تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
تفصيل الأحلام

تفصيل الأحلام

#85 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: محمد العتر 7 دقيقة قراءة
تصوير: سهير شرارة

#جو عام

في ديتوكس #85، يشاركنا محمد العتر تجربته الفريدة مع الأحلام، في دليل مختلف يناسب الويك إند الطويل. لا يفسر العتر الأحلام، بل تجاوز ذلك، فهي تحرك حياته، بل تصنعها، ولأهمية الأحلام، في مناماته ويقظته، صارت عملية الحلم أقرب إلى التفصيل. 

caption
تصوير: سهير شرارة

#دليل

أدركت مؤخرًا أن الأحلام بالنسبة إليّ هاجس قديم متأصل. حدث ذلك عندما انتبهت إلى أنها أحيانًا تعبر بي للآخرين، أو بالآخرين إليّ. لا أعلم. لكن ما حدث في تلك المرة، عندما قابلت صديقة لم يكن قد مضى على تعارفنا سوى أسابيع قليلة؛ أنني سألتها مباغتةً في أثناء حديث عن شيء لا أتذكره، وكنت سارحًا: «حلمتي بحاجة امبارح؟». تفاجأتْ، ثم سردت بالضبط ما رأيته أنا في منام الأمس، نفس الأحداث بترتيبها، بالكلام وألوان الملابس وزاوية الكاميرا. كنتُ أكمل معها تفاصيل الحلم. فزعتْ: «عرفت ازاي؟». أجبتها: «حلمي حلمك».

لا أعلم على وجه اليقين كيف حدث ذلك، لكنني أعرف أنه يحدث، وكثيرًا.

على كل، بدأت حياتي بحلم. وتصنع بعضًا من أحداثها الكبرى/الصغرى، أحلامٌ تخبرني أحيانًا كل شيء، وأحيانًا تخدعني فقط.

في طفولتي كان الأمر يختلط عليّ، فأظن أننا، أنا وأسرتي، في حلم مثل الأحلام التي تعرض على التلفاز. كنت أتساءل: لماذا الكاميرا علينا فقط، بينما في التلفاز يظهر آخرون دائمًا؟

بمرور الوقت تطورت علاقتي بالأحلام بعض الشيء، تحديدًا عندما استطعت تشكيلها يقظة في الحمّام، وكنت أقضي هناك ساعاتٍ مغمض العينين، أحلم. رغم ذلك بقيَت التساؤلات حول الكاميرا التي تركز علينا فقط، بينما صار بإمكاني استدعاء الحلم بالآخرين الذين لا تصورهم الكاميرا.

ثم حين بدأت أدرك أن المسألة لا علاقة لها بأي كاميرا، كنت دخلتُ دوامة الحلم المُكرّر، أراه على مدار سنوات حتى صار أول ما أتذكره من أحلام النوم: كان الجبل شاهقًا، محاطًا بسور حديدي قصير، وبإمكاني رؤية كل تفاصيل الجبل بنور القمر الكبير جدًا القريب جدًا.

انشق الجبل كبوابة إلكترونية في أحد المولات. انشق عن عواجيز، نساءً ورجالًا، كأنهم ماتوا قبل قرون لولا أنهم أحياء، يجلسون على تُخت دراسية، ويتدارسون. على الحائط قبالتهم، أي في قلب الجبل، صورة معلقة لرجل هادئ الملامح، كمُعلم يراقبهم من خلف إطار خشبي وزجاج، تخيلته النبي صالح الذي انشق الجبل عن ناقته.

سأعرف أن للأمر تاريخ أقدم قليلًا. تروي أمي ما حدث كأنه أسطورة، وكأن ارتباطي بالأحلام حتميّ، بالأحرى ما كنت لأكون محمدًا لولا الأحلام!

بدأت حياتي خارج المشيمة والرحم بحلم سيحدد به والدي اسم المولود الجديد، الذي كاد أن يفارق الحياة جنينًا، بنفس الطريقة التي فارقتْ بها الحياة مَن كانت تفترض أن تكون أختي الأكبر، أسماء.

يرى والدي حلمًا باسمي مكررًا ثلاث مرات في ثلاث ورقات تهبط عليه من السماء: محمد.

عمل والدي آنذاك معلمًا بالمدرسة السعودية في كراتشي، باكستان، وكانت والدتي في إحدى عيادات السنبلاوين، الدقهلية، تتجهز لولادة طبيعية ستتحول في منتصف الطريق إلى قيصرية بسبب التفاف الحبل السري على رقبة الجنين؛ طريقة تقليدية لانتحار الأجنة، فعلتها أسماء قبلي ودفنوها تحت سلالم الدار.

ينتظر والدي يوم الولادة: صباح الجمعة، 10 سبتمبر. سيتسنَّ له فقط الاتصال بعد ساعات من نجاتي للحياة: «هنسميه محمد».

في صغري اعتدت سماع أمي تتفاخر بأن السماء هي التي أسمت ابنها محمدًا. بعد قرابة ثلاثين عامًا، لا يمكنني نفي أو إثبات ما إذا كانت السماء مَن أسمت ابنها بمحمد فعلًا أم أنه هاجس لدى والديّ؛ أظن أحيانًا أن الهواجس قد تكون مدفوعة من السماء. لا أعتقد أن فرويد محق دائمًا. ولا أعتقد أيضًا أنه دقيق بما يكفي حين يقول: «الحالم مَن يبتدع حلمه، وهو مَن يبتدع حبكته».

صحيح أن رموز الأحلام قد تكون من صنيعة خيال الإنسان، وأن الخيال هو «ما يدرك الإنسان صورته في الحس» كما يقول ابن عربي. مع ذلك أظن أن بعض الأحلام حتى لو أن رموزها ليست إلا من صُنع خيال الإنسان، الذي يتشكل بطبيعة الحال من واقعه المحسوس؛ فهي ليست فقط تحقيقًا لرغبة مكبوتة وهاجس مستقر في اللاوعي كما يقول فرويد. قد تكون استشرافًا، وقد تكون لغة تواصل.

لديّ تجارب تحيل أحلامي إلى أحداث لا تغيب عنها الأسطورة. لديّ أساطيري الخاصة.

كنت أخاف رواية أحلامي. حدس ما جعلني أخشى فضح نفسي بشكل أو بآخر حين أروي حلمًا، ثم عرفت أن حديثًا يُنسب للنبي محمد، يحذر من الكذب في رواية الأحلام؛ عقابه معسّف جدًا: يكلَّف الكاذب بعقد حبتي شعير ببعضهما، ولن يفعل. ففضّلت الحفاظ على أحلامي لنفسي، واستخدمتُ الإنترنت أحيانًا للبحث عن تأويل هذه الأحلام.

«السقوط من أعلى في الحلم»، ما الذي يعنيه؟ كان من المفترض أن لديّ قدرة ما على الطيران، أو بالأحرى التعلق في الهواء، والنزول رويدًا إلى الأرض. لكن هذه المرة سقطت حرًا على الأرض. في منتصف الطريق تحفّزت للاستيقاظ، كان خيال الارتطام أقسى من أن أعايشه ولو مجازًا. 

ستتطور الأحلام المكررة، وسأكتشف أنني أتعايش سرًا مع فوبيا الأماكن المغلقة، من الأحلام، أو للدقة من كوابيس الانحشار في أماكن ضيقة.

في مرحلة أخرى، استهواني النوم حتى أكتشف ما ستجود به قريحة النفس والعقل من أحلام. ثم سأجرب طرقًا لاستدراج مساقات بعينها لأحلامي. سأفشل معظم الوقت، وتنجح طريقة واحدة في استدعاء أحلام استشرافية. لم أكن أعلم أن هذه الرياضة الصوفية ستؤدي لهذه النتيجة. قوة مخيفة، أن تتمكن من رؤية أحداث يومك قبلها بساعات في الحلم. بقيتُ على هذه الحال ثلاثة أيام، في كل يوم تكون الرؤية أوضح، والخوف أكبر، ما دفعني إلى التوقف عند هذا الحد.

لكن لن أتوقف عن الحلم. في تلك المرة، رأيتُ حلمًا لعجوز يقف على سبورة وأنا على تخت دراسي، فتى غر، يتعلم بصعوبة.

لم أكن أعرف مَن هذا العجوز. بعد أسبوعين سأقابله بالصدفة، عن طريق صديق، على مقهى تحت كوبري فيصل، وسيعلمني قاعدة نحوية عن الجمع بين المذكر والمؤنث في جملة واحدة، وسيخبرني كذلك أن في بيته عفريتًا يخفي عنه الطعام من باب التهريج.

بعد سبع سنوات تقريبًا سيصبح صديقًا مقربًا، وشخصًا أحاول استدعاءه في أحلامي ليعلمني، وأفشل في ذلك كثيرًا.

حين تعرضت للسجن في 2020 بسبب عملي الصحفي، وخلال أيامي الأولى في الحبس، كنت أجاهد لاستدعاء أحلام لتسليتي ومواساتي. فشلت في كل المرات حتى يئست تمامًا. فجأة، انفجرت ماسورة الأحلام، صرتُ أرى حلمًا كل مرة أغفو فيها. كانت الأجواء مشحونة بموجة أحلام يتهامس زملاء الحبس بها.

الأحلام في السجن تعبير مكثف عن أحد أغراض الإيمان: ملاذ غيبي. وهي بالنسبة لمعظم السجناء، أو معظم مَن رأيتهم على الأقل، سردية حتمية لواقع آني غائب، أو منتظر. والحقيقة أنني جرّبت ذلك عندما خرجت من إحدى أماكن الحبس التي مررت بها إلى أخرى.

رأيتُ قبل خروجي من ذلك المكان بيومين تقريبًا، حُلمًا تحققت كل أحداثه المرمّزة، أو هكذا هُيّئ لي: كنت بصحبة رجل اعتاد زيارتي في الأحلام في توقيتات مثالية بصراحة، حين أخبرني أن «السر» في اسم شخصٍ بعينه، ثم صحبني لمسجد رأيتُ على بابه أبي وعجوزًا ترتدي جلبابًا أسود، حاولتْ إلهائي عن دخول هذا المسجد تحديدًا من بين المساجد المحيطة به، بينما كان أبي ينبهني كي لا ألتهِ بها.

دخلت المسجد (كمساجين، نعلم أن المسجد يؤول لسبب ما للسجن) ورأيتُ فيه تقريبًا نفس الوجوه التي سأراها في مكان الاحتجاز الذي سأذهب إليه بعد يومين، وبنفس توزيعة أماكنهم.

بعد يوم نودي على الشخص ذي الاسم «السر»، وخرج. في اليوم التالي نودي عليّ، وخرجت، ورحت سجنًا حاول حرّاسه إلهائي عن دخول عنبر بعينه بالصدفة لإيداعي في الإيراد (غرفة بلا أي تجهيزات يوضع فيها المحابيس حين تمتلئ العنابر)، بينما نبهني رجل من العنبر، طلّ من خلف قضبان النضارة [شباك باب العنبر]، كي لا ألتهِ بالحراس: «متسمعش كلامهم. استنى وهندخلك». لو لم أستمع له كنت هتسوح في الإيراد.

لم تكن هذه المرة الأخيرة، ففي آخر أيامي بالسجن، وكنت يائسًا تمامًا من الخروج، غفوتُ، ورأيتُ حلمًا فهمت منه أنني سأخرج بعد ساعات (أصبحتُ خبيرًا في تفسير أحلام السجن). فقت من الغفوة، وجلست مطمئنًا في انتظار أن يُنادى عليّ للخروج خلال ساعات، وقد كان.

في نفس الحلم، رأيتُ مختصرًا لما سأعرفه بعد الحبس على مدار شهور. كانت رمزية الحلم امرأة غريبة بشارب ولحية خفيفة وأربعة أثداء، سمحت لي بمداعبة أحدها مقابل 100 جنيه، في طريق خربة ومخيفة. قضيت في الحبس 100 يوم، وشهورًا أخرى بعد الحبس كانت خربة ومخيفة، لكن لم تفارقها الأحلام.

هكذا شغلت منّي الأحلام ما يكفي وأكثر: بدأت بها حياتي، وأدارت دفتها في كثير من الأحيان، وتماهيتُ مع ألاعيبها فحاولت تفصيلها في أحيان أخرى. والآن أكتب عنها في محاولة للتخفف من سطوتها كما نصحتني الصديقة التي شاركتها نفس الحلم بعد أسابيع قليلة من تعارفنا.

و#سلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن