تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
بورصة للسلع أم دُكَان للحكومة؟

بورصة للسلع أم دُكَان للحكومة؟

كتابة: محمد عز، ندى عرفات 9 دقيقة قراءة

الأسبوع الماضي، طرحَت بورصة السلع في جلستها الأسبوعية كميات من فول الصويا (أحد مكونات الأعلاف) للبيع على القطاع الخاص. انتهت الجلسة دون بيع أي كمية، وانسحبت الشركات الخاصة، بعدما طلبت الحكومة سعرًا أعلى من سعر السوق المحلية، حسبما قال متعاملون في البورصة.

فشل جلسة البيع، وعرض الحكومة سعرًا للصويا -وقبله القمح والذرة- أعلى من أسعار السوق المحلي والعالمي، أثارا علامات استفهام بشأن قدرة بورصة السلع على تحقيق الهدف الأساسي منها: توفير السلع بكميات وأسعار مناسبة، ما يعمل على كبح جماح الأسعار. 

كانت الأسعار العالمية للسلع الغذائية -خصوصًا القمح ومكونات صناعة الأعلاف- شهدت ارتفاعًا بمعدلات غير مسبوقة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022. سريعًا ما تأثرت السوق المصرية بهذا الارتفاع. وبعد شهور، عاودت الأسعار العالمية الهبوط تدريجيًا. لكن أسعار السلع ذاتها في السوق المحلية لم تنخفض، ما دعا وزارة التموين إلى محاولة السيطرة على الأسعار بطرق مختلفة، كانت إحداها بورصة السلع. 

تأسست البورصة السلعية المصرية، بحسب قرار مجلس الوزراء عام 2020، كشركة مساهمة مصرية، تُساهم فيها الحكومة بشكل مباشر بـ34% عبر هيئة السلع التموينية، ويمتلك البنك الأهلي وبنك مصر والبنك الزراعي، وهي بنوك حكومية، 16%، إضافة إلى مساهمات من القطاع الخاص، بحسب تقرير حديث من مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لرئاسة الوزراء، الذي أشار إلى أن نموذج عمل البورصة الحالي يختلف جوهريًا عن أيٍ من نماذج بورصات السلع العالمية، بما في ذلك البورصات السلعية في الدول النامية المشابهة مثل إثيوبيا وغانا وتنزانيا.

تطوَر نموذج بورصات السلع العالمية كثيرًا عن شكل الأسواق قديمًا، التي اعتمدت على طرفين: بائعون ومشترون. يفترش الباعة الأرض، ويعرضون منتجاتهم لمئات المشترين الذين يتجولون بينهم، ليختار المشتري السلعة المناسبة له من حيث الجودة والكمية والسعر.

في مقصورة البورصة المعاصرة، لا توجد سلع حقيقية، ولا يفترش الباعة الأرض، ولا يتجول المشترون. بدلًا من ذلك، يعرض البائعون عقودًا تُثبت ملكيتهم لسلعة ما بكمية معينة، ويحاولون اجتذاب عروض من باقي التجار لشرائها بسعر معين. قد يكون ذلك في صورة عقود فورية قابلة للتنفيذ، كأن يكون المحصول حُصد بالفعل وحُمّل على شاحنات لنقله للمشتري (حال كونها سلعًا زراعية)، أو في صورة عقود آجلة، قبل بداية الزراعة أصلًا، فيفترض هنا البائع أنه سيتمكن من الحصول على كمية معينة من سلعة ما يبيعها للمشتري ويحصل على ثمنها قبل حتى زراعتها. يتم ذلك إما في مبنى للبورصة، أو حتى في صورة بورصة افتراضية لا وجود لها سوى في الفضاء الإلكتروني.

يحمل ذلك النموذج الأساسي مكاسب متعددة لجميع الأطراف. بالنسبة للبائع أو مُنتج السلعة، يضمن حصوله على سعر مناسب مقدمًا يمكنه من الاستمرار في الزراعة دون تحمل تكلفة الإنتاج منفردًا، أو حتى يقرر أن السعر المعروض مُقدمًا غير مغرٍ له بزراعة محصول معين، فيستعيض عنه بمحصول آخر. أما المشتري، فيتمكن من حساب المعروض من تلك السلع، وتقدير مكسبه مُقدمًا والحصول على أفضل كمية وجودة وسعر تناسب احتياجاته.

بين البائع والمشتري، تتمكن جهات مختلفة، حكومية أو خاصة، من تقدير حجم السلع المختلفة استباقيًا، وبالتالي حساب مدى توافرها أو نقصها في السوق المحلية، وإعداد خطة لتصديرها أو استيرادها بناءً على هذه المعلومات، فضلًا عن تحديد سعر السلعة. كذلك، تظهر جهات تعرض على المشترين عقود تأمين تضمن حصولهم على تعويض حال حدوث ظروف خارجة عن الإرادة تؤثر على المحصول، مثل تأثير تغيرات المناخ، أو الظروف القهرية، كالحروب والثورات.

وفي كل الأحوال، لا يكتفي حائزو عقود السلع بالاحتفاظ بها، بل يمكنهم دائمًا الاستثمار فيها ببيعها مبكرًا للحصول على سيولة نقدية، أو بيعها لتجار آخرين مقابل مكسب.

عمل البورصة بهذا الشكل، رغم إشكاليته، يسمح باستقرار السوق بسبب وجود تداول واضح للمعلومات لجميع الأطراف. 

«لو إنتاج البطاطس انضرب في سنة بسبب المناخ أو لأي سبب تاني، ده بينعكس على العقود الآجلة، بيبان من خلالها النقص. بالتالي الجهات المعنية بتبقى عارفة إن مخزون البطاطس هيكون قليل، وبناءً عليه تقرر هتصّدر كميات قد إيه، أو تمنع التصدير خالص علشان تحافظ على المخزون المحلي»، يوضح السفير، محمد نصر، مدير إدارة تغير المناخ بوزارة الخارجية، وكبير مفاوضي الرئاسة المصرية لقمة المناخ، العام الماضي.

لكن البورصة السلعية المصرية لا تتشابه مع النموذج العالمي سوى في الاسم فقط. فلا يوجد سوى بائع وحيد، وبضعة مشترين. لا توجد عقود آجلة، ولا عقود تأمين، ولا يخضع التسعير للعرض والطلب. النموذج المصري يقترب أكثر من كونِه منفذ بيع حكومي لتجّار القطاع الخاص. فبدلًا من أن ينافس التجّار على العرض والطلب، تطرح الحكومة سلعًا ليشتريها القطاع الخاص عبر البورصة.

رغم ذلك، ترى الحكومة في ذلك النموذج إمكانية للتأثير على أسعار السوق المحلية، بأن تطرح البورصة على التجار كميات من السلع الاستراتيجية مرتين في الأسبوع، بأسعار أقل من السوق، على افتراض أن يُعيد التجّار طرح تلك الكميات في الأسواق بأسعار أقل من السائدة، وبالتالي تنخفض الأسعار بشكل عام. 

نظريًا، كان الهدف من البورصة بهذا الشكل وارد التحقيق، لكن ذلك لم يحدث.

بدأ عمل البورصة السلعية في نوفمبر الماضي بالقمح. طرحت التموين كمية تقترب من 12 ألف طن، بسعر 9.75 ألف جنيه للطن، في وقت تجاوز سعر القمح في السوق 11 ألف جنيه. استمرت طروحات البورصة بأسعار مخفضة، لكن الكميات المطروحة كانت أقل من أن تؤثر على سعر السوق. 

تشير بيانات البورصة السلعية إلى أن إجمالي مبيعاتها، منذ إطلاقها في نوفمبر الماضي، لم يتجاوز مليون طن من السلع المختلفة. الجزء الأكبر من تلك السلع كان من نصيب القمح الروسي، الذي استحوذ وحده على 86% من حجم «التداولات»، تتبعه الذرة الصفراء الأوكرانية والرومانية، بحجم «تداول» لا يتعدى 5%.

«علشان أسعار السوق تنزل لازم البورصة تطرح كميات ضخمة في وقت واحد بسعر قليل. لكن الـ24 ألف طن قمح اللي بتطرحهم في الشهر هيعملوا إيه في ظل إن احتياجات القطاع الخاص 500 ألف طن؟ خصوصًا لو مش عارف الكميات اللي بتتوزع بتروح فين بالظبط» يقول وليد دياب، الرئيس الأسبق لشعبة المطاحن، لـ«مدى مصر».  

جانب آخر من المشكلة ظهر في سوء طرح تلك الكميات المحدودة. وفقًا لثلاثة مصادر بقطاع الحبوب والمطاحن، العديد من المطاحن، المتوقفة واقعيًا عن العمل، سجلت كمشترٍ في البورصة، ثم حصلت على حصص من القمح الذي عرضته الحكومة في البورصة بأسعار مخفضة، باعته في السوق الحرة بأسعار أعلى، ما ساهم في تفاقم الأزمة. 

عدم الانضباط في طرح القمح لضمان وصوله بأسعار مناسبة للمنتجين، تكرر مع الذرة الصفراء. كانت الوزارة أكدت أكثر من مرة أنها ستطرح مكونات الأعلاف عبر البورصة لصالح المصانع الصغيرة التي تتراوح طاقتها الإنتاجية بين 20 و100 طن يوميًا، على أن تبيع هذه المصانع الأعلاف بسعر عادل لصغار منتجي الدواجن. لكن مصدر بقطاع الأعلاف، قال لـ«مدى مصر»، إن الوزارة ألغت مبدأ عدالة التسويق للمستحقين، موضحًا: «في آخر اجتماع مع الوزارة عرفنا إنهم سمحوا لأي حد يشتري عادي».

واستنكر مصدر بقطاع المطاحن قرار السماح لكل المصانع بشراء مكونات الأعلاف من البورصة: «لو هوزع البضاعة على المصانع الكبيرة اللي كانت محتكرة السوق بنفس سعر السوق يبقى كده إيه اللي اتغير؟ كده التموين وفرت عليهم بس الاستيراد بالدولار»، مضيفًا أن الكميات التي تطرحها البورصة ضئيلة مقارنة باحتياجات القطاع. فيما قال المصدر نفسه إنه إذا لم تضخ التموين كميات كبيرة بأسعار مخفضة، فلن تؤثر على السوق أو تنقذ قطاع الدواجن، أو أي قطاع آخر.

بدلًا من أن تعرض الحكومة كميات إضافية بأسعار مخفضة، بدأت في رفع أسعارها، حتى اقتربت من أسعار السوق المحلية في بعض الأحيان، وتجاوزته في أحيان أخرى. وفي كل الطروحات، كان السعر أعلى من الأسعار العالمية.

خلال جلسة بيع فول الصويا الأسبوع الماضي، عرضت الحكومة سعر بلغ 24 ألف جنيه للطن، فى الوقت الذى تراجعت فيه أسعار فول الصويا فى الأسواق إلى 23 ألف جنيه للطن. وكذلك في طروحات الذرة، التي وصلت في الجلسة نفسها إلى 13.5 ألف جنيه للطن، في الوقت الذي بلغ أعلى سعر في الأسواق المحلية إلى 12 ألف جنيه، بحسب بيانات السوق التي اطلع عليها «مدى مصر».

أما في حالة السلعة الأهم في البورصة، القمح، فلم تعد «التموين» تطرحه بفارق سعري كبير عن سعر السوق كما كان يتم في بداية انطلاق البورصة. إذ تعرض حاليًا القمح الروسي بسعر 11 ألف جنيه للطن، فيما لا يتجاوز السعر في السوق المحلي 11.2 ألف جنيه للطن، أخذًا في الاعتبار أن كلا السعرين -الحكومي والخاص أعلى من السعر العالمي.

«طب القطاع الخاص عنده مصاريف مختلفة من ضرائب وجمارك وتدبير عملة. الحكومة مش بتدفع كل دا، يبقى بيبيعوا بسعر أعلى ليه؟»، يتساءل أحد المصادر في قطاع الحبوب.

برر عضو لجنة الزراعة في مجلس النواب، مجدي ملك، أسعار الحكومة بأنها اشترت القمح بسعر تجاوز 450 دولار للطن. «هما اشتروا بالغالي من برة، فكفاية إنهم بيبيعوه للسوق المحلي ومش بيسيبوا القطاع الخاص يستورد»، يقول ملك لـ«مدى مصر». 

لكن بيانات أسعار القمح العالمية تفند تبرير النائب، حيث توضح أنها لم تتجاوز 330 دولار منذ مايو العام الماضي، بما فيها الأسعار التي اشترت بها الحكومة القمح. وعمومًا، شهدت أسعار القمح العالمية انخفاضًا تدريجيًا من 329 دولار للطن (10.20 ألف جنيه) بداية العام الجاري إلى 250 دولار للطن (7.8 ألف جنيه) حاليًا. 

وخلال الشهور الماضية، تعاقدت هيئة السلع التموينية على شراء قمح مستورد عبر مناقصات وممارسات، وكذلك عقود بالإسناد المباشر، كان آخرها الشهر الماضي، حينما تعاقد على شراء 480 ألف طن قمح روسي، بسعر 270 دولار للطن، أي أقل من 8400 جنيه.

رغم ذلك، رفعت الحكومة سعر قمحها المُباع للقطاع الخاص في بورصة السلع من 10.25 ألف جنيه للطن (330 دولار للطن) ليصل إلى السعر الحالي 11 ألف جنيه، بما يوازي 354 دولار للطن، بفارق يصل إلى أكثر من 100 دولار للطن عن السعر العالمي، ونحو 80 دولار للطن مقارنة بالأسعار التي اشترت بها الحكومة القمح خلال الشهور الماضية.

محاولات التربح لم تكن الاتهام الوحيد للحكومة، إذ اتهم تجار حبوب ومصادر بقطاع الإنتاج الداجني، البورصة بمحاولات بيع سلع ذات جودة سيئة أو أوشكت على الفساد بهدف التخلص منها. 

عرضت البورصة قمحًا ألماني المنشأ بأسعار منخفضة لا تتجاوز 10.3 ألف جنيه، للطن في ثلاثة جلسات خلال ديسمبر الماضي. لكن، بحسب متعاملين في بورصة السلع، كان هناك صعوبة في بيع القمح الألماني بسبب رداءة مواصفاته.  

ووفقًا لمستورد بقطاع الحبوب، شحنة القمح الألماني التي تحاول «التموين» بيعها، وصلت إلى مصر في مايو 2022 لصالح شركة «Cairo 3A» للاستيراد والصناعات الغذائية التي لم تتمكن من بيع معظمها بسبب انخفاض جودتها. لم تجد الشركة مشترٍ للقمح سوى هيئة السلع التموينية، التي وافقت على شراء أكثر من 120 ألف طن من الشركة، بالعملة الصعبة، بسعر 430 دولار للطن (ثمانية آلاف جنيه تقريبًا بسعر الصرف وقتها)، في اتفاقيتين خلال يوليو الماضي، إحداهما بالأمر المباشر، رغم وجود القمح في مخازن الشركة بميناء دمياط، بحسب بيانات تجارية اطلع «مدى مصر» على نسخة منها.

كان مصدر بقطاع الأعلاف، قد أكد لـ«مدى مصر»، في تغطية سابقة، أن المصانع تشعر بالقلق إزاء جودة الذرة التي تعرضها البورصة، حيث تم تخزينها لفترات تتجاوز المدة الآمنة، ما يوحي بأن الوزارة تحاول التخلص من الكمية الموجودة لديها، خصوصًا بعدما رفضت «التموين» السماح للمصانع بمعاينة الذرة قبل الاستلام، واشترطت دفع ثمن البضاعة قبل «رؤيتها»، كما رفضت أن يتم استرجاع الشحنة في حالة كانت غير متوافقة مع متطلبات ومواصفات التصنيع من وجهة نظر الشركات.

 على مدار عامين، تشير زيادات التضخم المتتالية إلى أن محاولات الحكومة في حل أزمات ارتفاع أسعار السلع الغذائية لم تؤتِ بثمارها، بما في ذلك محاولة البورصة السلعية. على الرغم من ذلك، انخفضت بالفعل أسعار بعض السلع، مثل القمح والدقيق، بفعل انخفاض الطلب بنحو 20% مدفوعًا بانخفاض استهلاك المطاحن المحلية، وكذلك تهاوي الطلب على صادرات مصر من الدقيق للسودان بسبب تكدس الشاحنات على الحدود المصرية السودانية، بحسب الرئيس الأسبق لشعبة المطاحن. وبالمثل، فإن بيع الحكومة للذرة الصفراء في البورصة منذ أبريل الماضي لم يُسهم في خفض أسعارها، وإنما جاء انخفاض أسعارها نتيجة انهيار قطاع الدواجن، وخروج 80% من المزارع من السوق، وانخفاض الإنتاجية من أربعة ملايين طائر يوميًا إلى 800 ألف طائر، ما أضعف الطلب على الأعلاف ومكوناتها.

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن