تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«شكرا لأنك تحلم معنا»: المناكفة مع توقعات العالم 

«شكرا لأنك تحلم معنا»: المناكفة مع توقعات العالم 

كتابة: فادي سامي 7 دقيقة قراءة

 اجتذب الفيلم الفلسطيني «شكرا لأنك تحلم معنا» للمخرجة ليلى عباس، حضورًا لافتًا، في مشاركته في «أيام القاهرة السينمائية»، الفعالية التي تنظمها سينما زاوية، وتعنى بعرض أبرز إنتاجات السينما العربية المعاصرة. فاز الفيلم بعدة جوائز في عدد من المهرجانات، منها أفضل فيلم عربي بمهرجان الجونة السينمائي، كما حصدت مخرجته جائزة «ألكسندر» الفضية من مهرجان «سالونيك السينمائي الدولي» باليونان. 

                                                            ـــــــ

في أولى لحظات فيلم «شكرًا لأنك تحلم معنا» (2024)، لمخرجته الفلسطينية ليلى عباس، نتتبع مريم الأربعينية، تسير بالمدينة حاملة أكياس الخضار إلى بيتها، وعند دخولها البيت تنظم ألعاب ابنها الصغير المنثورة في كل مكان. تفتح غرفة ابنها الأكبر المراهق، لتجده يشاهد بعض الأفلام الإباحية وأصوات التأوهات تملأ الغرفة، فتغلق الباب غاضبة وتخرج. بتلك المشاهد المبكرة تتحدى ليلى عباس التصور التقليدي للأفلام الفلسطينية، فليس هنا نضال بالمعنى التقليدي، ولا حرب، ولكن نصطدم فقط بمراهق يحاول الاستمناء وبأم اعتادت حياة الفوضى.

تلك الأشياء الصغيرة، وربما التافهة حتى في سياقات وأفلام أخرى، هي ما يعطي للفيلم بريقه. فـ«شكرًا لأنك تحلم معنا» هو فيلم عن الأشياء اليومية الصغيرة، وعما تراه المرأة الفلسطينية كل يوم، في غير وقت الحرب. أما قضاياه فيعالجها بنفس الخفة التي رأيناها في هذا المشهد الافتتاحي، وهو ما يؤسس لباقي أسلوب الفيلم.

فالفيلم القائم على محاولة الأختين مريم ونورا تقسيم ميراث والدهما المتوفى حديثًا بينهما بالتساوي، مع استثناء أخيهما الأكبر -المهاجر في أمريكا، ولم يهتم يومًا بمشاكل عائلته أو بوالده المريض- في تحدٍّ لقوانين الوراثة الشرعية، قد يسهل تحويله إلى ميلودراما رثّة، ولكن عباس تتحدى تصوراتنا عن الفيلم الفلسطيني وعن النساء، تمامًا كما تتحدى مريم ونورا تصورات الآخرين عنهما، وعما يجب أن تكون عليه «المرأة الجيدة».

ما ثمننا

بمجرد موت الأب يظهر نقاش الفيلم الحقيقي. ما ثمننا؟ ما الثمن الذي تدفعه النساء نظير أن يحظين بحياة راضية؟ عادةً ما يكون الثمن هو التضحية بكل شيء في سبيل العائلة، وعادةً أيضًا ما تكون تلك العائلة مكونة من رجال هم من يستفيدون من ذلك الثمن. فمريم ضحت بكل شيء مقابل أن تصبح «ست بيت» لأسرة مفككة مكونة من ذكور بلا فائدة، من زوج أفضل إنجازاته السباكة وشرب الأرجيلة، لأطفال مُرهِقين، يتخذون جهودها كحق إلهي لهم، إلى أن ضجت بتلك الحياة وبالأمومة كلها. أما نورا التي لم تحصل على تعليم كافٍ، فظلت محبوسة في شرنقة الاعتناء بأبيها العجوز، متخلية أيضًا عن كل ما تتمناه من أحلام مهنية وحتى عاطفية. لا تجتمع الأختان سويًا إلا عند وفاة الأب ولا يحاولان أن يخفيان عدم توافقهما سويًا، واختلافاتهما واضطرارهما للبقاء معًا في تلك الليلة، وعندما تجتمعان تصنع المخرجة جهدًا كبيرًا لإبراز انفصالهما عن بعضهما بصريًا، فحتى مع اجتماعهما في لقطات واحدة، يظل الإحساس دائمًا بحاجز بين الأختين لا يختفي.

caption

فوق التكلفة التي تدفعانها، هناك أيضًا التكلفة التي تدفعها باقي النساء في عائلاتهما، مثل الأم والخالة، اللتين التزمتا بأدوار المرأة التقليدية المفروضة عليهما حتى ماتت الاثنتان من كره حياتهما، «عشان ما نحسش إنه انضحك علينا ونظل نندب حظنا بقية حياتنا زي أمك وخالتك»، تقول إحدى الأختين، الباحثتين عمّا ينقذهما من مصير الأم والخالة، أو ما يحرسهما من تكرار المآسي جيلًا بعد جيل.

تنتقل الكاميرا إلى أنحاء رام الله، تلك المدينة الجبلية الجميلة، والتي رغم جمالها معزولة وخالية، مختلفة عن شكل فلسطين في مخيلتنا، لدرجة يصعب معها تمييز في أي مكان فعلًا يدور الفيلم. تلك العزلة تلقي بظلالها على البطلتين، فعزلة رام الله وخواؤها تتلاقى مع عزلة البطلتين. تبدو رام الله كمدينة الرب ولكن ليس بها شيء مميز أو جاد، وكذلك نورا ومريم تبدوان كأنهما تمتلكان حياة هانئة حتى تدركان أنهما -وبفضل الرجال في حياتهما من الأب إلى الزوج إلى الأخ- لا تمتلكان الحق حتى في إرثهما.

بسخرية لاذعة تتجاوز عباس الكليشيهات المعتاد تصويرها فنيًا عن قهر الرجل للمرأة، لتوسع بذكاء مفهوم القهر إلى المؤسسات. فعندما تأخذ سيارة الإسعاف الأب، وترفض نورا ذلك لأنه مات بالفعل، يسألها المسعف «أليس هناك رجل نكلمه؟». وفي البنك عندما يحاولان صرف شيك ثروة الأب، يرفض البنك الطلب لاحتياجه لصوت الأب على الهاتف بموافقته على صرفه، وهو ما يبدأ رحلة سيزيفية للبحث عن رجل يمثل صوت الأب. يبدو الأمر وكأن النساء، سواء بالنسبة للرجال أو للمؤسسات، هن أشباح، بلا صوت ولا قرار دون رجالهم.

بئر الخذلان

أغلب الفيلم يدور حول لَيلة نورا ومريم في البحث عن رجل، فالرجال يشبهون بعضهم، أنماط يسهل استبدالها، ما بين الخال العجوز المتدين، والأخ، والسرسجي، والزبال، وحتى الشريك. لا تفرق نورا ومريم بينهم، فقط يحتاجون صوت أحد منهم، ليمثل الأب ويوافق على صرف الشيك. الشيء الوحيد المشترك بين كل هؤلاء الرجال، هو الخذلان، سواء كنت ثورية مثل نورا، أو متقيدة بتقاليد المجتمع وعاداته مثل مريم، في كل الحالات يأتي الخذلان. على اختلافهما تدرك نورا ومريم هذا المبدأ، التضامن، أو التوحد عن طريق القهر والخذلان. بفضل هذا الاتحاد، تقتربان أكثر من بعضهما، في لقطات قريبة، بلا حواجز حتى يكادا يلتصقان ليصبحا جسدًا واحدًا، ولكنه شديد التنافر مع ذلك.

caption

لا يمتد الخذلان بالاختيارات الخاطئة للرجال في تلك الليلة فقط، ولكن بخذلان أكبر تفهمه عباس بعمق، خذلان تهميش النساء والتقليل من رغباتهن. عندما تخبر مريم من حولها (خالها وأخيها) برغبتها في الطلاق، تشجعها أختها فيما الرجال يتحججون بوضع البلد العام، لتخبرهم «لازم أستنى تتحرر فلسطين عشان أتطلق أنا؟!» فما فائدة تحرر الوطن إن لم يتحرر أبناؤه أولًا؟ 

ضمن رحلة الليل الطويلة في الفيلم تمر نورا ومريم باشتباكات متعددة لشباب صغار أمام جنود الاحتلال، يحذرهما الشباب ويجعلونهما يغيران طريقهما. قد لا تحرر الاشتباكات فلسطين، ولكنها نوع من المناكفة حتى لا ينعم الاحتلال براحة أبدًا، ورحلة نورا ومريم وخطتهما الخطرة للحصول على ميراث أبيهما هي نوع من المناكفة، المناكفة مع توقعات العالم، توقعات المجتمع، العيلة، السلطة، الصهاينة، وحتى البنوك، المناكفة من أجل التحرر والراحة، المناكفة من أجل أنفسهم، المناكفة من أجل مستقبلهم.

لا عن الحرب ولكن عنا

يأتي «شكرًا لأنك تحلم معنا» ضمن ما يمكن اعتباره موجة أفلام فلسطينية جديدة، في السنوات الأخيرة، مثل «حمى البحر المتوسط» (2022) لمها الحاج، و«علم» (2022) لفراس خوري. تحاول تلك الأفلام التحدث عن فلسطين بطريقة مختلفة عما اعتدناه، بمعالجة مشاكل يومية مثل الإكتئاب، وعلاقات الحب تحت القمع، او حتى محاولة سرقة علم بمدرسة ثانوية. أفلام  تنظر عن قرب، نرى فيها أنفسنا.

صُوِّر الفيلم قبل أشهر قليلة من بدء حرب 7 أكتوبر 2023، المستمرة إلى اليوم، حيث دُكَّت غزة ورفح بالكامل، وتركت وراءها أكثر من 50 ألف شهيد. تقول عباس إنّه بينما كان هدفها في الفيلم عدم إظهار مظاهر مباشرة للاحتلال والكلام فقط عما يعيشه الناس يوميًا، فإنها ترى اليوم بعد مرور أكثر من سنة على الحرب أن ما قالته في الفيلم كان نوعًا من الرفاهية، وكان عليها أن تتكلم عن أشياء أخرى، في عالم ليس به حتى أبسط حقوق الإنسان.

لا أجد الحديث عن النساء أو الأقليات نوعًا من الرفاهية حتى بعد عام ونصف من إبادة جماعية متلفزة لا تنتهي. تصنع عباس فيلمًا عن النساء والأطفال والرجال، عن تعقيداتنا وأنانيتنا أحيانًا، عن أحلامنا وطموحاتنا وما بينهما من حواجز، عن هزائمنا وتروماتنا ومحاولة تخطيها، ففي بعض الأحيان، أن تجد إنسانًا آخر عاديًا مثلك يحارب طواحين الحياة ويفك قيوده قد يكون ملهمًا. 

تلك الشفافية التي ترينا أنفسنا، ويصبح معها النضال نضالنا اليومي لنحيا في الأساس، هي نفسها التي حققتها مها الحاج منذ عامين بفيلم «حمى البحر المتوسط»، بتقديمها شخصيتين شديدتا التنافر والقرب أيضًا، لكنهما رجلان، مكبوتان، مكتئبان، سعيهما للحرية شبه عدمي. أما مريم ونورا فهما تبحثان عن شيء أكبر وأكثر أملًا وأقل عدمية، تبحثان عن الحلم؛ حلم قد يضمد آثار الهزيمة وإن يكن في حفنة أموال. الفيلم نفسه بدأ بدوره كحلم صنعته المخرجة لسنوات بعشرات المنح. في النهاية لا يبقى لدينا لصنع أفلام ولا للنضال ولا للعدل إلا الحلم. فلنحلم أو على الأقل لنتبول على أنقاض قبور الرجال الذين خذلونا، لعل بذلك بعض العدل، في عالم اختفى به العدل... ربما للأبد. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن