تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
بنور الشمس

بنور الشمس

خطوة عزيزة #8| قبل ما تمشوا آنستونا

كتابة: لؤي رضوان 7 دقيقة قراءة

#جو عام

كنتم مع «خطوة عزيزة»، وهي سلسلة وضع أساسها ودعا الناس للإقامة بها هيثم الشاطر وهاني المصطفى، وفي حلقاتها السابقة شكلنا بيتًا مجازيًا، بابه تفتحه مريم عبد العزيز، فندخل سفرة يوسف أبو عالية، لكنها لا تقدم لنا طعامًا بل أجمل المفاجآت، وحين نجلس في صالون أحمد رشاد يُرفع ستار المسرح. وفي مطبخ المصطفى نأكل، والشبع يوّلد حكمة عظيمة خائبة عند الشاطر مثل إمكانية إنقاذ العالم بالسباكة. 

شمّمنا الهواء في بلكونة بسمة جاهين، ثم قلبنا الدولاب مع يسرا عبد اللطيف، تمهيدًا لخروج أو هجرة. 

من خبرة الغربة، يكتب لؤي رضوان عما يميز البيت المصري وننساه لوفرته؛ نور الشمس. فالبيت الذي تزوره كله فيتامين د وأمور أخرى تتحس، لأن الشمس صنعتها تشمّس والقلوب صنعتها تتحمّس، كما قال فؤاد حداد، ومع رضوان نقفل السلسلة، وقبل ما تمشوا آنستونا.

#خطوة عزيزة

أعود إلى منزلي الصغير كل يوم بعد عمل شاق، أفتح نافذتين للتهوية لمدة خمس دقائق فقط تفاديًا للبرد، وأشاهد من البلكونة أمامي منظر المنازل الأوروبية ذات الأسقف المميزة، وأقول أين أنا، وكم ابتعدتُ؟

كنت أملّ من اتصالات أبي بعد العمل، «أين أنت؟ الغذاء جاهز!» فأعود إلى بيت أهلي في الإسكندرية مُسرعًا، أمي في المطبخ تصاحب صورتها رائحة الطعام الشهي، وأبي أمام الأخبار، حين ينتهي إعداد الطعام أكون قد أنهيت مشاكساتي السياسية مع أبي.

ذلك حينما كان الدفء مجازًا، حينما كان كل شيء مجازًا. قبل الانطلاق في رحلة فضائية إلى الشمال.

انتهي من عملي في الشركة الألمانية الفخمة، فخمة ونظيفة إلى حد الإزعاج، إزعاج مَن يرى وجهًا بشريًا بلا خدش حلاقة ذقن ولا أثر حب شباب، فيسأل نفسه عن وعورة طفولته، ارتدي الجاكت بسرعة، وأضع السماعات في أذني «فين وفين.. بتغيب وناسينا، فين وفين سايب أراضينا» لهشام عباس، لا أتذكر تفاصيل الفيديو كليب، لكنني استدعي بوضوح قميص هشام الأحمر المشجر، خنفساء تجري مسرعة تاركة آثار أقدامها، والشمس والشاطئ، ورقص هشام المرتجل المرح. أخرج من باب الشركة مُتلحفًا بكوفيتي، فأشعر أن هشام نفسه سيسألني في السماعات مصدومًا «إيه السقعة دي؟ والسماء الرمادي ليه؟ مش مغني!»

أدخل بيتي الصغير متلمسًا الدفء، الدفء الحرفي لا المجازي. بيتي، كبسولتي الفضائية، حيث تنعدم الجاذبية وأحلق في الفراغ وحيدًا بعد يوم عمل شاق، وأمام التلفزيون أشرد وأستعيد بصور خاطفة ما تركته ورائي.

لم يكن بيتي الصغير في ألمانيا نتاج بحث متفحص، كان أول البيوت التي عُرضت عليّ، وما إن زرته ورأيت نور الشمس يتدفق من نافذته بحكم موقعه على الشارع الرئيسي اخترتُه، قالت لي السيدة المالكة محذرةً بأدب بأن صوت السيارات قد يكون مزعجًا، فرددتُ مغمغمًا وأنا أنظر من النافذة «إنتِ متعرفيش حاجة عن الإزعاج يا حاجة!»

التلفزيون في الغرفة ليس ذكيًا، «ريسيفر» بقنوات ألمانية وأوروبية، وحليت المشكلة، «فاير ستيك» من «أمازون»، يوتيوبي الجميل، وعلى الفور شغلت عدوية «زحمة يا دنيا زحمة»، وفتحت النافذة ورفعت الصوت قليلًا، لأغرس في تلك البقعة الشمالية بصمةً وعلمًا.

استيقظ من النوم سريعًا، التأخير عن العمل ليس مطروحًا هنا، يجب الإثبات لهم كل يوم، بل كل ساعة، أنني ندٌ، وأننا نعرف المواعيد والالتزام، وأننا وأننا.. وانتبه أني أصبحت هامشًا يثبت نفسه، لا مركزًا كما كنتُ. مركز يصدِّق على الزائرين والهوامش.

أركض لألحق الترام، وبعدها الباص.. كل يوم.

الوجوه أصبحت مألوفة، عدد من ركابه زملاء في العمل، ولذلك حدقنا في بعضنا البعض عندما مرّ الباص ولم يتوقف، واكتشفنا أنه بالمصادفة لا أحد منّا قد ضغط على زر التوقف، ورغم أن السائق يعرفنا ونعرفه، يمر في الدقيقة السابعة، لم يتوقف. انتظرتُ ألمانيًا يصيح فيه «ورانا أكل عيش ياسطة» ولم يصِح أحد، ضحكتُ لالتزامه الحرفي بالقانون وانعدام مجازه، ومع ذلك شعرت بغصة ودبيب قلق.

تحكي قصة «معضلة التوأم» عن تيم وچيم، ينطلق الأول خارج الأرض بسرعة تقارب سرعة الضوء. لا أتذكر تحديدًا حسابات نظرية النسبية التي درستها في الجامعة، لكنني أذكر أن تيم عاد بعد أن مرت عليه أربع سنوات، فوجد أن چيم، وجميع مَن في الأرض، قد كبروا بعشر سنوات.

في النسبية، الزمن ليس مرجعًا، الزمن يتمدد وينكمش.

في العادة لا أتذكر المعادلات والحسابات مما درست في كلية الهندسة، فقط أتذكر القصص الافتراضية الشارحة للنظريات.

مَن هو صاحب التوقيت الصحيح؟ يجيب أستاذنا في المحاضرة عن هذا السؤال: «السؤال نفسه لا يصح!»

أنا الآن مع تيم في الكبسولة، في رحلة خارج الوطن، نحملق من نوافذ السفينة الفضائية في العالم الخارجي، يذهلنا اتساع العالم، ومدى تفاهتنا أمامه، وتشابه البشر المذهل واختلافهم في آن واحد، نقول ونحن مشدوهو الوجوه «لم يكن عندنا أي فكرة!».

نتخيل عودتنا، لقاءنا بالأخ الأرضي في الوطن، نسأل بعضنا بعضًا، مَن منا قد فاته عمره، مَن ربحه؟ ومَن ضيعه؟ 

يحدق الأستاذ في ثلاثتنا ويجيب: السؤال نفسه لا يصح!

لا مجال للسؤال، يجب أن أنام مبكرًا فغدًا يوم عمل جاد.

بعد الاستيقاظ أهرع للمطبخ لأجهز ساندويتشًا صغيرًا، وأتذكر أنني لم أسق نبتتي الصغيرة على الطاولة منذ فترة، وبعد توبيخ سريع لذاتي وسقاية للنبتة العطشى، ألاحظ نضارتها، خضرة ثابتة كثبات تمثال رغم العطش.

في الصيف وعند تسلل الشمس إليها كانت الأوراق تستدير وتتحرك، ومنذ حلول الشتاء الطويل الرمادي، تيبست أشياء: نبتتي، وشيء ما بداخلي أيضًا.

لا وقت للدراما.. يجب الإسراع للحاق بالترام.

أتفحص جدولي على تليفوني وأنا في الترام، آه اليوم عندي تدريب، تدريب موضوعه «طرق حل المشكلات»، أقول في نفسي «كفى علامًا، تعال وحل مشاكلي بنفسك».

«كورس» مكثف في التدريب على التفكير المنطقي للمساعدة على إصلاح المشكلات التقنية في عملي، بكفاءة وسرعة.

يخترع المدرب سيناريوهات لمشكلات، يقسّمنا مجموعات تماثل أقسام الشركة، يفترض انفصالنا البشري التام عن بعضنا كأقسام، التواصل سيكون حصريًا للتنسيق فيما يخص المنتج وفقط، لضمان السرعة والكفاءة، لأن تلك هي الرأسمالية، سرعة وكفاءة وتواصل محترف، على حد قوله. فعلًا، كان سائق الحافلة الألماني كفؤًا، يعلم يقينًا أنها محطتنا، ولكننا سهوًا لم نضغط جميعنا على زر التوقف، فانطلق لا يلوي على شيء، لأننا في قسم آخر، قسم الركاب. كفاءة مرعبة.

«مَن ربح عمره ومَن.. شششش السؤال نفسه لا يصح» تذكر.

نشأتُ وسط أقاربي في الأساس، بيتنا القديم في العصافرة كان مُحاطًا بأولاد عمومتي وجدتي، شعور القبيلة هو ما فُطرتُ عليه، أقول في نفسي ربما تلك هي المشكلة. انتقلنا بعدها إلى بيت آخر في منطقة أفضل. قسوة الفطام تلك لا تزال في حلقي. أدرك الآن أن قسوة الفطام تحيل الأرواح إلى نوع من القسوة المضادة كدرع للحماية، فتكره ما فُطرت عليه لتسببه في الألم. فطامك يذكرك بهشاشتك، فتكرهها، ولا تزال تحن للماضي. في حلقة سرمدية، تدفعك للبعد، وإلى الحنين معًا، فتتعارض مع قوانين الألمان الضامنة للكفاءة وفصل الأقسام.

يجب أن أنام، فغدًا...

هذا الصباح غريب بعض الشيء، أدرك على الفور السبب، فالسماء تفسح للشمس مكانًا هذا الصباح، أفتح الستائر وأنا أرتدي ملابسي بسرعة للحاق بالباص، وألقي نظرة على نبتتي، قائلًا ربما عليك الآن التحرك قليلًا، استديري ناحية الشعاع المُنسدل النادر يا غبية.

أعود منهكًا إلى كبسولتي الفضائية، أنام على الفور. فأرى نفسي طفلًا، أنا وأخي، أمام البيت في قريتنا الصحراوية الصغيرة في الخليج، قضينا فيه أربع سنوات حيث كان يعمل أبي. في الحلم رأيتنا نراقب من فوق تلة رملية كانت أمام البيت، نرصد السيارات على الطريق السريع، الطريق أمامنا على بُعد كيلومترات وتطل عليه التلة، وتقبع خلفه جبال شاهقة الارتفاع، جبال لا تكترث إطلاقًا بلهفتنا في استقبال صديق أو ضيف.

أصحو من الغفوة المفاجئة، أجهز شيئًا آكله، وأشرد أمام التلفزيون. في تلك اللحظات أتخيل ماذا لو كانت هناك كاميرا في السقف ترصد لحظات الوحدة التامة تلك؟ كم ساعة ستسجل؟ وكيف سأبدو؟

تختلف النسبية عن رؤية ميكانيكا الكم للكون، في ميكانيكا الكم يمكن أن يتواجد الجسم في مكانين وزمانين، وأن يكون له خصائص الموجة والجسيم في نفس الوقت. ولكن للغرابة ما أتذكره جيدًا من الدراسة أن في أثناء التجارب للتأكد من طبيعة الجسم إن كان جسيمًا أو موجة، تتغيّر النتيجة بعملية الرصد نفسها، تختلف النتائج إن كانت تحت عين الراصد أم في صندوق أسود.

ربما ذلك ما سيحدث إن رصدت كاميرا في السقف وحدتي في الغرفة، فالوحدة لا تُرصد، وإن رُصدت لما كانت وحدة.

كفى شرودًا، غدًا يوم عمل.

ألقي نظرة قبل الخروج من البيت على انعكاس الشمس على فراشي، لو أن «فلاش باك» مر عليّ، كما يحدث في الأفلام، فسيكون انعكاس الشمس في أركان البيوت التي سكنتُها، مرة على الفراش في بيتنا القديم بالإسكندرية، مرة على أرض حوش بيتنا في السعودية وأنا أُطعم الأرانب التي ربّيناها، وداخل البيت يغني علي الحجار «وحغني حغني الليلة الليلة ليكي علشان ضحكة عنيكي آه عنيكي عنيكي» وأمي بالداخل ترتب البيت. ربما يحتوي «الفلاش باك» على بيت أهلي الحالي، حين تتعامد الشمس على مركز الكابينيه في منتصف شهر يونيو تحديدًا، فتنعكس بشكل باهر يصل إلى الطرقة المؤدية له، كنافورة ملكية، ساخرة.

أصل للعمل في اليوم التالي بالموعد، يحادثني زميلي بأن اليوم مشمس، والشمس مهمة لإنتاج فيتامين د، فأقول مومئًا برأسي، وأنا أخرج تليفوني من جيبي «طبعًا طبعًا، فيتامين د مهم لتمكين الجسم من امتصاص الكالسيوم بكفاءة»، وأبحث بسرعة عن تذكرة طيران لمصر حتى قبل تصديق المدير على إجازة، أعود لكبسولتي يومها، وقد استعدت جزءًا من الجاذبية.

وسلام.

عن الكاتب

لؤي رضوان

مهندس يعمل بألمانيا حاليًا في مجال أشباه الموصلات. تائه بشدة، تساعده الكتابة على لملمة التوهان والحوسة الحالية بشكل أكبر من أي تفكير هندسي.

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن