تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«بنات وسط البلد».. بحثًا عن معنى الصداقة النسائية

«بنات وسط البلد».. بحثًا عن معنى الصداقة النسائية

بمناسبة إعادة عرضه سينمائيًا في «زاوية»

كتابة: آية طنطاوي 7 دقيقة قراءة

أعلنت سينما زاوية عن عرض خاص في ليلة «الفالنتاين»، قد يتوقع الجمهور فيلمًا رومانسيًا من كلاسيكيات السينما، أو حتى واحد من أفلام يتوقع صدارتها قائمة أهم فيلم رومانسي. بعد التخمينات أعلنوا أن العرض المنتظر لفيلم «بنات وسط البلد»، ولسبب شخصي جدًا طار قلبي من السعادة.

لا يخلو الفيلم من الحب والرومانسية، لكنهما ليسا أساس قصته، بل الصداقة بين ياسمين وجومانة، فتاتان عاديتان، حتمًا لفتك مرورهما العابر بجوارك في شوارع وسط البلد، أو في مترو الأنفاق، ستفكر لثوانٍ في خفتهما الأنثوية وأن وراءهما قصة ما، وسرعان ما يتلاشى وجودهما من ذاكرتك ومجال نظرك لتغرق في وجوه أخرى.

حجزت لي ولصديقتي المقربة تذكرتين لنشاهد الفيلم الذي نعتبره امتدادًا شاعريًا لصداقتنا، دخلنا السينما ووجدنا على بابها عشرات البنات، مثلنا تمامًا، اتنين اتنين. 

نظرت لصديقتي وقد ضربنا إحباط ما، الفيلم لم يعد يخصنا وحدنا، تشاركنا فيه أخريات.

«كل عيد حب وإحنا مع بعض يا ولاد.. هنحتفل بقى».

«لما بشوف الفيلم ده بحس براحة نفسية».

«بحب الفيلم ده أوي بيفكرني بينا».

اقتبست الجمل السابقة من تعليقات عشوائية للجمهور على بوستات عرض الفيلم، مشاعر مختلفة، خاصة، اختزلت شيئًا من مشاعري تجاه الفيلم. من بين التعليقات تساءل أحدهم: 

«ليه أروح السينما علشان أتفرج على فيلم أنا شايفه قبل كده؟!»

بدا لي سؤاله بداية جيدة لأترك مشاعري قليلًا، وأبدا الكتابة عن الفيلم.

 

عُرض «بنات وسط البلد» لأول مرة في قاعات السينما عام 2005. منافس هادئ في موسم عيد الفطر بجوار ثلاثة أفلام كوميدية وواحد رومانسي. عرضه الآن جاء في ذكرى مرور 20 عامًا عليه، كانت القاعة من حولي كاملة العدد، كلهم جاءوا لأسباب مختلفة، أغلبها ليست المشاهدة الأولى.

إعادة الفرجة على الأفلام القديمة والكلاسيكية في السياق الزمني الحالي بات أمرًا يشغلني مؤخرًا بسبب عملي كمبرمجة في نادي سينما الجزويت، أدركت أن ثمة مساحة مهدور حقها في الكتابات النقدية وهي: قراءة اختلافات التلقي لعمل فني في زمن آخر غير زمنه. 

اختلفت الآراء حول «بنات وسط البلد» في وقت صدوره، الناقدة ماجدة خير الله لم تتعاطف مع مشكلات البطلتين لأنهما «لا يعانيان بما يكفي»، وهاشم النحاس كتب مقالًا يثني على الفيلم، متطرقًا إلى خطورته وسخونته، لأنه يتمحور حول علاقات حب قبل الزواج، دونه، وبعيدًا عن الأهل، وهو ما يكشف عن «تحول جديد في العلاقة بين الفتى والفتاة خارج نطاق الأسرة لم تعهده الأجيال السابقة من مجتمعنا».

جمهور الفيلم الحالي يحبه لأنه يتماس مع الفتاتين، وكل واحدة تجد نفسها ياسمين أو جومانة، كما أن العلاقات خارج إطار الزواج ليست ما يشغلنا ويجعلنا ننظر إلى الفيلم بمنظور أخلاقي. الأغلب أن الحكم على الفيلم جاء في سياق الحكم عليه ضمن سلسلة أفلام محمد خان، أو بصيغة مواربة: هل هو الفيلم المنتظر لمخرجه بعد «زوجة رجل مهم» و«أيام السادات»؟

مشاهدة «بنات وسط البلد» بين عشرات الصديقات في قاعة السينما، ذوبانهن في مشاهد بعينها، تأثرهن القوي بالبطلتين كأنهما امتداد روحي لهن، كل هذا أكد لي أن ظروف تلقيه في زمنه مختلفة عن الآن. ربما لم يُقرأ نقديًا بشكل جيد، أو أن الكثيرين لم تصل إليهم الحالة الشعورية الخاصة بالبطلتين.

caption

يحكي ريكو عن كواليس غناء وكتابة أغنية الفيلم. في أول مقابلة له مع محمد خان ألقى عليه كلمات كتبها للأغنية وطلب منه أن يكمل الكتابة، وهو ما فعله ريكو بالفعل مع شكري الفار. كتب خان من الأغنية مطلعها: «اتنين اتنين.. أصحاب أصحاب.. يتخانقوا ساعات.. أدي بنت اتنين تلاتة عشرين.. رايحين جايين راكبين ماشيين.. زاحمين وسط البلد» 

وهذا المطلع ما يمكننا اعتباره اختصارًا  لفكرة الفيلم. الـLogline.

لم نعتد الحكايات السينمائية التي تبروز الصداقة باعتبارها علاقة الحب بين أبطال الفيلم، أصل الحكاية، فالحب قصة معتادة بين حبيب ومحبوبة، زوج وزوجة، وحتى أفلام الصداقات الغلبة فيها بين الرجال الجدعان مثل أفلام: سلام يا صاحبي، والصعاليك، وعفاريت الأسفلت، وصاحب صاحبه. ولا عجب أن الأخير هو المقابل الذكوري لفيلم خان.

يرتبط «بنات وسط البلد» في ذاكرتي السينمائية بفيلم Frances Ha، المقابل النيويوركي لنسخة الصداقة القاهرية، حكاية تخلو من التعقيدات، وتعيد تفكيك علاقة الصداقة بين البنات، التي قلما وجدنا لها نسخًا فنيةً أو سينمائيةً، ناهيكم بإرث الأغنيات الشعبية عن غدر الصحاب في مقابل إرث أقل عن مديح الصداقة.

لا تخلو أفلام كاتبة السيناريو، وسام سليمان، من صداقات نسائية بين بطلاتها (أحلى الأوقات، وفتاة المصنع، وفي شقة مصر الجديدة) تتحرك في عالم النساء ودوائره الحميمة، ويجذبها روابط «الأختية» التي تتحد فيها النساء مع بعضهن، وهو ما لم يكن غريبًا عن عالم محمد خان الذي اهتم بالنساء في أفلامه بقدر اهتمامه بالرجال، لدرجة تصل إلى تصنيفه كمخرج نسوي. «أحلام هند وكاميليا» مثلًا هو الفيلم الذي نبدأ به قائمة أهم أفلام مصرية عن الصداقة بين النساء. ولا عجب أن تكون ياسمين وجومانة امتدادًا لهند وكاميليا في جيل وطبقة اجتماعية مختلفين.

أما بطلتا جيل الألفينات، منة شلبي وهند صبري، شابتان تليق بهما الصداقة، مختلفتان لكنهما متقاربتان، تحملان خفة وجاذبية أنثوية غير مبتذلة، واختبرنا مسبقًا صداقتهما في فيلم «أحلى الأوقات»، وحتمًا تجد راحة في اعتبارهما صديقتين مقربتين لك. 

يعيدنا الفيلم أيضًا إلى شيء من النوستالجيا حيث أجواء الألفينات، والملابس، والزينة، والكافيهات. ما لم يتغير هو مشاعر الصداقة وشوارع وسط البلد.

تكسر الروابط النسائية المتينة الفكرة الخبيثة التي نبتت جذورها بين النساء، متمثلة في صورة المرأة الغيور من غريمتها، حاملة الأحقاد، الصديقة الحرباء التي تدخل حياة صديقتها لتخربها بالضرورة. نتذكر الكثير من الشريرات السينمائيات في مقابل القليل من الصداقات الحقيقية. في حكايات الخير والشر دائمًا هناك بطلة وصديقة خائنة، وهنا لا يوجد سوى صديقتين تحملان صفات طيبة ونواقص أيضًا، كلها مبررة دراميًا.

ما لفت نظري في أثناء إعادة مشاهدة الفيلم أنه لا وجود لبطل شرير في الفيلم، ما من عدو واضح، إنها مجرد حوادث وعكوسات تعكر صفو البطلتين، ثم تعود الحياة لمسارها الحميمي المعتاد، ربما هذا ما يعكس الفكرة الرئيسة المتخلية عن ثنائية الخير والشر، ما من أساطير هنا، بل مشهد واقعي مسروق من المدينة.

تتشكل خيوط الحب من الروابط الإنسانية الحميمة بين النساء في مكان نسائي خاص جدًا، عربة السيدات بمترو الأنفاق، ولا يوجد له بديل ذكوري في عربة أخرى. البنات من حولي في قاعة السينما جئن من جوف نفق المترو، ومن مواصلات المدينة، يفهمن جيدًا أن صداقة متينة قد تنشأ بين فتاتين غريبتين تلتقيان يوميًا في عربة مترو السيدات، تصبح صداقة عمر.

بداية الصداقة بين ياسمين وجومانة عابرة، لكن جذورها تعمقت في حياتهما لدرجة التماهي، تتقمص الواحدة منهما شخصية الأخرى، ألاعيب خفة، الخفة في استقبال العالم، الضحك عليه، السخرية من العلاقات السابقة، الاهتمامات المشتركة، الاستقلالية المادية، الغناء، الرقص، والبحث عن الحب في زحام المدينة. لذلك كان منطقيًا أن يأتيهما الحب بنفس الطريقة، صدفة في مترو الأنفاق.

قصص الحب لم تكن هدفًا دراميًا في ذاته، بل هامش على جانب الصداقة.

زغرودة سينمائية

أستدعي من جديد أجواء الفرجة في سينما زاوية، تتفجر ذاكرتي بمشهد تصفيق الجمهور في القاعة على أغنية ريكو، ثم انطلقت مفاجأة، زغرودة خجولة من إحدى المتفرجات، وفي تواطؤ نسائي خفي ساندتها زغرودة أخرى عالية من مكان بعيد في القاعة، ثم تشجعت أخريات وتعالت الزغاريد. لم ينزعج أحدٌ، ارتفعت الموبايلات لتسجل اللحظة الاستثنائية، اشتعلت الضحكات والغناء والتصفيق والانسجام. 

هذا المشهد -الذي سخر منه رجال كثيرون على فيسبوك- يكسر آداب الفرجة في قاعة السينما، لم ينزعج موظفو القاعة، لم يطردونا، بدا كسرًا للقواعد مبهجًا ومقبولًا ومتوقعًا أيضًا، ومؤكد أنه لن يحدث في أي عرض آخر، ولن يُستقبل بعادية، وحتمًا لم يحدث في عرض الفيلم لأول مرة في السينمات. 

تزغرد البنات في لحظات الفرح الغامرة احتفالًا بحدث ما، خطوبة، زواج، نتيجة امتحان، عودة غائب، انتصار في نزاع قضائي، فعل مرتبط بالتعبير المفرط عن السعادة، إرث نسائي ينطلق في اللحظات الخاصة دون حاجة إلى تفسير أسبابه. 

الزغرودة غير المتوقعة في قاعة السينما تصلح كإجابة ثانية عن السؤال الغاضب عن معنى أن نشاهد في السينما فيلمًا شاهدناه من قبل.

سألت نفسي ما الذي يجذب النساء لفيلم «بنات وسط البلد»؟ ليس «المُحن» كما وصف البعض في تعليقات فيسبوك، بل العطش إلى تلك الصداقة، للتماهي مع علاقة صداقة خاصة، ياسمين وجومانة مرا بتجارب عاطفية كثيرة، يذهب الحب ويأتي غيره، وتبقى صداقتهما التي لم تتبدل وباتت جزءًا من تعريف شخصيتهما. لدينا الكثير من قصص الحب الدرامية، والقليل من الصداقة.

ربما سيكون استقبالنا لأمور كثيرة مختلفًا لو أننا توقفنا عن وصف المشاعر الأنثوية أو العاطفية بـ«المُحن»، وإن كان هذا وصفًا لا بد منه، فلا بأس أن يغرق العالم في القليل من «المُحن»، ليكون أكثر احتمالًا.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن