انتظار البتر. كما في «بنات آوى والحروف المفقودة» لهيثم الورداني:
«ساق… سيقان كثيرة… ساق صغيرة بجوار ساق أكبر… الذين فقدوا أسماءهم… المهملون في الماء الهَمَل… الذين لن يصلوا أبدًا… الذين لن يعودوا أبدًا… الذين لن يستيقظوا أبدًا… يد تبحث عن أخرى… رئات مُتبَّلة بالملح… برزخ ينفتح بين ضفتين… حركة بطيئة… كيفما اتفق… الأصابع تتشنج… الحناجر تجف… الهوة تتسع… الحافة تضيق… ملوحة تحت الجلد… ملابس لم تعد تستر… حبل يتدلى في الماء… يد تمسك بحبل… ضجيج محرك… ساق تتعب… حقيبة ظهر تفلت… وتتهادى نحو العمق…».
شايفة الألم مفيد؟، أسأل صديقتي راجية التي تعمل على أرشفة جميع الصور. فهي بدأت بأرشيف العائلة، ثم أرشيفات شخصية لعائلات عثرت عليها في سوقي ديانا والجمعة، والآن تؤرشف الإبادة.
- «معرفش بس بحس الألم بيخلي الشخص غضبان، والغضب اللي بيخلي الإنسان يتحرك، أنا لسة مشوفتش ده.. لكن معرفش بخاف بس.. بخاف إن أنا أكون بعيش حياة طبيعية على حساب أشخاص تانيين حياتهم سيئة، فبحب أفكر نفسي كل شوية إني مش عايزة أكون منفصلة عن ده، عن الألم ده».
للتعذيب استعمالات أكثر من عقاب الجسد. يتحول إلى عرضٍ عام يشتغل على المتفرّجين بقدر ما يشتغل على الجسد المعذَّب؛ عرضٌ يزرع الخوف، ويعيد ترتيب العلاقة بين السلطة والجمهور، ليصير الألم أداةً للسيطرة السياسية والاجتماعية أو محركًا للثورة.
كيف استعملت السلطة التعذيب وكيف بتنا جمهورًا للألم؟ نخافه، نرهبه، ولكن نتابعه دومًا كجمهور مرتعب. يُعرِّف القاموس «الجمهور» على أنه «مجموعة الأشخاص التي تشاهد وتراقب»، هم لا يشاركون بالضرورة في حدث يقع أمام عينيهم. لكن هذه اللغة لا تشير فقط إلى وضعية الجمهور بالنسبة إلى الحدث، فعمل الجمهور هو أيضًا عمل مراقبة مطوَّلة، تُؤدَّى على هوامش نشاط أو حدث معيّن. يراقب الجمهور فضاءً محددًا من الألم والفناء. ولديه القدرة على الإبلاغ عمّا يراه. ومن موقعه، يستطيع أحيانًا استشراف أو توقّع المستقبل إن أقدم على فعل ما يستدعي الألم والفناء. وهكذا يصبح الجمهور قادرًا من تحديد أقل الانحرافات الممكنة التي تؤدي لهذا المصير لتحذير الآخرين منها. فبينما يظن أنه فقط يشاهد فظائع الحاضر، لكنه يُهندس أيضًا على أنه قد يلقى المصير ذاته. الجماهير تشاهد الإبادة، لا تفعل شيئًا حيال إيقاف ذلك. تشعر بالذنب والعار. لكنها تمسح عنها ذلك لأن «لا شيء يمكن فعله». تستخدم السلطة الجسد كعبرة، رسالة، وتخلق معها أجسادًا متفرجة طيعة.
إن فعل المراقبة المطوّلة من قِبل الجمهور يمتلك القدرة على تحويل الصورة الفوتوغرافية الثابتة إلى مسرح تُبعَث فيه الحياة من جديد لما جُمِّد داخل الصورة. يُستدعى المتفرّج للمشاركة، وللانتقال من موقع المُرسَل إليه إلى موقع المُرسِل، من أجل تحمّل المسؤولية عن المعنى عبر مواصلة مخاطبة هذه الصور.
منذ عدة سنوات، في محرقة حلب تحديدًا في 2016، جمعت صور الأطفال الذين قُتلوا في المحرقة كافة، تأملت أجسادهم الصغيرة المحروقة، وأنشئتُ ملفًا على هاتفي تحت عنوان «baby». في كل مرة حتى الآن أحاول أن أجد صورة لي في طفولتي، يجب أن أبحث عنها وسط أشلاء الأطفال السوريين. لم أكن أعلم حينها أنني أحاول أرشفة الألم، القتل، وربما صرخات أطفال غزة فيما بعد؟
في يوم السابع من أكتوبر 2023 كنتُ في الطريق إلى المطار. وصل للتو أخي وزوجته وابنهما -الحفيد الأول في العائلة- إلى مصر للمرة الأولى منذ مولد سيف. كنتُ في غاية الحماسة، قررتُ توثيق اليوم بالكامل. زين أبي السيارة التي تحركنا بها أنا وأخي إلى المطار لاستقبال الحفيد الأول، غنيتُ مرارًا وتكرارًا أنا وأخي الأصغر: «أنا مهما كبرت صغير». قمت التقطت الصور وأرسلتها على «جروب العيلة» على واتساب تمهيدًا لاستقبال الطفل اللطيف. حين وصلت للمطار اتصل بي أبي قائلًا: «أحب أبشرك وأفرحك يا لوجي، المقاومة عملوها ودخلوا المستوطنات وأسروا ولاد الكلب. هاتي أخوكي وتعالي بسرعة عشان نتفرج على النصر». وثقت المكالمة كذلك، قررت الاحتفاظ بالصورة حتى أخبر ابن أخي حين يكبر أنني رأيته للمرة الأولى حين اخترقت صفوف المقاومة المستوطنات.
استقبل أبي سيف في حديقة منزلنا في محافظة الشرقية فيما يخبره: «أهلًا أهلًا، أنا أطول أشوف الضحكة الجميلة دي»، فيما تسارعه أمي قائلة: «وريني وريني حبيبي». قمت بتصوير الاستقبال الحميمي كأنني أختبر الحب لأول مرة، أراه أمامي متمثلًا في أبي وأمي. سرعان ما اصطففنا أمام قناة «الجزيرة». يداعب أبي سيف، ولكن يقطع اللعب قائلًا: «ربنا يسترها عليهم»، وثقت حينها صورة لأبي وسيف وغزة في الخلفية قائلة: «فلسطين دايمًا حاضرة».
منذ ذلك الحين، خلال الإبادة أعدد صور الأجساد المحروقة للأطفال في عمر ابن أخي. أفكر في عائلاتهم. أفكر في كفوفهم الصغيرة تحت الركام. في كل مرة أحاول استخراج صورة ابن أخي من هاتفي، يجب أن أبحث عنها وسط أشلاء الأطفال الغزازوة، أعلم الآن أنني أقوم بأرشفة الألم، ولكن كيف نؤرشف ما لم يعد من الماضي؟
«فش إليّ نفس». أفكر فيه فور الاستيقاظ من النوم. وحين يفتح باب العمل بعد «بصمة» إصبعي في العاشرة إلا الربع من كل يوم، فيما تهددني مسؤولة الموارد البشرية بالخصم من المرتب. لا أستطع إخبارها أن الجاثوم يزورني يوميًا. يشار للجاثوم في الأدبيات المكسيكية بجملة «te sube el muerto cuando se»، والتي تُترجم إلى «عندما اعتلاني الموت». يقف الموت على صدري كل يوم. كمغسل الموتى في رواية «وحدها شجرة الرمان» الذي يستيقظ في ليالي الأرق على كابوس يومي «لا يكتفي الموت مني في اليقظة ويصر أن يلاحقني حتى في منامي». لذلك، أكتفي بالرضوخ للخصم، وأتجاهل الموت ليوم آخر.
كل الصور تلك كانت وثيقة للأجساد المُخترقة، المُتعبة، المُحترقة. لكنها أيضًا مرآة ننظر بها لأنفسنا. ما الذي أحدثته بنا الرؤية المستمرة للألم. ما الذي يجعل الصورة قابلة للتذكر، وأي صورة تُنسى؟ ما الفرق بين الجثة التي تتحول إلى أيقونة، وتلك التي تمر كخبر عابر، كعدد، كظل؟ في ذاكرتنا العربية التي تحمل شهداءً، جثثًا، أشلاءً، مَن الذي نتذكر ومن الذي ننسى ومَن الذي يشكلنا؟
تسريبات سجن أبو غريب
في المرة الأولى التي رأيت فيها تسريبات سجن أبو غريب، كنتُ في بيتنا الصغير في وادٍ سعودي على حدود اليمن. أجلس على الأرض، تحتي سجادة تسبب لكف قدمي حساسية دائمة فأرتدي شرابًا في البيت. كنت في الرابعة من عمري حين عرضت قناة «الجزيرة» الصور. أصابني الفزع. طاردتني الصور لسنوات، وصوت أبي صارخًا في حسرة «الأمريكان ولاد الكلب.. الأمريكان ولاد الكلب».
المسجونون بلا وجوه، عراة. يصعقون بالكهرباء، فيما تخفى وجوههم بالكامل تحت قماش أسود، تكدس أجسادهم فوق بعضها البعض. يحاول الجنود خلق جمالية ما في الصور، يهتمون بترتيب الأجساد المُعذبة في تركيب الصورة. يضحكون بجانبها في انتصار، كأنهم قد رسموا لوحة جديدة في عصر النهضة.
في حديثي عبر زووم مع هاجر صديقتي التي غادرت مصر منذ عام. كنت قد أنهيتُ يوم عملي في القاهرة، وهي ما زالت تستيقظ للتو في أمريكا. حدثتني على السرير فيما تشرب القهوة على مهل. تبادلت معها بعض النكات بخصوص ما إن كانت تود فعلًا أن تبدأ يومها بحديث مطول عن فوتوغرافيا التعذيب والألم في العالم العربي، في حين يغلب عينيها النعاس. حينها كان يبدو الحديث هزليًا للغاية، لكن بشكل يليق تمامًا مع موقعنا من العالم.
هاجر أخبرتني عن الصور العالقة في ذهنها من تسريبات سجن أبو غريب «في الصورة اللي كانوا مكدسينهم فوق بعض كده في كتلة بشرية، متصورين جنبهم أعتقد كانوا عريانين كمان.. المسجونين كانوا عريانين وكانوا محطوطين فوق بعض. وفي الصورة المشهورة بتاعت الراجل اللي بيتكهرب ولابس الحاجة المخروطية اللي فوق رأسه دي. فاكرة دي رعبتني وأنا صغيرة».
تابعت هاجر: «مش عشان هي مخيفة بس. هي مخيفة فعلًا، بس ما أعتقدش أن ده السبب. أعتقد هي الرمزية بتاعت إنه فعلًا فيه يعني dehumanization (نزع للإنسانية) واضح وبصري للشخص ده. إحنا حتى مش شايفينه، إحنا مش عارفين هو مين، إحنا مش شايفين وشه. إحنا مش قادرين نشوف إن هو human (إنسان) يعني هو humanoid (شيء يبدو بشري) أو (human-like) عشان عنده أربع أطراف وواقف على رجلين. لكن هو humanoid. زيه زي مثلًا صور الأشباح وصور الحاجات اللي إحنا بنرسمها عشان تكون أقرب ما يكون للبشر».
سألت ياسمين حسين، وهي باحثة في الصورة والوسائط المرئية عن الصورة العالقة في ذهنها من تسريبات سجن أبو غريب. قالت: «كان فيه صور في مكان كان فيه بلاط وكان هناك 2 من الجنود وشخص في الأرض. أعتقد يعني الصورة دي أثرت فيا وأغضبتني بشكل شديد جدًا جدًا في توقيتها ومعادها. واللي كان بيحصل كنا كلنا معنيين عرب ومسلمين بشكل أو بآخر. مش مهم جنسيته. اللي مهم إن هو عربي مسلم متهم بالإرهاب وكلنا متهمين بالإرهاب. المنطقه كلها متهمة بالإرهاب فهو حتى لو أنا معرفوش، حتى لو هو مش من مصر، فهو العالم كله بيقول إن أنا وهو بننتمي لنفس الأسرة، فهو يخصني. فكنت حاسة بالإذلال. مش بتاعه هو بس، لكن بتاعي أنا كمان، وبتاعنا كلنا».
سألت ياسمين لمَ علقت هذه الصورة وعناصرها في رأسها تحديدًا، أجابتني أن تكوين الصورة في حد ذاته يجعلها تعلق في الذهن، العري كذلك. أضافت: «أنا مش بخاف من العري لما بيكون aesthetics (جماليات) ولكن بخاف من العري المغصوب، الإهانة، ليه اتنين على واحد؟ أفعالهم فيها سادية، ولكن تصويرهم للفعل هو الإذلال».
الطابع الجنسي للتعذيب بصور «أبو غريب» كان صادمًا للغاية. حتى أن نيرة[1] من العراق أشارت إليه مجددًا: «يعني هذا الشيء مهين.. تعرية إنسان واستخدام مجندة أو مجند لعمل ايحاءات جنسية معينة، وإحنا بلد كنا يعني بوقتها بـ2004 ما كان عنا وسائل إعلام. عندنا قناة واحدة صدام كان مسيطر عليها فما نشوف.. ما نشوف شي إلها علاقة بالعري إلها علاقة بمشاهد جنسية معينة.. صدمة. وهذا كان يتداول على طريقة إنه شوفوا أجساد عريانة، وشوفوا الأمريكان رَح يدمرونا الأمريكان. رَح يجون يغتصبون بناتنا. يغتصبون حتى شبابنا. يعني فكرة إنه اغتصاب شباب فكرة جديدة. إنه كان الشباب يعني يتم تعريتهم والاعتداء من عندهم من أمريكان بأعضاء تناسلية من مجندين أمريكان».
في اليوم الذي اطّلع فيه المشرّعون الأميركيون على نحو 1800 صورة ثابتة وعدد غير مُعلَن من مقاطع الفيديو التي التُقطت داخل «أبو غريب» -والتي وصفها وزير الدفاع وقتها، دونالد رامسفيلد، بأنها «سادية، قاسية، وغير إنسانية»، نقلت شبكة «CBS News» أن هذه الصور «ترقى إلى الإباحية الصريحة»[ 2].
هذا التوصيف يمكن اعتباره مناسبًا، إذ ارتبط بما تحمله الصور من مشاهد اعتداءات جنسية، منها إجبار رجال عراقيين على الاستمناء أو ممارسة الجنس الفموي مع بعضهم البعض، وإكراه نساء عراقيات على كشف صدورهن. لكن الإصرار على وضعها في خانة «الإباحية» يكشف كيف جرى تسييس فعل المشاهدة ذاته: فالصور التي كان يفترض أن تُفهم باعتبارها شهادة على العنف الاستعماري الأمريكي، أُفرغت من بُعدها السياسي وحُمِّلت بقراءة تُحوِّل العنف الجنسي إلى مجرد «إثارة بصرية». بهذه الطريقة، جرى تحويل الجسد المُعذَّب إلى سلعة بصرية أخرى، وجرى اختزال الألم الإنساني في خطاب يدمج بين العنف واللذة، ما يعكس بالضبط منطق الفرجة الاستعمارية. كيف يتفرج الجمهور المستعمر على أجسادنا المعذبة، كيف يود أن نتفرج عليها نحن أيضًا.
في بحث «سياسات الألم»، تقارب ليز فيليبوس بين الجسد العربي المعذب في تسريبات السجن، والجسد الأسود المعذب في صور الإعدامات خارج إطار القانون (Lynchings) التي كانت تجرى من قِبل المواطنين البيض في أمريكا. إذ تداول صور الإعدامات خارج نطاق القانون (lynchings) وصور التعذيب في «أبو غريب» يُسهم في إنتاج أنماط معيّنة من أنظمة الرؤية، حيث تُوسم الأجساد المُعنصَرة من خلال تمثيلاتها كأشياء، مُجنَّسة ومفرَّغة من إنسانيتها. فهذه الصور تجسّد العنف العِرقي في سياقات تُبرِّئ مرتكبي العنف عبر الإيحاء بمسؤولية الضحايا عمّا وقع عليهم. وقد اشتركت صور «أبو غريب» وصور الإعدامات في سمة مشتركة هي التخنيث القسري للجسد الذكوري وجعله موضعًا للتهشيم والإذلال الجنسي.

قسمت الصور الشعوب بين شعوب قابلة لاختبار الألم والإبادة، وأخرى قادرة على خلق الألم والإبادة. كما قالت ياسمين: «كلنا متهمين بالإرهاب». في لحظة ما نصبح كلنا في انتظار التعذيب.
أخبرني أحمد من العراق أن الصور تركت لديه ذكريات مؤلمة وصورًا لا يمكن أن تُمحى. على حد تعبيره أن يرى طفل في العاشرة عراقيين وعراقيات يغتصبوا ويعروا وتمارس شتى أنواع التعذيب القاسي والمهين بحقهم هو أمر سلبي تمامًا يمزج بين الحزن والأسف من جانب وبين حالة الرعب، كان حينذاك يتخيل أن الأمريكان قد يعتقلون أهله من أجل التسلية ويقومون باغتصاب أمه وأخته وتعرية أخيه، وبسبب مشاهد سجن أبو غريب لم يكن يأمن لمرور أي رتل عسكري أمريكي. يشعر بالخوف والاشمئزاز في الوقت ذاته. يتذكر حينها وبعد انتشار الفضيحة كان عائدًا من المدرسة وفيما كان يربط خيط حذائه الذي ارتخى، فإذ بمدرعة أمريكية تمر من جانبه بشكل بطيء ليرمي له الجندي الذي يعتليها شيئًا، غالبًا حلوى، تركها وركض مسرعًا بالاتجاه الآخر بسبب «أبو غريب».
بينما هاجر كانت لها تجربة مختلفة مع أثر الصورة «أعتقد إن جزء كبير من كوني حاليًا شخص عايش في أمريكا وبقالي سنة -وبالرغم من المحاولات الكتيرة إن ده ميحصلش. بس جزء كبير من عدم قدرتي على التأقلم والاندماج في المجتمع الأمريكي مش بس بسبب إن ده حصل، بس كمان فشل الأمريكان اللي حواليا إن هم يدركوا أد إيه ده كان صعب علينا كعرب وكمجتمع عربي، إن إحنا نشوف ناس شبهنا شكلًا واسمًا بيتعمل فيهم الحاجات دي من الحكومة الأمريكية، وإن هم حتى مش فاكرين ده، كنتي بتقولي ده حاجة في الثقافة الجمعية أو الوعي الجمعي؟ هو في الوعي الجمعي بتاعنا إحنا بس. مش في الوعي الجمعي بتاعهم. محدش منهم بيجوجل وهو عنده 10 سنين تسريبات السجون».
في صور التعذيب الخاصة بتسريبات سجن أبو غريب جمالية ما، لكنها مُرعبة، مُركَّبة، لا تُقدِّم الخلاص بل تُفرغ الألم من معناه. يوضع الجسد المعذَّب كما لو كان إكسسوارًا، يُقلَب ذات اليمين وذات الشمال، ويُرتَّب بعناية ليُلتقط في صورة معيّنة. هنا يتقاطع العنف مع جمالية مسيحية قديمة ترى الألم جديرًا بالعرض على جدران الكنائس، لكن الفرق أنّه في صور «أبو غريب» لا يوجد خلاص بالموت، بل استعراض للهيمنة وإذلال الجسد. أكملت هاجر: «إنك تعمل الصورة دي بياخد وقت صح؟ إنك تجيب الناس دي تعذبهم وترصهم بالشكل المعين ده وبعدين تطلع الكاميرا وبعدين تاخد الصورة.. ده خد وقت، معرفش نص ساعة؟ ساعة؟ ساعتين عشان يتعمل؟ ومحدش فيهم وقف كده في نص اللي هو بيعملوا وقال: طيب إحنا بنعمل إيه؟»
لطالما كان للأجساد المعذبة في الفن الغربي، خصوصًا في الفن المسيحي المبكر، بُعد جمالي وأيديولوجي في آن واحد. فقد صُوِّر الألم بوصفه طريقًا للخلاص، فيما بُنيت هذه النزعة على الإرث الإغريقي-الروماني المولع بالتمزق، والانكسار، والفتح. بهذا يصبح الجسد المعذَّب أيقونة، تُجمَّل فيها البشاعة، ويُعاد إنتاج العذاب في صيغة خلاصية، حيث الألم غاية وجمال في ذاته، ووسيلة للفداء.

أخبرتني نيرة أن هذه الصور على الرغم من فظاعتها لم تكن الأبشع في تاريخ العراق. بعد التسريبات تتابعت الجرائم الأمريكية في العراق ثم الحرب الأهلية. «العراقيين عاشوا أشياء أفظع بكثير من سجن أبو غريب فيما بعد. من 2006 إلى 2009 أكو ناس تنطبخ حرفيًا. تجعل العراقي يعني خلص، ما تبقى بذاكرته صورة واحدة». هل تشبعنا بالألم؟ بعد كل فيض القتل والتعذيب على مدار السنين في العالم العربي حتى ينتهي بالإبادة المستمرة بحق أهل غزة؟
تسريبات قيصر
تتكدس الأجساد المتألمة في الأرشيف العربي، ويتم تسريب صور جديدة لآلاف المعتقلين في سجون بشار الأسد. هنا فقد التعذيب داخل الفوتوغرافيا مسرحيته، بلا جماليات، بلا تركيب للصورة، حتى أن التعذيب صار عدميًا، آلة قتل ميكانيكية دائمة.
سألت ياسمين ما إن كانت تعرف أحد الضحايا في تسريبات قيصر. كانت معتقلة سابقة في السجون السورية. أجريتُ معها مقابلة أونلاين منذ عدة سنوات قبل سقوط النظام. «كان فيه صورة لصبية بفرع 215 الخاص بالمخابرات قالولنا إن طلعت وراحت لبيت أهلها، اسمها رحاب علاوي. بعدين لقينا صورها بتسريبات قيصر. صور قيصر هي درس من النظام بيقول فيها للشعب هيك بيكون مصيركم لو راح تعملوا ثورة. أي ثورة بيعملها الناس؟»
تابعت أثناء المقابلة، فيما تشير إلى صورة شاب وسيم معلقة على الحائط «شايفة الصورة اللي وراي؟ هاي الصورة لأخي الصغير. مات تحت التعذيب».
اختلفت ماهية الصورة، اختلف شكلها، اختلف تركيبها، واختلف أثرها كذلك. تقول ياسمين: «تسريبات سجون سوريا كانت زي لما بنعمل اكسيل شيت لأسماء الناس اللي بتحضر فعالية ما. كانت مجرد عدّ للناس، بس حتى مبقاش فيه جسد، مبقاش فيه إنسان بعد التعذيب. بيتصوروا كأنهم أرقام هويات مختلفة».
لكن تجمعت العائلات السورية بحثًا في العيون الجاحظة والهياكل المتهشمة على لمحات من أهلها فيما قبل.
تحكي ليلى[3]: «من 2013 لـ2015 ما كان عنا أية خبر عن أبي. ووقتا طلعت تسريبات قيصر، تقريبًا كانوا 60 ألف صورة. ونحنا كنا عمي وابن خالتي واتنين ولاد عمتي هنن أخوات وأبي معتقلين، وكان فيه حدا من طرف أمي كمان يعني ولاد خالة وولاد عمة وهيك. فكان تقريبًا كل العيلة عمّ تدور لتعرف خبر عن هدول العالم. يعني حتى لو إنه بتعرفي إنه رح تشوفي الصورة تلاقيهم ميتين بس كان أهون إنه تضلي تنتظري دون ما تعرفي شو مصيرن. كنت حرفيًا ما أنام. لأنه كنا بنشوف الصور وهيك، فكانت نفسيتي كتير تعبانة. بس في نفس الوقت ما قادرة تتركي الصور لحتى تعرفي هو موجود ولا لأ. فلما لقينا صورته كانت الساعة شي 3 الصبح. كنت أنا وأمي وجوز أختي. أخواتي كانوا نايمين، كل البيت تقريبًا نايم. بس نحنا التلاتة».
عن مشاعرها بعد رؤية صور أفراد عائلتها في التسريبات واحدًا تلو الآخر حتى وصلت لصورة أبيها، تقول ليلى: «أنا لهلأ كتير أوقات.. الصورة يعني صراحة لما استلمناها أمي قررت إنه تمحيها من كل تليفوناتنا. خصوصًا كرمالي.. إنه بلش شعري يهر، وصار معي مرض جلدي من نفسيتي».
حاولت ليلى بعد محاولات طويلة أن تحصل على الصور مجددًا من أفراد عائلتها، نجحت في النهاية. «هلأ لما هيك بفتح شوف الصور برجع ما بقدر. وقتا ما بعرف.. يمكن كان وقتا فيه دافع نعرف مصير أبي. هلأ ما بقدر أبدًا انه افتح أو أشوفه. من جديد لحتى قدرت أحطها بجوالي. أوقات بتمرق معي يعني. أكيد مو متل أول مرة. بس هي لساتا بتوجع. يعني مو ممكن حدا يصدق إنك تعرفي مصير حدا.. أبوكي.. أخوكي.. أي حدا… عن طريق صورة. بس بتضل هي الدليل الوحيد».
يتشارك العديد من السوريين الذكرى ذاتها للبحث داخل فوتوغرافيا التعذيب الخاصة بتسريبات قيصر على الدليل الأخير للوجود والفناء معًا. طلب والد غيث منه أن يبحث عن أخويه في تسريبات قيصر في 2020. كانت التسريبات قد نُشرت مجددًا. ظل غيث يبحث لأيام على أعمامه في التسريبات. يعيش غيث في مصر منذ عدة سنوات، في صداقتي الممتدة معه كانت هذه المرة الأولى التي يتحدث فيها حقًا عن ألمه الخاص: «أنا حرفيا عديت على الصور دي صورة صورة، أنت مش شايفة وجوههم، أنت بتدوري على أي علامة مميزة في الجسم، كان تاتو، وﻻ أي حاجة. أنت كنت فاكراها وقتها تميزيها عن بقية اﻷجسام. أنت بتتخيلي أنا كنت الصورة أعدي عليها، أركز فيها قد ايه، أzoom،وأشوف كل اﻷهوال اللي هما عملينها في هادا البني آدم.. ليه هادا؟ ليه اﻹنسان قادر يعمل في إنسان زيه.. يوصل فيه الفظاعة اللي أنا شوفتها. أنا بقيت بعد ما شوفت الصور انقطعت أحلامي، أنا ما مبشوفش أحلام من 2013».
جلست مع غيث في أحد كافيهات المعادي، وفي الخلفية أغنية فرنسية تدعو الجميع للرقص. لكنني كنت حينها على وشك البكاء. يقول: «أنا معرفش ده حقيقي وﻻ لا.. معقول من صور أشخاص قادر يوصلك كل الوجع ده؟ تعيشي كل الوجع ده؟ (يمسك بالسيجارة في يده ويقربها من ذراعيه بتمثيل إنه على وشك إطفائها في جلده) صرت أتخيل يعني هو اتعمل إزاي؟ فيه انفصام بين حياتي وحياة الناس اللي كنت عم بشوفهم، صورهم، وﻻ الوجع اللي هما كانوا بيختبروه، اللي أنا عمّ بصحى من النوم، وعمّ بحسه، يعني أنا لو ركزت في الصورة دي دلوقتي، شوفت كدمة في المكان الفلاني (يشير إلى جرح في الصدر) وركزت فيها، فا أنا والله العظيم بفيق ونفس المكان عم بحس بألم، شد. بكون تعبان».
كان الحديث مع غيث مؤلمًا لأنه كان مضطرًا أن يدقق ويدرس صور الأجساد المعذبة بحثًا عن عائلته فور استيقاظه وقبل نومه، وبين الصباح والمساء يمارس يومه ضاحكًا ساخرًا عاملًا طوال الوقت.
أخبرني غيث عن صورة بعينها علقت في ذاكرته برغم تشابه الجثث، كانت صورة لجسد أقرب ما يكون لعمه «كان فيه واحد عنده نفس الهيئة لعمي، بس شكله كان بالطريقة دي، (يحاول تمثيل شكل الجسد)، كانت يده اليمنى مكسورة من المرفق، جسده ملقى حتى أن ذراعيه تشكل مربعًا، كان فكه مكسور، وعيونه كانت منفخة هيك هالقد فما كانت مبينة، مش باينة إنه.. مقفولة فاهمة؟ وكان هنا (يشير إلى الصدر) علامات، وفي راسه كلها (يشير إلى الجبهة وقرب شعر رأسه) آثار حرق سجاير.. تخيلي؟ وجسمه عبارة عن خضار وزراق، دي أكتر حاجة فاكرها». لم يجد غيث أيًا من أعمامه على أية حال.
رجعت البيت يومها عاقدة العزم أنني سأحاول إخراج الصورة التي تحدث عنها غيث. أردت أن أرى كيف كانت تلك أقرب صورة وجد بها بعض الملامح من عمه. في اليوم التالي في ساعة البريك من العمل جلست أتصفح تسريبات قيصر من أول جديد. أنظر إلى كل صورة، أتأمل التعذيب، وأحاول أن أرى ما إن كانت هذه الصورة مقاربة لوصف غيث. بعد الصورة الألف، لم أعد أرى الفارق. فقط أصبحت أرى الرعب. أشعر بالألم في قدمي مرة أخرى. لم أستطع أن أعود للبيت. لم تحملني قدمي على ذلك لساعات. تركت المكتب في السابعة مساءً بينما أتخيل الصراخ، أتخيل البكاء، وأتذكر المرة الأولى التي رأيت فيها صورة خالد سعيد. حينها كنت في العاشرة من عمري، أمضيت حينها أيامًا متتابعة أشاهد فيديو لضابط يضرب مواطنًا مرة تلو الأخرى. في إجازة منتصف العام من الصف الخامس الابتدائي في السعودية حيث كنت أقيم مع عائلتي أمضيتُ كل الليل أقيم الصلوات داعية «يارب اخواتي ميتعذبوش لما نرجع مصر».
سألت هاجر مرة أخرى باعتبارها رأت الصور من خارج المجتمع السوري. وجدت أنها مثلي، لم تقدر أن تتذكر صورة بعينها، لكن تذكرت الرعب والفظاعة. «في مرحلة بداية تحلل أو بداية تعفن. كمان كلهم عيونهم كانت ثابتة على تعبير متألم. قادرة تشوفي ده من شكل فتحة البؤ (الفم) وشكل العيون. أعتقد شكل العيون كان أكتر حاجة علقت. كل صورة كنت بشوفها، ببص على العيون، وأرجع أبص على عيوني أنا».
الصور جعلتنا نرى هشاشتنا، جعلتنا ندرك أن ما يفصل الحياة عن نهايتها أضيق مما كنا نظن.
صور قيصر لا توثق فقط لحظات الموت تحت التعذيب، بل تتحول إلى مواد تشكل الذاكرة الثقافية السورية. إنها «نصوص بصرية» تُقرأ وتُفسّر ضمن جماعات متألمة، وتعيد إنتاج إحساس الفقد، والخوف، والغضب، والخذلان. كل صورة تحمل رقمًا، ندبة، آثار حروق أو أثر صرخة أخيرة ؛ وكل منها تصبح وثيقة إثبات ليس فقط على الجريمة، بل على موقع الفرد ضمن سردية العنف السلطوي. بالتالي لم يعد الجسد جسدًا، بات نصًا أرشيفيًا عن العنف.
تمر الأعوام حتى 2025، سقط الأسد بالفعل العام الماضي. أجري للعمل صباحًا من المعادي إلى الدقي، لكنني تلقيت رسالة من صديقتي المقربة، أنجيلا، تخبرني بأنها في طريقها من جرمانة إلى السويداء لتغطية آثار المذبحة. أرسلت لي أنجيلا بعض الصور للدبابات في الشارع على مدار اليوم. أنهيت يوم عملي، وانتظرت رسالة منها أنها قد وصلت إلى البيت. أخبرتني «وأنا بشلح بوطي، قعدت فكر، معقول يكون عليه دم؟ دعست ع دم الناس بالمشفى. وصرت أبكي. شو هالبلاد يلي ابتلينا بها؟»

صور مذبحة السويداء هي صور التشفي في الآخر، الآخر الذي لا يشبه النظام، لحيته لا تشبه لحى رجال الأمن، لذا يجب حلقها تمامًا. ينكسر الرجال أمام العدسة، تبكي النساء، وتصبح أجسادهم عبرة مرة أخرى، أداة للإذلال الجماعي. كيف يمكن للسوريين المضي قدمًا محملين بصور عنف الماضي والحالي معًا؟ كيف يمكن للعرب؟
في بحثي، توقفت كثيرًا لما تصور الأنظمة السياسية القمعية والاحتلال ضحاياهم المعذبين؟ لما يخلقون أدلة للفظاعة؟ لما أُجبر العراقيين، والسوريين، والفلسطينيين، والسودانيين على التحديق في وجه الفظاعة بحثًا عن الأهالي؟ ما الذي يعني أن تتحول الفوتوغرافيا إلى أرشيف للتعذيب الذي يحول الأوجه المشوه إلى بطاقات هوية جديدة. كيف تكون هويتنا في الدول السجنية؟ كيف تبدو أجسادنا؟
في حديثي الطويل مع أحمد، وهو باحث مصري مهتم بدراسات الجسد. «التعذيب في السجون السورية كان عدمي. فيض عدمي من القسوة، ولكن التعذيب في غزة متوحش توحش له أهداف استعمارية وسياسية». ظل أحمد يتحدث لوقت طويل عن صور البتر. منذ أن تعرض للسجن في مصر، ورأى كيف يتم إذلال رجل بلا أطرافه الأربعة، أخبرني أنه لم يستطع تخطي هذا المشهد أبدًا. لذا يتألم كل مرة يرى فيها طفلًا أو بالغًا مبتورًا. «صور البتر بتُحفظ لو حتى بلا ملامح».
يظهر ذلك من الصور التي أخرجتها إسرائيل للأسرى في قطاع غزة في ديسمبر من 2023. الصور تُظهر نحو مئة فلسطيني وقد جُرّدوا من ملابسهم تقريبًا، وأُرغموا على البقاء بملابسهم الداخلية، عراة تقريبًا، وهم مكبّلون ومعصوبو الأعين، جاثمون على ركبهم تحت تهديد السلاح. هذه الصور ليست مجرد توثيق لانتهاك، بل هي تكثيف لسياسة استعمارية تجعل من الفلسطيني جسدًا فائضًا يمكن التنكيل به بلا خوف من مساءلة أو محاسبة، إذ تتحوّل الحياة الفلسطينية إلى حياة منزوعة القيمة القانونية والأخلاقية، متاحة بالكامل للعنف الاستعماري ومخترقة مثلما كانت يومًا ما في تسريبات سجن أبو غريب.

أجلس بجانب أبي الذي بدأت الحرب بمكالمة منه يخبرني بها أخبار المقاومة، وبعد ما يقارب من العامين، نتحدث مرة أخرى.
- بابا، قولي صورة علقت في ذهنك من ساعة 7 أكتوبر.
- أقولك إيه ولا إيه؟ خليني ساكت.
ينفخ سيجارته الحادية عشر منذ أن أستيقظ من النوم منذ عدة ساعات. أخبرني «يمكن صورة البنت؟ البنت وهي بتصرخ في العربية. كانت هند.. هند رجب. يمكن كمان صورة وائل الدحدوح وهو واقف على جثة ابنه. وفاكرة يا لوجي لما قصفوا المخيم الساعة 2 بالليل؟ فاكرة الجثث وهي متفحمة؟ فاكرة الناس؟ صورة الأب اللي شايل راس بنته كمان. أقولك إيه ولا إيه. خليني ساكت».
زاد معدل تدخين أبي منذ الحرب، اشتد مرضه كذلك. فيما راجية فقدت قدرتها على الأكل بشكل أو بآخر الشهر الماضي. حينما رأت فيديو الصغير الذي قُتل بعد أن قبل يد الأمريكي الذي يسلمه المساعدات في أقسى فترات المجاعة، ظلت لأيام تتقيأ في كل مرة تحاول فيها الأكل. قررت أن آخذها لنأكل سويًا في يوم لأشجعها مع كل معلقة جديدة، تخبرني «الأكل ده شرير أوي يا لجين».
تحول التعذيب والجسد المعذب مرة أخرى من خلال الإبادة. فأصبح التعذيب لعبة ميكانيكية بلا جلاد واضح، بلا مشهدية، بلا جمالية، والعالم بالكامل هو الجمهور. لعبة فيديو بأزرار، بطائرات مُسيّرة تُطلق القنابل على مدنيين عُزَّل، وبجنود يشبِّهون قتل الفلسطينيين بتجربة افتراضية. لم يعد الجسد هنا سوى هدف على شاشة، يُرصَد ويُمحى في لحظة، بلا أثر ولا ذاكرة. في غزة، يتكرَّس هذا المنطق حتى النهاية: إما الجوع أو الرصاص. مراكز توزيع الغذاء التي يفترض أن تُنقذ الأرواح تتحوّل إلى مصائد موت، وإلى مسارح مدمجة بين الإغاثة والإبادة، حيث يُقتل مئات الفلسطينيين وهم يطاردون كيس طحين.
بهذا الشكل، يتجسّد التعذيب/القتل لا كفعل استثنائي، بل كلعبة جماعية مفتوحة: لعبة تُحوِّل حياة الناس إلى أهداف، واحتياجاتهم الأساسية إلى طُعْم في فخّ. الفرق بين شاشة الجندي وشاشة الجائع في غزة ليس كبيرًا: كلاهما يعيش داخل منطق الإبادة المصمَّم كــ«فيديو جيم»، حيث تُمنح للفلسطينيين خيارات مستحيلة: إمّا المجاعة أو الرصاص.
أخبرني يزن وهو أردني من أصل فلسطيني أن ما يعلق في ذهنه من صور الإبادة في غزة هي «مناظر القصف، لما كان حدا عمّ يمشي وبيضربوه قنبلتين. شايفينه لعبة، قتل حديث، قتل advanced. دمار غزة ممكن ننسخه ونلصقه في بيروت. كإنه minecraft، بيلعبوا لعبة. كمية غرور فظيعة، أمريكا والصهاينة كمملكة أو empire».
العالم يسير. يسير كل يوم، لكن على جثث أطفال غزة. سألت هاجر عن الصورة العالقة في ذهنها من صور الإبادة في غزة، أخبرتني «صورة الرجل شايل الولد البيبي من غير راسه. أعتقد هي عالقة فذهني لأنه إيه يعني لو هقولك أنا هديكي أبشع صورة ممكن تتخيليها عشان أقولك إن في جرائم حرب بتحصل في مكان ما، هل في أوحش من إن أنا أوريكي صورة رضيع من غير رأسه؟»
لكن سؤال «أقولك إيه ولا إيه؟» سؤال شديد التكرار في كل مرة عقدت فيها مقابلة جديدة، في كل مرة سألت فيها أحد المقابلين عن الصورة العالقة في أذهانهم. سألت ياسمين عن القسوة وتكرارها في السابع من أكتوبر، أخبرتني «عندي رأي في سبعة أكتوبر مختلف شوية وهو إن كمية الصور وأعدادها أضعفتها مكسبتهاش. حصل ارتياح للصور في كل السوشيال ميديا. أصبح هناك آلاف من الصور، لدرجة إن الناس بقت عادي، والناس ممكن تتكلم وتهزر وهي بتتفرج. أصبح فيه اعتياد للجسد المعذب».
بالتالي اختلف رد فعل المقابلين الذين سألتهم عن مشاعرهم تجاه الصور. اضطر يزن أن يستسلم لتخدير مشاعره، وأخبرني «كلفة الدم صارت رخيصة فهاي المنطقة. تراكم هاي الصور بتكون عادية. هاي بسبب الأسد. كان مسؤول رئيسي. الأسد قتل مليون من شعبه. صار فيه تطبيع صورة التعذيب والدم. لكن صار عنا هاد الشعور الاعتيادي اللي بيتحول لإحساس الذنب الصامت، انت بتاكل وبتفكر فيه. شعور عام بالضعف. إحنا ضايعين. كإنه إحنا تمامًا برا سياق العالم. بتخيل إن جزء من مهربنا من مسؤوليتنا الشخصية هو أنه نتعامل مع عبئها الكامل، وسياقها الكامل. في لحظة رؤية الصورة، شخصيًا بحس بحالة غضب، وعجز يسبب عدم إمكانية أنك تساعد، وبعدين بتجي للأسئلة الدسمة، وبعدين بتتخدر، ما بعرف لو حالة التخدير هاي أتأصلت بعد 7 أكتوبر».
راجية تجمع الألم والصور وتتمسك بهم دومًا. أخبرتني «صور الإبادة بتخليني في النهاية بحس بحزن إنه إني بتفرج على ده ومعنديش أي حاجة أقدر أعملها عشان أو ساعات بحس إن عندي حزن لينا، فاهمة، اللي هو مش راجية لوحدها، أنا مضايقة لينا كلنا، أنا حاسة كلنا مش عارفين نعمل حاجة، حاسة إن كلنا عاجزين بشكل أو بآخر يعني، أو متعجّزين».
حين شاهدت لاحقًا فيديو لطفلة ترتعد خوفًا صارخة بعد إنقاذها من تحت الأنقاض، لم أستطع أن أميز بين صراخها وصوت الفتيات في الشارع وهنّ يضحكن. كل الأصوات امتزجت، حتى صار اللعب والألم متشابهين. لم أعد أرى الصورة فقط، بل أسمعها.
أصبح الإنصات بالنسبة لي فعل رؤية. الإنصات إلى ما لا يمكن رؤيته، إلى العنف الذي يسكن الصورة ولا يُختزل في مشهدها. الإنصات إلى الألم كطريقة لمقاومة تحوّله إلى فرجة، كما في صور «أبو غريب»، أو إلى لعبة ديستوبية صاخبة كما في إبادة غزة. ربما حين ننصت، نصبح قادرين على النظر دون أن نخون مَن في الصورة.
كما تقول راجية: «بحس إن إسرائيل بتتفاخر بالمجازر اللي بتعملها عشان في النهاية إحنا اللي بنُهزم.. عشان كده بشوف إن توثيق النوع ده من الحاجات ليه غاية أكبر بكتير من إنه مجرد شخص بيتعذّب. والأنظمة كلها بشكل عام حتى لو مش نظام الاحتلال بس، النظام المصري مثلًا بيقولنا بص على غيرك واتعلم عشان تمشي جمب الحيط ومتعملش أي غوغاء». هذا العنف الاستعراضي لا يكتفي بإذلال الجسد الفلسطيني، بل يوجّه أيضًا رسالة رعب إلى الجماعة ككل: أن وجودها ذاته قابل للامتهان، وأن حياتها برمتها تُدار كحقل للموت.
مرت الشهور، انتهت الحرب؟
لكن الجسد المعذّب باقٍ، يسكننا جميعًا، في كل ما نراه ونسمعه ونحاول نسيانه.

هوامش
1 اسم مستعار
2 Brison, Susan J. “Torture, or ‘Good Old American Pornography’?” Chronicle of Higher Education (June 4, 2004)
3 اسم مستعار
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن