تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«بلا سلاح».. المقاومة ومشروع ترامب في غزة

«بلا سلاح».. المقاومة ومشروع ترامب في غزة

ترجمة «مدى مصر» لتقرير «دروب سايت نيوز» مع قادة المقاومة في غزة عن خطة ترامب

كتابة: جوى أحمد، جيريمي سكاهيل 35 دقيقة قراءة

منحَت الأمم المتحدة ختمًا بالشرعية لخطة ترامب الاستعمارية لغزة. في تقرير حصري لموقع دروب سايت نيوز، يقيّم قادة المقاومة الفلسطينية حالة الحرب، وينشر «مدى مصر» ترجمته العربية.

قصف مقر وفد حماس المفاوض في الدوحة

بعد لحظات من الساعة 3:46 مساءً بتوقيت الدوحة في 9 سبتمبر، تلقى القيادي الكبير في حركة حماس، أسامة حمدان، مكالمة من صحفي يسأله عمّا إذا كان يعلم أي شيء عن الانفجار الذي وقع للتو في العاصمة القطرية. كان القيادي في «حماس» في اجتماع على الجانب الآخر من المدينة، بعيدًا عن مكاتب الحركة في شارع وادي روضان بمنطقة لقطيفية الراقية. لم يَسمع أيّ صوت. قال حمدان إن الصحفي أخبره: «هناك انفجار في الدوحة. أعتقد أن أعضاء جماعتك كانوا المستهدفين». بدأ حمدان بالاتصال بمسؤولي «حماس» الآخرين، وقال: «لم يرد أحد. كل الهواتف كانت خارج الخدمة». وأضاف: «بعد حوالي خمس دقائق، جاء أحد الإخوة إليّ وقال: كان هناك غارة جوية على المكتب».

بينما كان حمدان متجهًا إلى مكان الحادث، بدأ المسؤولون الإسرائيليون بإبلاغ وسائل الإعلام بأن إسرائيل شنّت سلسلة من الغارات الجوية بهدف اغتيال كبار مسؤولي «حماس». وقال الجيش الإسرائيلي في بيان: «الأعضاء القياديون الذين تم استهدافهم قادوا نشاط المنظمة الإرهابية لسنوات، وكانوا مسؤولين مباشرةً عن مجزرة 7 أكتوبر، وأداروا الحرب ضد دولة إسرائيل». وأضافت إسرائيل أن القصف كان يهدف إلى قتل رئيس حماس في غزة، الدكتور خليل الحية. وقال مسؤول: «نحن ننتظر رؤية نتائج الهجوم».

كان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في تجمع برعاية السفارة الأمريكية في القدس بعد الغارات مباشرة. تفاخر نتنياهو قائلًا: «في بداية الحرب، وعدتُ بأن إسرائيل ستصل إلى من ارتكبوا تلك الفظائع. واليوم تم ذلك».

كانت الغارات الجوية الإسرائيلية اعتداءً صارخًا، ليس أقله أنها نُفذ في قطر، حليف الولايات المتحدة الذي يستضيف القيادة المركزية الأمريكية، لمنشأة العسكرية الاستراتيجية الأهم في المنطقة. بل إن مكاتب «حماس» في الدوحة قد أُنشئت عام 2011 بناءً على طلب مباشر من الحكومة الأمريكية من أجل الحفاظ على خطوط دبلوماسية مفتوحة مع الحركة. وقد خدمت الحكومة القطرية، جنبًا إلى جنب مع مصر، كواحدة من الجهات الرئيسية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في مفاوضات الصراع الإقليمي.

قال حمدان لـ«دروب سايت»: «كانت رسالة سياسية واضحة جدًا مفادها أن نتنياهو غير مستعد لوقف إطلاق النار أو لأي نوع من الحلول. أراد التخلص من الوفد الذي كان يتفاوض»، وأضاف أن نتنياهو أراد أن يدّعي «وضعًا انتصاريًا عندما يغتال رئيس حماس في غزة»، وبقصف قطر، «يظهر أيضًا أنه لا يحترم حتى الأشخاص المستعدين لتحقيق وقف إطلاق النار كوسطاء».

فاضت مواقع التواصل الاجتماعي بحسابات مؤيدة لإسرائيل تدعي أن الحية قُتل، إلى جانب كبار مسؤولي «حماس» الآخرين مثل خالد مشعل وزاهر جبّارين. وقال نتنياهو إن إسرائيل استهدفت «رؤوس الإرهاب العليا في حماس». لكن حمدان اكتشف قريبًا أنه في الواقع لم يُقتَل أي من كبار مسؤولي «حماس». قال حمدان عن محاولات الاغتيال: «ركزوا على المنطقة التي توقعوا فيها اجتماع الوفد، لكنهم لم ينجحوا».

بدلًا من ذلك، قتل القصف ابن الحية، همّام، إلى جانب سكرتيره الشخصي وثلاثة من المساعدين والحراس الشخصيين للمكتب. كما قُتل ضابط أمني قطري. وفقًا للتقارير، أطلقت الطائرات الحربية الإسرائيلية ما بين 10 إلى 12 صاروخًا على المُجمّع، ما أدى إلى تدمير المكاتب الإدارية وشقة الحية. كما أصيبت زوجة الحية وكَنّته وأحفاده في الغارات.

أسامة حمدان

اضطر حمدان لإبلاغ الحية بأن ابنه استشهد في الهجوم. وكان الحية، الذي قُتِل ابنه أسامة في غارة إسرائيلية عام 2014، قد فقد العديد من أفراد عائلته نتيجة الإبادة الجماعية في غزة. وقال حمدان إن الحية استوعب الخبر ثم عبّر عن مشاعر سيكررها لاحقًا علنًا.

قال الحية: «بقدر ألم فراق ابني ومرافقي ومدير مكتبي والشباب من حولي.. بقدر هذا الألم، اللّي هو ألم طبيعي يأتي على الإنسان، إحنا لسنا حديد ولا حجارة. إحنا نبكي شهدائنا ونبكي أهلنا ونبكي أخواننا… ما أراه في كل يوم من قتل وجبروت واغتيالات ودمار في غزة، تنسيني هذه المشاهد ألم فراق أحبابي وإخواني وغيره لأنني أشعر أن هؤلاء جميعًا هم مصاف أبناء».

في حين برّرت إسرائيل الغارة على الدوحة علنًا بالإشارة إلى 7 أكتوبر، فإن الهجوم كان، في الواقع، محاولة لقتل وفد حركة حماس المُفاوض في لحظة حرجة، وذلك داخل حدود دولة كانت تتوسط محادثات وقف إطلاق النار. في الأيام التي سبقت القصف، أرسلت إدارة ترامب، عبر وسطاء قطريين، إلى «حماس» مخططًا لما زعم المسؤولون الأمريكيون أنه اقتراح جديد لوقف إطلاق النار.

كان عرض الرئيس دونالد ترامب، عبر القنوات السرية، محدود التفاصيل، لكن مطلبه المركزي كان أن يتم الإفراج عن جميع الأسرى الإسرائيليين المحتجزين لدى حركتي حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني في غزة دفعة واحدة وليس على مراحل. وفي المقابل، اقترح الرئيس الأمريكي أنه سيدفع إسرائيل لقبول وقف إطلاق النار واستئناف تدفق المساعدات الإنسانية إلى القطاع. من منظور «حماس»، بدا العرض كفخ، وذلك لأن صياغته كانت غامضة، فضلًا عن أن الشروط التي كان من شأن الصفقة فرضها على إسرائيل لإنهاء حملة الإبادة والتجويع القسري، غير مُلزِمة.

كما أن «حماس» سبق وأن خُدعت بوعود ترامب من قبل. ففي مايو، اجتمع مبعوثون أمريكيون مباشرة مع مسؤولي الحركة للتفاوض بشأن إطلاق سراح المواطن الأمريكي والجندي الإسرائيلي، عيدان ألكسندر، الذي كان من بين الأسرى المحتجزين في غزة. وفي المقابل، أُبلغت «حماس» بأن ترامب سيدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار واستئناف إيصال المساعدات إلى غزة. أفرجت الحركة عن ألكسندر، ولكن ترامب تراجع عن وعده.

ومع ذلك، أدرك كبار قادة المقاومة الفلسطينية أن الطريق الوحيد للوصول إلى نهاية تفاوضية للإبادة لا بد أن يمر عبر ترامب، ولهذا السبب اجتمعوا في الدوحة لمناقشة المقترح الأمريكي في 9 سبتمبر، حين حاولت إسرائيل اغتيالهم.

«حماس» قبلت صفقة قبل  محاولة الاغتيال 

في 18 أغسطس، أي قبل ثلاثة أسابيع من الهجوم الإسرائيلي على وفد «حماس» الدوحة، قدم وفد الحركة المُفاوِض تنازلات كبيرة، وقَبل بالفعل شروط مقترح وقف إطلاق النار المكون من 13 نقطة الذي طالب به ترامب وإسرائيل. وقد تم إعداد «إطار ويتكوف» في الأصل خلال مارس الماضي وسُمي على اسم المبعوث الخاص لترامب، ستيف ويتكوف. وكان قبول «حماس» للشروط تتويجًا لشهور من المفاوضات والنقاشات التقنية بعد تخلي إسرائيل أحادي الجانب، في 2 مارس، عن اتفاق وقف إطلاق النار الأساسي في يناير، وفرضها لحصار شامل على غزة، واستئنافها لسياسة الأرض المحروقة  في القصف منذ 19 مارس. ركز إطار ويتكوف على وقف إطلاق نار أولي لمدة 60 يومًا، مع استئناف إيصال المساعدات، والإفراج عن نصف الأسرى الإسرائيليين الأحياء والموتى، بالإضافة إلى إمكانية تمديد وقف إطلاق النار مع استمرار المفاوضات لإنهاء الحرب.

قال محمد الهندي، كبير المفاوضين السياسيين لحركة الجهاد الإسلامي الفلسطيني، في مقابلة مع «دروب سايت» الأسبوع الماضي: «أعتقد أن تقدير الرئيس ترامب كان أن حركة حماس لن تسلِّم العشرين أسيرًا في غزة دفعة واحدة، لأنها هي الورقة الوحيدة الموجودة في يد حماس والمقاومة». وأضاف: «نحن تشاورنا في فصائل المقاومة وقررنا الموافقة على اتفاق ويتكوف».

توصل المفاوضون الفلسطينيون إلى أنه من المهم كسر الجمود، وتقليص خطوطهم الحمراء إلى الحد الأدنى. فقد كانت إسرائيل تصدر مطالب جديدة مرارًا وتكرارًا بعد أن يشير المفاوضون الفلسطينيون إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق. وفي محاولة لدفع الأمور نحو اتخاذ قرار، أبلغ المفاوضون الفلسطينيون الوسطاء أنهم سيوافقون على تقديم تنازلات كبيرة، شملت الإفراج عن ثمانية أسرى إسرائيليين في اليوم الأول من الصفقة، والتخلي عن مطالبهم بشأن جدول زمني واضح لانسحاب القوات الإسرائيلية من محور فيلادلفيا، وقبول «منطقة عازلة» إسرائيلية تحيط بغزة وتمتد داخل أراضي القطاع أعمق مما أرادوه. كما وافقوا على المُضي قدمًا في اتفاق مؤقت في ظل غياب ضمان واضح من ترامب بأن الحرب ستنتهي. وقال الهندي لـ«دروب سايت» في أغسطس: «إذا رفضت حكومة إسرائيل قبول اقتراح الوسطاء، الذي هو أساسًا اقتراحها، فهذا يكشف حقيقة الموقف الإسرائيلي».

محمد الهندي

رأى المفاوضون الفلسطينيون أن «إطار ويتكوف» كان خطة مؤقتة ومليئة بعيوب تترك الباب مفتوحًا لإسرائيل لاستئناف الإبادة، والحفاظ على قوات كبيرة داخل غزة، لكن الوفد المفاوض كرَّر موقفه بأن «حماس» مستعدة للدخول في صفقة «الكل مقابل الكل» لإطلاق جميع الأسرى الإسرائيليين دفعة واحدة، ولتوقيع هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل.

قال حمدان: «كان السؤال موجَّهًا للسيد ويتكوف: كيف تُعرِّف وقف إطلاق النار؟ هل هو وقف دائم، أم سيكون لفترة محددة؟»، وأضاف: «كان الرد: إنه خطوة نحو نهاية الحرب، لكنه ليس وقف إطلاق نار دائم». رغم تحفظاتهم آنذاك، قرر المفاوضون الفلسطينيون قبول الشروط، والمضي قدمًا بما كانوا يأملون أن يكون بداية لعملية تنهي الحرب.

وقال حمدان: «حتى عندما قبلنا ذلك [الاتفاق] في 18 أغسطس، أشرنا في ردنا إلى أننا نُفضِل أن يكون هناك نهاية للحرب، وإذا حدث ذلك، سنعيد جميع أسرى الحرب والجثث. وقد اقترحنا: لماذا لا يتم تعديل الجملة الأولى لتقول 'وفق هذا الاتفاق، سيكون هناك وقف دائم لإطلاق النار'، أو أن يتم إعلان نهاية الحرب مع تبادل كامل للأسرى؟».

لم ترد إسرائيل رسميًا على قبول حركة حماس لـ«إطار ويتكوف» أو على اقتراحها بالصفقة الشاملة. وبدلًا من ذلك، انضمت إسرائيل إلى كبار المسؤولين الأمريكيين في الادعاء زورًا بأن «حماس» ترفض إبرام اتفاق، رغم أنها كانت قد وافقت على ما وصفه مسؤول قطري رفيع بأنه يشكل 98% من المطالب الأمريكية-الإسرائيلية.

قال الهندي: «فوجئنا بأن إسرائيل ترفض [اتفاق ويتكوف] وويتكوف رفض أيضًا، ويريدون تحميل حماس والمقاومة الفلسطينية المسؤولية. وأعطوا إسرائيل فرصة أخرى لتدمير قطاع غزة. وفي هذه الفترة، إسرائيل استأنفت ضرباتها لقطاع غزة بشكل عنيف ضد المدنيين، كلها جرائم، وكأنها ترد على عدم موافقة الفصائل مع أن الفصائل وافقت».

مع توسع إسرائيل في عملياتها البرية في غزة، وإطلاق ما قالت إنه غزو شامل لمدينة غزة يهدف إلى تهجير مليون فلسطيني بالقوة، أعلن الرئيس ترامب في 3 سبتمبر أنه سوف يقدم عرضًا «نهائيًا» آخر لـ«حماس». متجاهلة أن المفاوضين الفلسطينيين قد قدموا بالفعل تنازلات ووافقوا على أطلق عليه ترامب أيضًا «الفرصة الأخيرة» للتوصل إلى اتفاق، سلّمت الولايات المتحدة، عبر الوسطاء القطريين، وثيقة من 100 كلمة إلى «حماس» تدعو إلى الإفراج غير المشروط عن جميع الأسرى الإسرائيليين في غزة، أحياءً وأمواتًا. وكان من المفترض أن يتضمن هذا التبادل وقف إطلاق نار لمدة 60 يومًا والتزامًا مبهمًا بإنهاء الحرب.

وقالت الحركة، في بيان لها في 7 سبتمبر: «ترحب [حماس] بأي تحرك يساعد في الجهود المبذولة لوقف العدوان على شعبنا، ونؤكد أنها جاهزة فورًا للجلوس على طاولة المفاوضات».

وبينما بدأت الولايات المتحدة اتصالات سرية مع «حماس»، مدعية رغبتها في إبرام صفقة، هدّد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زمير، علنًا باغتيال قادة الحركة خارج غزة إذا لم تستسلم المقاومة الفلسطينية. وقال: «معظم قيادة حماس موجودة في الخارج، وسنصل إليهم أيضًا».

في 8 سبتمبر، سلّم الوسطاء القطريون إلى «حماس» نسخة موسَّعة من اقتراح ترامب المكون من 100 كلمة. في اليوم التالي، وبعد أقل من ساعتين من تجمّع مفاوضي «حماس» في الدوحة لمناقشة ردهم على ترامب، نفّذت إسرائيل محاولة الاغتيال.

ادعى ترامب ومسؤولون أمريكيون آخرون أن إسرائيل لم تُبلغ الولايات المتحدة مسبقًا بالضربة، وأن الرئيس لم يُطلَع على تحركات الطائرات الحربية الإسرائيلية عبر الجيش الأمريكي إلا قبل الغارات بوقت قصير. وهذه الرواية تبدو غير مقنعة، نظرًا لاستضافة قطر للقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، إلى جانب وجود أصول عسكرية واستخباراتية أمريكية كثيرة.

ترامب

كذلك تمتلك قطر أنظمة دفاع جوي أمريكية متقدمة وتنسق بشكل روتيني مع الجيش الأمريكي، بما في ذلك أثناء مواجهة الضربات الصاروخية الإيرانية على قاعدة العديد الجوية في يونيو 2025. وفي 9 سبتمبر، لم تواجه إسرائيل أي مقاومة أثناء غاراتها على مكاتب «حماس» في الدوحة. وقبل يومين من الهجمات الإسرائيلية، أصدر ترامب بيانًا موحٍ بالخطر: «لقد حذّرت حماس من عواقب عدم القبول. هذا تحذيري الأخير، ولن يكون هناك تحذير آخر!»، حسبما كتب على منصة تروث سوشيال.

وقال حمدان عن معرفة الولايات المتحدة بالغارات على الدوحة: «كانوا يعرفون ذلك بنسبة مئة بالمئة. أعتقد أنه كان هناك نوع من الضوء الأخضر، ربما أقل من التفويض الكامل، لأن نتنياهو كان سيقول لهم قبل القيام بذلك: 'يمكنني أن أفعل شيئًا يغيّر الوضع بالكامل، وإذا فعلنا ذلك، يمكنكم منح إسرائيل نصرًا واضحًا، وسوف تحصلون على فرصة لوقف الحرب»، وأضاف حمدان أن ادعاء ترامب معارضته للقصف،  بعد وقوع الغارات، كان مجرد تمثيلية.

كانت غارة الدوحة هي الضربة الافتتاحية ضمن دَفْعة جديدة بقيادة الولايات المتحدة لمساعدة إسرائيل على تحقيق ما فشلت في تحقيقه عبر حربها الإبادية: التخلي عن القضية الفلسطينية للتحرير، وإخضاع الشعب الفلسطيني على المدى الطويل.

ردًا على خطة ترامب

إذا استمعنا إلى دونالد ترامب، فإن الاتفاق الذي تم توقيعه في النهاية بين إسرائيل وحماس في 8 أكتوبر كان إنجازًا هائلًا لم يُشهد مثله في الشرق الأوسط منذ قرون. احتفل بخطته المكونة من 20 نقطة واصفًا إياها بأنها «واحدة من أعظم الأيام في تاريخ الحضارة»، وتفاخر بأنها ستجلب «السلام الأبدي في الشرق الأوسط».

كانت خطة ترامب شاملة في نطاقها وتحمل تبعات هائلة على المستقبل ليس فقط لغزة، بل لقضية التحرير الفلسطينية بأسرها. على المستوى العملي، لم يكن بإمكان المفاوضين الرد بسرعة على كل نقطة من نقاط الخطة. وعلى المستوى السياسي، لم تكن «حماس» تعتقد أنها تملك الحق في التفاوض أحاديًا على مثل هذا الاتفاق نيابة عن جميع الفلسطينيين.

تضمنت خطة ترامب نشر قوات أجنبية وتأسيس مجلس دولي، يقوده ترامب، وبجانبه رئيس الوزراء البريطاني السابق، توني بلير، ليفرض سيطرته على شؤون غزة. كما تركت الخطة احتمال وجود طويل الأمد للقوات الإسرائيلية داخل غزة، وتصوّر نزع السلاح بالكامل من الفلسطينيين، مما يمحو حقهم في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. وكانت الرسالة الأساسية لترامب، في نظر المفاوضين، أن على الفلسطينيين التخلي عن كفاحهم من أجل التحرير وتقرير المصير والخضوع للهيمنة الدولية، التي كانت في الغالب أمريكية-إسرائيلية.

في الواقع، لم يوافق الجانب الفلسطيني على جميع شروط ترامب. وبدلًا من ذلك، قدمت «حماس» ردًا متعدد الجوانب ناتجًا عن مشاورات مع مجموعة واسعة من الفصائل السياسية، بما في ذلك تلك التي لا تملك جناحًا مُسلحًا، في محاولة لتقديم موقف فلسطيني موحد تجاه الرئيس ترامب. إذا كانت القضايا الوحيدة التي تواجه المفاوضين تتعلق بوقف إطلاق النار، لكانت المقاومة الفلسطينية واثقة من إمكانية التوصل إلى اتفاق. لكن الوضع كان أكثر تعقيدًا، لأن وقف إطلاق النار المقترح كان مرتبطًا بما اعتبره مسؤولو «حماس» مسائل وجودية للنضال الوطني من أجل التحرير، واستلزم التوصل إلى موقف مُوحّد عبر الفصائل والمفاوضين الفلسطينيين.

في الأيام التي سبقت اتفاق أكتوبر، واجه المفاوضون الفلسطينيون ضغوطًا غير مسبوقة من الدول العربية والإسلامية لتقديم تنازلات كبيرة والوصول أخيرًا إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. كما كانوا يسمعون مطالب متصاعدة من داخل غزة للموافقة على صفقة تُنهي الإبادة. وقد أكّد لهم رؤساء أجهزة المخابرات التركية والمصرية، إلى جانب كبار المسؤولين القطريين، أن ترامب جاد في وقف الهجوم الإسرائيلي.

المفاوضون الفلسطينيون، الذين كانوا على دراية بطبيعة ترامب المتقلبة، لا يشكّون في صحة تصريحاته للوسطاء الإقليميين. ومع ذلك، كانوا قلقين من أنه إذا قرر ترامب السماح لإسرائيل باستئناف الإبادة بعد الإفراج عن جميع الأسرى الإسرائيليين، فلن يكون هناك وسيلة لفرض الالتزام بوقف إطلاق النار.

وقال الهندي: «الوسطاء الإقليميون عاجزون عن إلزام إسرائيل بأي التزامات وفق الاتفاق. هذه مسألة نؤكدها أن هناك عجز من الوسطاء الإقليميين. طبعًا الأمريكان منحازين لإسرائيل وداعمين لها. رغم التباين الموجود أحياناً، لكنهم داعمين لإسرائيل».

وخلال مشاوراتهم، صاغ ائتلاف الفصائل الفلسطينية استراتيجية دقيقة: «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، اللتان كانت أجنحتهما العسكرية تحتجز الأسرى الإسرائيليين وتقود المقاومة ضد الاحتلال،  لديها تفويض فقط للدخول في صفقة تتعلق بالقضايا المرتبطة مباشرة بوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى. وقال حمدان: «نقطة التحول كانت أنه، ولأول مرة في العامين الماضيين، كان هناك موقف واضح من الوسطاء وإدارة الولايات المتحدة يفيد بأن ذلك يعني نهاية الحرب على غزة، مما يعني أن الإبادة ستتوقف».

أسير محرر. المصدر: (إيه إف بي)

كان الإفراج عن جميع الأسرى في الوقت الذي لا تزال فيه القوات الإسرائيلية متوغلة بعمق في غزة مقامرة رفضها الفلسطينيون باستمرار. ومع ذلك، كانت التقييمات الداخلية تشير إلى أن ترامب قرر أن إنهاء الحرب القائمة على غزة أولوية بالنسبة له. ولم يكن ذلك بسبب أي احترام أو اهتمام حقيقي بالفلسطينيين، بل بسبب مجموعة المصالح المعقدة المتشابكة: الصفقات التجارية، علاقة ترامب مع ممالك الخليج، وسعيه لجائزة نوبل للسلام. كما أدركوا أن ترامب كان واعيًا لعجز إسرائيل عن استرجاع الأسرى الإسرائيليين العشرين أحياءً من غزة بالقوة العسكرية، وأن سمعتها الدولية كانت في حالة حرجة.

عرض الهندي التفكير الاستراتيجي لـ«دروب سايت»: «نحن منذ البداية لم يكن لدينا مانع أن يتم تسليم كل الأسرى دفعة واحدة، ولكن نريد أن نتأكد بالمسألتين: وقف العدوان والانسحاب. فهاتين المسألتين كنا نريد تأكيدًا عليهما في كل الأوقات. لو وافقت إسرائيل على صفقة تبادلٍ لجميع الأسرى، ما كان لدينا مانع، لا الجهاد الإسلامي ولا حماس، ولكن إسرائيل هي التي أصرت على مرحلة مرحلة. وأنا أقول لك، أصرّت لأن نتنياهو يريد إطالة أمد الحرب لأهداف سياسية تخص الإئتلاف الحكومي في إسرائيل، وأيضًا لأهداف شخصية. فذهب في الصفقات المقطعة.. الصفقات القليلة. لكن كان لدينا استعداد أن نفرج عن الجميع منذ اليوم الأول لو إسرائيل وافقت، والثمن كان وقف الحرب والانسحاب».

وأضاف الهندي أنه عندما يتعلق الأمر بشروط التفاوض على إنهاء الإبادة القائمة في غزة، كان إطار خطة ترامب «في السياق العام نحن موافقين عليه، بس كان يجب أن نأخذ ضمانة أن الحرب انتهت وأن الانسحاب سيتم، ولو على مراحل». وفي سلسلة من الاجتماعات، بما في ذلك مع ويتكوف وكوشنر، إضافة إلى وسطاء من قطر ومصر وتركيا، تم إخطار الفلسطينيين بأن ترامب جاد في إجبار إسرائيل على إنهاء الحرب.

وفي الأسبوع الذي سبق الإعلان عن الصفقة، قام مفاوضو «حماس» بتداول صياغات مقترحة بين الفصائل الفلسطينية وتسليمها لقادة كتائب القسّام الجناح العسكري لحركة حماس، والقيادة السياسية للحركة داخل غزة. وعلى الرغم من الدعوات المتكررة من «حماس» وآخرين، رفض عباس والسلطة الفلسطينية المشاركة في المشاورات. وتم التوصل إلى إجماع مفاده أن إنهاء الإبادة كان أولوية عاجلة، لكنه لا يمكن أن يتحقق على حساب التنازل لمطالب ترامب المهددة لمستقبل فلسطين.

قال الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية والسياسي البارز، الدكتور مصطفى البرغوثي، في مقابلة مع «دروب سايت»: «أهم شيء في خطة ترامب هو وقف إطلاق النار».    

وكان البرغوثي، المرشح الرئاسي السابق الذي انتخب للبرلمان في 2006، قد تصدّر جهود بناء إجماع للمشهد السياسي الفلسطيني طوال فترة الإبادة، وكان مشاركًا بشكل مباشر في تحديد الرد على خطة ترامب. وأكد أن تحقيق وقف إطلاق النار يجب أن يكون منفصلًا عن الرد على المطالب الأوسع لترامب. وقال لـ«دروب سايت»: «الباقي يجب التفاوض بشأنه بطريقة تضمن إعادة إعمار حقيقية لغزة، وأن يتحرر الفلسطينيون، غزة، والضفة الغربية في نهاية المطاف من الاحتلال الإسرائيلي. هذه هي القضية الرئيسية، في رأيي، وعلينا التعامل معها».

لهذه الأسباب، وافقت حركتا حماس والجهاد الإسلامي على قبول محدود ومحدد فقط لشروط وقف إطلاق النار، ورفع الحصار عن دخول ضروريات الحياة إلى غزة، وتبادل الأسرى. وقال الهندي، الذي شارك مباشرة في المفاوضات: «هذه هي المرحلة الأولى ونحن التزمنا التزامًا كاملًا بإنجاح هذه المرحلة». وأكد المفاوضون الفلسطينيون أن أي اتفاق أو رد رسمي على معظم مقترح ترامب يتطلب مشاركة جميع الفصائل الفلسطينية، وليس حركتا حماس والجهاد الإسلامي فقط.

وفي قبول المرحلة الأولى، أوضح الهندي أن المفاوضين الفلسطينيين أخبروا الوسطاء أنهم يريدون قرارًا من مجلس الأمن الدولي «يحدد صلاحية ومهمات ومدة القوات التي ستأتي إلى غزة»، قائلًا: «لا نقبل أن تكون هذه القوات داخل القطاع لتحتك بالشعب الفلسطيني ومقاومته، نريدها قوات حفظ سلام. نريد نصًا واضحًا يربط الضفة الغربية بقطاع غزة، ولا يكون غامضًا ويتعلق بإصلاحات السلطة الفلسطينية، ومن يحدد هذه الإصلاحات هي إسرائيل وأمريكا».

بينما وافقت «حماس» على المرحلة الأولى من مقترح ترامب، قالت، في بيان لها في 3 أكتوبر، إن المراحل الأخرى في خطة ترامب سوف «يتم مناقشتها من خلال إطار وطني فلسطيني جامع، ستكون حماس من ضمنه وستسهم فيه بكل مسؤولية».

وأضاف الهندي: «قلنا إن مسائل المرحلة الثانية كلها مسائل وطنية تتعلق بكل الفصائل والقوى الوطنية التي تشارك في طرحها».

وردًا على قبول «حماس»، تجاهل ترامب التفاصيل الدقيقة للرد الفلسطيني واعتبر ذلك «يوم عظيم للعالم العربي والإسلامي، وإسرائيل، وجميع الدول المحيطة، والولايات المتحدة الأمريكية». وهكذا بدأت جولة انتصار مُصغرة في الشرق الأوسط، دشّنها بإلقاء خطاب أمام «الكنيست» الإسرائيلي، ثم انتقل إلى شرم الشيخ في مصر لحضور توقيع استعراضي على اتفاق رمزي في ما سُمّي بـ«قمة السلام من أجل غزة»، وهو حدث لم يشمل فلسطينيين أو إسرائيليين.

قال ترامب أمام «الكنيست» في ١٣ أكتوبر: «لقد انتهت الآن هذه الحرب الطويلة والصعبة. كما تعلمون، بعض الناس يقولون إنها دامت 3000 عام، وآخرون يقولون 500 عام.. أيًّا كان الرقم، فهي أقدم الحروب جميعًا. وفي إنجاز غير مسبوق، فإن المنطقة بأكملها تقريبًا قد أيّدت الخطة التي تنصّ على نزع السلاح فورًا من غزة، وتجريد حماس من أسلحتها، وضمان ألّا يُهدَّد أمن إسرائيل بأي شكل من الأشكال».

وأضاف: «لذا، فإن إسرائيل، بمساعدتنا، نالت كل ما يمكن أن تحقّقه بقوة السلاح. لقد انتصرتم. أعني ذلك، لقد انتصرتم. والآن حان الوقت لترجمة هذه الانتصارات على الإرهابيين في ميدان المعركة إلى الجائزة الكبرى: السلام والازدهار لكل منطقة الشرق الأوسط. لقد حان الوقت لتتمتعوا بثمار جهودكم».

أوفت «حماس» بالتزاماتها في إطار الاتفاق المحدود، وأفرجت عن جميع الإسرائيليين العشرين الأحياء يوم وصول ترامب إلى إسرائيل. كما أعادت جثامين معظم القتلى، وتُواصِل التعاون مع الفرق الدولية للعثور على القِلّة التي ما زالت مدفونة تحت أنقاض الدمار الذي خلّفته غارات إسرائيل. وقال حمدان: «في شرم الشيخ تلقّينا التزامًا واضحًا من الإدارة الأميركية، وقيل لنا مباشرة من ويتكوف وصهر ترامب جاريد كوشنر إن الرئيس ترامب يقدّم ضمانة كاملة بأن جميع الترتيبات والاتفاقات ستُنفَّذ بنسبة مئة بالمئة».

من جهتها، انتهكت إسرائيل وقف إطلاق النار مرارًا، وقتلت أكثر من 340 فلسطيني في غزة منذ 10 أكتوبر، ورفضت السماح بدخول الكميات المُتفق عليها من الاحتياجات الأساسية إلى القطاع. وبموجب الاتفاق، أفرجت إسرائيل عن نحو 2000 فلسطيني من معتقلاتها وأعادت جثامين 330 قتيلًا. وقد ظهرت على كثير منهم علامات التعذيب والقتل خارج إطار القانون، وبعضهم، وفق مسؤولين طبيين، انتُزعت أعضاؤهم جراحيًا. خرج الفلسطينيون المحرَّرون من سجون ومواقع الجيش الإسرائيلي هزيلين، مصابين بالأمراض، وبعضهم مبتورو الأطراف أو بلا عيون، ومحمّلين بقصص عن تعذيب يفوق الوصف.

ولا تزال قوات الاحتلال الإسرائيلي متوغّلة في أكثر من نصف مساحة قطاع غزة، فيما يواصل قادتها بث رسائل بأن حرب الإبادة والاحتلال ستستمر حتى يستسلم الفلسطينيون. ويقول المسؤولون الإسرائيليون إنهم يقيمون بنى تحتية في شرق غزة، وإنهم يتصورون البقاء هناك في المستقبل المنظور.

وقال حمدان: «هناك وقف لإطلاق النار، لكن إسرائيل ما زالت تدمّر البيوت، وما تبقى من البيوت في غزة. وهذا يعني أنهم يريدون تحويل غزة إلى مكان لا يمكن لأحد العيش فيه. هل هذا مؤشر على فرصة للسلام؟ أعتقد أنهم يرسلون رسالة للناس مفادها أنه لا سبيل للاستمرار في العيش على أرضكم إلا من خلال المقاومة».

ختمٌ مُلفَّق للشرعية الدولية

منذ توقيع الاتفاق، سارعت إدارة ترامب للعثور على مسارٍ يمكّنها من تنفيذ أجندتها الأوسع، وتحديدًا تعهّدها بتجريد المقاومة الفلسطينية من سلاحها، ونزع السلاح من غزة. ورغم أن الدول العربية والإسلامية أيّدت علناً جهود ترامب، فإن أيًا منها لم يلتزم بتوفير قواتٍ في مهمة قد تُعرّضها للاشتباك مع مقاتلي المقاومة الفلسطينية. وقد كان قادة حركتي حماس والجهاد الإسلامي وغيرهما من القيادات الفلسطينية واضحين بأنهم منفتحون على وجود قوة دولية تحت رعاية الأمم المتحدة، ولكن بشرط أن يكون تفويضها الوحيد هو مراقبة الالتزام بوقف إطلاق النار.

وقال الهندي: «ليس لدينا مانع أن يكون هناك قوات دولية ولكن لحفظ السلام، مثل اليونيفيل في لبنان، لكن وظائفها تتعدى إلى مسائل داخلية في قطاع غزة، بمعنى مثلًا تولي مسألة موضوع المساعدات وتوزيعها أو حماية المدنيين أو تدريب الشرطة الفلسطينية، كل هذه العناوين تفتح مجالًا للتدخل والاحتكاك بين هذه القوات وبين الشعب الفلسطيني داخل قطاع غزة. ولذلك حتى نحافظ على استقرار المنطقة، يجب أن تكون هذه قوات حفظ سلام وفصل بين الإسرائيلي وبين قطاع غزة».

في الثالث من نوفمبر، بدأت إدارة ترامب بتداول مشروع قرار في الأمم المتحدة تأمل أن يمنحه غطاءً من الشرعية الدولية يمكن استخدامها لفرض أجندة ترامب. وكان جوهر هذا المسعى هو تأمين تأييد رسمي من الأمم المتحدة لـ«مجلس السلام» الذي اقترحه ترامب، ما يجعله بحكم الأمر الواقع الحاكم بالنيابة في الإقليم. غير أن الولايات المتحدة لم تكن تريد أن تخضع القوة الدولية المقترحة لقيادة أو إشراف من الأمم المتحدة. وفي الأيام التالية، عملت إدارة ترامب خلف الكواليس للضغط على الدول العربية والإسلامية الأخرى للانضمام إلى حملتها. وقد رأى القادة الفلسطينيون أن هذا وضعٌ شديد الخطورة.

وقال البرغوثي: «هناك ثلاثة مبادئ اتفقنا عليها جميعًا كقوى فلسطينية، ومع الجانب المصري ومع الوسطاء، الأول: أن تُدار غزة من قبل الفلسطينيين أنفسهم، وليس من قبل سلطة أجنبية. والثاني: ألّا تُفصَل غزة عن الضفة الغربية. والثالث: أن تكون القوة الدولية التي يتحدثون عنها، قوة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة لمراقبة وقف إطلاق النار، لتفصل بيننا وبين الإسرائيليين ولضمان الانسحاب الإسرائيلي الكامل من غزة. هذه المبادئ ينبغي أن تحكم أي مقترح يُطرح في الأمم المتحدة». وأضاف البرغوثي: «يجب ألا نقبل بأي شكل من أشكال الحكم الأجنبي علينا مرة أخرى. لا نحتاج استعمارًا جديدًا، وبالتأكيد لا نحتاج أن يأتي توني بلير ليحكمنا».

في الفترة التي سبقت التصويت، حقق ترامب نصرًا دبلوماسيًا، عندما أيدت مجموعة من الدول الإسلامية هي قطر ومصر والإمارات والسعودية وإندونيسيا وباكستان والأردن وتركيا، مشروع القرار. كما حصل على تأييد شكلي باهظ الثمن من إدارة رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، التي تحكم رسميًا أجزاءً من الضفة الغربية المحتلة وتتمتع بشعبية محدودة جدًا بين الفلسطينيين. ويسيطر عباس أيضًا على مقعد «دولة فلسطين» المُراقب وغير العضو في الأمم المتحدة. والآن أصبح بإمكان ترامب أن يدّعي أن «الفلسطينيين» وإسرائيل على نفس الجانب.

أما إسرائيل، التي فشلت في هزيمة أو نزع سلاح المقاومة الفلسطينية في غزة خلال عامين من الإبادة، فكانت تريد ربط تسليم المساعدات أو أي انسحاب إسرائيلي بنزع سلاح الفلسطينيين، وهي مصطلحات منصوص عليها بلغة مُبهمة في خطة ترامب. ولم يخفِ نتنياهو كراهيته للأمم المتحدة، التي أصدرت مئات القرارات على مدى العقود تدين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي. وفي سبتمبر، في الجمعية العامة، وصف الأمم المتحدة بأنها «مستنقع من السم المعادي للسامية». ومع ذلك، رأى نتنياهو فرصة استراتيجية في أن تؤيد الأمم المتحدة نزع سلاح المقاومة الفلسطينية وتجريد غزة من السلاح، خصوصًا إذا تم ذلك دون أي مشاركة فعلية للأمم المتحدة.

في 17 نوفمبر، اجتمع مجلس الأمن للتصويت على القرار. وأبلغ المبعوث الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، الدول الأعضاء بأن الإبادة ستستأنف إذا لم يرضخ المجلس لمطالب ترامب، قائلًا: «التصويت ضد هذا القرار يعني العودة إلى الحرب».

وفي خطوة غير مسبوقة، أيّد المجلس نشر قوة دولية لن تعمل تحت راية الأمم المتحدة، بل ستكون تحت قيادة وسيطرة ترامب وما يسمى بـ«مجلس السلام» الخاص به. وبذلك صادقت الأمم المتحدة عمليًا على موقف ترامب القائل بوجوب تجريد الفلسطينيين من حقهم في المقاومة المسلحة ضد الاحتلال والفصل العنصري. وينص القرار على أن قوات الاحتلال التابعة لترامب ستُخوّل للعمل بدعم من الأمم المتحدة حتى نهاية عام 2027، على أن يكون من الممكن تجديد تفويضها عند تلك النقطة.

وقال الهندي: «نحن لدينا خبرة في هذا الموضوع: أي مسألة 'قابلة للتجديد' ممكن أن تستمر ولا تكون مؤقتة.. تستمر لفترات طويلة. أوسلو قالوا قابل للتمديد لخمس سنوات، ولكن الآن لنا أكثر من 30 سنة ونحن في أوسلو».

القرار، الذي تم تمريره دون أي اعتراض، لم يتضمن أي تعليمات قابلة للتنفيذ أو خريطة مفصلة للانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية، مما يعزز بشكل أكبر الاحتلال الإسرائيلي غير المحدد لجزء كبير من غزة. وينص على أن إسرائيل ستعمل جنبًا إلى جنب مع مصر والقوات الدولية «لتثبيت الوضع الأمني في غزة» من خلال نزع سلاح «حماس» وغيرها من قوات المقاومة الفلسطينية.

بينما حقق ترامب نصرًا في الأمم المتحدة، قد يكون تنفيذ خطته معقدًا. ففي أواخر أكتوبر، ادعى ترامب على منصة تروث سوشيال أن عدة دول عربية «أبلغتني بشكل صريح وبحزم وبحماس كبير، بأنها سترحب بالفرصة، بناءً على طلبي، لدخول غزة بقوة كبيرة و'تأديب حماس بالقوة'، إذا استمرت حماس في التصرف بشكل سيء، في انتهاك لاتفاقها معنا».

لكن عددًا من الدول العربية ذات الثقل في المنطقة، بما في ذلك السعودية ومصر والإمارات والأردن، إلى جانب الجامعة العربية، أشارت إلى أنها لن ترسل أي قوات في مهمة تهدف لنزع سلاح الفلسطينيين. وقد أقرّ مسؤولون أمريكيون، بهدوء، بأنهم يواجهون صعوبة في إقناع هذه الدول بتغيير مواقفها في الوقت الراهن. ومع ذلك، لم تستبعد بعض هذه الأطراف المعنية تمامًا فكرة المشاركة في قوة دولية، وطلبت المزيد من التوضيح بشأن نطاق المهمة. وكانت الإدارة الأميركية قد أجرت محادثات مع دول إسلامية غير عربية، من بينها إندونيسيا وتركيا وباكستان وأذربيجان، إلا أنّ أيًا من هذه الدول لم يعلن حتى الآن التزامه بالمشاركة في الخطة الحالية. وحتى لو قدّمت بعض الدول قوات، فمن المرجّح أن يضطر ترامب إلى الاستعانة بشركات عسكرية خاصة لإنشاء هذه القوة.

قال الهندي: «أنا أعتقد أن الدول العربية والإسلامية التي كان من المحتمل أن تشارك في مثل هذه القوات ترفض جميعًا أن تدخل إلى قطاع غزة من أجل أن تقوم بسحب السلاح من المقاومة الفلسطينية، لأن هذه هي مهمة إسرائيل التي فشلت على مدار سنتين من تحقيقها، فهل تأتي مثل هذه القوات لتقوم بالعمل القذر نيابةً عن إسرائيل؟»، وأضاف: «أي خطة تتكلم عن سحب سلاح الشعب الفلسطيني، يعني سحب إرادته لأن السلاح هو في الأساس إرادة، وإيصاله إلى نقطة أنه لا فائدة من المقاومة، ستكون خطة فاشلة».

لقد صوّر كل من ترامب ونتنياهو قضية نزع سلاح الفلسطينيين على أنها أمر واقع في أجندتهما بالنسبة لغزة، كما لو أن الفلسطينيين قد استسلموا. وبناءً على ذلك، تواصل إسرائيل تهديدها بمواصلة الحرب إذا لم يتم نزع السلاح من غزة.

وقال القيادي في حركة حماس، موسى أبو مرزوق، في مقابلة مع «دروب سايت»: «في الحقيقة، كلام من هذا النوع صوت لا يراد به قراءة الواقع. إذا كنت تقاتل لمدة سنتين ضد المقاومة ولم تستطع أن تحسم المعركة حتى اللحظة، هل من الممكن أن تأخذ عبر طاولة المفاوضات ما تريد في هذا الموضوع؟ أعتقد المسألة صعبة كثيرًا. وبالتالي عليهم أن يخفضوا من التوقعات كثيرًا في هذا الجانب».

في حين أن القرار يشير إلى إنشاء لجنة فلسطينية تكنوقراطية غير سياسية لإدارة غزة، إلا أنها ستعمل تحت إشراف لجنة مختارة بعناية من قبل ترامب، مما يضع غزة فعليًا تحت حكم أجنبي. وقال عضو المكتب السياسي للجهاد الإسلامي في فلسطين، إحسان عطايا: «الآن الأمم المتحدة مُسخّرة لمصلحة أمريكا وإسرائيل فقط، بسبب الهيمنة الأمريكية، وكل ما هو لغير مصلحة أمريكا وإسرائيل، لا يمكن أن يمر في مجلس الأمن». وأضاف: «من غير المقبول أن يتم فرض الرؤية الإسرائيلية والأمريكية المُغلفة بغطاء أممي على شعبنا».

تحدث ترامب أيضًا عن خططه لغزة باعتبارها صفقة تجارية، متباهيًا بجميع الالتزامات الاستثمارية التي حصل عليها حتى الآن. منذ أن طرح فكرته لأول مرة في فبراير لتحويل غزة إلى «ريفييرا الشرق الأوسط» المملوكة للولايات المتحدة، أشار مرارًا إلى الإمكانات العقارية لـ«الواجهة البحرية» لغزة. وتتركز خطته الحالية لـ«إعادة الإعمار» حول مشروع استثماري بمليارات الدولارات، يجمع بين القطاعين العام والخاص لتحقيق الربح.

وقال عطايا لـ«دروب سايت»: «كما أن المشكلة تكمن في رئاسة ترامب لـ«مجلس السلام» الذي تعتبر أولى مهماته إنشاء صندوق لاستقدام الأموال، وإعادة إعمار غزة. وهذا يعني أن كل الأموال التي ستجمع في العالم ستصب في هذا الصندوق الذي سيكون تحت تصرف ترامب نفسه. ومن خبث الرئيس الأمريكي ومكره أنه ربط اسمه كرئيس لهذا المجلس الذي سيعطيه الصلاحية حتى بعد أن يترك الرئاسة الأمريكية أن يبقى هو من يرأس هذا المجلس. وبالتالي ستصبح غزة وكأنها مشروع اقتصادي لترامب نفسه».

روسيا والصين، اللتان اقترحتا قرارًا بديلًا لكن تراجعتا بسرعة، قررتا عدم استخدام «الفيتو» ضد خطة ترامب وبدلًا من ذلك امتنعتا عن التصويت ما ضمن تمرير القرار.

وكتب ترامب على منصة تروث سوشيال بعد التصويت: «تهانينا للعالم على التصويت المذهل في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، قبل لحظات، الذي اعترف ووافق على مجلس السلام، الذي سأترأسه، وسيشمل أقوى وأبرز القادة في جميع أنحاء العالم. سيكون هذا أحد أكبر الاعتمادات في تاريخ الأمم المتحدة، وسوف يسهم في تحقيق المزيد من السلام في العالم، وهو لحظة ذات بعد تاريخي حقيقي!».

رحب نتنياهو بالقرار، قائلًا في بيان: «نعتقد أن خطة الرئيس ترامب ستؤدي إلى السلام والازدهار، لأنها تصر على نزع السلاح الكامل وإزالة التسلح وإعادة تأهيل غزة من التطرف». وتوقع أن تؤدي خطة ترامب، مع موافقة الأمم المتحدة، إلى «مزيد من التكامل بين إسرائيل وجيرانها وكذلك توسيع اتفاقيات إبراهام».

وصرحت المتحدثة باسم نتنياهو، شوش بدروسيان، قائلة: «سيتم تجريد السلاح من غزة وسيتم نزع سلاح حماس. سيحدث هذا إما بالطريقة السهلة أو بالطريقة الصعبة. أما فيما يتعلق بدولة فلسطينية، فإن معارضتنا لها ثابتة وصحيحة ولم تتغير على الإطلاق».

أصدرت مجموعة واسعة من الفصائل الفلسطينية، التي تشمل تقريبًا كل التنظيمات السياسية وحركات المقاومة، باستثناء حركة فتح التابعة لعباس، بيانًا مشتركًا تدين فيه القرار، واصفةً إياه بأنه قرار «بدفع أمريكي، وترى فيه تجاوزًا للمرجعيات الدولية، وإطارًا يُمهّد لإيجاد ترتيبات ميدانية خارج الإرادة الوطنية الفلسطينية»، وأكدّوا على حق الشعب الفلسطيني في المقاومة المسلحة واعتبروا نشر قوة أجنبية «أداة جديدة للعدوان على شعبنا واستمرار في إبادته».

وأصدرت «حماس» بيانًا منفصلًا ينص على أن القرار يسعى لفرض «آلية وصاية دولية على قطاع غزة»، مضيفةً أن نشر قوة مفوّضة بنزع سلاح الفلسطينيين «ينزع عنها صفة الحيادية ويحولها إلى طرف في الصراع لصالح الاحتلال»، واتهمت الحركة القرار بأنه يرسّخ هيكلية تجعل توصيل الغذاء والدواء وغيرها من أساسيات الحياة، وكذلك جهود إعادة الإعمار، «خاضعة للتسييس والابتزاز والإخضاع».

مع هذا القرار، يجد الفلسطينيون أنفسهم اليوم في لحظة تاريخية: معركة من أجل البقاء والتحرّر في مواجهة محور أميركي‑إسرائيلي تمّت المصادقة عليه رسميًا من قِبل العديد من الدول العربية، وخُتِم بختمٍ شكلي من السلطة الفلسطينية التي تعمل دون تفويض شعبي. ويُعدّ ذلك محاولةً لنزع سلاح قضية التحرّر الفلسطينية بأكملها وتسليم مستقبلها إلى لجنة أجنبية مُبهمة يرأسها ترامب.

وقال الهندي: «لا أحد، الأمريكان بشكل خاص والأوروبيين أيضًا وبعض العرب للأسف، يريد أن يكون هناك مقاومة لإسرائيل في المنطقة. المقاومة تحرجهم». وأضاف: «الهدف النهائي هو أن الشعب الفلسطيني يفقد مقاومته. إذا فقدنا المقاومة والقدرة على المقاومة، انتهت القضية الفلسطينية. من يحمي الشعب الفلسطيني هي مقاومته، والقضية ليست عناوين حماس أو الجهاد الإسلامي.. لا، الشعب الفلسطيني يقاوم لأن العدو يعتدي باستمرار».

فخ نزع السلاح

في خطاب ألقاه في 6 نوفمبر أمام مؤتمر تجاري في ميامي، قال ويتكوف إن الولايات المتحدة «في خضم إنشاء عملية إخراج الأسلحة من الخدمة.. برنامج للتجريد من السلاح ومنح العفو». كما زعم أن «حماس» التزمت بنزع السلاح وتسليم أسلحتها إلى القوة الدولية التي يقودها ترامب. وقال: «حماس أشارت دائمًا إلى أنها ستتخلى عن أسلحتها. لقد قالت ذلك، وقالته لنا مباشرة خلال الاجتماع الشهير الذي عقده جاريد [كوشنير] معهم»، وأضاف: «حماس قالت دائمًا إننا سنحتاج إلى القوة الأمنية الدولية لتأتي وتكون الوسيط التي تُسلم إليه الأسلحة».

في مقابلة مع «دروب سايت»، نفى حمدان بشكل قاطع أن تكون «حماس» قد قدمت أي وعد من هذا القبيل. وقال: «لا، ما يقوله، لا أعرف، لكننا لم نقل ذلك، لأن الوفد بأكمله كان موجودًا ولم يقل أحد ذلك». وأضاف: «إذا أردت التفاوض، فذلك سيستغرق وقتًا، أكثر من الأربعة أيام التي استغرقتها المفاوضات التي سبقت اتفاق شرم الشيخ». موضحًا: «علينا أن نتحدث مع إخواننا والفصائل الأخرى. وعندما يكون لدينا تفاهم وطني حول ذلك، سنبدأ بالتحدث مع الوسطاء والأمريكيين». لم ترد وزارة الخارجية الأمريكية على طلب للتعليق بشأن ادعاءات ويتكوف ونفي حركة حماس.

بين فصائل المقاومة الفلسطينية، هناك إجماع واسع على أن نتنياهو يريد استخدام قضية نزع السلاح لتبرير استمرار حرب الإبادة في غزة. ورغم وقف إطلاق النار، ستستغله إسرائيل لإطالة هجماتها على غزة، كما فعلت مرارًا في لبنان. ويؤكد الفلسطينيون أن نزع السلاح لا يتعلق بالأسلحة الفعلية، بقدر ما هو محاولة للحصول على شرعية لفرض الاستسلام الذي لم تستطع إسرائيل تحقيقه، لا من خلال أكثر من عامين من القصف العنيف والعمليات البرية، ولا من خلال 77 عامًا من الاحتلال والتطهير العرقي. ويقولون إن قرار الأمم المتحدة يُرسخ عمليًا هذا المشروع.

وقال عطايا: «نحن نرفض هذا القرار وأي قرار يصف المقاومة بالإرهاب، ويعطي الحق للعدو الصهيوني باستهداف الشعب الفلسطيني في غزة تحت ذرائع واهية، وبما منحه له هذا القرار من دور أمني مطلق». وأضاف: «من الطبيعي أن تسعى أمريكا إلى تقديم خدمة للعدو الصهيوني، لأنه لم يستطع القضاء على المقاومة خلال الحرب، ولذلك فهي تسعى من أجل نزع سلاح المقاومة والقضاء على عناصر قوتها».

إذا استمعت فقط إلى الرواية الإسرائيلية حول الأسلحة التي تمتلكها المقاومة الفلسطينية في غزة، فمن المحتمل أن تصل إلى استنتاج أنهم يمتلكون مجموعة متطورة من الأسلحة المتقدمة القادرة على تهديد وجود إسرائيل ذاته. لكن الواقع، كما هو منذ فُرض الحصار على غزة في 2006، هو أن «حماس» و«الجهاد» الإسلامي تعملان في الغالب بأسلحة محلية الصنع يتم تصنيعها بشكل سري داخل غزة. وقد استُنفد تقريبًا كامل مخزون الصواريخ التي أُطلقت على إسرائيل خلال العامين الماضيين من الحرب، فيما يستخدم مقاتلو المقاومة الأسلحة الخفيفة والأجهزة المتفجرة المجهزة يدويًا والذخائر الإسرائيلية المُعاد استخدامها وقاذفات القنابل الصاروخية.

وقال أبو مرزوق إن محاولة إسرائيل تصوير أسلحة المقاومة الفلسطينية على أنها أكثر من مجرد دفاع عن الغزو والاحتلال لا أساس لها من الصحة.

وأضاف: «الإسرائيلي نفسه هو قال إننا قضينا على معظم كتائب القسام في غزة، في الشمال وفي خان يونس وفي رفح،  ولم يبق من كتائب القسام أحد. والرئيس ترامب قال تم قتل 25 ألف من كتائب القسام. وأيضًا إسرائيل أعلنت منذ فترة بسيطة بأن معظم قدرات حماس العسكرية تم تدميرها، قالوا 90% من قدرات حماس تم تدميرها. فإذا دمروا تسعين في المئة من قدرات حماس العسكرية وقتلوا معظم رجالات القسام كما يقول الرئيس ترامب، إذًا من ستنزع سلاحه وأين السلاح الذي ستنزعه وانت دمرته؟».

وقال الهندي: «أنا أقول لك ليس هناك سلاح ثقيل، حتى مضادات الدروع يصنعها الشباب الفلسطينيين داخل غزة. مسألة والله التهريب وخلافه، كل هذا كلام إسرائيل تقوم بترويجه في الإعلام حتى تُظهر غزة وكأنها قوة عسكرية كبيرة. مثلًا الياسين 105 [صواريخ مضادة للدبابات] هذه يتم تصنيعها داخل قطاع غزة وبجهود الشباب، وممكن أن يصنعوها في أي وقت. الهاونات تصنع داخل قطاع غزة وبعد ذلك العبوات [العبوات الناسفة] تًصنَع أيضًا داخل غزة».

تصنيع السلاح في غزة

طوال مفاوضات التوصل إلى اتفاق لإنهاء حرب غزة، عبّر المفاوضون الفلسطينيون مرارًا عن موقفهم بشأن قضية السلاح، وأكدوا أنهم منفتحون على هدنة طويلة الأمد، تُفرض دوليًا، تمتنع خلالها قوى المقاومة عن القيام بأي عمليات هجومية.

وقال الهندي: «السلاح الموجود في غزة في الأساس هو سلاح الإرادة». وأضاف: «ساعة ما يكون هناك حاجة للسلاح، مباشرة الشباب يصنعون السلاح وإرادتهم قوية، ولذلك الحديث عن تسليم السلاح حديث غير عملي وغير واقعي وليس له أي أهمية، لأنه في أي وقت إذا توفرت الإرادة ويكون هناك اعتداء، والشعب الفلسطيني يريد أن يدافع عن نفسه،  يصبح من السهل تصنيع السلاح داخل غزة».

بينما تنكر «حماس» أنها أبرمت أي اتفاقات بشأن الأسلحة، إلا أن هناك قدرًا من التفصيل في موقف المقاومة الفلسطينية. فخلال مفاوضات إنهاء الإبادة الجماعية، طالبت إسرائيل بنزع السلاح الكامل وتفكيك حركة حماس. وقد قالت فصائل المقاومة إن هذا خط أحمر وسيُعد استسلامًا لقضية التحرير وتقرير المصير. وفي الوقت نفسه، أبلغت الفصائل الوسطاء، وكذلك المسؤولين الأميركيين في محادثات مباشرة، أنها منفتحة على اتفاقات مُعتمدة دوليًا وخاضعة للرقابة تتضمن وضع أسلحة المقاومة خارج الخدمة فعليًا، لكن دون تسليمها. لكنها حذّرت من أن المقاومة لن تفعل ذلك إلا في سياق هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل ووقف كامل للهجمات العسكرية ضد الفلسطينيين.

وقال عطايا: «عندما يناقش الوفد المفاوض البند المتعلق بتسليم السلاح، فالسؤال المطروح هو: لمن نسلم السلاح؟ هل هناك دولة فلسطينية أو حكومة فلسطينية تدافع عن شعبنا الفلسطيني في غزة لنسلم لها السلاح؟ أم نسلم السلاح لعدونا ونستسلم؟ هل المقاومة التي لم تُهزَم في الحرب، ولم يستطع العدو القضاء عليها، واضطّر للتفاوض مع قيادتها من أجل صفقة تبادل الأسرى، سوف ترفع الراية البيضاء وتستسلم وتضع حبل المشنقة على عنقها؟».

من جانبه، قال الهندي: «موضوع السلاح غير خاضع للنقاش، بمعنى أن تسليم السلاح غير خاضع للنقاش، ولكن مظاهر التسلح أو استخدام السلاح، هذه المسألة يتم النقاش حولها. بمعنى لا يظهر أي شكل من أشكال السلاح في الشارع الفلسطيني، وتقوم الشرطة الفلسطينية والقوى الأمنية بالسيطرة التامة على الشارع الفلسطيني، وتختفي مواقع التدريب لعناصر المقاومة، والسلاح يتم تخزينه وندخل في هدنة ويتم تحديد هذه الهدنة. لكن مسألة أن نخرج ونسلم سلاحنا، ما هو السلاح الموجود في غزة أصلًا؟».

وأكد حمدان على موقف دأبت «حماس» على التعبير عنه، وهو أن فصائل المقاومة المسلحة ستصبح غير ضرورية إذا أُقيمت دولة فلسطينية تضم جيشًا وطنيًا قادرًا على الدفاع عن نفسه. وقال: «لدى الفلسطينيين، بما فيهم المقاومة، فكرة بسيطة وواضحة: نحن شعب تحت الاحتلال. إذا كان التخلص من الاحتلال يمكن أن يحدث بسلام، فسيكون ذلك جيدًا للفلسطينيين. نحن لا نريد أن يُقتل المزيد من أبناء شعبنا. في الواقع، لا نريد أن يُقتل أي أحد. لا اليوم، ولا أمس، ولا منذ اليوم الأول في 1948. لكن تاريخ الاحتلال يُظهر لك بوضوح أن إسرائيل غير مستعدة للتخلي عن سيطرتها. إذا أردتم منا تسليم السلاح، فماذا بعد ذلك؟ لا يوجد جواب.. هذا يعني أنهم إما سيقتلونك أو سيطردونك».

ذكر مسؤول إسرائيلي مؤخرًا في حديثه مع شبكة سي إن إن أن إسرائيل تشعر بالقلق من أن إدارة ترامب قد تمضي في نهاية المطاف قدمًا في عملية إعادة الإعمار، وغيرها من جوانب الخطة الأميركية، من دون معالجة مسألة نزع السلاح بشكل حاسم.

ويرى الهندي أن إسرائيل ستُجبَر في نهاية المطاف على قبول حلٍّ وسط بشأن قضية نزع السلاح كجزء من خطة ترامب. وقال الهندي: «إسرائيل تريد المسألة الرمزية المعنوية، والرسالة التي تقول من خلالها للعالم كله إنه إحنا هزمنا المقاومة الفلسطينية وإنه لا فائدة من المقاومة، وهذا لن تحصل عليه إسرائيل».

إسرائيل مكشوفة

في كثير من النواحي، أنقذت خطة ترامب إسرائيل من نفسها. بينما نجحت إسرائيل في قتل 70 ألف فلسطيني، وهو الرقم الرسمي للقتلى المؤكدين والذي من المرجح أن يكون أعلى بكثير، وفي تدمير مساحات واسعة من غزة، إلا أنها لم تتمكن من تحقيق الانتصار العسكري الذي وعد به نتنياهو. فشلت إسرائيل في استرجاع الرهائن المحتجزين في غزة بالقوة، واضطرت إلى توقيع اتفاق تفاوضي مع مقاومة تتألف إلى حد كبير من المقاتلين الذين يرتدون الصنادل ويهاجمون قوات الاحتلال بأسلحة محلية الصنع.

قدّمت خطة ترامب لإسرائيل فرصة للحفاظ على أجندتها المتمثلة في الإبادة ضد الفلسطينيين، تحت راية الشرعية التي قدمها التحالف العربي والإسلامي، الذي نجح ترامب في حشد دعمه لأجندته. وبلغ هذا ذروته في تأمين القرار الأخير للأمم المتحدة بلا شروط. ومع تضرر سمعة إسرائيل جراء حرب الإبادة التي شنّتها، تدخل ترامب لإعادة تقديم الصورة بشكل مضلل باعتبارها خطوة تمهيدية تاريخية نحو السلام في المنطقة.

وقال الهندي: «هاتين السنتين من الإبادة الجماعية كشفت أن إسرائيل ليست بهذه القوة التي تتحدث عنها أمام العالم. إسرائيل بدون المساعدة الأمريكية والغربية، والسلاح والمعلومات والاستخبارات وكل هذه المسائل، ما كانت لتصمد أمام فصائل صغيرة في قطاع غزة. لم تكن لتصمد إسرائيل، هي في حاجة للغرب. إسرائيل أصبحت دولة عنصرية ترتكب كل الجرائم أمام العالم كله ومُلاحقة في المحاكم الدولية. هذه إسرائيل الجديدة، إسرائيل التي كانت توائم بين عقيدتها وعقيدة شعبها وبين رؤيتها لنفسها وللعالم وسياساتها العالمية والدولية، أصبحت الآن تعاني خلافات داخلية».

وقال حمدان إنه بينما تتوافق أجندة ترامب إلى حد كبير مع إسرائيل، إلا أن نتنياهو ما زال قلقًا من أن يؤدي انتهاء حرب غزة في نهاية المطاف إلى تهديد قبضته على السلطة. «الإسرائيليون لا يزالون يحاولون تقويض الاتفاق. نتنياهو يفهم أنه إذا توقفت الحرب، فإن الأمور ستصبح ضده. سيذهب إلى المحكمة بسبب مشاكله الجنائية، والمجتمع الدولي سيتحدث عن قضية المحكمة الدولية [ICJ] والمذكرة الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية [ICC]»، وأضاف: «يفهم نتنياهو أن هذا سينعكس عليه سلبًا على المستوى السياسي. لذلك يريد الحفاظ على الوضع غير المستقر لأسباب شخصية وأيضًا لأسباب سياسية، لأننا لا يمكن أن ننسى أنه خلال العامين الماضيين، كان يتحدث بوضوح عن ‘إسرائيل الكبرى’. وإسرائيل الكبرى لا يمكن إنشاؤها من خلال السلام، بل يجب إنشاؤها من خلال الحرب».

يعتقد الهندي أن العالم قد استيقظ على الطبيعة الحقيقية لموقف إسرائيل في المنطقة، وأن حملة الدعاية التي امتدت لعقود عديدة لتصوير الفلسطينيين كإرهابيين يتم تفكيكها الآن كنتيجة مباشرة لحرب الإبادة التي شنتها إسرائيل في غزة، حسب قوله.

وأضاف «المقاومة الفلسطينية تتألف من حركات تحرر وطني في مرحلة تحرر وطني، هذه هي القراءة والعنوان الأساسي. نحن حركات مقاومة وطنية، وصراعنا داخل فلسطين، فقط داخل فلسطين، ومن فلسطين. وأضاف: «الذي يشكل خطرًا على المستوى السياسي هو إسرائيل، لأنها مشروع هيمنة وتريد إضعاف الجميع. صراعنا ضد إسرائيل وفي فلسطين، وإننا بندافع عن أنفسنا.. إحنا حركات تحرر وطني ومستعدين لفتح علاقات مع الجميع على هذا الأساس».

لم يبدأ مسار التاريخ في السابع من أكتوبر، ولن ينتهي بخطة ترامب الاستعمارية. يدرك حمدان أن الطريق القادم مليء بالمخاطر والتهديدات، لكنه يعتقد أيضًا أن السنتين الأخيرتين من الإبادة الجماعية قد أرسلتا رسالة للعالم مفادها أن الفلسطينيين لن يتخلوا أبدًا عن نضالهم من أجل الاستقلال.

وقال: «وفقًا لتاريخنا، كانت هناك لحظات ظن فيها الجميع أن الفلسطينيين هُزموا، لكنهم نهضوا مرة أخرى. إذا كان أحد يعتقد أنه يستطيع إجبار الشعب الفلسطيني على التخلي عن حقوقه، فهو مخطئ. نحن لم نُهزم، ولسنا بعيدين جدًا عن رؤية دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، إن شاء الله».

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن