تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
بين «طوفان الأقصى» و«السيوف الحديدية».. هل تتغير قواعد الاشتباك بين حماس وإسرائيل؟

بين «طوفان الأقصى» و«السيوف الحديدية».. هل تتغير قواعد الاشتباك بين حماس وإسرائيل؟

كتابة: رشا قنديل 8 دقيقة قراءة

«هجوم قاتل»، هكذا وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، هجوم حركة حماس العسكري المباغت أمس، السبت، حين مدت ذراعها العسكري -كتائب عز الدين القسام- في عمليتها «طوفان الأقصى» إلى المدن والبلدات الإسرائيلية، منفردة خارج إجماع الفصائل المسلحة.

استيقظ الإسرائيليون على صافرات الإنذار في عسقلان وتل أبيب والقدس في السادسة والنصف صباحًا بالتوقيت المحلي أمس، حين كانت صواريخ حماس تستهدف العمق الإسرائيلي في مدينة سديروت وبلدات بيت جالا وقطنة، بإطلاق ألفي قذيفة صاروخية، كما قام مقاتلو الحركة بعمليات تسلل نوعية محسوبة في المدن والبلدات على الحدود بين قطاع غزة وإسرائيل. 

وتضاعف عدد قذائف وصواريخ حماس بحلول الظهيرة ليصل إلى خمسة آلاف صاروخ وقذيفة، حسب تليفزيون الأقصى التابع لحماس ووسائل الإعلام الإسرائيلية.

نتنياهو من جانبه، أعلن: «نحن في حرب»، وجاء هذا الإعلان قبيل انعقاد مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر في تصعيد تلوح فيه حرب مفتوحة بين الحركة المسلحة وإسرائيل. 

كما أعلنت إسرائيل حالة الطوارئ الشاملة في محيطٍ يقارب 80 كيلومترًا بغلاف قطاع غزة في عملية مضادة سماها الجيش الإسرائيلي «السيوف الحديدية»، استدعى بموجبها عشرات الآلاف من جنود الاحتياط من مختلف الوحدات العسكرية. نتنياهو توعد حماس قائلًا: «سيدفع العدو ثمنًا غير مسبوق»، معلنًا أن بلاده في حالة حرب. بعد التصريح مباشرة، بدأت غارات الطائرات الإسرائيلية على أهداف حماس العسكرية في قطاع غزة، علمًا بأن الحركة أثبتت تفوقًا في إخفاء مواقع منشآتها العسكرية، ما يشي بأن المدنيين في قطاع غزة سيدفعون كلفة أي عملية إسرائيلية موسعة كما هو معتاد.

مناورة حماس التكتيكية

استخدمت حماس في عمليتها خطة للمناورة وتشتيت انتباه الجيش الإسرائيلي، فبينما رشقت قذائف «القسام» المدن والبلدات الإسرائيلية في الصباح الباكر بألفي صاروخ وقذيفة صاروخية، تبعها ما لا يقل عن ثلاثة آلاف قذيفة أخرى، استغلت حماس حالة الفزع التي أحدثها هجومها المباغت وانشغال الجيش الإسرائيلي بتفعيل خطة لصد الهجوم النوعي، لتُقْدِمَ على تنفيذ عمليتها الحقيقية بشن هجوم على غلاف القطاع بحرًا وبرًا وجوًا مستخدمة القذائف والعربات المصفحة والطائرات الشراعية ووحدات «صقر» المدربة على حروب المظلات، ما اعتبرته إسرائيل في ما بعد هجومًا مزدوجًا.

بفضل هذا التكتيك، أعلنت وسائل إعلام إسرائيلية نقلًا عن الجيش الإسرائيلي أن حماس باتت تسيطر بالفعل على المستوطنات المجاورة لقطاع غزة المحاصر. وأضافت إذاعة راديو إسرائيل أن 35 إسرائيليًا وقعوا في أسر «القسام»، مشيرة إلى أن اشتباكات مسلحة نشبت في نقطة للشرطة في بلدة سديروت. كما نشرت حسابات الجيش الإسرائيلي بدء عملية موسعة تحت اسم «السيوف الحديدية» على القطاع ردًا على الهجوم الصاروخي لـ«القسام». 

وأعلن تلفزيون «الأقصى» التابع لحماس تنفيذ عمليات نوعية بالقصف الموجه إلى سبعة مواقع عسكرية في الضفة الغربية، فيما استهدف فلسطينيون راجلون حاجز مخيم قلنديا وعدة حواجز عسكرية في محيط نابلس، كما استهدفوا مستوطنة بيت حيفر القريبة من شويكة في طولكرم، وممتلكات للمستوطنين بالقرب من قرية عربونة شرق مدينة جنين بالضفة الغربية المحتلة، ومستوطنة كريات أربع بالخليل. كل ذلك يؤشر على تطور أساليب وتكتيكات حماس، لا من حيث المناورة الناجحة وحدها، وإنما من حيث تحديد الأهداف.

رمزية العملية

اعتادت حماس أن يكون لعدد القذائف والصواريخ التي تبدأ به رشقتها الأولى نحو إسرائيل دلالة أو رمزية ما. 

سابقًا، أعلنت حماس في عام 2022 على لسان رئيس الحركة في قطاع غزة، يحيى السنوار، أن الرقم 1111، وهو عدد الصواريخ التي استهدفت به حماس إسرائيل في رشقتها الأولى في أبريل 2022، هو تاريخ وفاة الرئيس السابق، ياسر عرفات، في الحادي عشر من نوفمبر 2004. في ضوء ذلك، قد يكون للعدد الذي باغتت به حماس إسرائيل السبت بغاراتها الصاروخية دلالة، فقد تخطى عدد القذائف المبدئي ضعف العدد الفائت. يعزز ذلك إعلان قائد كتائب عز الدين القسام، الذراع العسكري لحماس، محمد الضيف بدء العملية في العمق الإسرائيلي تحت اسم «طوفان الأقصى» ردًا على ما وصفه بـ«الجرائم الصهيونية» بحق المقدسات، لافتًا لكونها فقط مرحلة أولى، وستليها مراحل أخرى.

ضمن رمزية العملية دون شك ما نشرته «القسام» لاحقًا في الصباح لما قالت إنه مشاهد حية لإزالة الجدار الإسرائيلي الفاصل شرق مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة. كذلك تداولت وسائل التواصل الاجتماعي فيديو ينسب لفلسطينيين من قطاع غزة يوثق هروب عشرات المستوطنين بعد الهجوم المباغت لحماس على مستوطنات القطاع. 

ونشرت حماس فيديو قالت إنه لاستهداف دبابات إسرائيلية من طراز ميركافا 5 المتطورة والمستخدمة حديثًا من قبل تل أبيب على حدود القطاع مع إسرائيل، وأعلنت قتل الجنود الإسرائيليين فيها وأسر آخرين. كما نشرت الناشطة الفلسطينية، مريم البرغوثي، وآخرون صورة لمعبر إيريز وقد فُتح من جهتيه بين غزة وإسرائيل.

بحرًا وجوًا وبرًا - تطور نوعي

موقع «تايمز أوف إسرائيل» نقل عن الجيش الإسرائيلي أن كتائب «القسام» تمكنت من اجتياح مستوطنات قطاع غزة برًا وبحرًا وجوًا، وهو ما يشي بفشل أمني إسرائيلي خطير في الجهد الاستخباراتي عن ترسانة حماس الصاروخية. 

كما تناقلت وسائل إعلام إسرائيلية أنباء أسر مسلحي حماس القائدَ الميداني لقوات العمق في الجيش الإسرائيلي، نيمرود أعلوني. لو صحت هذه الأنباء، سيُثْبَتُ على إسرائيل فشل أجهزتها الاستخباراتية في الكشف عن الهجوم قبل وقوعه، بل عدمُ قدرتها حتى على صده على الأقل في الساعات الأولى بشكل باتر.

كما أنه من اللافت بدء اعتماد أسلوب الذئاب المنفردة في الهجوم البري، إذ دعت مجموعة مسلحة تحت اسم «عرين الأسود» الفلسطينيين المسلحين الفرادى إلى التحرك ومعاونتهم، كما طلبت غطاءً من الأهالي في غزة بإطفاء الأنوار والكاميرات لحفظ سرية العمليات وهوية المنفذين. عزز هذه الدعوة الفلسطينيون في الضفة الغربية المحتلة بالخروج في مسيرات نصرةً لمقاتلي حماس. 

ويسبب كلُّ ذلك ارتباكًا في الأساليب الدفاعية الإسرائيلية، حيث من الممكن أن يتطور الأمر من حرب مفتوحة أو ضربة إسرائيلية لقطاع غزة إلى حرب شوارع حقيقية قد تمتد من قطاع غزة إلى الضفة الغربية المحتلة أو إلى المدن والبلدات المختلطة.

ترسانة حماس الصاروخية

تَعتبر إسرائيل أنها متفوقة على الفصائل الفلسطينية خصوصًا حماس، لامتلاكها ترسانة من سلاح الجو الأمريكي الفائق والطائرات المسيرة، فضلًا عن أنظمة استخباراتية متقدمة وإحداثيات دقيقة لمواقع حماس العسكرية. ومع ذلك خلال العامين الفائتين وحدهما، تمكنت «القسام» أكثر من مرة إبان أحداث الشيخ جراح في مايو 2021 وأبريل 2022 من استخدام تكتيكات نوعية استغلت فيها ترسانة هائلة من القذائف والصواريخ محلية الصنع، يبدو أنها في تطور مستمر بعيدًا عن معلومات إسرائيل الاستخباراتية. وأسقطت قذائف حماس اليوم -وقبل عامين- الدفاعات الإسرائيلية مخترقة القبة الحديدية التي كلفت إسرائيل أموالًا طائلة.

ترسانة حماس الصاروخية تشمل مجموعة نوعية من صواريخ أرض-أرض وصواريخ مزدوجة المحرك على غرار كورنيت المضادة للدبابات، والتي يعتقد إلى حد بعيد أنها هُربت عبر الأنفاق بين شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة. أما عن الصواريخ محلية الصنع، فيعتقد أنها طُورت داخل قطاع غزة باستخدام تقنيات إيرانية.

واللافت في هجوم السبت، أن الصواريخ المستخدمة ليست كلها من نفس الطراز أو مدى الإصابة، بل تفاوت مداها بين صواريخ «القسام» قصيرة المدى (10 كيلومترات) والقدس 101 (16 كيلومترًا) ونظام صواريخ جراد (50-55 كيلومترًا) وصاروخ سجيل 55 (55 كيلومترًا)، فضلًا عن قذائف الهاون، سلاح الفصيل التقليدي.

كما يشي هجوم السبت أيضًا بتطور نوعي في حيازة حماس صواريخَ طويلةَ المدى على غرار إم 75 (75 كيلومترًا) وفجر (100 كيلومتر) و160 آر (120 كيلومترًا) وصواريخ إم -302 إس التي قد يبلغ مداها 200 كيلومتر. 

ويؤسس ذلك لتطور آخر، يُحسب له من حيث التفوقُ خلال العامين الماضيين، إذ يبدو أنه جرى تخزينُ أعداد كبيرة سابقًا، نظرًا لعدد قذائفها صباح اليوم، حيث وصل عددها إلى خمسة آلاف.

القبة الحديدية

قبل أكثر من عامين، في مايو 2021، واجهت وسائل الإعلام الإسرائيلية الساسة الإسرائيليين -سيما في وزارة الدفاع- بفشلهم الذريع بالتنبؤ بالهجوم الذي أتى من قطاع غزة أيضًا إبان أحداث الشيخ جراح في القدس الشرقية، حيث اعترضت القبة الحديدية الإسرائيلية أقل من 90% من الصواريخ التي دخلت المجال الجوي الإسرائيلي آنذاك. 

وعُزي ذلك لفشل بطارية القبة الحديدية التي تتولى الدفاع عن مدينة عسقلان في العمل واعتبارها خارج الخدمة بسبب عطل فني وفشل في التنبؤ بالعملية الفلسطينية آنذاك. ولكن تكرر ذلك بشكل أقسى في هجوم السبت من قبل حماس، إذ لم يكن فشل أنظمةُ الدفاع الجوي ولا خططُ الدفاع الإسرائيلية بقصف مخزون حماس مسبقًا أو أماكن تصنيع الصواريخ أو حتى دحر الهجوم بعملية برية نوعية سريعة أمرًا في الحسبان الإسرائيلي، خاصة مع محدودية مساحة قطاع غزة وعدم وجود مهرب للفلسطينيين بداخله خاصة المدنيين منهم، يحميهم من عملية انتقامية إسرائيلية. 

وفتح الجيش الإسرائيلي سابقًا تحقيقًا في مدى نجاعة القبة الحديدية والسبب في فشلها في درء الهجمات المسلحة من قطاع غزة. واستعاضت إسرائيل عن القبة بمنظومة الدفاع الجوي الصاروخي «مقلاع داوود» في التصدي لصواريخ حماس. وقال مصدران في الجيش الإسرائيلي إنه جرى بنجاحٍ استخدام مقلاع داوود عمليًا للمرة الأولى في مايو من العام الجاري أثناء اقتتال عبر الحدود مع مسلّحي غزة.

هل تتغير قواعد الاشتباك؟

من كل ما سبق، يبدو جليًا تفوقُ الذراع العسكري لحركة حماس في تغيير مسار الاشتباك المعتاد بين الفصائل المسلحة وإسرائيل، إذ نجحت بالمناورة وتشتيت الانتباه في تسجيل نقطة على إسرائيل وأنظمتها الدفاعية والاستخباراتية من جانب، وتشتيت انتباهها عن لب العملية الحقيقة من جانب آخر. وحتى لو شنت إسرائيل عملية شاملة ضد قطاع غزة، فلن تتمكن من إعادة عقارب الساعة إلى الوراء واستهداف منصات إطلاق الصواريخ التي هاجمتها بسبب سرية مواقعها وفشلها الاستخباراتي في تحديد تلك المواقع. 

كذلك من المرتقب أن تتطور أساليب الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة والقدس والمدن المختلطة لو اتسعت رقعة الاستجابة لدعوات استنفار الذئاب المنفردة، وهو ما بدأت دلائله بالفعل مع سلسلة الهجمات الفردية التي أوقعت خسائر بشرية لا يستهان بها في الضفة الغربية المحتلة، فيما لم يُجدِ استهدافُ المنفذين من قبل إسرائيل. 

وأخيرًا، ستكون السلطة الفلسطينية في موقف لا تحسد عليه لو خرجت الأمور عن السيطرة في الضفة والقدس مساندةً لحماس في قطاع غزة، وانعزال خيار الهجمات الفردية عن التوجيه السياسي الرسمي، ما يؤشر لتغيّر كبير في مفردات وقواعد الاشتباك بين المدنيين والمسلحين الفلسطينيين من جانب والسلطة الفلسطينية من جانب آخر، وبين إسرائيل.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن