تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
من فات إيجاره تاه.. المالك والساكن ينتظران مخرجًا

من فات إيجاره تاه.. المالك والساكن ينتظران مخرجًا

كتابة: رنا ممدوح 13 دقيقة قراءة

في أحد شوارع الزمالك القريبة من النيل، تعيش جيهان -التي تجاوزت العقد السادس من عمرها- بمفردها في شقة تزيد مساحتها على 300 متر، مقابل إيجار شهري قدره 30 جنيهًا، حيث سكنت مع أسرة زوجها قبل 40 عامًا.

في الشقة المواجهة، تستعد آن، الأمريكية الجنسية، للإقامة في شقة مماثلة لشقة جيهان، استأجرتها لتوها من المالك نفسه بمبلغ أربعة آلاف دولار (197 ألف جنيه)، وهي الشقة التي غادرتها أمل بعد وفاة والدتها، وانتهاء عقد الإيجار القديم الخاص بها.

إلى جانب الإيجار الشهري، تدفع جيهان 15 ألف جنيه سنويًا لصيانة العقار، ورغم ذلك تعرف أن إجمالي ما تدفعه لمالك العقار هو قيمة غير عادلة للشقة الفارهة التي تسكنها. تقول لـ«مدى مصر»: «عارفة إنه unfair ومستعدة أدفع أكتر، لكن مقدرش أدفع ربع اللي بتدفعه آن».

في وضع مشابه لحالة أمل، غادرت إيمان، التي تساعد جيهان بالأعمال المنزلية، شقة أسرتها في منطقة العباسية، غرب القاهرة، بصحبة شقيقتها، بعد أن قرر شقيقهما الأكبر الزواج والإقامة في شقة الأسرة التي لا يزيد إيجارها الشهري على 17 جنيهًا تدفع في المحكمة، على أن يساعد شقيقتيه في تحمل تكلفة استئجار شقة جديدة بالمنطقة نفسها، يبلغ إيجارها ثلاثة آلاف جنيه.

في مواجهة خلل العلاقات الإيجارية وأنماطها المختلفة، ومعضلة الوصول إلى علاقة متوازنة بين المؤجر والمستأجر، أعادت المحكمة الدستورية العليا في التاسع من نوفمبر الجاري الجدل الدائر بشأن قانون الإيجار القديم إلى الواجهة من جديد، حين قضت بعدم دستورية ثبات الأجرة السنوية للشقق التي تخضع لقانون الإيجار القديم. 

ألزمت «الدستورية العليا» الحكومة والبرلمان بإصدار تشريع يحدد طريقة تنفيذ الحكم بمعالجة مسألة ثبات الإيجار في الوحدات السكنية، وذلك قبل نهاية دور الانعقاد الحالي المقررة في يونيو 2025.

ضيق الوقت المحدد لوضع تشريع جديد لإصلاح العلاقة الإيجارية بما يضمن مصلحة المستأجر والمؤجر معًا يثير تساؤلات حول ما ستفعله الحكومة والبرلمان لتمرير هذا التشريع، وهو الأمر الذي تجنبته السلطة، خوفًا من ردود الفعل التي قد تنجم عن التفكير في تشريد مئات آلاف المستأجرين أو المساس بما يعرف بالـ«المكتسبات المجتمعية»، حسبما قال الرئيس عبد الفتاح السيسي في أغسطس 2021، حين وعد بحل أزمة الإيجار القديم: «هخليكوا تمشوا تتكعبلوا في الشقق»، وهو ما أضاف له، في أكتوبر 2023، تأكيده: «الناس اللي عملت المكتسبات دي، الله يرحمهم، ماتوا من زمان، والموجود دلوقتي أحفادهم.. من 1962 اللي كانوا ساكنين واستفادوا من التخفيض اللي تم، هو مدى الحياة، ولا الموضوع ينتهي بقى... حرام علينا نفقد قيمة 2 مليون وحدة مقفولة».

***

في حكمها الأخير، قالت «الدستورية» إن تحديد قيمة الإيجارات يتعين أن يستند إلى ضوابط موضوعية تحقق التوازن بين طرفي العلاقة الإيجارية، مشددة على أنه لا يجوز للمشرع أن يترك المؤجر ليفرض قيمة إيجارية مبالغًا فيها، استغلالًا لحاجة المستأجر إلى سكن له ولذويه. ولا يجوز للمشرع أيضًا، بحسب المحكمة، أن يهدر عائد استثمار الأموال التي أُنفقت في قيمة الأرض والمباني المقامة عليها بثبات أجرة الوحدات السكنية، وإنما عليه أن يوازن بين الأمرين.

يستهدف حكم المحكمة الدستورية والقانون المقرر صدوره العلاقات الإيجارية التي خضعت لقرابة عشرة قوانين صدرت بين العشرينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وذلك لتخفيف آثار الحروب المختلفة، بدءًا من الحرب العالمية الأولى، على المواطنين وحمايتهم من الطرد من مساكنهم، من خلال تنظيم العلاقات الإيجارية وعدم تركها خاضعة لأسعار السوق. 

مصدر قضائي بالمحكمة الإدارية العليا يشرح لـ«مدى مصر» أن الأصل في العلاقة الإيجارية أنها علاقة حرة لا تخضع لسيطرة الدولة، وإنما تخضع للقانون المدني ولمبدأ «العقد شريعة المتعاقدين». لكن العديد من الدول، بما فيها مصر، اضطرت خلال العقود الماضية للسيطرة على العلاقة الإيجارية، مشيرًا إلى أنه خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، كان بعض الملاك يطردون المستأجرين المصريين لتأجير الوحدات السكنية وغير السكنية للأجانب الذين يدفعون إيجارات مضاعفة. لهذا، تضمنت قوانين الإيجار، بدءًا من القانون رقم 11 لسنة 1920 والقانون رقم 151 لسنة 1941، النص على عدم جواز إخراج المستأجر من المسكن إلا بحكم محكمة.

وخلال فترة ثورة يوليو 1952، تدخلت الدولة لتخفيض إيجارات الوحدات السكنية وغير السكنية ثلاث مرات: في عام 1952، ثم في 1958، وأخيرًا عام 1961. وبعد ذلك، تبنت القوانين التي صدرت في عامي 1969 و1977، وصولًا إلى قانون الإيجار القديم رقم 136 لسنة 1981، الذي نص على أحقية أبناء المستأجر في وراثة عقد الإيجار بعد وفاته.

استندت هذه القوانين إلى مبدأين: الأول هو تقييد حق المالك في زيادة الإيجار إلا بنسب محدودة، والثاني هو الامتداد التلقائي للعقود، وهو ما ينطبق حاليًا على أكثر من مليون و600 ألف أسرة، بحسب إحصاءات مرصد العمران التي اعتمدت على بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء لعام 2017.

وبعد انتهاء الظروف الاستثنائية، حررت مصر بداية من التسعينيات العلاقة الإيجارية بصدور القانون رقم 4 لسنة 1996، المعروف بقانون الإيجار الجديد. ومنذ ذلك الحين، توقف العمل بقانون الإيجار القديم. كما أصدرت المحكمة الدستورية العليا أحكامًا بعدم دستورية عدد من مواده، فإلى جانب الحكم الأخير، أصدرت المحكمة نفسها، في عام 2002، حكمًا يتعلق بالامتداد القانوني، حددت فيه فئات المستفيدين من امتداد عقود الإيجار بعد وفاة المستأجر بأقاربه المقيمين معه من الدرجة الأولى، بدلًا من الأقارب حتى الدرجة الخامسة، بدءًا من موعد تنفيذ الحكم في نوفمبر 2002.

أيضًا أصدرت «الدستورية العليا» حكمًا، في مايو 2018، بعدم دستورية ما تضمنه قانون الإيجار القديم من امتداد عقود الإيجار إلى الوحدات غير السكنية المؤجرة للشخصيات الاعتبارية، سواء كانت شركات أو هيئات أو مؤسسات حكومية أو خاصة. وعلى الرغم من أن الحكم تضمن وقتها إلزام «الدستورية» للسلطتين التنفيذية والتشريعية بتنفيذه في اليوم التالي لانتهاء دور الانعقاد لمجلس النواب، الذي كان مقررًا له -آنذاك- يونيو 2019، لم يتم التنفيذ إلا في مارس 2022، حين أصدر السيسي قانونًا يلزم الشخصيات الاعتبارية بإخلاء الوحدات غير السكنية المؤجرة بنظام القانون القديم خلال خمس سنوات من سريان القانون (مارس 2027)، مع زيادة الإيجار بداية من مارس 2022 خمسة أمثال قيمته السابقة، وزيادة سنوية قيمتها 15%.

***

بعد ساعات من صدور الحكم، أكد مجلس النواب، في بيان له، على التزامه بتنفيذ الحكم، وأضاف البيان أن لجنة الإسكان سبق وأعدت تقريرًا مبدئيًا خلال دور الانعقاد السابق، يتضمن الخلفية التاريخية للتشريعات الخاصة بالعلاقة بين المؤجر والمستأجر، وأحكام المحكمة الدستورية المتعلقة بتلك القوانين، مع دراسة وتحليل البيانات الإحصائية الخاصة بالمخاطبين بموادها. وتوصلت اللجنة إلى بدائل تتوافق مع المعايير الدولية والدستورية بشأن الحق في السكن الملائم والعدالة الاجتماعية، وسيتم عرض هذا التقرير على الجلسة العامة خلال الجلسات المقبلة.

«القصة مش محتاجة الهيصة دي»، يقول رئيس لجنة الإسكان بمجلس النواب، عطية الفيومي، مضيفًا «شقق الإيجار القديم عددها مش كبير. إحنا بنتكلم عن حوالي مليون و700 ألف شقة، نصفها مقفول، والباقي غالبيتهم قادرين ماديًا. وغير القادرين، الدولة مش هتسيبهم وهتديهم سكن».

«مفيش حد هيخرج من بيته إلا لو كان عنده بديل. إحنا مش عايزين نطرد حد من بيته»، يؤكد الفيومي لـ«مدى مصر»، لافتًا إلى أن الدولة مسؤولة عن إعطاء غير القادرين الأولوية في مشروعات الإسكان الاجتماعي. «لو عدلنا القيمة الإيجارية حسب منطوق حكم المحكمة الدستورية وتبين وجود مجموعة من المستأجرين غير قادرين على دفع القيم الجديدة، ستدعمهم الدولة».

وبحسب الفيومي، فقد أعد مجلس النواب مجموعة من البدائل في وقت سابق على حكم المحكمة الدستورية، وإن لم تتقدم الحكومة بمشروع قانون، سيناقش «النواب» تلك البدائل ويقرها قبل نهاية دور الانعقاد الحالي. «مش هنعمل حوار مجتمعي، لأننا سمعنا كل الأطراف أكثر من مرة».

سيناريوهات التعامل مع حكم المحكمة الدستورية العليا كثيرة، بحسب رئيس لجنة الإسكان بالبرلمان، الذي أوضح أن رئيس المجلس تسلم الحكم، وفي 17 نوفمبر الجاري، شكّل لجنة مشتركة تضم إلى جانب لجنة الإسكان، رئيسي ووكيلي لجنتي الشؤون الدستورية والتشريعية والإدارة المحلية لدراسة آلية التنفيذ بعد سماع آراء الوزارات المعنية وممثلين عن المؤجرين والمستأجرين وأجهزة الدولة المختلفة والمتخصصين، مؤكدًا أن اللجنة أمامها مجموعة من السيناريوهات.

من بين هذه السيناريوهات اعتماد الآلية التي طبقت على الوحدات غير السكنية المؤجرة للشخصيات الاعتبارية بزيادة الإيجار بشكل فوري عدة أضعاف، ثم تحديد زيادة سنوية لعدة سنوات، ينتهي بعدها العقد وتتحرر العلاقة الإيجارية.

محامي رابطة الإيجار القديم، ميشيل حليم، لفت إلى أن المحكمة الدستورية أوصت صراحة بعدم استغلال المؤجر لحاجة المستأجر للشقة التي استقر بها طوال السنوات الماضية، ما يعني أن زيادة القيمة الإيجارية المنتظرة من الحكومة والبرلمان لن تقارن بالقيم الإيجارية السوقية الحالية. «لو واحد كان بيدفع 10 جنيه إيجار، ستفرض عليه الحكومة زيادة تدريجية، ولكن مش هيصحى من النوم يلاقي الإيجار 10 آلاف جنيه».

مشكلة سيناريو الزيادة الفورية التي تتبعها زيادة سنوية، في رأي الفيومي، أنه «يساوي بين واحد ساكن في شقة في ميدان التحرير 300 متر وواحد تاني ساكن في أوضة وصالة في بولاق الدكرور». 

من بين الاقتراحات الأخرى التي تبحثها اللجنة هو تولي لجان من الإدارة المحلية مهمة تقسيم الأماكن إلى مناطق وتحديد متوسط سعر الإيجار في كل منطقة، لتحديد نسب الزيادة، وهو ما يرجحه حليم، قائلًا «الحكم الأخير يعني تدخل السلطة لوضع آلية لزيادة القيم الإيجارية لوحدات الإيجار القديم تدريجيًا، طبقًا لرقي المنطقة السكنية وقيمة الأجرة السابقة».

وزير القوى العاملة الأسبق والمدير السابق بمصلحة الضرائب العقارية، كمال أبو عيطة، يقول إن قانون 1981، عندما طُبِّق، وضع آلية لزيادة إيجارات الوحدات غير السكنية التي تخضع إلى القوانين الأقدم للإيجار، لتواكب الأسعار الجديدة خلال خمس سنوات. ويشرح تلك الآلية في تقسيم الوحدات غير السكنية حسب تاريخ إنشائها، ووضع نسبة مئوية للزيادة تتماشى مع قيمة الفجوة عن سعر السوق وقتها. فتضمن القانون زيادة إيجارات الأماكن المنشأة قبل يناير 1944 بنسبة 30%، أما العقارات المنشأة في الفترة من يناير 1944 وحتى نوفمبر 1961 فبنسبة 20%، فيما اقتصرت الزيادة على نسبة 10% للوحدات المنشأة في الفترة من 1961 وحتى 1973، و5% للوحدات المنشأة من 1973 وحتى 1977.

يقول أبو عيطة، الذي يمتلك وأشقاؤه عددًا من العقارات المؤجرة بنظام الإيجار القديم، إنه يمكن تطبيق القاعدة نفسها على الوحدات السكنية لوضع مرحلة انتقالية لزيادة الإيجارات الحالية تصل إلى 10 سنوات، حتى تكون قريبة من السعر العادل، ولكن لن تكون بسعر السوق الحالي، لأن المؤجر والمستأجر يجب أن يتحملا معًا، فلا يتحمل طرف واحد فقط. 

«أنا عايش على إيجار العقارات اللي تركها لي والدي إلى جانب معاشي. أشعر بالغبن كمالك، ولكن هناك وضع اجتماعي سيئ لا يمكن أن يتحمله المستأجر وحده، خصوصًا في ظل الأسعار الحالية للسوق. بشوف شقق في حواري فيصل بـ20 ألف جنيه في الشهر» يضيف أبو عيطة.

من جانبه، يقول الفيومي، إن حكم المحكمة الدستورية تطرق إلى مسألة تنظيم الإيجار القديم بشكل كامل، وليس فقط زيادة القيم الإيجارية، ويضيف أن منطوق الحكم تحدث عن عدم تثبيت القيمة الإيجارية، لكن حيثياته فتحت الباب لمناقشة أوسع.  

«ما زال أمامنا وقت للوصول إلى حل يراعي مصالح المؤجر والمستأجر»، يؤكد الفيومي.

رئيس لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب، أحمد السجيني، أضاف إلى تلك السيناريوهات سيناريو آخر يتعلق باحتساب الزيادة وفقًا لدخل المستأجر، مضيفًا أن دراسة البرلمان لتنفيذ حكم الدستورية يجب ألا تقف عند حدود زيادة إيجارات الوحدات السكنية، وإنما تمتد أيضًا إلى الوحدات المؤجرة لأشخاص لغير الغرض السكني (عيادات - مكاتب محاماة - محال...).

«الظروف مواتية النهاردة رغم الأزمة الاقتصادية بسبب تشكل وعي بالقضية. لو تخلصنا من ثبات الإيجارات للوحدات السكنية وغير السكنية المطبق عليها قانون الإيجار القديم سنحل 80% من مشاكل الملاك، ويتبقى فقط مشكلة الشقق المغلقة. ونحن الآن نستطيع من خلال رصد لجان الضرائب العقارية معرفة مين عنده شقة ساكن فيها وشقة قافلها» يقول السجيني، مشيرًا إلى أن «النواب» سيبحث عن آلية ليتمكن المؤجر من استردادها فور صدور القانون.

***

في مواجهة هذه البدائل، يقول الباحث العمراني، يحيى شوكت، إن حل أزمة الإيجار القديم يستوجب توفير الدولة وحدات سكنية لغير القادرين على دفع القيم الجديدة للإيجار، ومن ناحية ثانية تقديم دعم مالي للمستأجرين غير القادرين على دفع كامل القيمة الإيجارية، ويستطيعون دفع جزء منها فقط. 

وبحسب شوكت، لدى صندوق الإسكان الاجتماعي مشروع قرض من البنك الدولي بمليار دولار منذ 2015 لدعم الإسكان الاجتماعي من خلال تمويل مشروعاته التي تبنيها الحكومة، مثل «سكن لكل المصريين»، أو الوحدات التي من المقرر أن يبنيها القطاع الخاص في الأيام المقبلة للغرض نفسه. اتجاه ثالث لدعم الإسكان الاجتماعي هو دعم المستأجرين بمنحهم مساعدة مالية تمثل جزءًا من قيمة الإيجار. 

ويضيف شوكت أنه في ظل وجود بيانات عن قيم معاشات المستأجرين لوحدات الإيجار القديم، يمكن للحكومة أن تحدد الزيادة في الإيجارات من ناحية، ومن ناحية أخرى قيمة الدعم الذي يحتاجه المستأجرون غير القادرين.

من جانبها، تقول جيهان إن الحل الأمثل لها أن تتم زيادة الإيجار بنسبة معقولة: «مقدرش أدفع سعر السوق الحالي ومقدرش أسيب شقتي وأروح مكان تاني». أما أمل وإيمان، فأبدتا تخوفهما من أن يتبع رفع أسعار وحدات الإيجار القديم زيادة في الإيجار الجديد.

شوكت لفت في أثناء حديثه لـ«مدى مصر» إلى أن سوق الإيجارات في مصر بحاجة إلى إعادة تنظيم كامل، «مينفعش نصلح الإيجار القديم من غير الكلام عن إصلاح الإيجار الجديد». يوضح شوكت أن قانون الإيجار القديم أصدرته السلطة في ظروف استثنائية للسيطرة على سوق العقارات وضمان حقوق المستأجرين، والكل يتفق على أن مواده باتت منفصلة عن الواقع. ولكن في المقابل، تحرير العلاقة الإيجارية في قانون الإيجار الجديد دون وجود أي جهات حكومية أو غير حكومية تختص برصد أو تنظيم الإيجار، وغياب أي رقابة على أسعار الإيجار الجديد خلقا فوضى وأسعار إيجار مبالغًا فيها.

يقول شوكت إن غالبية سكان الإيجار القديم -بحسب الإحصاءات- متركزون في منطقة القاهرة الكبرى بما يقترب من مليون مستأجر. والسؤال: هل سوق العقارات يستوعب انتقال هؤلاء المستأجرين إلى الإيجار الجديد إذا قررت الحكومة والبرلمان رفع أسعار الإيجارات بنسبة كبيرة؟

ويتساءل شوكت كذلك عن قيمة الإيجار المستهدف وكم يمثل من دخل المستأجر، لافتًا إلى أن بحث الدخل والإنفاق الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء سنة 2020 رصد إنفاق المواطنين 11% من دخلهم على السكن. والمعروف أنه لا يجوز أن تتجاوز نسبة الإيجار 15 إلى 20% من إجمالي دخل الفرد. فماذا سيحدث عند تحرير القيمة الإيجارية؟ مضيفًا أنه يجب توضيح آلية عادلة لاحتساب الحد الأدنى للزيادة، خصوصًا أن قانون الإيجار القديم طبق على عقارات مبنية خلال الفترة من الأربعينيات وحتى التسعينيات، وبعض المستأجرين كانوا يدفعون مقدم سكن (خلو) يقترب من أسعار السكن التمليك في ذلك الوقت.

ويلفت الباحث المشارك في تأسيس «10 طوبة» و«مرصد عمران» إلى أن تحرك السلطة لإصلاح نظام الإيجار القديم هو أمر إيجابي وغير مختلف عليه، لكن بشرط وجود مناقشة مجتمعية حقيقية والاستماع إلى المؤجر والمستأجر من ناحية، ومن ناحية أخرى، توضيح دور الدولة تجاه الإلزام الدستوري الخاص بالحق في السكن الآمن والملائم والصحي، خصوصًا أن عددًا كبيرًا من سكان الإيجار القديم من كبار السن وأصحاب المعاشات. 

من جهته، يقول الخبير الاقتصادي وخبير أسواق المال، وائل النحاس، لـ«مدى مصر» إن تطبيق قانون الإيجار القديم رقم 136 لسنة 1981 بنصوصه الحالية كان من شأنه أن يحل أزمة سوق الإسكان في مصر، ويُدر على الدولة ضرائب عقارية بالمليارات، مفسرًا أن حساب الإيجار في القانون كان بواقع 7% من قيمة الأرض والمباني. وتحسب قيمة الأرض وفقًا للثمن الذي تم إثباته عند استصدار ترخيص البناء، وقيمة المباني وفقًا للقيمة الفعلية وقت البناء. 

فضلًا عن ذلك، تضمن القانون النص على تشكيل لجان بكل محافظة لإعداد دراسات سنوية عن قيمة الأرض في كل منطقة وأسعار التكلفة الفعلية لمختلف مستويات المباني، على أن تسلم تلك اللجان تقاريرها لمن يحتاجها، ويلتزم المالك بتحديد الإيجار في ضوء النسب التي تحددها تلك اللجان. غياب تلك اللجان وتوقف عملها أدى إلى فوضى كبيرة في سوق الإيجارات بمصر. في المقابل، فإن استمرار عملها كان سيضبط إيقاع الإيجارات في جميع أنحاء البلاد ويربطها بمعايير منطقية.

النحاس يرى أن الدولة لا يجب أن تعاقب المستأجرين على تقاعس موظفيها عن أداء أعمالهم طوال السنوات الماضية، وتضيف إلى أزماتها في إخراج السكان من مناطق مختلفة بالبلاد مثل الوراق وغيرها أزمات سكان جدد. «كأن صاحب القرار مستبيع ومش همه. الإيجار القديم مش بيخاطب سكان الزمالك ووسط البلد ومصر الجديدة فقط، لأ، بيخاطب كمان المطرية وعين شمس وبولاق الدكرور وإمبابة، ومناطق كتير سكانها ميقدروش على الأسعار الحالية».

الفكرة نفسها يؤيدها أبو عيطة، موضحًا لـ«مدى مصر»، أن مصلحة الضرائب العقارية لديها في الوقت الحالي لجانًا شبيهة باللجان المنصوص عليها في قانون الإيجار القديم، ترصد بشكل سنوي الإيجار الفعلي المطبق حاليًا في جميع أنحاء البلاد، وتمتلك قاعدة بيانات لجميع المباني والمنشآت الموجودة على الأراضي المصرية، بما فيها المعفاة من الضرائب. وفي رأيه، يمكن تكليف تلك اللجان بمهام جديدة، من بينها تحديد السعر العادل للإيجار في كل منطقة سكنية على حدة، خصوصًا أن أي تحريك في قيمة الإيجارات يترتب عليه تحرك في قيمة الضريبة التي تحسب بواقع 10% من إجمالي الإيجار السنوي للوحدة السكنية بعد اقتطاع 20% قيمة الصيانة.

يتفق شوكت كذلك على دور اللجان الحكومية في تحديد قيم الإيجارات في كل منطقة سكنية على حدة، إلا أنه يشير إلى اللجان التابعة للوحدات الإدارية المحلية التي تم تشكيلها على مستوى الجمهورية للتصالح في مخالفات البناء، وإمكانية تكليفها بوضع مؤشرات عن القيمة العادلة للإيجارات السكنية في كل منطقة على حدة.

عن الكاتب

رنا ممدوح

صحفية مصرية متخصصة في الشؤون القضائية والبرلمانية.  عملت لصالح عدد من الصحف المصرية والعربية، منها «الدستور»  و«التحرير» و«المقال» و«الأخبار» [اللبنانية] و«السفير العربي». وذلك بالإضافة إلى عملها كمراسلة لوكالة الأنباء الروسية…

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن