تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
ترجمة التضامن | حوار مع نهاد سالم

ترجمة التضامن | حوار مع نهاد سالم

كتابة: هالة حليم 30 دقيقة قراءة
تصوير: رنا النمر من سلسلة صور «عشب المحميات»

ننشر ترجمة الحوار التالي* مع المترجمة المخضرمة نهاد سالم (1933-) على هامش سلسلة بعنوان «عُشبُ الـمَحميَّات»، وهي سلسلة غير دورية من الترجمات، وإعادة نشر ترجمات قديمة لأعمال، أدبية في أغلبها، تأتي من الجنوب العالمي. تستعير السلسلة اسمها من عنوان قصيدة للشاعرة الموهاڤية الأمريكية ناتالي دياز

نشطت نهاد سالم كمترجمة / مترجمة فورية في دوائر عالم ثالثية بدءًا من ستينيات القرن الماضي. عملت في منظمة تضامن الشعوب الإفريقية الآسيوية واتحاد كُتَّاب آسيا وإفريقيا، وقدمت إسهامات مهمة في مجلة «لوتس» ثلاثية اللغة التي أصدر الاتحاد عددها الأول من القاهرة في مارس 1968، بدعم حكومي من مصر والاتحاد السوفيتي وألمانيا الشرقية. كثيرًا ما ظهرت ترجمات لوتس (على الأقل في نسختها العربية) بدون اسم مترجمـ/ ـة، لكنها نشرت ترجمات بتوقيع شخصيات أدبية معروفة، حينها، أو لاحقًا، من قبيل: إدوار الخراط، بهاء طاهر، ملك عبد العزيز، أحمد مرسي، سامية أسعد، نعيم عطية، ماهر شفيق فريد، عبد الرحمن صدقي.

ورغم الحيز الكبير الذي شغله الأدب الحماسي، المباشر، ووثائق الاجتماعات، وافتتاحيات يوسف السباعي (رئيس تحرير المجلة منذ تأسيسها حتى اغتياله عام 1978)، فقد نشرت «لوتس» لأدباء بارزين من القارتين. على سبيل المثال، تضم النسخة العربية من عددها الأول مقالات أو قصص أو قصائد لمولك راج أناند (الهند)، ليوبولد سنجور (السنغال)، فيض أحمد فيض (باكستان)، جابرييل أوكارا (نيجيريا)، مولود معمري (الجزائر)، صلاح عبد الصبور (مصر)، بدر شاكر السياب (العراق)، سيمبيني عثمان (السنغال)، أليكس لا جوما (جنوب إفريقيا) – يظهر من هذا العرض السريع غلبة الكُتَّاب الرجال على كل ما يتصل بهذه الدوائر.

يعكس الحوار التالي الذي أجرته هالة حليم (أستاذة الأدب المقارن ودراسات الشرق الأوسط بجامعة نيويورك)، اهتمامًا متزايدًا في الدوائر الأكاديمية الأنجلو أمريكية – خاصة بين الأكاديميين المنتمين، بشكل أو آخر، إلى «الجنوب العالمي» –بالتبادل الثقافي والأدبي خارج أوروبا، وبمجلة «لوتس» والدوريات الشبيهة، وإن غلب على كثير من ذلك الاهتمام الاحتفاء، وليس التناول النقدي. 

و. ع.

مقدمة

«روح باندونج» شعار يلخِّص مشروع التعبئة النشط للحظة التحرير. إن كان «المؤتمر الآسيوي الإفريقي» أو «مؤتمر باندونج» الذي عُقِد عام 1955، قد دشَّن رسميًّا «العالم الثالث كفكرة»، فقد كان لتلك الفكرة تاريخ سابق، على سبيل المثال في المؤتمر الأول لـ «العصبة المناهضة للإمبريالية والاستعمار» الذي عُقِد في بروكسل عام 1927، وفي «مؤتمر النساء الآسيويات»، عام 1949، في بكين. على خلفية الحرب الباردة، ورغم صداماتها الحتمية، نظَّم مؤتمر باندونج لقاءً في العالم الثالث ذاته بين ممثلي تسع وعشرين دولة آسيوية وإفريقية، حصلت حديثًا على استقلالها، وقد لعب أدوار القيادة رئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو، والرئيس المصري جمال عبد الناصر، والرئيس الإندونيسي أحمد سوكارنو. لقد دعم المؤتمر مبادئ مناهضة الإمبريالية، وتقرير المصير، ومقاومة العنصرية، والتعاون بين البلدان المشاركة، ونزع السلاح، والسلام العالمي. وكان «إعلان دعم السلم العالمي» بنقاطه العشر، الذي أتى في نهاية البيان الختامي للمؤتمر، «متفقًا مع أهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة».

قبلها، كان فاعلون رئيسيون من بلاد في طريقها إلى التخلص من الاستعمار قد أسهموا في تشكيل «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» عام 1948. وتُقدِّم الدراسات الحديثة نسخة أكثر تعقيدًا من السردية التي تنسب فضل فكرة وصياغة «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان»، في المقام الأول، إلى إلينور روزفلت والباحث القانوني الفرنسي رينيه كاسان René Cassin، وذلك باقتراح أن «مدى واسعًا من المشاركين من خارج الكتلة الغربية»، بما فيهم هنود ومصريون، «قدموا إسهامات معتبرة في تشييد المعايير العالمية الأساسية لحقوق الإنسان، وأنهم كانوا واعين حينئذ بأهمية كلماتهم وأفعالهم». لقد قام مؤتمر باندونج، وسلسلة الاجتماعات والمنتديات المنبثقة عنه، «بالتدرب على الحجج الرئيسية داخل مشروع العالم الثالث، وذلك كي يتمكنوا من أخذها، على نحوٍ مُنسَّق، إلى المسرح الرئيسي، أي الأمم المتحدة». وكان أحد أهم المكاسب التي جرى تأمينها على ذلك المسرح، وأكثرها دلالة، هو الضغط على «الأمم المتحدة لخلق منصات مؤسسية لجدول أعمالها العالم ثالثي: مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)». 

تشمل المؤتمرات والمنتديات المتداخلة، التي جاءت في أعقاب باندونج، «المؤتمر الأول لتضامن الشعوب الإفريقية الآسيوية» الذي عُقِد في القاهرة (1957-1958)، و«المؤتمر الأول لكُتَّاب إفريقيا وآسيا» في طشقند (1958)، وهي فعاليات مؤسِّسة لمنظمة تضامن الشعوب الإفريقية الآسيوية واتحاد كُتَّاب آسيا وأفريقيا، على التوالي. لقد أكد «إعلان القاهرة»، الصادر عن المؤتمر المنعقد في 1957-1958، على التزام منظمة التضامن بـ «إعلان تعزيز السلم العالمي»، بنقاطه العشر، كما أكد على أن «الشعوب الإفريقية الآسيوية ... تريد أن تعمل سويًا، وأن تساعد أحدها الآخر، للنضال من أجل رفاهية الشعوب الإفريقية الآسيوية، والجنس البشري بأكمله». اشتركت المنظمة، التي أخذت على عاتقها الكثير من أفعال التضامن، خاصة مع دول كانت ما تزال تحت الحكم الاستعماري، في أهدافها مع نظيرها، اتحاد الكُتَّاب، الذي عمل، على نحو أكثر تحديدًا، في المجالين الثقافي والأدبي. تبع إنشاء هاتين المؤسستين انعقاد «مؤتمر عدم الانحياز» في بلجراد (1961)، الذي دشَّن حركة عدم الانحياز؛ و«مؤتمر القارات الثلاث» أو «المؤتمر الأول لتضامن شعوب إفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية» في هافانا (1966)، الذي أنشأ «منظمة التضامن مع شعوب آسيا، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية». 

تدعو كل هذه المنتديات، وفي قلبها فكرة العالم الثالث، إلى إنجاز دراسات (من النوع الذي بدأ في الظهور مؤخرًا)، أقل في توجهها من أعلى إلى أسفل، وأكثر في ميلها الثقافي. فالسرديات التي تُبرز القادة غير كافية في تفسير انتشار فكرة العالم الثالث. المطلوب، كما اقترحتُ في أماكن أخرى، دراسات واعية بـ «التفاصيل الدقيقة غير المسجلة»، و«قصص السجالات الخافتة» في ممرات المؤتمرات، و«هوامش الفاعلين»، وذلك من أجل إعادة استخلاص «شيء من الأهلية اليومية» للإفريقي الآسيوي، ولأمميات أخرى من تلك الحقبة. تعتبر المذكرات التي لم تُقرأ قراءة نقدية، والذكريات، الخاصة بإداريين أقل بروزًا في مثل هذه المؤسسات، أحد الأماكن التي يمكن النظر إليها؛ مساحة أخرى ذات صلة، وفعليًا لم تُستكشف، يمكن فيها التماس أهلية الفاعلين في ذلك المشروع هو عمل المترجمين والمترجمين الفوريين، ولهؤلاء أهمية جوهرية في آلية عمل المنتديات الدولية والأممية. بما إنهم يمثِّلون مفصلًا بين الشخصيات البارزة وكوادر الموظفين، يطلَّع المترجمون والمترجمون الفوريون على مفاوضات، رسمية وغير رسمية، ويحملون عبئًا ثقيلًا للوساطة (اللغوية، التي تقترب أحيانًا من الدبلوماسية) في مؤسسات مشحونة أحيانًا، يمكن أن تعرضهم لمخاطر، وتطوِّر خبرة مباشرة في سياسات الترجمة. قبل أن «تُدرج اللغة العربية كلغة رسمية للأمم المتحدة في 18 ديسمبر 1973» بوقت طويل، كانت قد صارت «لغة للمؤتمرات الدولية، في وقت مبكر، عام 1955، مع قيادة عبد الناصر في مؤتمر باندونج».

كان كلٌ من منظمة التضامن واتحاد الكُتَّاب منتديين رائدين في تكوين كوادر المترجمين / المترجمين الفوريين، والعديد منهم من خريجي أقسام الآداب، وبعضهم كان يعمل حتى مع اللغات الرسمية الثلاث للمؤسستين – العربية، والإنجليزية، والفرنسية. وبما أن عددًا معتبرًا من المترجمين / المترجمين الفوريين كن نساءً، فإن ذلك يعقِّد المجازات (الغربية) القديمة، القائمة على الجندر، والتي طالما انتقدت، عن الترجمات كـ les belles infidèles أي «جميلات خائنات» و«المترجمين كخدم للمؤلفين». تضمنت الحركة الأفرو آسيوية دعمًا للنساء، كما يتجلَّى في المؤتمرات -على سبيل المثال «مؤتمر النساء الأفرو آسيويات» (القاهرة، 1961)- وفي الجوائز الممنوحة لكاتبات. هكذا يوفر موقع المترجمات / المترجمات الفوريات، وممارستهن اليومية، في منظمة التضامن وفي اتحاد الكُتَّاب، فرصًا لاستكشاف خطاب الحركة الأفرو آسيوية عن النساء.

يتمثَّل الإرث الأكثر رسوخًا لاتحاد الكُتَّاب، في رأيي، في فصليته ثلاثية اللغة، «لوتس: الأدب الإفريقي الآسيوي» الصادرة بالعربية والإنجليزية والفرنسية، بدءًا من عام 1968 – التي دعمت ظهور نمط من العمل الأدبي المقارن، المناهض للمركزية الأوروبية، بين بلدان العالم الثالث. ومما يزيد من أهمية المجلة نشرها مداخلات عن الترجمة وسياسات اللغة لكُتَّاب ومثقفين. يَعِد تتُّبع ممارسات المترجمين المنخرطين في الإنتاج الاعتيادي للمجلة برؤى ثاقبة، ثمينة، في شئون الترجمة، والسياسات التحريرية ذات الصلة التي تباحثوا فيها أثناء العمل على نقاشات منشورة عن الموضوع. 

عملت نهاد سالم (1933-) لعدة أعوام كمترجمة، ومترجمة فورية، في كلٍ من منظمة التضامن واتحاد الكُتَّاب في القاهرة. تُعد سالم، وهي بدون شك واحدة من أكثر مترجمي/مترجمات المؤسستين موهبة، خاصة في مجال الأدب، فاعلة منذ زمن طويل في إنتاج فكرة العالم الثالث. تأتي سالم، على نحوٍ لا يختلف كثيرًا عن العديد من زملائها/زميلاتها المترجمين/المترجمات في الحركة، من خلفية نخبوية. تنتمي جزئيًا إلى الطبقة العليا التركية الشركسية من جهة الأم، أما والدها، حسين سالم، فيعتبر أحد أوائل الطيارين المصريين، ويُنسب له الفضل في تأسيس شركة إنتاج الأفلام «ستوديو مصر»، بتوجيه من الاقتصادي القومي طلعت حرب. ويكاد تكوينها – أساس متين في اللغات / الآداب الأوروبية، متبوعًا بكفاءة متزايدة في العربية الأدبية اُكتسبت جزئيًّا في السياق الأفرو آسيوي – أن يتطابق مع تكوين العديد من زملائها المترجمين / المترجمين الفوريين الذين حاورتهم. هكذا، وفَّرت الحركة الأفرو آسيوية، بين حركات أخرى، للفاعلين فيها ما يشبه «التنشئة الفكرية».

تجمع سالم بين ممارستها في مجال الترجمة، وبين فعل مُسيَّس يغطي مدى واسعًا من التضامن العالم ثالثي يتجاوز انخراطها في الحركة الأفرو آسيوية. في مقدمة ترجمتها الإنجليزية البارعة لرباعيات الشاعر المصري صلاح جاهين، المكتوبة بالعامية المصرية، تصف الخمسينيات والستينيات في مصر بأنها «زمن معجزات، وزمن للمعجزات» زمن صار التعليم مُتاحًا فيه للجميع، ودعمت فيه البلاد «العديد من الدول الإفريقية حديثة الاستقلال»، وعملت على تحقيق الوحدة العربية.

التحقت سالم، مع زوجها الثاني علي الشلقاني، وهو محامٍ و«مناضل متفانٍ» [طبقًا لها]، بالمقاومة الشعبية أثناء حرب السويس. الحرب، التي اندلعت ردًا على تأميم عبد الناصر لقناة السويس، وشنّتها إنجلترا وفرنسا وإسرائيل ضد مصر عام 1956، أسفرت في البداية عن هزيمة عسكرية مصرية، وقصف منطقة القناة، وإنزال قواتٍ فرنسية وبريطانية. تبع ذلك مقاومة شديدة، وانتصار دبلوماسي. في حين التحقت نساء كثيرات، إضافة إلى كثير من المجموعات المختلفة، بالمقاومة، التي دعمها الجيش المصري، جنبًا إلى جنب شعب بورسعيد، فقد شاركت سالم وزوجها تحت راية التنظيم الشيوعي الذي انتميا إليه «حدتو» (الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني). كذلك كانت تلك فترة للتضامن المصري القوي، على المستوى الحكومي وفي أوساط اليسار، مع النضال الجزائري من أجل الاستقلال. لقد تلقى العديد من ممثلي الثورة الجزائرية، المقيمين في القاهرة، دعمًا من المناضل لطف الله سليمان، الذي كانت مكتبته ودار نشره – دار النديم – أحد مراكز مناصرة قضيتهم؛ وسوف يصدر الشلقاني كتابه «ثورة الجزائر» عن دار النديم.

بعد العمل في منظمة التضامن واتحاد الكُتَّاب لفترة، ستعمل سالم بالترجمة الفورية في مجموعة متنوعة من المنتديات المرموقة، بما فيها «منظمة الوحدة الإفريقية» (كما كانت تُسمى حينها)، ومنظمة التحرير الفلسطينية. لقد دعمت كلتا المؤسستين الأفرو آسيويتين القضية الفلسطينية، على نحو لا لبس فيه؛ كان محمود درويش وغسان كنفاني من بين الفائزين بجائزة لوتس التي منحها اتحاد الكُتَّاب، ونشرت «لوتس» نصوصًا فلسطينية، على نحو دوري، وبارز. ليس من المستغرب إذًا أن تكون سالم قد تلقت دعمًا كاملًا من كلٍ من منظمة التضامن واتحاد الكُتَّاب وقتما أخذت إجازة كي تتطوع بالترجمة الفورية في منظمة التحرير الفلسطينية. بعد عدة أعوام في «الاتحاد الإفريقي لكرة القدم»، عملت سالم في الترجمة الفورية بالأمم المتحدة، كما عملت لاحقًا في اليونسكو تحديدًا، حيث خدمت كمترجمة فورية من منتصف السبعينيات إلى الثمانينيات. كانت تلك فترة عُرف فيها أمينان عامان – الفرنسي رينيه ماهيو René Maheu (1962-1974)، والسنغالي آمادو ماهتار مبو Amadou-Mahtar M’Bow (1974-1987) – بتأييدهما للعالم الثالث.

وجهًا لوجه، لدى سالم (المعروفة بـ «نانا» في الأسرة وبين الأصدقاء) حضور قوي، وطريقة نطق فخيمة، لا شائبة فيها، في العربية (تتخللها تعبيرات قديمة الطابع، من قبيل اللقب «بيه»)، والفرنسية، والإنجليزية (بصبغة أوكسبريدجية). يعتمد النص التالي، الذي أختُصر بشكل كبير لظروف المساحة، على ثلاث مقابلات مباشرة في مصر، وعلى بعض المكالمات الهاتفية – أُجريت بشكل عام بالعامية المصرية وبعض الإنجليزية، مع لحظات من الانتقال بين اللغتين– بين عامي 2017 و2019.

هالة حليم: ذكرتِ، على التليفون، أنكِ لم تقومي قط بعمل سيرة ذاتية. هل يمكنكِ أن تقدمي موجز سيرة عن نفسك؟ 

نهاد سالم: كان من المعتاد في مصر أن تُدرَّس الترجمة فقط في «الألسن» [مدرسة المترجمين، التي ضُمَّت لاحقًا ككلية إلى جامعة عين شمس]؛ لم تكن الجامعات، في الماضي، مهتمة بتدريس الترجمة. وفرَّت الألسن، لاحقًا، تدريبًا على الترجمة الفورية أيضًا. أنا واحدة ممَن تلقوا تدريبهم على الترجمة أثناء العمل. كنت محظوظة، والفضل لوالديّ. حرصت أمي على أن أتلقى تعليمًا فرنسيًّا، بينما أراد لي أبي أن أتلقى تعليمًا إنجليزيًّا. حينما انفصلا، تنقلتُ كثيرًا بين المدارس الفرنسية والإنجليزية، ثلاث سنوات في واحدة تتبعها ثلاث سنوات في أخرى – وهو ما كان مفيدًا جدًّا. هذه المصادفة هي التي أتاحت لي أن أكون متمكنة من لغتين أوروبيتين.

درست الأدب الإنجليزي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وكذلك أخذت كل دورات الأدب العربي المُتاحة. ثم حصلت على شهادة الليسانس، وتابعت الدراسة للحصول على الماجستير. من الناحية السياسية، اعتُبر تقدمية، أو ذات ميول يسارية. أثناء حرب 1967، حين كنت أُنهي الماجستير، كنت أتمتع بعلاقات طيبة مع أساتذتي الأمريكيين. وسعيت للحصول على توقيعاتهم على بيان يُدين إسرائيل. لكن الجامعة الأمريكية قالت، ما معناه: نشكركِ كثيرًا، لكننا لا نسمح بالتسيس داخل الحرم الجامعي (وهو أمر عادي تمامًا)، لهذا يتعين عليكِ أخذ إجازة بدون راتب. كنت أدرس للماجستير بمنحة، بما إنني لم أستطع أن أسافر إلى الخارج لأنه كان لدي طفلان؛ فقد التحقت بالجامعة بعد أن بدأ طفلاي في الذهاب إلى الحضانة.

هـ هـ : ذلك كان حين بدأتِ العمل كمترجمة في «منظمة تضامن الشعوب الإفريقية الآسيوية»، أليس كذلك؟ 

ن س : بدأ [عمل الترجمة] في منظمة التضامن. حين تركت الجامعة الأمريكية، عملتُ في «منظمة تضامن الشعوب الإفريقية الآسيوية»، أولًا: لأنها تدعم قضايا أؤمن بها، وثانيًا: لأنها المؤسسة التي كان بها أغلب الوظائف المتاحة للمترجمين. في بداية التحاقي بمنظمة التضامن، كان عملي مترجمة، وليس مترجمة فورية. لكنني تلقيت، في منظمة التضامن، تشجيعًا من الكاتب الراحل إدوار الخراط الذي كان يشرف على الأمانة العامة. ذات يوم، مرض كبير المترجمين الفوريين، لهذا أمرني الخراط – لم يطلب، بل أمرني – أن أحل محله. كنت غير راغبة، على الإطلاق، لأن العمل كان ما يسمونه ترجمة فورية «تتابعية»؛ كانت المرة الأولى في حياتي التي أقوم فيها بهذا العمل، وعلى المنصة، مع يوسف السباعي؛ [رجل الجيش، والكاتب، والأمين العام المصري لكلٍ من «منظمة تضامن الشعوب الإفريقية الآسيوية» و«اتحاد كُتَّاب آسيا وإفريقيا»]. بصراحة، اكتشفتُ أنها لم تكن مهمة على درجة عالية من الصعوبة، وقد شجعني الأستاذ الخراط. هكذا، عملتُ كمترجمة فورية في كل مؤتمرات منظمة التضامن، وهو ما أتاح لي السفر إلى الهند، وباكستان -قبل الاضطرابات- وكل بلاد إفريقيا، إلخ.

هـ هـ : بدأتِ إذًا العمل في «لوتس»، التي كان يصدرها «اتحاد كُتَّاب آسيا وإفريقيا»، بعد تأسيسها مباشرة. هل يمكنكِ أن تعطي فكرة عن كوادر المترجمين في الاتحاد، والمجلة على وجه الخصوص، وعن مواقفهم الأيديولوجية؟ هل كان هناك شعور التزام بقضية، أم كان الأمر يتعلق بكسب العيش؟

ن س : كنتُ من هيئة العمل الدائمة في منظمة التضامن، أعمل بين حفنة من المترجمين/المترجمين الفوريين الدائمين. لم يكن هناك مترجمون دائمون في الاتحاد. كان الخراط يستدعي بعضنا من المنظمة، ممَن كانت لديهم الكفاءة. وقتما تكون هناك مؤتمرات في الخارج، كان يستعين بمترجمين مستقلين أيضًا. لا، أشك في ذلك [في وجود إحساس بالالتزام]، فيما عدا الخراط، الذي كان أصلًا يساريًّا، تروتسكيًّا، وأنا -البقية، بالتأكيد لا! 

غلاف مجلة لوتس

هـ هـ : في المؤتمرات الأفرو آسيوية، هل تعرَّض المترجمون / المترجمون الفوريون لأي ضغوط سياسية؟ ماذا عن الضغط السوفيتي، الانقسام الصيني السوفيتي، وما إلى ذلك؟ كيف أثرت هذه الأمور على المؤسستين، اتحاد الكُتَّاب ومنظمة التضامن؟

ن س : لا تنسي أن يوسف السباعي لا يمكن أن يُعتبر يساريًّا. [ضحك] لا، لم تكن هناك أي ضغوط من أي نوع. لقد بدأت الفكرة في باندونج؛ والتزمت [أي الحركة الأفرو آسيوية] بمطالب باندونج، وعملت على تحقيق التقارب بين شعوب العالم الثالث. وربما مما يُحسب لها أنه، في هذه المرحلة الأولى بعد باندونج، خرج شيء من المؤتمر، حتى إن كانت شجرة صغيرة. لكن لا أستطيع أن أقول إن اتحاد كُتَّاب آسيا وإفريقيا لعب دورًا سياسيًا. لقد كان الاتحاد السوفيتي ممثلًا فيه، لكن لا، لم يستغلوه – قطعًا لم يفعلوا. مَن عملوا هناك كانوا جميعهم يساريين – أو قطاع كبير منهم كانوا يساريين، أو يساريين سابقين، أو يساريين حاليين. وبالطبع كان ذلك التأثير واضحًا؛ لكن ليس لنا أن نعتبره ضغطًا على الإطلاق. لقد كانوا [أي محررو «لوتس» ومن بينهم الخراط] أكثر ميلًا إلى قبول الأعمال التي تعكس المبدأ الذي تأسست المنظمة طبقًا له، لكن ليس بمقدوري القول إن ذلك كان الحال حصرًا – كانت هناك قصائد حب، وقصص قصيرة عن موضوعات غير مرتبطة بذلك.

هـ هـ : هل كانت هناك نقاشات مع المترجمين في السياق الأفرو آسيوي بخصوص عمل الترجمة، أم كان الأمر يعتمد ببساطة على الممارسة؟ 

ن س : لا، لقد بذل الخراط جهدًا كبيرًا حقًّا مع المترجمين للتأكُّد من جودة الترجمة. كانت لغته العربية جميلة جدًّا، الله يرحمه، وبوسعي أن أجزم بأنني تعلمت منه الكثير. اعتدتُ أن أترجم من الفرنسية إلى الإنجليزية ومن الإنجليزية إلى الفرنسية، لأنني لم أكن أكتب بالعربية – كثيرًا ما كتبتُ بالفرنسية أو الإنجليزية. 

هـ هـ : لكنكِ ترجمتِ كذلك من العربية إلى الإنجليزية، أليس كذلك؟ لقد عملتِ مع اللغات الثلاث

ن س : نعم، ما زلت أتذكَّر حين وبخني الخراط بسبب خطأ [في اللغة العربية] في تصريف جمع المؤنث في موقع المفعول به! 

هـ هـ : أتت «مختارات من الشعر الإفريقي الآسيوي»، وهو المجلد الذي اشتركتِ في تحريره مع الخراط بلغات «لوتس» الثلاث، من صفحات المجلة. لكن إلى أي مدى تلقت المجلة نصوصًا لم يسبق نشرها؟ 

ن س : كانت هناك نصوص جديدة – قصائد، قصص قصيرة، إلى آخره – أُرسلت إلى «لوتس» كي تُترجم وتصل إلى جمهور قراء. كان هناك أناس كتبوا خصيصًا من أجل «لوتس»، رغم أن ذلك لم يحدث كثيرًا. وكان المحررون يطلبون نصوصًا من كُتّاب إفريقيين وآسيويين. على سبيل المثال، إحياءً لذكرى الرئيس عبد الناصر، نشر أحد أعداد «لوتس» كل مرثياته، بعضها كتبها إفارقة، والبعض الآخر لهنود وعرب. أتذكَّر عنوان قصيدة [الشاعر الفلسطيني البارز] محمود درويش «الرجل ذو الظل الأخضر». ترجمتها فوريًّا، ثم كتبت الترجمة. 

هـ هـ : تُرجمت تلك القصيدة كثيرًا منذ ذلك الحين، لكن تبقى ترجمتك استثنائية. هل كانت المناسبة التي قمتِ فيها بترجمتها فوريًّا هي القراءة الشعرية التي عُقِدت بمناسبة المؤتمر الرابع لكُتَّاب آسيا وإفريقيا في نوفمبر 1970؟ 

ن س : نعم، في ذلك الحدث، عُقدت «مشاعرة» [أمسية لقراءة الشعر] في ذكرى عبد الناصر في دلهي بمسرح ضخم يسع المئات. كان عبد الناصر محبوبًا جدًّا. لقد لعب دورًا كبيرًا جدًّا في تحرر العديد من البلدان الإفريقية؛ ساعد ماديًا وبالبنية التحتية. 

في دلهي، كان كل الشعراء الإفريقيين والآسيويين، الذين أحبوا عبد الناصر، موجودين لإلقاء مرثياتهم. كان درويش حاضرًا – كانت تلك هي مناسبة «الرجل ذو الظل الأخضر» – وكذلك [الشاعران الفلسطينيان] معين بسيسو وسميح القاسم. اختار السباعي والخراط الشعراء العرب. لم أتوقَّع قط أن يُطلب مني عمل ترجمة فورية للشعر؛ قلت: «اطلعوني على القصائد مُسبقًا». لكن لم أطلع على أيٍ منها، بخلاف قصيدة درويش –التي كُتبت من أجل «المشاعرة» – والتي رأيتُها قبلها بساعة.

أخذت القارب مع أبو إسكندر، وانطلقنا. كنت أرتدي ملابس فلاحة. رفعت جلابيتي (كنت قد أخذت معي ملابس عادية في بقجة) ونزلت في الطين مع أبو إسكندر لدفع القارب وقتما كانت البحيرة ضحلة أكثر من اللازم. في النهاية، بلغنا عزبة الخنازير، وتوجهنا إلى بيت أحد زملائه، صياد آخر. وضعني في الفراش مع زوجته وبناته، بالطين وكل هذا، وجلس مع أبو إسكندر يصنعان الشاي. على أي حال، أتى الجنود البريطانيون، وقالوا: «رأينا شخصًا يدخل هنا». قال: «لا، أنا هنا مع أخي وابني، في الداخل زوجتي وبناتي». هكذا غادروا. نهضنا، وتناولنا الشاي وبسكويت بريطاني كان الجنود قد أعطوه له. مبكرًا في الصباح، أخذت زوجته سلة بها دجاج، ووضعنا سلة فوق رأسي، ووضعنا الصناديق تحت ذلك. سرنا إلى بورسعيد، وبلغناها في تمام السابعة صباحًا. 



caption

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

طُلِب من كبير المترجمين الفوريين اختيار مترجم فوري لخطاب عرفات، فرشَّح محسوبتكِ. بعدها بساعتين، عاد أعضاء وفد عرفات إليه، وقالوا: «بما إن ياسر عرفات شخصية سياسية عربية، لا نشعر أنه من المناسب أن يتلقى المستمعون باللغة الإنجليزية خطابه بصوت امرأة». سألني كبير المترجمين الفوريين، ضاحكًا، إن كان بمقدوري أن أجعل صوتي أكثر عمقًا كي يبدو مثل صوت رجل، فقلت: «يا للأسف، لا». بدايةً، كان وفد عرفات قد ترجم نص الخطاب بالفعل، لهذا كان الأمر في الحقيقة تدريبًا على القراءة، ولم يكن هناك مجال على أي حال للمراجعة والتحسين. جعلوا زميًلا ذكرًا – ولا داعي للأسماء – يقرأه. ولأنه كان متوترًا جدًّا؛ (كانت تلك هي زيارة عرفات الأولى للولايات المتحدة، والمرة الأولى له في الأمم المتحدة، وكان المتظاهرون اليهود ينتظرون الوفود العربية خارج المبنى، للنيل منهم)، فقد كان متقدمًا على عرفات بفقرة. القصد هنا هو: صوت رجل، صوت امرأة – ما الفكرة؟

 

caption

هـ هـ : كنتِ صديقة لدرويش، أليس كذلك؟

ن س : كنا صديقين مقربين جدًّا. كان لديه حس فكاهة رائع. ذات مرة ناشدته، وتدخلت لدى اليونسكو، كي يقوم بقراءة شعرية في باريس: كان إلقاؤه رائعًا.

هـ هـ : ما مدى الحرية التي أُتيحت لكِ في اختيار النصوص التي ترجمتها للوتس؟ على سبيل المثال، هل كانت قصيدة الشاعرة الفلسطينية مي الصايغ «فتح (يوم الكرامةمن اختيارك؟

ن  س: لا أستطيع أن أعطيكِ إجابة قطعية؛ في الغالب، كنت أختار النصوص التي أترجمها، لسبب بسيط وهو أنكِ إن كنتِ تقومين بترجمة أدبية، فلا يمكن أن تُفرض أشياءَ عليكِ. لهذا، أعطوني مساحة للاختيار. حين كان المحررون يتلقون نصوصًا جديدة، كنت أذهب من المنيل [حيث مقر منظمة تضامن الشعوب الإفريقية الآسيوية] إلى شارع قصر النيل [حيث تقع مكاتب اتحاد كُتَّاب آسيا وإفريقيا]، كي أختار. إن قلت لإدوار الخراط: «لا تعجبني هذه القصيدة»، أحيانًا ما يتركني وشأني، وأحيانًا ما لا يترك يدي طليقة؛ لكن [في تلك الحالات] نادرًا ما فعلتها. 

قصيدة مي الصايغ كانت غالبًا من اختياري؛ نعم، لا بُدَّ أنها كانت واحدة من النصوص التي أُعطيت لي، ربما من طرف درويش، في منظمة التحرير الفلسطينية. اعتدت أن أتطوَّع بالترجمة لصالح منظمة التحرير. في السبعينيات، بدأت في العمل كمترجمة حرة في الهيئات الدولية، وتلقيت طلبًا من الأمم المتحدة للذهاب إلى باريس لأخذ اختبار في الترجمة الفورية. كل هذا كان بمناسبة إدراج اللغة العربية في الأمم المتحدة عام 1973 – فالعربية لم تكن، في البداية، واحدة من لغات الأمم المتحدة. بعد حرب 1973، نادى العرب بإدراجها، وعرضوا تغطية نفقات الترجمة العربية، بفهم أن الأمم المتحدة ستصير مسئولة عنها ماديًا بعد ذلك. حضرت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974، التي ألقى فيها عرفات [وكان رئيس منظمة التحرير الفلسطينية حينها] خطابه التاريخي، «البندقية وغصن الزيتون». وقع حادث كوميدي في تلك المناسبة. كنت أجلس في مقصورة اللغة الإنجليزية؛ يوجد دائمًا، كما تعلمين، مترجمان فوريان في المقصورة. لكن بما أن العربية لم تكن قد توطدت بعد، فقد كنت أجلس وراء المترجمين الفوريين، خارج المقصورة مباشرة، وفي اللحظة التي يُعلن فيها عن خطاب عربي، كان عليَّ أن أقفز كي أتجاوزهما. كان الأمر محرجًا. على أي حال، طُلِب من كبير المترجمين الفوريين اختيار مترجم فوري لخطاب عرفات، فرشَّح محسوبتكِ. بعدها بساعتين، عاد أعضاء وفد عرفات إليه، وقالوا: «بما إن ياسر عرفات شخصية سياسية عربية، لا نشعر أنه من المناسب أن يتلقى المستمعون باللغة الإنجليزية خطابه بصوت امرأة». سألني كبير المترجمين الفوريين، ضاحكًا، إن كان بمقدوري أن أجعل صوتي أكثر عمقًا كي يبدو مثل صوت رجل، فقلت: «يا للأسف، لا». بدايةً، كان وفد عرفات قد ترجم نص الخطاب بالفعل، لهذا كان الأمر في الحقيقة تدريبًا على القراءة، ولم يكن هناك مجال على أي حال للمراجعة والتحسين. جعلوا زميًلا ذكرًا – ولا داعي للأسماء – يقرأه. ولأنه كان متوترًا جدًّا؛ (كانت تلك هي زيارة عرفات الأولى للولايات المتحدة، والمرة الأولى له في الأمم المتحدة، وكان المتظاهرون اليهود ينتظرون الوفود العربية خارج المبنى، للنيل منهم)، فقد كان متقدمًا على عرفات بفقرة. القصد هنا هو: صوت رجل، صوت امرأة – ما الفكرة؟

هـ هـ : كامرأة مترجمة / مترجمة فورية في المنتديات الدولية، هل تعرضتِ كثيرًا لمثل هذا السلوك التمييزي، أم أن شعورك هو أن ذلك كان استثناءً؟ 

ن  س : استثناء، بالتأكيد. لم يحدث قط أن قام رئيس دولة… لقد ترجمت فوريًا لرؤساء دول إفارقة، في فرنسا والأمم المتحدة ومجلس الأمن. لم يُثر الأمر قط ... قط. على سبيل المثال، تُعتبر اجتماعات مجلس الأمن من أصعب الاجتماعات في الأمم المتحدة لأنه يناقش أمورًا في غاية الحساسية، وهي أحيانًا قرارات تتعلق بمستقبل دولة ما. كنت دائمًا في مجلس الأمن.. على الإطلاق – كان ذلك استثناءً. 

هـ هـ : لا بُدَّ أن لديكِ مجازًا للترجمة. بأي شيء تقارنينها؟ 

ن. س.: لا، لا يمكن مقارنتها، لأنها وظيفة خاصة جدًّا، الترجمة الفورية.

هـ هـ : والترجمة في حد ذاتها؟ 

ن س : لا، ليس لدي مجاز لها، ولا أعتقد أنه من الممكن أن يكون هناك مجاز لوظيفة. يمكنكِ أن تقولي: هذا النجار فنان في مجاله الخاص، لكن لا تشبه وظيفة أخرى. كما أن الترجمة الأدبية مختلفة تمامًا عن الترجمة عمومًا. في الترجمة الأدبية، عليكِ صياغة ما هو أكثر من مجرد معاني الكلمات. كما قلت، يشتمل الشعر على أربعة مكونات. إن لم تأت بالمكونات الأربعة في ترجمتكِ للشعر، فلن يكون ذلك كافيًا. قد تكون الترجمة دقيقة جدًّا. حين تقرأين [الشاعر الفارسي] عمر الخيام، واحدة من أشهر الترجمات إلى الإنجليزية –ترجمة عمر الخيام الأصلية إلى الإنجليزية– هي شعر. ثمة ترجمات عديدة جميلة جدًّا، مثيرة جدًّا للاهتمام، لكنها ليست شعرًا. ينقصها عنصر أو عنصران. مكونات الشعر هي: التكثيف، والشعور – «مُستعادًا في سكينة»، كما يقول وردزورث، لكن الشعور يكون قد وازن نفسه ويمكنكِ حينئذ التعبير عنه – والصور، والموسيقى.

هـ هـ : رأيت مقالًا لكِ في «الجارديان» عن حرب السويس. هل يمكنكِ أن تتحدثي عن نشاطك، وكيف أصبحتِ يسارية؟ 

ن س : لسوء الحظ، طلبت «الجارديان» ألف كلمة، ولم يكن هذا كافيًا للتجربة. ما أدى إلى [أن أصير] يسارية كان حال البلد. أنحدر من عائلة إقطاعية. الفلاح الذي يمر من أمام بيت عمي، يترجل عن الحمار احترامًا. وثمة أشخاص أثرياء جدًّا، وآخرون فقراء جدًّا. تلك كانت البداية. ثم إن الكثير من أبناء وبنات عمومتي ومن الأصدقاء كانوا يساريين، وكنت أقابلهم كثيرًا. في سن مبكرة – في الخامسة عشرة – قرأت ماركس وإنجلز؛ قرأت بعض مقالات لينين وكتبه. واعتبرت الاشتراكية فكرة جيدة جدًّا. مجتمع اشتراكي – مزيد من العدالة.

هكذا، حين اندلعت الحرب [عام 1956]، وتعرضت مصر للهجوم من ثلاث دول، شعرت أنه واجبي، وكذلك شعر زوجي، أن أكون جزءًا من تلك المقاومة. وكان عبد الناصر ذكيًّا بما يكفي، حين فشل الجيش، أن يقول: أعطوا أسلحة للشعب ودعوه يقاوم الاحتلال. دخل كثيرٌ من ضباط المخابرات بورسعيد؛ ونظموا المقاومة هناك. ثم احتاجوا إلى ذخيرة، ومعلومات، وأشياء كثيرة. ذهبت أنا وزوجي إلى معسكر تدريب في [محافظة] الشرقية مُعد لشتى أنواع الناس –كان هناك العديد من الصحفيين وأساتذة الجامعات – ممَن أرادوا أن يشتركوا في المقاومة. ذات يوم، أتى شخصان من قادة ومنظمي المعسكر إلى زوجي وقالوا له: «اسمع، نحتاج إلى شخص، يُفضَّل أن يكون امرأة، كي يأخذ هذه الأشياء ويدخل بورسعيد ويوصلها لناسنا هناك». وقالوا: «نعتقد أن نهاد، زوجتك، قد تكون راغبة وقادرة على القيام بهذه المهمة، إن سمحت أنت بذلك» قال: «سوف أسمح بذلك» أتوا بأحد صيادي بحيرة المنزلة (اسمه أبو إسكندر، وكان مسيحيًّا)، وأخبروه أن يأخذني في قاربه ويوصلني إلى مشارف مدينة بورسعيد، إلى مكان يُسمَّى «عزبة الخنازير». أعطوني صندوقَي ذخيرة، وبعض المستندات، وقالوا إن عليًّ أن أذهب إلى مكتبة في الصباح بعد أن أبلغ بورسعيد لتوصيلها لرجل سوف يخبرني أين سيكون عليَّ أن أذهب بعد ذلك.

أخذت القارب مع أبو إسكندر، وانطلقنا. كنت أرتدي ملابس فلاحة. رفعت جلابيتي (كنت قد أخذت معي ملابس عادية في بقجة) ونزلت في الطين مع أبو إسكندر لدفع القارب وقتما كانت البحيرة ضحلة أكثر من اللازم. في النهاية، بلغنا عزبة الخنازير، وتوجهنا إلى بيت أحد زملائه، صياد آخر. وضعني في الفراش مع زوجته وبناته، بالطين وكل هذا، وجلس مع أبو إسكندر يصنعان الشاي. على أي حال، أتى الجنود البريطانيون، وقالوا: «رأينا شخصًا يدخل هنا». قال: «لا، أنا هنا مع أخي وابني، في الداخل زوجتي وبناتي». هكذا غادروا. نهضنا، وتناولنا الشاي وبسكويت بريطاني كان الجنود قد أعطوه له. مبكرًا في الصباح، أخذت زوجته سلة بها دجاج، ووضعنا سلة فوق رأسي، ووضعنا الصناديق تحت ذلك. سرنا إلى بورسعيد، وبلغناها في تمام السابعة صباحًا. 

حين فُتِحت المكتبة، دخلت بدون السلة وأعطيت الرجل كلمة السر التي أعطوها لي. قال: «لا أعرف أي شيء عن ذلك». قلتُ له: «اسمع، لن أعود بما معي، لهذا من فضلك استمع لي بعناية، أنا أعطيك كلمة السر». هكذا، أدرك أن عليه أن يتحمَّل المسئولية، وقال: «طيب». أحضر لي عربة يجرها حصان، ووضعنا الصناديق فيها، وأخذني إلى الناس الذين كان عليَّ أن أتصل بهم. كانت بورسعيد مقسمة إلى منطقتين، الحي العربي والحي الأوروبي. كانت دائمًا كذلك. وكي تتمكني من العبور إلى المنطقة الأوروبية، كانوا يختمون يدكِ. كان عليَّ أن أغير ملابسي، لهذا ذهبت إلى بيت [القيادي الشيوعي] عبد المنعم شتلة، وارتديت تاييرًا، وأخذني إلى النقطة التالية. بلغنا مبنى كان من المفترض أن أقيم فيه. كان هناك جنديان فرنسيان رأياني أدخل. قال أحدهما للآخر: «هل رأيت تلك الفتاة؟» قال الآخر: «نعم، بعد حظر التجول، سوف نذهب وراءها في الشقة». لهذا، قررت ألَّا أبقى هناك؛ كانت شقة خالية تخص أناسًا فروا. بما إني كنت قد ذهبت إلى بورسعيد عدة مرات حين كنت طفلة، لأن أمي كانت متزوجة من حاكم القناة، فقد ذهبت إلى بيت أحد الأصدقاء. كان حظر التجول يبدأ في الخامسة. كنت أمام باب تانت دولت في نحو الرابعة وخمس وأربعين دقيقة. ذُهِلت – ما الذي كنت أفعله هنا؟ قلت لها: «دعيني أدخل أولًا». انضم لي زوجي، علي الشلقاني، بعدها بعدة أيام، لكنه أتى عن طريق البر، كبائع خضروات. وبقينا حتى التهجير. 

هـ هـ : ذكرتِ أنكِ درَّستِ في الجزائر بعد نهاية الاستعمار. كيف حدث هذا؟ 

ن  س : كان ذلك في منتصف الستينيات. بدأ الأمر بدعوة، لزوجي علي ولي، للاحتفال بالاستقلال مع الجزائريين، بما إننا ساعدناهم في القاهرة خلال النضال من أجل الاستقلال. تدخَّل [الرئيس الأول للجزائر أحمد] بن بيلا لدى عبد الناصر لإطلاق سراح ثلاثة محتجزين في معسكر اعتقال – زوجي، ولطف الله سليمان، و[الكاتب والمحرر اليساري] لطفي الخولي. عرض بن بيلا على علي منصبًا في الرئاسة كمستشار اقتصادي وقانوني. حين لحقنا به أنا والأطفال، عرض عليَّ والي تيزي وزو، عاصمة منطقة القبائل، وظيفة في مدرسة من فصل واحد لتدريس العربية. كانت البنات فوق الثانية عشرة يجلسن في جهة؛ وتجلس مجموعة أخرى من التلاميذ بين الثامنة والثانية عشرة في جزء آخر من الفصل؛ والأصغر سنا في ركن مختلف. كنت أقضي ساعة مع كل مجموعة أعلمهم الكتابة. كانت القبائلية لغة محكية فقط. اكتشفت أن اليسوعيين –هم معلمون أكفاء جدًّا كما تعرفين– استنبطوا قواعدها. وفي أوقات فراغي أثناء الليل، كنت أدرس القبائلية، التي كانت ممتعة جدًّا. قمت بعمل ترجمة فورية، بشكل غير رسمي، لعبد الناصر لنحو عشر دقائق حين جاء إلى الجزائر. كان ذلك حين رحب به الجزائريون بحمل سيارته.

هـ هـ : ألم تقومي بترجمة فورية لخطاب ألقاه الرئيس أحمد سيكو توري في مؤتمر في غينيا؟ 

ن س : نعم، كانت زوبعة في فنجان قد حدثت! قُبض على قارب صغير في مياه غينيا، وبه ثلاثة أجانب، ربما كانوا يجمعون معلومات استخباراتية. اعتبر سيكو توري ذلك محاولة للغزو. عُقد، في اليوم نفسه، بعدها بعام، مؤتمرًا للشعوب الإفريقية والآسيوية. استعان بخدماتي «مجلس السلم العالمي» الذي كان السيد روميش تشاندرا Romesh Chandra أمينه العام، بجانب بعض مترجميهم الفوريين الدائمين. أرسلت مصر موفدًا واحدًا لتمثيلها، رئيس البرلمان حينها.

هـ هـ : يبدو أنكِ قمتِ بترجمة فورية لنيلسون مانديلا، أيضًا.

ن س : كان ذلك مؤتمرًا –للأسف، لا أستطيع تذكُّر السنة أو المؤسسة– ألقى فيه مانديلا، وفيدل كاسترو، وآخرون، خطابات. في طريقنا إلى خارج القاعة حين انتهى المؤتمر، استجمعت الشجاعة كي أقول لمانديلا: «هل يمكنني من فضلك مصافحتك؟» قال: «بالطبع»، وصافحني. تجرأتُ، وقلتُ: «هل يمكنني من فضلك أن أقبِّلك على خديك؟» وبينما يميل إلى الأمام، قال: «كان يجب أن أفكر في ذلك أولًا». 

هـ هـ : هل لديكِ صور لكِ في المؤتمرات الدولية التي قمتِ بالترجمة الفورية فيها؟ 

ن س : تعرفين، في هذه المؤتمرات المترجم الفوري شخصية في الخلفية، جندي مجهول. مرة أغضبني السادات [الذي صار رئيسًا بعد ذلك] غضبًا شديدًا جدًّا. كان ذلك في أعقاب [الهجوم الإسرائيلي في أبريل 1970 على مدرسة] بحر البقر. أتى سياسي شيوعي إيطالي و[الدبلوماسي والسياسي الهندي] كريشنا مينون Krishna Menon إلى مصر، وذهبا، مع [السياسي اليساري] خالد محيي الدين، كي يزورا المدرسة ويصيروا شهودًا. اجتماع من هذا النوع، على سبيل المثال، لم أكن أقبل أجرًا مقابله أبدًا. سافرت معهم في الرابعة صباحًا – كنت مصابة بنزلة برد، ودرجة حرارتي مرتفعة. توقفنا في أنحاء كثيرة من الدلتا؛ كان كل منهم يلقي خطابًا، وكنت أترجم فوريًا. في طريق عودتنا نحو منتصف الليل، أو في الواحدة صباحًا، كنت منهكة تمامًا؛ كنا جميعًا منهكين. استنفدت كل المناديل الورقية في السيارة. أعطاني كريشنا مينون منديله –احتفظت به. كريشنا مينون كان شخصية عظيمة جدًّا، في مصاف غاندي. أراح رأسه على عصا كانت معه، لما يقارب الخمس دقائق. حين رفع رأسه، شعرتُ أنه بدا أصغر بعشر سنوات. قلتُ: «ما هذه المعجزة؟ هل يمكنك أن تعلمني؟» قال: «إنها معجزة استغرقت ستين عامًا من التأمل». 

كان السادات قد طلب أن يقابل كريشنا مينون – لكن ليس الشيوعي الإيطالي، ولا خالد محيي الدين. قيل له إنه سيكون من غير اللائق ألَّا يقابل الاثنين الآخرين كذلك. لم يكن أحد [من بين المترجمين الفوريين] يعرف الإيطالية والإنجليزية والعربية، سواي. ذهبتُ. تحدث معهم، وكانت هناك أسئلة من الجانبين. ثم أتى وقت الصور، فقمتُ. عادة، حين نبلغ هذه النقطة، اعتبر أن مهمتي انتهت. سمعته [أي السادات] يقول، بصفاقة تامة: «دعونا لا نُظهِر الست المترجمة، دعونا لا نترك امرأة في الصورة». قلتُ: «حضرتك، لو لاحظت، لقد قمت كي أنصرف».

هـ هـ : ماذا كانت مناسبة هذه الصورة؟ [كانت نهاد تعرض بعض الصور.]

ن س : كان اجتماعًا ذهبت إليه في فلسطين. كنت [أعمل] في اليونسكو… وهي قصة أخرى مسلية. كان يوم جمعة، واتصل بي كبير المترجمين الفوريين بول تولستوي (ابن شقيق تولستوي) في البيت مساءً، وقال: «هناك اجتماع يوم الإثنين صباحًا مع الأمين العام لليونسكو، أمادو ماهتار مبو. هل يمكنكِ الذهاب؟ سوف يرسل بعثة لتقصي الحقائق إلى إسرائيل، وسأرسلكِ كمترجمة فورية». قلتُ: «آسفة، لا أستطيع الذهاب. هل يمكنك من فضلك أن تخبر مبو أنني لا أستطيع؟» قال: «لا، أنا آسف، اذهبي أنتِ، وأخبريه». قضيت نهاية أسبوع بدون نوم. في صباح الإثنين، ذهبتُ مع كل أعضاء البعثة – ابن [الكاتب والمثقف المصري البارز] طه حسين الذي كان موظفًا في اليونسكو، وإسباني، وإنجليزي، وشخص رابع – إلى مكتب مبو. كنت أحترمه كثيرًا، ذلك الرجل. قلتُ: «سيدي المدير، أود أن أتحدث معك لخمس دقائق». قال: «بالتأكيد، مدام سالم، بعد الاجتماع». قال لأعضاء البعثة: «أرسل كل عام بعثة لتقصي الحقائق، وأتلقى تقارير مفادها أن كل شيء عادي؛ من المهم هذا العام أن تعودوا بتحقيق في أمرين: أولًا، تهويد القدس؛ وثانيًا، ما يحدث في المؤسسات التعليمية، ومراجعات المناهج الدراسية والتاريخ. لن أسمح بمحو ذلك التاريخ؛ إنها مسئوليتنا». غادروا. 

كنت متوترة جدًّا، فانفجرت بالبكاء. لا أبكي عادة بسهولة، وبالتأكيد ليس في العلن. ربت عليَّ مبو، وقال: «اهدئي! سوف أنصت إلى ما ستقولين». وأعطاني منديله – يبدو أنه كان قدري أن أقترض المناديل، مرة بسبب نزلة برد، ومرة أخرى بسبب الدموع! قلتُ: «أولًا، ابن زوجي، وهو إنسان جميل ومثل ابن لي، قُتِل في حرب 1973؛ ثانيًا، أنا مؤيدة لفلسطين، ومناهضة لإسرائيل، وكل مَن تسمع بهم من الفلسطينيين هم أصدقائي. أنتمي إلى حزب في مصر [التجمع] هو، بصراحة، حزب يساري يقاطع إسرائيل». قلتُ: «أعرف أني وقَّعت عقدًا [مع اليونسكو]، وأنا على استعداد للتخلي عن الوظيفة، لكنني لا أستطيع الذهاب إلى إسرائيل». قال: «الآن وقد استمعت إليكِ، استمعي أنتِ لي. أود منكِ أن تتصلي بأصدقائكِ الفلسطينيين المقيمين في باريس، وأن تعرضي الفكرة عليهم. ربما يكون في استطاعتهم اقتراح أسماء غير موجودة في قائمة الأشخاص التي أعدها الإسرائيليون كي تقابلهم اللجنة. سأصدر توجيهات بأن تقابل اللجنة مَن تحددين. وإن قال أصدقائك الفلسطينيون إن الذهاب قد يكون مفيدًا، اذهبي إذًا؛ إن قالوا لا تفعلي، فلا تفعلي؛ ولتنسِ أمر العقد، لن تكون هناك أي تبعات». 

تأثرتُ جدًّا، بالطبع. قمت بالفعل بالاتصال بأصدقائي الفلسطينيين، وجميعهم قالوا: «بالطبع ينبغي أن تذهبي». فسافرتُ بجواز سفري الصادر من الأمم المتحدة.

هـ هـ : حين تعاودين النظر إلى حقبة التحرير ودور الأمم المتحدة في العالم الثالث على ضوء كل ما يتكشف اليوم، هل تقولين إن ذلك كله كان هباءً؟ 

ن س : مجلس الأمن، أو بالأحرى عصبة الأمم ... كان من المفترض يكون هدفها وضع نهاية لكل الحروب. لسوء الحظ الشديد، كانت بداية تقسيم الحروب إلى حروب أصغر، وكلها في خدمة الغرب – كلها. إفريقيا، الدول العربية – بمقدوري أن أقول إنني كنت في مطبخ الأمم المتحدة، أي الجمعية العامة ومجلس الأمن، في أكثر الأوقات صعوبة، بما فيها الوقت الذي أقسمت فيه ألَّا أعود أبدًا إلى نيويورك – بعد ما صُنِع بالعراق عام 2003. ترجمتُ فوريًا لمجلس الأمن حينها، وتحدثتُ بعدها مع كبيرة المترجمين الفوريين؛ قلت لها: «لا تطلبي خدماتي مرة أخرى لأن السياسة الدولية أخذت مسارًا في غاية الوضوح. ولها تأثير نفسي سيئ جدًّا عليَّ، وضغط دمي ارتفع خلال جلسات مجلس الأمن». 

هـ هـ : وماذا عن الحقبة العالم ثالثيةالتي انتهت نحو بدايات التسعينياتوالتي كنتِ مشاركة فيها؟

ن س : كانت واعدة جدًّا، ومن المحزن أنها بلغت نهايتها بدون تحقيق ما آملنا فيه لبلادنا. لكن بقليل من التفاؤل، يمكننا أن نعتبرها بروفة. لن نكون موجودين لنشهد ذلك، لكننا نأمل أن يستكمل الجيل الأصغر ما بدأناه. 

هـ هـ : ما هي خططكِ وترجماتكِ الأدبية الحالية؟ 

ن س : كتبتُ سيرتي الذاتية، بالإنجليزية والفرنسية، وأقوم بتحريرها. لم أكتبها كأنا بشكل شخصي، بل كشاهدة على عصر. بدأت في ترجمة قصائد لـ [شاعر العامية المصرية] عبد الرحمن الأبنودي. ينبغي أن أذكر ترجماتي الأخرى – بما فيها كتاب سينثيا نلسون Doria Shafik, Egyptian Feminist: A Woman Apart. سببت لي كلمة Apart بعض المشاكل – ترجمتها «مختلفة»، على أساس أنها اختلفت مع عبد الناصر؛ كما أن «مختلفة» تحمل معنى التباين. 

caption

كان صلاح جاهين صديقًا عزيزًا جدًّا، ومُقربًا جدًّا. وكان قد أراني أولى الرباعيات التي كتبها. أتذكَّر حتى اليوم الرباعية الأولى التي قرأتها [تلقيها بالعربية]. أحببتها كثيرًا جدًّا، وترجمتُها إلى الإنجليزية في التو واللحظة، ونحن معًا: 

«أنا اللي بالأمر المحال اغتوى

شفت القمر نطيت لفوق في الهوا

طلته مطلتوش – إيه أنا يهمني؟ 

وليه ما دام بالنشوة قلبي ارتوى» 

أعجبته جدًّا حتى أنه أرسلها إلى مجلة النيويوركر، ونشروها. قال: «لا بُدَّ فعلًا أن تترجمي رباعياتي كلها». كنت قد وعدتُه ولم أحافظ على كلمتي – الوظيفة، السفر، إلى آخره. حين توفي، شعرت أن عليَّ أن أوفي بوعدي. فترجمت الرباعيات كلها. وهناك كذلك ترجمتي لقصة جمال الغيطاني القصيرة «ما جرى لأرض الوادي»، لمجلة Peuples Méditerranéens. طلب مني المحرر أن أترجمها في أربع وعشرين ساعة. أود أن أعيد ترجمتها ذات يوم. الكلمات مهمة جدًّا. كما يقول الإنجيل: «في البدء كانت الكلمة».

*نشرت النسخة الأصلية للمقابلة بالإنجليزية في دورية Critical Times في أبريل 2020.                      

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن