ترويق الروح
#جو عام
هذا ديتوكس لا يجعلنا بيوتنا أكثر نظافة، وإنما ما تكتبه هبة خميس أعمق من ذلك، فهو يغسل الروح.
#دليل
رجل يفرد سجادة مُتسخة على أرضية من البلاط، مقطع مصور لفت انتباهي على السوشال ميديا، لـ 15 دقيقة تابعت الرجل الذي ظل ينظف السجادة شديدة الاتساخ حتى أصبحت نظيفة تمامًا، وبانت نقوشها.
ظهر في عدة مقاطع بعدها، يكرر التنظيف مع اختلاف السجاد، غريب عليّ أن يكون بطل تلك المقاطع رجلًا، مخالفًا للفكرة التي تربيت عليها؛ مهام التنظيف والعناية بالمنزل تخص الإناث وحدهن دون الرجال، وباعتباري ابنة وحيدة وسط أخوين من الذكور كان عليّ أن أكون المُساعدة لأمي في تلك المهام، وغيرها من مهام المنزل؛ طهي وتحضير الوجبات، وصولًا لتقديم المشروبات، ومهام أبسط. لم أعِ لماذا يجب عليّ التحرك مع أمي في الأرجاء بينما يستريح أخواي بكسل. لكنني إزاء ذلك كنت أعفي نفسي من تلك المهام منزوية في غرفتي مع كتاب.
أمي كانت تستفيض في شرح دوري كما تريده؛ الابنة تساعد أمها في المنزل. ثم تضرب الأمثال على مهارات بنات المعارف والأقارب في الطهي، وتنظيف وتنفيض المنزل بدقة في أيام الجُمع، وقبل المناسبات، بينما يغيب ذهني في تفاصيل الكتاب الذي أقرأه وأشرد عن كلامها.
كل ما كنت أريده هو القراءة دون منغصات وشكاوى، فكوّنت مكتبتي الخاصة في عُمر صغير، وظللت استثمر مدخراتي في تلك المكتبة التي تمثل لي منفذًا لعالم آخر أعيش به، لكن ساعات القراءة لم تمر بشكل طبيعي، بل كانت مشكلة عند أمي، لهجري أعمال المنزل، ودليلًا على تقصيري.
جعلتني أفكاري حول دوري الاجتماعي منذ الصغر، أنفر تمامًا من تنظيف المنزل، أرى فيه شيئًا يربطني بدور لم أختره، فكنت أتحاشاه، وحينما أسمع أمي تنهمك في التنظيف أغلق باب غرفتي للقراءة في هدوء، متجاهلة شعوري بالذنب لتقصيري في الدور الذي رسمته لي.
امتدادًا لرفضي ذلك الدور، حين تزوجتُ، وأصبح لي منزلي الخاص، اقتسمتُ مهام المنزل مع زوجي، فكنا يدًا بيد في التنظيف والطهي وباقي مهام المنزل التي تؤجل أحيانًا على مراحل، كي لا نشعر بالتعب بعدها. كنت سعيدة بتخلصي نهائيًا من الدور الاجتماعي الذي ظل مؤرقًا لي لسنوات. لكن هوسي بالتنظيف بدأ حين لمحت، لأول مرة، شعيرات جسد زوجي المتساقطة كعرض جانبي لـ«للكيمو» في كل زوايا وأركان البيت، وعلى الفراش، وفوق قماش الكنبة اللامع، وقرب الأبواب.
من العاشرة مساءً وحتى الفجر، قضيتُ ليلة مليئة بكشط الأرضيات والسجاد وإعادة المسح، مع إزالة غبار الرفوف والكتب المتراصة بالمكتبة.
بعد ساعات شعرت بالتعب، لكن مشهد الأرضيات خالية من شعيرات جسده، كان مغريًا بالنسبة لي لوضع أقدامي حافية على الأرضية، والتحرك دون أن أختنق بالشعر. وعيت، وأنا في سريري أستعد للنوم بعمق، أنني احتجت التنظيف العميق كي أتخلص من قلقي ومخاوفي وتعلقي المرضي بالرجل الذي أحببته، مثل «عبلة»، بطلة مسلسل «هذا المساء»، بعد اكتشافها الوجه الحقيقي للرجل الذي أحبته وتزوجته، فحرّكت الكراسي وفركت الأرضيات بيدها ثم نزعت السجاد بعنف ونفضته، مُخرجة كل التراب المحشور بين أنسجته. قضت عبلة ساعات في تنظيف شقتها التي قضت فيها الكثير من الأيام الجميلة معه، لإفراغ مشاعرها من خلال عملية التنظيف التي ما إن تنتهي منها حتى تهدأ، وتفكر فيما حدث لها من قِبله.
مع اكتشافي كيف ساعدني التنظيف على الخلود للنوم، حافظت على روتين ثابت من التنظيف الدقيق للأرضيات. كنت أضبط وقتي عقب نوم زوجي لإزاحة السجاد ومسح الأرضيات بعناية كي لا تفلت مني أي شعرة متساقطة من جسده. في إحدى الصباحات أخبرني أنه سعيد بتوقف شعره عن السقوط، لم يعد يراه في الأركان وعلى الملاءات، كان يأمل في عودة شعر رأسه الكثيف، فصدقت على كلامه كذبًا، وزادت طاقتي في التنظيف الذي يعقبه دش ساخن يذيب آلام ظهري المتكررة جراء المجهود. لم أبال بتلك الآلام لأنني ذقت لذة مشاهدة الأرضية لامعة وخالية من الشعر.
رغم خلو المنزل في أوقات كثيرة كنت أحرص على تلك العادة، مُتناسية المجهود الذي أبذله مع طفلي ومشاوير المستشفى والأطباء.
غير أنني تمنيت أن تصير حياتي كمنزلي خالية من التراب ونظيفة ومرتبة، وجدت في ذلك الفعل ما لم أجده من شعور بالسلام والسكينة لفترات قصيرة. ثم تعاودني الآلام بشكل أشد مع محاولاتي لإخفائها. ففي إحدى المرات، بينما أحرك قدمي الكنبة لم أتحمل ثقلها ووقعت بجوارها، داهمتني نوبة خوف، كافحت كي ألتقط أنفاسي، ثم غلبني البكاء الذي لم يتوقف بسهولة سوى مع اقترب طفلي، ليلتقط يدي بيديه الصغيرتين كي أتمكن من الوقوف. حينما جلست بجواره راقبت المنزل الذي كان براقًا، كغلاف خارجي، لكني شعرت أنه ينهار رغم كل جهودي في الحفاظ عليه، أعطاني التنظيف العميق الإحساس بأن كل شيء جيد، وأن الحياة عادية مثل كل البيوت المحيطة بنا، لكنني أدركت أن التنظيف لم يكن ليضبط حياتي، أو ينقذ زوجي من الاحتضار ببطء.
إدراك تلك الحقيقة جعلني أقلع عن التنظيف العميق، مكتفية بالتنظيف السطحي دون إنهاك صحتي، مع متابعة البرامج ومقاطع تنظيف أقذر المنازل، مثل ذلك المقطع للرجل الذي استمر في فرك السجاد بفرش التنظيف لـ 15 دقيقة، فيسري ذلك شعورًا بالخدر في جسدي، وينقلني للنوم رغم الأرق، وتصبح تلك المقاطع القصيرة وسيلتي لاستعادة الراحة في تنظيف المنزل، حين يغسل الترويق الروح.
و#سلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن