«بنات آوى والحروف المفقودة».. بعث الكتابة من رماد الكلام
العلاقة الخفية بين تاريخ المجاز وتاريخ السلطة
يرى الناقد الأمريكي، هارولد بلوم، أن الأعمال الفنية العظيمة تُظهر أصالة حقيقية في كيفية تحديها أو إعادة تفسيرها للتراث الثقافي الذي جاءت منه. فهي لا تنفصل عن الماضي، بل تنصت له وتتحاور معه.
ويمكننا أن نتعرف على سمات أخرى مميزة في أعمال الفنانين العظام، وهي كفاحهم في سبيل بقاء نوع الفن الذي يقدمونه، في النضال ضد موته، حيث يوضح بلوم أن غالبية الأعمال العظيمة في القرن العشرين ولدت من اليأس أو الخوف أو الاحتجاج.
في حالة الكاتب المصري، هيثم الورداني، يكون النضال من أجل بقاء الكتابة نفسها حية بعد أن «تَعطل» الكلام في لحظتنا الحاضرة، وفي سبيل الكيفية التي يمكن بها أن نستمر ونفكر في المستقبل من خلال قراءة الماضي. تلك الإشكالية المجردة تجد تمثيلها تطبيقيًا في قراءة النصوص التأسيسية في «فن الخرافة».
في «بنات آوى والحروف المفقودة»، يقرأ الورداني الخرافة كجنس أدبي، والكتاب نفسه يتمثل موضوعه، أو العلاقات بين مفاهيمه عبر عدة مقاربات.
لكن عمل الورداني يخلق من تقديمه قراءة نقدية في تراث الخرافات استجابةً جمالية للحظتنا الراهنة. ويصير النقد، في جوهره، فعلًا سياسيًا بامتياز، أي أن السياسي يُدرك بالجمالي، من خلال فهم السياقات التاريخية التي تحاول القراءة المعاصرة أن تفهمها وتتحاور معها. وهكذا يتحول كتاب عن الخرافة، مكتوب في القرن الواحد والعشرين، إلى «الكتاب»، بألف لام التعريف.. الكتاب الوحيد الذي لا يمكن تجاهله من الكاتب والقارئ معًا -فبعض الموضوعات يكون تجاهلها «عارًا على الإنسان الذكي»[1]. وموضوع الكتاب هو كيف يمكن أن نعيش في «لحظات الخطر».

الخرافة والخيال التاريخي
يُعيد الورداني كتابة نسخته من الخرافة بامتداد النص. وهو في هذا «يترجم» عبد الله بن المقفع، كما ترجم ابن المقفع نفسه الفيلسوف الهندي «بيدبا» من قبل في كتاب «كليلة ودمنة». والترجمة المقصودة لا تقتصر على النقل من لغة إلى أخرى، وإنما هي إعادة كتابة كما يوضح الورداني. فيقول عن العلاقة بين الترجمة والكتابة والخرافة:
«ليست مصادفة أن الخرافة دخلت الكتابة العربية عبر باب الترجمة، فعلاقة الترجمة بالكتابة تشبه في تعقدها وتواشجها علاقة الاقتباس بالمتن. الترجمة، بالمعنى المندثر للكلمة، هي كتابة سيرة. والكتابة وفقًا للخرافة هي محاولة ’’ترجمة’’ الواقع أي كتابة سيرة منسية له عبر ’’ترجمة’’ ما لا ينطق فيه ولا يُسمع، أي كلام الحيوان».
يقول الورداني إن الخرافة ظهرت للمرة الأولى في اللغة العربية كـ«تجسيد أدبي لمنعطف تاريخي». ومن أجل توضيح ماهية هذا «المنعطف التاريخي»، يقدم الورداني لمحة سريعة عن عصر ابن المقفع، وكيف توزعت حياته القصيرة بين الدولتين الأموية والعباسية. عاش ابن المقفع في البصرة، «حاضرة العلم والأدب»، والتي تأسست فيها مدرسة لغوية عظيمة، وشهدت ولادة جماعة المعتزلة.
شهد ابن المقفع ذو الأصل الفارسي الأيام المظلمة للدولة الأموية، وأفولها، والأهم «اضطهاد العرب لمن هو أعجمي أو هجين». يوضح الورداني أن «حواس ابن المقفع اللغوية تفتحت في عصر مضطرب، يسود فيه صراع اجتماعي حول الهوية، وفي القلب منها اللغة. فلم يكن العربي كالأعجمي في الدولة الأموية». كان عمل ابن المقفع هو الكتابة بسبب فصاحته ونبوغه، و«الكتابة في ذلك العصر تعني تدبيج الرسائل في ديوان أحد الحكام أو الولاة». في فترة نضج مشروع الدولة العباسية، يجد ابن المقفع نفسه ركنًا من أركان الصراع بين الخليفة المنصور وأعمامه. إذ أوكل إليه كتابة كتاب الأمان -شروط الأعمام حول تسليم أنفسهم للمنصور، و«رسالة الصحابة»، وهي رسالة في نقد نظام الحكم رفعها ابن المقفع إلى المنصور أمير المؤمنين.
يتساءل الورداني إن كان نقد ابن المقفع هو السبب وراء قرار المنصور قتله بتهمة الزندقة. «التهمة التقليدية» في العصر العباسي الموجهة إلى الكثير من الفلاسفة والشعراء، من العرب وغيرهم، وأيضًا إلى «الكثير ممن أسلموا بعد أن كانوا مجوسًا أو مزدكيين».
ترجم ابن المقفع «كليلة ودمنة» دون تكليف من أحد. لذلك يتساءل الورداني حول إمكانية اعتبارها «تعليقًا أدبيًا على عصره»، أي «إكمال محاولة إصلاح الخليفة». من رحم هذا «اللقاء الخطر بين المعرفة والسلطة»، بين بيدبا الحكيم وتقديم النصيحة للملك دبشليم أو بين رسائل ابن المقفع إلى الخليفة المنصور، نشأت حيوانات «كليلة ودمنة».
لهذا يرى الورداني أن كتاب «كليلة ودمنة» هو «أدق تجسيد أدبي للتناقض البنيوي الذي وسم الدولة العباسية مع اتساع رقعتها». فالترجمة كانت «نزعًا مبكرًا للقداسة عن اللغة، واللغة لم تعد وسيطًا لكلام مقدس، ولا إرثًا تتباهى به الدولة أو القبيلة»، وإنما تتحول لتكون «حيزًا اجتماعيًا، من خلال تهجينها بكلام المستبعدين منها، مثل كائنات كليلة ودمنة، ومثل عبد الله بن المقفع نفسه، الأعجمي الأصل العربي اللسان».
الخرافة كجسر بين المعرفة والسلطة
يبحث الورداني في فصول لاحقة عن معنى الفعل «ترجم»، لينظر بعد ذلك إلى الترجمة بوصفها «كلامًا غير محدد»، وتصبح بمثابة «حركة داخلية للغة مثلها مثل الكلام». ويقدم «التواشج القديم بين مفهومي الكلام والترجمة» فكرة عن اللغة مفادها أنها «تعكس تقلبات الحياة المشتركة لجماعة»، فهي توتر يحمل داخله حركة النفي الاجتماعية وصراعاتها، وهذه الحركة هي «الترجمة». ويصيغ الورداني نتيجته قائلًا:
«الترجمة سابقة على الكلام، ولم تنشأ عن اختلاف اللغات. في البدء كانت الترجمة، وبفضلها نشأت الكلمة».
أحدثت ترجمة (كليلة ودمنة) «تحولًا مبكرًا في فهم عمل الكاتب»، كما يوضح الورداني. فترجمة ابن المقفع كانت عملًا طوعيًا، أي أن الكاتب في ديوان الدولة والمستعمَل من قبلِها، يوظف كتابته خارج إطارها، وبهذا المعنى يقدم كتاب «كليلة ودمنة» فهمًا مبكرًا حول «وظيفة الكاتب»، فهي «ليست تقديم ما يُطلب منه، أو يُنتظر منه، وإنما هي العمل على ما لن يطلبه منه أحد». يقول الورداني:
«هذه هي بضاعة الكاتب. وهذه البضاعة التي لم يطلبها أحد سابقًا هي ما يمكن أن يفتح الواقع على إمكانية تغييره».
لا يقف البحث عند محاولة تعريف الترجمة وعلاقتها بالكتابة، وإنما يتواصل من أجل إعادة تعريف العلاقة بين الكتابة والواقع، وبين الأدب والسياسة.
تتنوع الأسئلة عبر فصول الكتاب. يتناول الكاتب مفهوم «أداة الاقتباس» في علاقته بوراثة الماضي. كأن عمل الكاتب في أحد جوانبه هو إجادة فن الاقتباس. و«حركة الاقتباس لا ترث الماضي فحسب، وإنما تنسجه داخل الحاضر أيضًا».
وإذا كانت الفلسفة هي عملية «إبداع المفاهيم» كما يقول دولوز، فإن كتاب الورداني يُعتبر فلسفيًا في إبداعه للعديد من التبصرات والافتراضات. لكن الأهم أنه يقدمها بلا يقين، وإنما يتمثل هو نفسه ما أسماه «المُقلقل والملتبس» في حديثه عن الناسخ قديمًا وفعل الاقتباس. نلاحظ في الكتاب تكرار الصيغة الشرطية «إن/إذا صح ذلك..» في عدة مواضع، منها:
«وإن صح ذلك، فإن ابن المقفع...»
«إذا صح أن الكتابة العربية، كما أسماها طه حسين، ولدت واشتدت في القرن الهجري الثاني..»
«وإذا صح كل ما سبق، فلا مفر من الخروج باستنتاجين..»
« إذا صح أن (خرافة) هو مجنون ليلى حقًا..».
أي أن النص يضع استنتاجاته موضع الشك، فالمعرفة التي يقدمها الكتاب لا تُسبغ على نفسها سمات اليقينية. ربما هذه طريقتها للتمايز في علاقتها بالسلطة، بالثابت والمستقر، أو هكذا يتفاعل النص نفسه مع سؤال السلطة/المعرفة.
يشتبك الورداني مع أسئلة الزمن، والقدر، والتاريخ، بالمعنى السياسي والاجتماعي. ربما لأن سؤاله الأهم هو «كيف يمكن تعطيل حلقات إنتاج العنف التي لا تنتهي؟» ومن كتابة التاريخ ينتقل إلى تاريخ الكلام، «الذي لا ينفصل عن تاريخ الكتابة العربية. هو تاريخ المجاز والحقيقة في علاقتهما بالسلطة».
ويمكن أن نعتبر «بنات آوى والحروف المفقودة» كتابًا في «العلاقة الخفية» بين تاريخ المجاز وتاريخ السلطة. فالعلاقة بين الحقيقة والمجاز ليست مسألة لغوية فحسب، وإنما هي صراع سياسي واجتماعي ممتد.
إلى جانب «كليلة ودمنة»، يعود الورداني إلى نصوص تأسيسية أخرى في فن الخرافة، مثل كتاب سهل بن هارون «النمر والثعلب»، وكتاب «الأسد والغواص» المكتوب في أواخر القرن الخامس الهجري ولم يُستدل على مؤلفه إلى اليوم.
قراءة «الخرافة».. قراءة الخطر
يُقدم الورداني أفكارًا ومفاهيم متنوعة، مُقتبسة من طيف واسع من الكُتاب والفلاسفة والمفكرين. من هذه الأفكار ما يستلهمه الورداني، أو يُعيد قراءته. ومنها ما يُوظفه كإطار مفاهيمي، أو مرجع بحثي. ومنها أيضًا ما يشتبك معه وفق رؤية نقدية رافضة أو مغايرة.
ولعل الاسم الأبرز الذي يُلقي بظلاله على متن الكتاب وهوامشه هو المفكر والناقد الألماني، فالتر بنيامين. إضافة إلى أسماء أخرى مثل كافكا، وأوكتافيا بتلر، ورنا عيسى، وبسام حجار، ونصر حامد أبو زيد، وعمر الخيام، وأوكسانا تيموفيفا، وإرنست بلوخ، وآخرين.
لا تتمثل ظلال فالتر بنيامين في كثرة المقبوسات من نصوصه بهوامش الكتاب ومتنه فحسب، وإنما بالرغبة في كتابة نثر يمتزج فيه الشعر بالفلسفة، والنقد بالإبداع. نثرٌ به من الوضوح مقدار ما به من الغموض، وتتجاور فيه الحقائق التاريخية والمجازات والتأويلات.
كل هذا يجعلنا نتساءل عمّا يحاوله الكتاب، وعن طبيعة «الحوار» الذي يسعى إليه، بين خرافات الأدب العربي ولحظات الخطر التي نعيشها الآن.
بكلمات أخرى، كيف تُساعدنا الخرافة وكلام العجماوات على مواجهة قمع السلطة وعنفها؟
في منتصف الكتاب تقريبًا، يوضح الورداني أن كتاب «كليلة ودمنة» يظهر دائمًا «في لحظات الخطر. فهو يُكتب ويُقرأ فيها. خطر مواجهة الحاكم الجائر، خطر السكوت على الظلم، خطر تقديم النصيحة، خطر الاضطهاد بسبب الهوية أو اللغة». كأن أواصر العلاقة بين الإنسان والحيوان تشتد في مثل تلك اللحظات. لكن الحيوان «لا يظهر ليمنحنا الحل السحري للمأزق الذي يطبق علينا، بل يظهر ليذكرنا أن مأزقنا لا حل له إلا في قراءة ما نُسي واستُبعد».
ويصف الورداني لحظتنا الراهنة بأنها «لحظة خطر» حيث «أصبح مجرد الكلام فيها يشكل خطرًا»، «لحظة لم يعد هناك ما يقال فيها»، و«لم تعد كلمات مثل الاستبداد أو الشمولية أو الفاشية أو الأبوية تثير قلق أحد».
لذلك علينا قراءة الخطر الذي «دونته الخرافة في تضاعيفها» لحظة كتابتها حتى «نلمس التناظر بين لحظة الخطر وشرارة الأمل، فالقراءة في لحظة مظلمة هي البحث عن بصيص نور فيما كتبته لحظة مظلمة أخرى».
هنا لا يجفل الورداني من طرح السؤال الذي قد يعتمل في ذهن القارئ. فمن المعروف أن أنظمة الحكم الجائرة لا تتغير بالقراءات الأدبية النقدية مهما كانت ثاقبة وعظيمة. لهذا يستدرك متسائلًا:
«لكن، أليس ارتدادنا لقراءة ما كتبه الماضي مجرد هروب من أفق الحاضر المسدود؟ ألسنا بذلك نلتمس العون في كائن أسطوري خلقه عجزنا نسميه (العجماوات) و(من لا لسان لهم)»؟
يُجيب الورداني بأننا «نحن ندوب الماضي والحياة التالية لكوارثه». وأننا حين نقرأ الماضي لا نعود إليه بل نرث «الأمل الكامن» فيه. و«قد يكون علينا أن نقرأ ما كُتب قبل ألف عام، لكي نصل أخيرًا إلى حاضرنا».
يُمارس الورداني النقد واعيًا بالآثار السياسية والاجتماعية التي يمكن للعملية النقدية أن تنتجها. يوضح الناقد البريطاني، طوني بينيت، أن النصوص الأدبية هي دائمة «مُحتلة» من قبل مجموعة تفسيرات، والنقد عملية تعديل لآثار وخطابات النص، وإعادة إنتاج لعمل النص في إطار المحددات الاجتماعية القائمة في الواقع. وبهذا يكون النقد «تمرين سياسي فائق» بتعبير لوك فيرتير، حيث يتدخل في حقل الممارسات الثقافية ليخدم مصالح طبقة من الطبقات المتصارعة. وفقًا لماركسية بينيت، على النقد أن يتفاعل ويؤثر لصالح طبقة البروليتاريا.
يوسع الورداني من فاعلية النقد. فهو يشتبك مع التفسيرات والتصورات المسبقة لنصوص «الخرافة»، رافضًا للرؤى غير التاريخية للأدب. في الوقت نفسه، فإن الصراع الاجتماعي لا يتحدد عنده وفق التقسيم الماركسي التقليدي. هو يكتب النقد لصالح «الأيدي العاملة»، عنوان أحد فصول الكتاب، لكنه يوسع من طيفها. فيضم داخل الطيف الذي يكتب لصالحه كل من وقع عليه الاستغلال من بشر وحيوانات وفئات مهمشة ومنبوذين. إذا كانت «الخرافة فن مهزومي التاريخ» فإن نقدها كذلك لصالح هؤلاء المهزومين.
في رأيي، لا يمكن للقاريء أن يتفاعل بشكل خلاق مع كتاب مثل «بنات آوى والحروف المفقودة» دون أن يأخذ في حسبانه عدة نقاط.
أهمها معرفة «التقليد الأدبي» الذي ينتسب إليه الورداني. فالكتاب غير مسبوق في اللغة العربية، والورداني يبدو أكثر اقترابًا من نهج الكتابة النثرية الألمانية. ولا أعني بذلك الطبيعة الشذرية لكتابات نيتشه وكافكا وفالتر بنيامين. على العكس، تتميز فقرات «بنات آوى» بالطول المناسب الذي يمَكِّن الكاتب من البحث والاستنتاج. وإنما أقصد الاقتراب من ذلك الأسلوب الأدبي الفلسفي الذي يمزج الخيال بالرصانة البحثية، ويقدم معرفة حدسية وتبصرات شعرية. تقليد فريد من نوعه رغم كونه يمتد لعقود طويلة -على سبيل المثال لا الحصر- من فالتر بنيامين، مرورًا بإلياس كانتي، إلى يوديت شالانسكي.
والنقطة الأخرى التي لا يمكن إغفالها هي المكانة الجوهرية التي يحتلها المجاز في أي كتابة نثرية تمزج البحثي بالتأملي، والفلسفي بالشعري. وذلك «المجاز» لا يظهر بوصفه نقيضًا للحقيقة بل هو وجه آخر لها. المجاز هو حقيقة أخرى إن جاز التعبير. ومثل فالتر بنيامين، يقدم الورداني عدة حدوس وتبصرات لا يمكن فهمها إلا عبر قراءة الأبعاد المضمرة للمجاز بداخلها.
ومن المثير للدهشة هذه الكيفية التي تُثبت بها تلك المجازات صحتها مع مرور الوقت. على سبيل المثال، حين يقتبس الورداني من بنيامين فكرة أنه حتى الموتى ليسوا في مأمن من خطر العدو إذا انتصر، ويقول «إن الخطر التاريخي عندما يحل لا يتهدد الحاضر فحسب، بل يتهدد دائما التراث كما يتهدد ورثته. يتهدد الموتى كما الأحياء». فإن هذه الفكرة، التي تبدو مجازية، يمكننا أن نعاين تحققها الواقعي في أعمال الهدم والإزالة الحالية لمقابر الإمام الشافعي والسيدة نفيسة.
لذلك فإن السطور القادمة تسعى إلى التفاعل مع الطبيعة المجازية لنصوص الكتاب، من خلال تأويلها ومحاولة فهم معانيها المختلفة. ولا يقتصر التأويل على النصوص القصصية، وإنما يهدف أيضًا إلى الاشتباك مع قراءاته البحثية والنقدية التي مثلت المنجز المعرفي الحدسي للكتاب.
المجاز والحقيقة
أسوةً بابن المقفع، يقدم الورداني كتابةً «لا يمكن تحديدها سلفًا». وكما قلنا سابقًا، فإنه يعيد كتابة نسخته الخاصة من الخرافة على مدار الكتاب.
في «بنات آوى والحروف المفقودة» تناوب بين الفصول الحكائية والبحثية، حيث تتجاور الحكايات الخرافية والمقاطع النقدية ذات البُعد الفلسفي.
كأننا نشهد تناسخًا جديدًا للأخوين كليلة ودمنة، لكنهما لا يعودان في الكتاب من فصيلة بنات آوى التي تقتات عادة على الجيف، وإنما كاثنين من «الفيلة» بأنياب من العاج.
تتجسد شخوص «كليلة ودمنة» مرة أخرى كما تجسدت من قبل في النسخة العربية الأولى التي قدمها ابن المقفع، والذي تشير عدة دلائل إلى كونه أضاف من عنده الباب الثاني في ترجمته، وعنوانه «باب الفحص عن أمر دمنة»، ويدور حول محاكمة دمنة ودفاعه عن نفسه. يقول الورداني إن ابن المقفع ربما أراد من إضافته ذلك الفصل أن يكون تعليقًا على «فساد القضاء في عصره».
إلا أن حكايات الورداني لا تقتصر على إعادة إحياء «كليلة ودمنة» في عالمنا المعاصر.
في الفصل الأول من الكتاب، وعنوانه «في المكان الخطأ»، لا تواجهنا حيوانات ناطقة، بل إن «يد ابن المقفع» هي التي تتكلم.
راوي الحكاية مهاجر عراقي في برلين، فر من البصرة منذ 20 عامًا تقريبا. يلقى أثناء سيره بجوار القناة يدًا تمد أصابعها من الماء، وحين يخرجها يجدها متصلة بساعد مبتور. تخبره اليد أنها لابن المقفع، وأنها بحاجة إلى استئناف عملها في الكتابة. يعمل الراوي ضمن فريق، أغلبه من العرب مهاجرين، في مشروع إعادة بناء قلعة ملكية بروسية قديمة دمرتها الحرب. تجلب سيارة الشحن ملاكًا برونزيا ضخمًا، ويقتضي عمل الراوي تثبيته بالونش فوق القاعدة، لكن الألم يصيب ذراعه، ويتزايد حتى يفقد القدرة على تحريكه. ولكي لا يفقد عمله، يساعده «فاضل»، صديق الصبا الذي خرج معه من البصرة، في ربط ساعد ابن المقفع بساعد الراوي، وتثبيتهما معًا وإخفائهما بملابس العمل وقفازات واسعة. وتظل يد ابن المقفع تكتب طوال الليل.
يجد الراوي في موقع العمل الملائكة البرونزية الثمانية التي من المفترض أن تحمل القبة المعدنية وفوقها تفاحة الامبراطورية وصليبها الذهبي، «درة القلعة التي لا تقدر بثمن». كُلف سائقو الأوناش برفع الملائكة وتثبيتها فوق القاعدة.
في أحد الأيام بالموقع، تقترب من الراوي فتاتان، تقول إحداهما إنهما تحتاجان مساعدته، وتريدان مفتاح الونش الخاص به لكي «نلقي بالقبة الذهبية إلى الماء، لأن هذا المبنى يجب ألا يكتمل». حين يسألهما الراوي «من أنتما؟» ترد إحداهما: «أنا السعادة»، وتقول الأخرى: «أنا قلة الحيلة».
تخبره الفتاتان أن «الموتى مأسورون في هذا المكان»، و«إنهم ما زالوا يعملون وقَتَلتهم يرثون من عملهم»، وأن الكثيرين قتلوا في ثورة 1848 على أبواب تلك القلعة، وأن «المعركة لا تزال دائرة هناك، والموتى لا يزالون يبحثون عن مخرج». لكن الراوي يرفض إعطائهما المفتاح.
بعد ثلاثة أيام، تكرر الفتاتان طلبهما لأنها فرصتهما الأخيرة، ففي الغد ستُرفع القبة الذهبية وتُثبت على قمة القلعة. و«إذا انطبق السقف على الموتى مرة أخرى، فسيعلقون هناك إلى الأبد ولن يتمكنوا من الفرار أبدًا».
حين يقول الراوي لهما إن مشكلاته تكفيه، ولا يحتاج إلى مشكلات موتاهم أيضًا، ولماذا لا تسألان سائق ونش آخر، تجيبه السعادة: «موتانا هم موتاك».
يعطيهما المفتاح، أو بالأدق، تجبره يد ابن المقفع على ذلك. تحاولان غرس شوكة الونش في قاعدة الملائكة وحملها إلى الماء، لكن أحد الملائكة يسقط وتنغرز ريشة جناحه المعدنية في قدم السعادة، وحين يرتفع الملاك، تبقى قدم السعادة عالقة به ومبتورة عن الساق.
يريد الراوي أن ينتشل القدم، يربط الملاك بحبل ويهرع إلى ونشه، لكنه في النهاية يسقط في الماء هو والونش والملاك والقدم المبتورة. وحين تخرجه الشرطة من المياه، يدرك أن يده القديمة قد عادت إلى الحياة، فيما يد ابن المقفع لم تخرج معه من الماء.
لماذا بدأ هيثم الورداني كتابه بهذا الفصل؟
تحمل الحكاية، التي أسهبنا في تقديمها، معظم الثيمات و«الإشارات» والمفاهيم التي يشتغل عليها الورداني في كتابه الأخير، وفي معظم نصوصه مؤخرًا، ومنها مجموعته القصصية السابقة «ما لا يمكن إصلاحه».
ومن أهم تلك المفاهيم العلاقة بالماضي. ولكي نفهم «الماضي ونرث الأمل الكامن فيه علينا أن ندرك أن كوارث الماضي لا تزال حاضرة، وأن التاريخ سلسلة متجددة منها. ربما يكون الأمل «أعمى» إذا تناسينا الإدراك السابق في مواجهة سؤال المستقبل. ويشير الورداني إلى ذلك المعنى في «أمل أعمى»، إحدى قصص مجموعته السابقة.
ومنها أيضًا الإشارة إلى الموتى وكدحهم المستمر حتى بعد رحيلهم، كما سيوضح الورداني بعد ذلك في فصل لاحق من الكتاب عنوانه «الأيدي العاملة».
ويتجلى «في المكان الخطأ» سؤال التاريخ، والعلاقة بين الفن والأطلال وارتباطها بمفهوم الزمن، كما يوضحها عالم الانثروبولوجيا «مارك أوجيه» في كتابه «الزمن أطلالًا».
يوضح أوجيه أنه يجب علينا أن نستعيد الزمن لنؤمن بالتاريخ، أي لنستعيد وعينا التاريخي. وتمنحنا الأطلال هذه الاستعادة لأن رؤيتها تجعلنا «نستشعر زمنًا غير ذاك الزمن الذي تكلمت عنه كتب التاريخ أو ذاك الذي تحاول عمليات الترميم أن تحييه. إنه زمن خالص عصي على التأريخ، وغائب عن عالمنا العنيف الذي لا يتسع الوقت فيه للأنقاض كي تصبح أطلالًا».
ربما لهذا حاولت الفتاتان إقناع الرواي بخطورة إعادة بناء القلعة البروسية مرة أخرى، لأنها ستُشيد فوق أنقاض الزمن.
كذلك يذكرنا الملاك البرونزي في حكاية يد ابن المقفع بملاكٍ آخر، «ملاك التاريخ» الذي تحدث عنه فالتر بنيامين في أطروحته التاسعة من مقاله «أطروحات حول مفهوم التاريخ». يستلهم الورداني ملاك بنيامين المُستلهم بدوره من لوحة للرسام بول كلي بعنوان «الملاك الجديد/ Angelus Novus».
يظهر الملاك في لوحة كلي فاردًا جناحيه وعلى وجهه علامات ذعر في مواجهة عاصفة عاتية تطيح به. وفي مواجهتها يحاول الملاك تأمل الحطام الناتج عنها. يقول بنيامين:
«هكذا ينبغي لملاك التاريخ أن يبدو. يولي وجهه شطر الماضي. ومن حيث تطالعنا نحن سلسلة من الأحداث، يرى هو فاجعة واحدة تراكم حطامًا فوق حطام وتلقي بها عند قدميه. يود الملاك لو يمكث، ويوقظ الأموات، ويلحم الشظايا». لكن عاصفة الفردوس «تدفعه بلا توقف نحو المستقبل الذي يوليه ظهره، بينما تنمو كومة الحطام أمامه صوب السماء. هذه العاصفة هي ما نطلق عليه التقدم».
لكن ملاك الورداني، الذي سيحمل شعار الإمبراطورية، يبدو كممثل في «مسرحية أبدية». يصفه بأن «وجهه صامت ونظرته متحجرة. كأنه سقط في المكان الخطأ». إن الملاك البرونزي لا يريد أن يكون حاملًا قبة القلعة وعلامتها المستقبلية. ربما لهذا يبدو متجهمًا، لأنه بدلا من أن «يوقظ الأموات» ويلم الأشلاء سيصير لزامًا عليه حمل النقش المحفور على جدار القبة والذي «كان يطلب من الأحياء والأموات أن يركعوا باستسلام للمخلِّص».
وفي فصل «وأين قلبك»، إعادة كتابة لقصة القرد والغيلم من «كليلة ودمنة». يبدأ الفصل بفقرة من النص الأصلي، ثم يأخذ الورداني خيط الحكي ويستكمل القصة بسلاسة، كأننا أمام نص واحد رغم اختلاف حجم البنط. وينتهي الفصل أيضًا بفقرة حوارية مقتبسة من المصدر الأصلي، أي باب القرد والغيلم.
أما في فصل «الأيدي العاملة»، يقدم الورداني محاكاة شكلية لمسارات الحكي في كليلة ودمنة، حيث تتداخل وتتراكب القصص. نبدأ الحكاية بحوار بين يد بشرية وأختها العائدة، ثم تحكي اليد العائدة عن عملها وكتابة سيناريوهات أفلام الخيال العلمي، وتخبر أختها عن بعض القصص التي كتبتها. منها قصة «فتاة محل الحلويات» التي تقتل الزبائن بتشغيلها مونولوج السعادة لإسماعيل ياسين على هاتفها المحمول. ثم تستشهد الأخت بعد ذلك بحكاية «سعيد النسناس» التي تذكرنا بقصة «فنان الجوع» لفرانز كافكا. «سعيد» فنان لم يجد عملا كمطرب أو أرتيست، وتقوده الصدفة لتسلق ستارة المسرح من أجل حل عقدة الحبل، لكن جمهور المسرح يعجبه قفز «سعيد» وتسلقه ويبدأ في التهليل له. فتصير له فقرة يومية يتسلق فيها الستارة ويقلد النسناس المقيد بالأغلال. لكنه يلقى نفس مصير فنان كافكا، ينفض الجمهور تدريجيًا من حوله. ولم يعد الناس يقدرون موهبته أو يفهمون فنه، فيطرد من المسرح. ومثل فنان الجوع الذي وجدوه مدفونا في القش داخل القفص، عُثر على سعيد النسناس «ذات يوم ملقى على بطنه زاهق الأنفاس، وقد تضخم ظهره فأصبح يشبه سنام الإبل». في رأيي، يؤكد الورداني على المعنى الكافكاوي؛ إنها قصة عن سوء فهم أبدي. فالجمهور يشكك دائما في تفاني الفنان وتضحياته من أجل فنه.
ونرى في فصل «اللسان المشقوق» تجسيدًا جديدًا للأخوين كليلة ودمنة. إنهما فيلان جاءا إلى هذا العالم من عالم آخر في مهمة عاجلة، فعالمهما ضربته كارثة الوباء، الذي حصد الأرواح وتساقط الموتى في الطرقات. يرتحل الفيلان عبر الزمن. وفي كل الأزمنة ثمة كارثة، وفي كل عالم الجوع واحد لم يتغير.
تميل الحكايات في «بنات آوى والكلمات المفقودة» إلى سمة أكثر «أليجورية» مقارنةً بقصص «ما لا يمكن إصلاحه». إلا أنها غير معنية بالأليجورية في طابعها التعليمي، بقدر ارتباطها بالمعني «الضمني» للقصة المجازية. فالغموض في قصص «ما لا يمكن إصلاحه»، كعمل أدبي معاصر مستقل، تقابله رمزية الخط الحكائي في «بنات آوى..»، الذي يتناص مع الخرافة بالموازاة الأسلوبية معها.
أمثولات مغايرة
تخلق كتابة الورداني نوعًا مغايرًا من الأمثولات. إنها «تجعل الواقع ليس أكثر عقلانية، وإنما أقل انطباقًا على نفسه». فالأمثولة كما يراها «تبحث عن مخرج ولا تصور واقعًا بديلًا».
يمكننا أن نفهم كيف يقدم الورداني صورة مغايرة للحيوان في الأدب العربي بالتطرق إلى كتابة قصصية أخرى، لا تعوزها الفرادة لكنها تختلف في المنظور والغاية.
في كتابه القصصي «حيوانات أيامنا»، يقدم الكاتب الكبير محمد المخزنجي صورة الحيوان كمرآة تكشف تناقضات السلوك الإنساني. أمثولة المخزنجي غايتها سبر الوجود الإنساني من خلال العلاقة مع الآخر، الحيوان. إذن، قصص المخزنجي واقعية، ويصير الواقع أكثر عقلانية عبر تصوير «براءة» الحيوانات و«غرابة» سلوكها الفطري.
أما الخط الحكائي في كتاب الورداني فإنه يتخذ من «الخرافة» نهجًا للكتابة. إنها حيوانات ناطقة متخيلة حتى لو وُجدت في عالمنا المعاصر. تتحدث الفأرة نوسة عن الخوف، ذلك القانون المستبد. يروي لها كليلة ودمنة، من داخل زنزانتهما، عن عالمهما المستقبلي الذي ساد فيه الجوع والوباء، وقتل فيه الأعداء «حروف العلة». والعاج السائل في آذان كليلة ودمنة سيمكنهما من التقاط صوت الأمل في الماضي. وتخطط نوسة لانتقال العاج الأرجواني إلى الموتى داخل الجبل بعد خلطه بالحَب. وساعتها يستطيع الموتى أن ينهضوا وينزعوا عنهم أغلالهم.
لكن قصص المخزنجي تؤكد على فكرة الورادني المركزية في «بنات آوى والحروف المفقودة» رغم اختلاف عوالمهما؛ وهي أن الأواصر بين الإنسان والحيوان تشتد في لحظات الخطر. تدور معظم القصص على خلفية الحرب. بين دوي الانفجارات ورعد القصف، والحطام الناتج عن بربرية الغزو. والحيوانات يتقاذفها الرعب أو تُنذر بالخطر القادم. غزلان وخيول وجراء وأرانب وبِغال. وتلمح بعض القصص إلى الغزو الأمريكي للعراق حيث «أسقط الغزاة نظام الحكم الذي استمر جاثمًا على الصدور 35 عامًا». إنها مُدن العراق مرة أخرى. من ملحمة جلجامش إلى قصص المخزنجي والورداني.
في فصل «نجوم دانية»، تذكرنا رغبة كليلة ودمنة في الاستماع إلى الأصوات والتقاط أشدها خفوتًا بحثًا عن الأمل بالكلاب الصغيرة في قصة المخزنجي «جِراء». بعدما أكمل الغزاة احتلال المدينة، يتجمع المئات من البشر والكلاب في حديقة كبيرة على شاطيء النهر حيث شاع أن أصوات الغائبين تتسرب من سجون تحت الأرض.
تلصق الناس آذانها بالعشب والتراب، محاولين التقاط أصوات ذويهم الذين اختفوا في غياهب النظام الساقط. صمت غريب يسود الحديقة، والكلاب أيضًا ترهف آذانها لكنها لا تستطيع أن تميز إن كانت الدمدمة المكتومة الصادرة من جوف الأرض هي أصوات المسجونين أم ترجيع مكتوم لصوت جنازير المدرعات الغازية. يكتب المخزنجي:
«أما الجراء التي كانت أسماعها البكر شديدة الرهافة، وتلتقط ما لا يلتقطه سمع الكلاب الكبيرة، ولا البشر، فإنها كانت ترتجف ارتجافًا شديدًا غريبًا، وتُصدر أصواتًا مؤلمة كالعويل».
ثمة كارثة كبيرة تعتمل تحت سطح الأرض. والصوت الكامن في الماضي، صوت مهزومي التاريخ، لن يلتقطه إلا أضعف العجماوات وأصغرها.
اللغة المستحيلة
تتجلى علامات الكارثة في اللغة.
يطرح هيثم الورداني تأملاته الجدلية في اللغة، ويتناولها من منطلقات متعددة، فيلولوجية وبلاغية واللسانية. والأهم أنه يراها بوصفها نظامًا اجتماعيًا وتاريخيًا. لذلك يعارض الورداني ثنائية اللسان السليم واللسان المشقوق/المشطور كما يطرحها الناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو؛ لأنها غير تاريخية وتغفل الصراع الاجتماعي داخل اللغة والأدب. فاللسان المشقوق ليس نقيض اللسان السليم، المهيمن، بل هو كذلك نتيجة مقاومته للعنف والبتر. إن ندوب اللغة وتصدعات اللسان تاريخية وتتجلى في لحظات الخطر، وقت انهيار الشرط الإنساني.
تُمثل فكرة الورداني التاريخية الاجتماعية عن اللغة المُعطى «قبل-النقدي» إن جاز التعبير. وليس المقصود إنها مُسلَّمة أو افتراض غير واعٍ، وإنما توجد عند «مستوى عميق للوعي»، بتعبير هايدن وايت. وذلك المستوى هو الذي تنطلق منه عملية النقد.
في رأيي، تبدو كتابات هيثم الورداني وكأنها تضع المُعادلة «الصفوانية»-نسبة للمحلل النفسي مصطفى صفوان- نصب أعينها؛ إما الكلام أو الموت. إما حرية الرأي والفكر والتعبير ضد قمع أنظمة الاستبداد والأصوليات والعصبيات، وإلا «فإنه الموت وغريزته التي تفجر مختلف أشكال العنف التي تقضي على إنسانية الإنسان». [2]
يوضح صفوان العلاقة بين اللغة والنظام القانوني والأخلاقي. ويتساءل: «لو كانت اللغة تعبيرًا عن الفكر لأصبح لكل امرئ لغته الخاصة، أما إذا كانت ظاهرة اجتماعية فمن سيقرر عندها المعنى المتوافق عليه بين أعضاء المجموعة؟»
ما الكلام؟ وما الذي يحدث إن تعطل أو لم يعد يعني شيئًا كما يقرر الورداني؟
يكشف مصطفى صفوان عن أن فعل القتل كان دومًا باعثًا على مشاعر الندم والخطيئة حتى في المجتمعات البدائية التي لم يتم فيها بعد صياغة حظر القتل. وهذا ما يسميه صفوان «قانون الكلام»، القانون الذي يضمن مكانه في العلاقات الإنسانية، أي «إنه يلزمنا بإفساح المجال للكلام أو للعقل قبل إطلاق العنان للعنف الذي لا يعرف حدودًا».
هنا تأتي علاقة السلطة بالكلام. فالسلطة المتعالية لا تريد أن تتحدد رغبتها بالقانون. يفقد حينها الكلام قوته الإلزامية. يؤكد صفوان أنه سينهار في تلك اللحظة «التمييز بين الحقيقي والزائف»، ولا تعود للكلمات قيمة «سوى كونها مجرد أصوات». لا يمكن قيام أي مجتمع عندما تفقد الكلمات مبدئيًا كل قوة الإلزام التي تتمتع بها وعندما لا يعود أحد يعول عليها. هكذا فإن «المجتمع والاستمرارية ممكنان لأن للكلمات قيمة».
إن الخرافة تعود بنا إلى لحظة بدئية، إلى مستوى الوجود الإنساني «الطبيعي»، أي ما قبل الثقافي. كأنها تستمد مادتها من فن المجتمعات الطقسية التي درسها فرويد وشتراوس مثلا. كأن الثقافة، بشكل عام، تعود من خلال فن «الخرافات» إلى منزلة الطبيعي السابق عليها كي تستعيد توازنها من جديد.[3]
إنها محاولة للنظر في الماضي رغم عاصفة «التقدم». فإذا كانت الكتابة تتعلق بالسحر كما يقول الورداني، فإن الإنسان البدائي مسه ذلك السحر حين نقش ورسم صورة الحيوان داخل كهفه، وكان يعتقد أنه بذلك يجعل الحيوان الحقيقي يستسلم، أو أن قبيلته ترتبط بذلك الحيوان، أو لأداء «سحر» معين على الواقع.
لكن السحر المضاد الذي نحتاج إليه «لا يتعلق بتحضير الأرواح» أو «النكوص إلى الماضي». لعل هذا السحر هو الأمل الكامن في الماضي، وذلك «الأمل» يتمثل في استعادة لحظة الإيمان بقوة الفن رغم خطر الفناء. يتمثل الأمل في «وداع الذات العاقلة ومفارقتها»، أي إدراك خرافة انسجام شكل الواقع والدولة.
عن اللغة والعنف
بالعودة إلى سؤال الورداني: كيف يمكن تعطيل حلقات العنف التي لا تنتهي؟
بالقطع لا توجد إجابة جاهزة على هذا السؤال، لكن البداية حتمًا ستبدأ باستعادة فضاء اللغة، بوصفه فضاءً للأعنف، على حد تعبير جورجيو أجامبين.
يرسم الفيلسوف الإيطالي، جورجيو أجامبين، حدود العلاقة بين اللغة والعنف بالعودة إلى الماضي، إلى تاريخ اليونانيين القدماء، الذين استعملوا مصطلح «الـﭘولس» لوصف حياة تقوم على الكلمة وليس العنف. «أن يكون المرء سياسيًا يعني قبول مبدأ أن الكلام أو الإقناع مصدر القرار وليس القوة أو العنف». هكذا ربط اليونانيون القدماء السياسة مع اللغة بصفتها في جوهرها نقيضًا للعنف.
يتحدث أجامبين عن ملاحظة فالتر بنيامين لفكرة «انتفاء أي عنف محتمل في حضور اللغة»، ويدلل بنيامين على ذلك بأنه «ما من شرعة قانونية قديمة خصصت عقابًا للكذب»، وهي الفكرة التي يثبتها صفوان كذلك في دراسته عن اللغة، وعلاقتها بمفهوم «الحقيقة».[4]
يوضح أجامبين أن العصر الحديث نجح في تخطيطه لإدخال العنف إلى اللغة ذاتها. العنف اللغوي المنظم صار في مجالات السياسة والتسلية والترفيه والشعر. ويؤكد أن «اللغة أولًا وقبل كل شيء هي القوة التي نملكها في مواجهة الموت، الفضاء الوحيد للتصالح».
لكل من الورداني وأجامبين سعيٌ مختلف في بحثهما عن طبيعة اللغة. يسعى أجامبين إلى نوع من «العنف الثوري» الذي لا يمكن تحقيقه إلا باحتلال مساحة عصية على اللغة، «فضاء أصلي» يسمح للكلمات والأفعال «أن تنتج بداية جديدة».
أما سعي الورداني فمن أجل ولادة ثانية للغة، بالنفاذ إلى الصمت بداخلها، إلى الشيء الحي المقاوِم للاختزال وسياسات البشر المهيمنة. فعمل اللغة الحقيقي كما يراه الورداني هو «قطع جريان تاريخ الهيمنة الأبدي». تولد اللغة من جديد على لسان من لا لسان له. والسياسة كما تفهمها الخرافة ليست في التصارع على السلطة، وإنما في «أنها تجعل من لم يسبق له الكلام يتكلم». ولهذا فهي «جنس أدبي سياسي بامتياز».
في «رسالة ثانية ضد اللغة»، نص مشترك مع الكاتبة لمى الخطيب، يبعث الورداني برسالة إلى الشاعر البريطاني الراحل، شون بوني، مستلهمًا إياها من قصائد «بوني»، الشاعر الأناركي الذي «يستمع في شعره كثيرًا إلى الموتى، ويهتم بإيجاد أشكال أدبية للصراعات الاجتماعية التي أودت بهم».
يتحدث الورداني في رسالته عن حروف العلة و«اللغة المستحيلة»؛ «لغةٌ معتلّةٌ بسبب تاريخ العنف، ولذلك قد تصلح أن تكون أقوى سلاحٍ ضده». و«في بنات آوى..» يبحث الأخوان كليلة ودمنة عن حروف علة جديدة في عالم نوسة الذي أضاءت أنيابهما باللون الأرجواني فيه.
يلتقط الورداني خيط الكتابة من نص «رسالة ثانية ضد اللغة»، والذي هو نفسه محاولة لالتقاط خيط الكتابة من نصوص «بوني».
يخاطر الورداني بإغلاق العملية الدلالية للنص/الكتاب أو حصرها فقط ضمن القراءات التى يوردها، لكن كتاباته رغم كونها تحتفى بالقراءة و بمحاولة إقامة تناظرات مع نصوص أخرى، فإن الكاتب نفسه يتحرر أو يتجرد من المكانة الميتافيزيقية له كخالق وأصل للنص، ومصدر لمعناه والسلطة الوحيدة لتفسيره. وكما يبين «رولان بارت»، يتحول الكاتب من خالق للنص إلى «ساحة تلتقى وتعيد الالتقاء فيها اللغة التى هى مخزون لا نهائى من حالات التكرار والأصداء والاقتباسات والإشارات، على نحو يغدو معه القارئ «حرًا تمامًا فى أن يدخل النص من أي اتجاه يشاء».
يصبح كتاب «بنات آوى والحروف المفقودة» نص «كتابة» Scriptible على مستوى المعنى، يتيح للأنا القارئة، وهى نفسها «كثرة من نصوص أخر»، أقصى درجة من الحرية فى إنتاج المعانى. وتصبح المعرفة عملية ممتدة.[5]
جروح الورداني التي لا شفاء لها
لمفهوم «الجرح» دلالة مهمة في كتابات الورداني. إننا نرث من الماضي جرحه المفتوح لا الأمل الكامن فيه فحسب. وللجرح أسماء كثيرة كما يقول الورداني، الذكورية مثلًا، أو الحداثة، أو الرأسمالية.
والجراح الحقيقية هي «طاقة نفي»، لكنه في أحد مقالاته يؤكد أن:
«أي محاولة حقيقية لوراثة جرح الماضي لا يجدر بها أن تغلق ما هو مفتوح، وإنما عليها ترك هذا الجرح يعمل على الواقع.. ما تريده حقًا هذه الجراح هو هزّنا، وإفساد حاضرنا القائم على نسيانها».
ولد ابن المقفع في جرح مفتوح، جرح الامبراطورية وجرح اللغة. وكذلك ولد الورداني في جرح مفتوح ونشأ على ضفاف ماضيه. جرح الذات الفردية أمام أسئلة التاريخ والمجتمع.
لكن «الجرح الذي لا يندمل» لا يشير إلى «تصدع الكائن» نفسه فحسب، وإنما «يجعل التفرد ضعيفًا أمام قوة التعدد»، و«الاقتصار على الحاضر هزالا أمام كثافة الزمن»، كما يقول المفكر المغربي، عبد السلام بنعبد العالي، في كتابه «جرح الكائن». ربما لهذا يرى الورداني أنه لا شفاء للذات من جرحها «سوى بالعمل الدؤوب والجماعي من أجل وراثته».
ألا يندمل الجرح أبدًا؟
يقول الفيلسوف الألماني، بيتر سلوتردايك، إن الجروح تنفتح في كل موضع داخل الأعمال النقدية الكبرى. ويرى أنها «تنزف وتنخر كل نقد ذي وزن». وعبر الشفاء الذاتي للجروح العميقة «تتولد ضروب النقد» التي يصفها سلوتردايك بـ«نقاط تكتل للتجربة الذاتية». من جروح روسو وهاينه و ماركس وكيركجارد وشبنجلر ونيتشه وفرويد وأدورنو تخلقت «أمهات الأعمال النقدية للحديثة» بتعبير سلوتردايك.
وكذلك في الثقافة العربية ثمة أعمال نقدية مجيدة ولدت من وراثة جراح الماضي: «في الشعر الجاهلي»، «مقدمة في فقه اللغة العربية»، «هرطقات»، «نقد الخطاب الديني»، «المبتسرون»، «خطوط الضعف»، «في أثر عنايات الزيات». ولعل آخرها «بنات آوى والحروف المفقودة»، حيث النقد في كل تلك الأعمال ما هو إلا «عمل رائد في ألم العصر وجزء نموذجي من الشفاء»[6].
هوامش:
- إحالة إلى مقولة المخرج الإيطالي الكبير مايكل أنجلو أنطونيوني في أحد حوارته عن كيفية اختيار الفنان لموضوعاته: «أن هناك بعض الموضوعات يكون تجاهلها عارًا على الإنسان الذكي».
- من مقدمة المترجم الدكتور مصطفى حجازي، انظر: مصطفى صفوان، «الكلام أو الموت: اللغة بما هي نظام اجتماعي»، المنظمة العربية للترجمة.
- يوضح صفوان أنه رغم وجود حالة «طبيعية»، فإن كل الوجود الإنسان مشروط بالثقافة وآلياتها التي تحدد سلوك البشر، «فلا توجد حالة إنسانية فطرية بشكلها الخام».
- انظر الفصل الثاني من «الكلام أو موت»، وعنوانه: «الحقيقة بوصفها معيارًا واعتقادًا».
- يميز رولان بارت بين نص القراءة lisible، ونص «الكتابة»، حيث النوع الأول هو نص «منغلق« يجعل من القاريء مستهلكًا، أما الثاني يُصنع «لكي نعيد كتابته أو ننتجه».
- بيتر سلوتردايك، نقد العقل الكلبي، المجلد الأول، ترجمة ناجي العونلي، منشورات الجمل.
تقارير ذات صلة
أطياف صورة النصر
أعادت حرب غزة تشكيل الفضاء البصري للنضال الفلسطيني، بضخها أيقونات وصورًا جديدة، لها أثرها على المخيلة الجمعية. من الباراشوت إلى لقطة درون السنوار والنهر الجاري بينهما، تفتح الصور نقاشًا عن…
غزة: التمثيل والخيال والسلطة
أعادت حرب غزة تشكيل الفضاء البصري للنضال الفلسطيني، بضخها أيقونات وصورًا جديدة، لها أثرها على المخيلة الجمعية. من الباراشوت إلى لقطة درون السنوار والنهر الجاري بينهما، تفتح الصور نقاشًا عن…
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن