تطبيع بيئي وفصل عنصري مائي.. استعمار إسرائيل الأخضر في فلسطين
«لن أقوم بتوفير الكهرباء والماء لأعدائي!»، هكذا رد رئيس الوزراء الإسرائيلي اليميني المتطرف السابق، نفتالي بينيت، على مذيع قناة «سكاي نيوز»، كمالي ملبورن، الذي سأله عن مصير الرُضّع في الحاضنات والمرضى على أجهزة دعم الحياة إذا ما قطعت إسرائيل الكهرباء والوقود بشكل دائم عن غزة.
بينيت، الصهيوني المتزمت الذي يدعو إلى ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل في انتهاك للقانون الدولي، فقد أعصابه عندما أصر الصحفي البريطاني على الخسائر الفادحة في الجانب الفلسطيني. فما كان من المتطرف إلا أن أجاب غاضبًا متسائلًا عما إذا كانت لندن، في ردها على النازيين خلال الحرب العالمية الثانية، فكرت في المدنيين عند قصفها لمدينة «دريسدن» الألمانية.
إن كانت هذه المقابلة التي بثت في 12 أكتوبر الماضي سمحت لبينيت مرة أخرى بإظهار كراهيته العميقة تجاه الفلسطينيين، الذين شبههم بالنازيين، فإنها تظهر كذلك أن المياه والطاقة أسلحة فتاكة مثل القنابل، يستخدمها النظام الصهيوني كأدوات استراتيجية في قمع الفلسطينيين وتشريدهم، منذ النكبة وتأسيس إسرائيل عام 1948 وحتى يومنا هذا.
بالرغم من جرائم الحرب التي ترتكبها اسرائيل بحق الفلسطينيين في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر، والتي أسفرت حتى الآن عن مقتل أكثر من 15 ألفًا و899 شخصًا من بينهم أكثر من ستة آلاف و150 طفلًا، وجرح أكثر من 42 ألف شخص، إلا أن دولة الإمارات العربية المتحدة استقبلت بحفاوة الوفد الاسرائيلي المشارك في قمة الأطراف للمناخ، التي اٌفتتحت يوم الخميس الماضي في دبي، وعلى رأسه الرئيس الإسرائيلي، إسحاق هرتسوغ. السماح لإسرائيل بالمشاركة في قمة المناخ في الوقت الذي تستمر فيه طائراتها بقصف قطاع غزة، فيما تمنع المساعدات الإنسانية من الدخول للقطاع في سبيل تجويع وتعطيش 2.3 مليون فلسطيني يمنحها فرصة لتغطية جرائمها من خلال الغسل الأخضر، وارتكاب المزيد من الجرائم بدون محاسبة.
لطالما وصفت إسرائيل فلسطين ما قبل عام 1948 بأنها كانت صحراء فارغة وجافة، أصبحت واحة مزدهرة بعد قيام دولة إسرائيل. تخفي تل أبيب جرائم الحرب التي ترتكبها ضد الشعب الفلسطيني من خلال التظاهر بأنها دولة خضراء ومتقدمة، على عكس الشرق الأوسط الموحش والقاحل. استثمرت إسرائيل خبرتها في الزراعة التجارية، والتشجير، والحلول المائية، وتكنولوجيا الطاقة المتجددة لصالح جهودها في الغسل الأخضر وروايتها على صعيد العالم.
رُوج بقوة لدعاية التفوق البيئي الإسرائيلي على بقية الشرق الأوسط (وشمال إفريقيا) بعد إبرام إسرائيل لـ«اتفاقيات إبراهام» مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب والسودان في عام 2020. «اتفاقيات إبراهيم» صفقة تطبيعية بوساطة الولايات المتحدة الأمريكية، تُعزز العلاقات التطبيعية (القائمة بالفعل) مع الدول العربية الأخرى التي ليست طرفًا رسميًا في الاتفاقية، خاصةً الدول/الأنظمة التي لم تُضف بعد الطابع الرسمي على علاقاتها طويلة الأمد مع إسرائيل مثل المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، إلى جانب الدول العربية التي تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل كمصر والأردن. ينتظر من تحالف هذه الدول العربية، الذي تم تشكيله تحت مظلة تلك الاتفاقيات، زيادة التعاون العربي مع إسرائيل في المجالات المتعلقة بالأمن والاقتصاد والصحة والثقافة والبيئة، وغيرها من المجالات.
هذا هو ما أكدته الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي وقعتها إسرائيل مع الدول العربية المطبعة حديثًا خلال السنتين المنصرمتين، لتنفيذ مشاريع بيئية مشتركة متعلقة بالطاقة المتجددة والزراعة التجارية والمياه.
إن ما يسمى بمشاريع التعاون الصديقة للبيئة بين إسرائيل والدول العربية تمثل شكلًا من أشكال التطبيع البيئي -استخدام «البيئة» لتبييض وتطبيع القمع الإسرائيلي وما ينتج عنه من مظالم بيئية في العالم العربي وأماكن أخرى. في الواقع، فإن التطبيع بين المغرب وإسرائيل في ديسمبر 2020 هو نتيجة لاتفاق بين قوتين محتلين بتيسير من راعيهما الإمبريالي (الولايات المتحدة في عهد ترامب)، والذي بموجبه تعترف إسرائيل والولايات المتحدة بسيادة المغرب على إقليم الصحراء الغربية المتنازع عليه، مقابل اعتراف المملكة بالكيان الصهيوني. ومنذ ذلك الحين، تكثفت الاستثمارات والاتفاقيات الإسرائيلية التي تم الإعلان عنها بالمغرب في مجالات مختلفة، خاصة في مجال الأغذية و الزراعة والطاقات المتجددة.
الفصل العنصري المائي
في 8 نوفمبر 2022، خلال الدورة السابعة والعشرين من مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المُتَّحدة الإطاريَّة بشأن تغيّر المناخ (كوب 27) في شرم الشيخ في مصر، وقعت الأردن وإسرائيل مذكرة تفاهم بوساطة إماراتية لمواصلة دراسة الجدوى بشأن مشروعين مترابطين، يطلق عليهما «الازدهار الأزرق» و«الازدهار الأخضر»، ويشكلان معًا «مشروع الازدهار». وبحسب بنود الاتفاقية، سيشتري الأردن 200 مليون متر مكعب من المياه سنويًا من محطة تحلية مياه إسرائيلية يزمع إنشاؤها على ساحل البحر الأبيض المتوسط (الازدهار الأزرق)، وستستخدم الطَّاقة التي تنتجها محطة الطاقة الشمسية الكهروضوئية بقدرة 600 ميجا وات، والتي ستنشَأ في الأردن (الازدهار الأخضر) من قِبل شركة «مصدر» للطاقة المتجددة، المملوكة لدولة الإمارات العربية المتحدة. واعتزمت الأطراف الموقعة على الاتفاقية تقديم المزيد من الخطط الملموسة في ما يتعلق بتنفيذ المشاريع في قمة «كوب 28»، التي تعقد في الإمارات العربية المتحدة هذه الأيام.
خلف الخطاب الخير لـ«الازدهار الأزرق»، تخفي إسرائيل دورها النشط في نهب المياه الفلسطينية والعربية. وبدلًا من الاستيلاء على المياه وتسويقها تجاريًا وبيعها للأردن، يتعين على إسرائيل أن تتوقف عن احتكار الموارد وأن تعيد للأردن حصته المشروعة. ولكن إسرائيل تنفي من خلال «الازدهار الأزرق» مسؤوليتها عن نقص المياه الذي يعاني منه الأردن، وتدعي أنها تقدم له الحلول، واضعة نفسها كقوة إقليمية من حيث إدارة المياه وحماية البيئة.
استطاعت شركة ميكوروت/ Mekorot، وهي لاعب رئيسي في قطاع تحلية المياه الإسرائيلي، أن تتموقع كشركة رائدة في قطاع تحلية المياه وحلوله على مستوى العالم، من خلال رواية إسرائيل عن الغسل الأخضر. وتعيد «ميكوروت» ضخ أرباحها الضخمة لتمويل ممارساتها، وكذلك ممارسات الحكومة الإسرائيلية، في الفصل العنصري المائي ضد الشعب الفلسطيني. بالإضافة إلى سرقة مياه نهر الأردن، تلعب «ميكوروت» دورًا مهمًا في بناء البنية التحتية للمياه في نظام الفصل العنصري الإسرائيلي، حيث تسيطر على معظم موارد المياه الفلسطينية في الضفة الغربية وتحولها إلى المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية.
تتكرر نفس القصة في قطاع غزة المحاصر، حيث تدمر إسرائيل منذ عقود النشاط الزراعي. أدى الحصار المفروض على غزة منذ عام 2007 إلى تقييد وصول المزارعين الفلسطينيين إلى أراضيهم الزراعية كما فاقم أزمة المياه الحادة في القطاع.
استعمار الطاقة الخضراء
قبل بضعة أشهر من مؤتمر «كوب 27» في أغسطس 2022، انضم الأردن إلى المغرب والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر والبحرين وسلطنة عُمان لتوقيع مذكرة تفاهم مع شركتي الطاقة الإسرائيليتين «إينلايت جرين إينيرجي/ Enlight Green Energy ENLT» و«نيوماد إينيرجي/ New Med Energy»، لتنفيذ مشاريع في الطاقة المتجددة في تلك البلدان. وستشرع الشركتان اللتان تشاركان في مشروع الطاقة الهائل هذا، في تمويل وتشييد وتطوير وإدارة محطات طاقة متجددة على الأراضي العربية. كما تشمل مشاريع الطاقة «الخضراء» هذه إنتاج طاقة الرياح والطاقة الشمسية وتخزين الطاقة.
يعزز مشروعا «الازدهار الأخضر» و«ENLT-New Med» -كمشروعين للطاقة المتجددة ضمن أجندة التطبيع البيئي- صورة إسرائيل كمركز لتكنولوجيا الطاقة المتجددة الخلاقة. وفي ثنائها على إسرائيل في هذا الصدد، تغفل الرواية السائدة أن ابتكاراتها في قطاع الطاقة مبنية على استعمار الطاقة (الخضراء) في فلسطين والجولان. يشير استعمار الطاقة إلى الدول والشركات الأجنبية التي تنهب موارد وأراضي البلدان والمجتمعات في الجنوب العالمي وتستغلها لتوليد الطاقة لاستخدامها والانتفاع منها. يتسبب استعمار الطاقة -أيضًا- في تدمير الحياة الاجتماعية والاقتصادية للسكان المحليين في الجنوب، وكذلك بيئاتهم.
ويتجلى الاستعمار الأخضر في المشاريع الموجهة نحو التصدير على غرار «ديزرتك/ Desertec» و«إكس لينكس/ XLinks» و«تونور/ TuNur»، ومشاريع الهيدروجين الأخضر المخطط لها في شمال إفريقيا، كما يبرز بشكل واضح في محطات الطاقة الشمسية ومزارع الرياح التي بنيت في منطقة الصحراء الغربية التي يحتلها المغرب. ويعد استعمار الطاقة في فلسطين والجولان، بما في ذلك من خلال المصادر الخضراء للطاقة، أحد أوجه الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، إذ تستخدمه إسرائيل ضمن وسائل أخرى، لنزع ملكية الفلسطينيين والجولانيين (26 ألف سوري يعيشون حاليًا في الجولان المحتل من قبل إسرائيل) ولضمان عزلهم في جيوب أصغر من أي وقت مضى، وإتاحة المزيد من الهيمنة الإسرائيلية اليهودية على أراضيهم.
وبالنظر إلى كل من «الازدهار الأخضر» و«ENLT-New Med» كمشاريع استعمارية للطاقة، فإنها مكنت إسرائيل من مواصلة مشروعها الاستعماري الاستيطاني وتعزيز نفوذها الجيوسياسي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تحت غطاء السردية الخضراء.
تنكر إسرائيل على الفلسطينيين (والجولانيين) المستعمرين سيادتهم على مواردهم الطاقية وتديم أسرهم في سوق الطاقة لديها. إن السيطرة الإسرائيلية على موارد الطاقة الفلسطينية والجولانية هي أداة فعالة للسلب الاستعماري الاستيطاني والاضطهاد. في الوقت نفسه، يغرق قطاع غزة، غير البعيد عن حقلي «ليفياثان» و«تمار» للغاز، في الظلام منذ سنوات بسبب حرمان إسرائيل سكان غزة من الوصول الكامل إلى الكهرباء.
يسمح التطبيع البيئي لإسرائيل بإعادة تشكيل موقعها في قطاعي الطاقة والمياه على الصعيدين الإقليمي والعالمي، وبالتالي تعزيز قوتها السياسية والدبلوماسية في المنطقة والعالم. مع تفاقم أزمة المناخ والطاقة، قد تبدأ الدول التي تعتمد على الطاقة والمياه الإسرائيلية (بالإضافة إلى التكنولوجيا) في النظر إلى الكفاح الفلسطيني على أنه مسألة أقل أهمية من أمن المياه والطاقة لديها. وبذلك يصبح التطبيع البيئي معززًا لدور الغسل الأخضر الإسرائيلي كآلة لكسب المال للشركات الإسرائيلية، في حين يقوّض التحول الزراعي والطاقي العادلين في فلسطين، المرتبطين ارتباطًا وثيقًا بالنضال الفلسطيني من أجل حق تقرير المصير.
هناك علاقة وطيدة بين الغسل الأخضر الإسرائيلي، الذي يتم تعزيزه من خلال التطبيع البيئي، وبين ترسيخ الفصل العنصري والاستعمار الاستيطاني في فلسطين وهضبة الجولان. مع تزايد العنف الإسرائيلي والتوسع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، يمر النضال الفلسطيني ضد الاستعمار بمرحلة حرجة، حيث تزداد عتمة النفق المظلم الذي يمثل حياة الفلسطينيين تحت القمع الإسرائيلي. رغم ذلك، يمكن رؤية شعاع نور يضيء الطريق الطويل للفلسطينيين نحو التحرير: هذا النور هو المقاومة المتزايدة للشعب الفلسطيني، الذي يرفض أن يُعزل وأن يُطمس أو يُجرد من إنسانيته.
إن النضال لإسقاط نظام إسرائيل القمعي هو أيضًا جزء من نضال أوسع لتقرير المصير وتحرير الشعوب الأخرى في جميع أنحاء العالم. يمكن إحباط المحاولات الاستعمارية لزيادة عزل فلسطين عن بقية العالم (العربي) عبر التطبيع (البيئي) من خلال القوة الجماعية للعرب والشعوب الأخرى.
ولتحقيق هذه الغاية، يجب على الحركات الاجتماعية والجماعات البيئية والنقابات العمالية والاتحادات الطلابية ومنظمات المجتمع المدني في المنطقة العربية وخارجها تكثيف احتجاجاتهم ضد حكوماتهم حتى إنهاء علاقات التطبيع مع إسرائيل. أخيرًا، يجب على الحركات الشعبية الدولية أن تزيد من دعمها لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات ضد إسرائيل.
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن