بلا «حدود» أو بلا «معنى».. أزمات الإنترنت في مصر
مرة أخرى، يتكرر الحديث عن الإنترنت غير المحدود في مصر. هذه المرة، وعلى عكس المتوقع، تناقش لجنة الاتصالات بمجلس النواب إمكانية تطبيقه، بحسب تصريحات تليفزيونية أدلت بها النائبة البرلمانية وعضوة اللجنة، مها عبد الناصر، أمس.
تصريحات النائبة جاءت على خلفية جدل شغل شبكات التواصل الاجتماعي خلال الأسبوع الماضي، حيث اتهم المستخدمون «وي»، شركة الاتصالات المصرية الأكبر التابعة للشركة المصرية للاتصالات والتي تملكها الحكومة، والمالك المشغل الوحيد لكل البنية التحتية للاتصالات في مصر، بسرقة باقات الإنترنت الخاص بهم فجأة.
تكرر هذا الجدل في مناسبات مختلفة طوال الأعوام الماضية، وتعلق بشكل أساسي بطبيعة خدمة الإنترنت المحدود التي يحصل عليها معظم المستخدمين في مصر، ومقارنتها بخدمات الإنترنت في دول أخرى، وما تفرضه متغيرات تكنولوجيا الإنترنت ومتطلبات الحياة في عصر الإنترنت. بعض المستخدمين أطلقوا حملات منظمة للضغط من أجل الحصول على خدمة إنترنت غير محدودة.
لكن الموقف الرسمي أمام هذه المحاولات كان في كثير من الأحيان التجاهل التام لهذه الحملات والدعوات، أو في إحدى الحالات، حين ارتفع صوت الحملة بشكل كبير، قبض على بعض المشاركين فيها.
بعد جدل الأسبوع الماضي، نفى المتحدث باسم الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، محمد إيراهيم، وجود أي أعطال في شركات الاتصالات تسببت في مشكلات بباقات المستخدمين، مؤكدًا أن أي مشكلات كانت حالات فردية وتم تعويض المتضررين فيها.
في معرض نفيه، أشار إبراهيم إلى نقطة مهمة تتعلق بالتحديث الذي شهدته الشبكات الأرضية، حيث زادت بشكل كبير معدلات انتشار الألياف الضوئية، إلى جانب خدمات الجيل الخامس. توسعت مصر فى قدراتها من البنية التحتية لاستيعاب إنترنت أكثر للجميع، ولكن تبقى التساؤلات حول هذه القدرات في ظل الاحتياج لإنترنت أسرع، يستوعب الوسائط المتعددة من صور وفيديو وغيرها. ولكن، بخلاف تقنيات الإتاحة، هناك جانب آخر، تنظيمي، خاص بنموذج الأعمال الخاص بشركات الاتصالات، والتي بدورها تسيطر على قدر ما يصلنا من إنترنت وما ندفعه في المقابل. أزمة الإنترنت ليست في كونه محدودًا أو غير محدود، وإنما في عدالة ومنطقية توزيع وإتاحة سعات الإنترنت للمستخدمين.
الإجابة على هذا السؤال تتطلب فهمًا أعمق لطبيعة البنية التحتية للإنترنت في مصر، وعلاقتها بالشبكة الدولية.
يصل الإنترنت لكل بلد عبر شبكة كابلات بحرية، توزع من خلال شبكات إتاحة داخل كل بلد، وتملكها شركات مختلفة. وتختلف تكلفة نقل البيانات عبر شبكة الإنترنت، حيث تقل إذا كانت هذه البيانات تنتقل بين مرسلها ومستقبلها داخل البلد نفسه، لكنها تصبح أكثر تكلفة إذا كانت تتطلب الانتقال عبر شبكة الكابلات البحرية. ولهذا تسعى الدول المختلفة لاستضافة مراكز بيانات محلية تخفض تكلفة انتقال البيانات.
في مصر، يمر ما لا يقل عن 17% من إنترنت العالم عبر 25 كابلًا بحريا، نظرًا لموقعها الجغرافي بين البحرين المتوسط والأحمر. يشرح التقني المتخصص في تأسيس شبكات الإنترنت المحلية، أحمد حسين، كيفية الحصول على الإنترنت من هذه الكابلات. تحصل مصر على سعة محددة من هذه الكابلات، وتحدد هذه السعة شكل ملكية هذه الكابلات. مثلًا، تمتلك «المصرية للاتصالات» جزئيًا 15 من هذه الكابلات، تقتسم سعتها مع الشركاء الآخرين، فيما تشتري سعة من الكابلات التي لا تشارك في ملكيتها، لتعضيد سعة الإنترنت المحلية. في الوقت نفسه، تتربح مصر من مرور هذه الكابلات في أرضها، وتتصف هذه المنطقة من تكدس كابلات الإنترنت في مكان واحد بـ«النقطة الأكثر ضعفًا من الإنترنت على الأرض» لأنها تمثل عنق الزجاجة، مما دفع بعض الشركات التي تستثمر في الكابلات البحرية، ومنها جوجل، لمحاولة تجاوز المرور عبر مصر.

بشكل عام، لا تحصل مصر على ما يكفي من سعة للاستهلاك المحلي، بسبب التكلفة الهائلة التي يتطلبها تحقيق اكتفاء من سعة الكابلات والإنترنت المغذى من مقدمي الخدمة الدوليين، والذين يعتمدون على مراكز المعلومات أكبر تركيز لها في الولايات المتحدة، بحسب حسين.
يمكن تخفيض التكلفة عن طريق زيادة الاعتماد على الكفاءات المحلية في التشغيل وصيانة الشبكات، ومحاولة إيجاد بدائل أقل تكلفة للشبكات الأرضية من السنترال للمنازل، مما سيسمح بشراء سعة أكبر من الشبكة العالمية، حسبما يقول حسين.
استثمرت مصر كذلك بتجديد شبكات الإتاحة وتحويلها من النحاس إلى الألياف الضوئية، وتم تحويل ما لا يقل عن 60% من الكابلات النحاسية إلى الألياف الضوئية. كما استثمرت مصر في عدد من مراكز البيانات المحلية بنحو 270 مليون دولار، بما يسمح بتحسين إتاحة الإنترنت وخفض تكلفة نقل البيانات فيه.
كل هذه التحديثات في البنية التحتية ساهمت كثيرًا بتوسع استخدام الإنترنت في مصر. تشير البيانات المتاحة إلى أن عدد مستخدمي الإنترنت في مصر وصل إلى 98.2 مليون مستخدم بحلول نهاية العام الماضي، ارتفاعًا من 82.01 مليون في 2024. هذا العدد كان 46.2 مليون فقط في 2015.

لكن الاتصال بالإنترنت في حد ذاته لا يعني كثيرًا إذا لم يكن هذا الاتصال «ذو معنى»، وهو المبدأ الذي تتناوله مختلف الدراسات والتعليقات. تشير دراسة نشرها «تحالف من أجل إنترنت رخيص»، وهو تحالف يجمع عددًا من الشركات الكبيرة والمنظمات الأممية وغيرها، إلى أربعة ملامح تعرّف هذا «الاتصال ذو المعنى». أولًا يجب أن يكون هذا الاتصال منتظمًا، ثانيًا حيازة أجهزة ملائمة (موبايل ذكي مثلًا)، ثالثًا سرعة كبيرة، ورابعًا قدر كاف من الداتا. بخلاف البنية التحتية، هناك اعتبارات تنظيمية لسوق إتاحة الإنترنت، تؤثر في قدرتنا على النفاذ لإنترنت ذي معنى.
تحاول ورقة بحثية نشرتها قبل يومين مؤسسة «مسار»، والتي تجمع مجموعة من القانونيين والتقنيين المهتمين بالعمل على تعزيز الحقوق الرقمية والحريات المرتبطة بها في مصر، أخذ هذه الملامح في الاعتبار لفهم أعمق لطبيعة اتصال المستخدمين بالإنترنت في مصر.
تشير الورقة إلى عدم تناسب الحد الأقصى لباقات الإنترنت المتاحة للمستخدمين مع متوسط الاستهلاك الطبيعي للفرد في مصر. طبقًا لحساباتها، يبلغ متوسط استهلاك الأسرة المصرية من الإنترنت حوالي 288-480 جيجابايت شهريًا، والتي تتطلب تكلفة تتراوح بين 650-969 جنيه شهريًا. يعني هذا أن استخدام الإنترنت الثابت يتكلف حوالي 11.2-16.8% من متوسط دخل الأسرة المصرية.
تعتمد الورقة البحثية على عدد من المؤشرات مجتمعة، مثل تكلفة كل مئة جيجابايت من إنترنت الموبايل، ومتوسط الدخول، لمقارنة تكلفة الانترنت من الدخل بين دول مختلفة. بحسب الورقة، فإن تكلفة مئة جيجابايت من البيانات تمثل 53% من متوسط دخل الفرد في مصر. هذه النسبة مرتفعة للغاية عند مقارنتها مع دول مختلفة. في باكستان مثلًا، هذه النسبة 10% فقط، وفي المغرب 28%.

تشير الورقة كذلك إلى التفاوت الكبير بين أسعار الإنترنت الأرضي وعبر الموبايل، وذلك على الرغم من أن إنترنت الموبايل يمثل الطريقة الأكثر شيوعًا للاتصال في مصر (91 مليون مستخدم)، مقابل 12.5 مليون مشترك في خدمات الإنترنت المنزلي. هذا التفاوت يشير بحسب الورقة إلى غياب بدائل معقولة أو اتصال مستقر بالإنترنت المنزلي.
يضاعف هذا من الصعوبات التي تواجها شرائح أقل اقتصاديًا، خصوصًا إذا كان عملها يعتمد بشكل مستمر على الاتصال بالإنترنت. محمد الطاهر، الباحث والتقني، وأحد مؤسسي «مسار»، يدعونا لتخيل تكلفة الوصول للإنترنت لشرائح من المجتمع مثل عاملي الدليفري أو سائقي تطبيقات النقل. «هؤلاء يعتمدون على باقات في الغالب، تعمل على مدار اليوم، ويجب أن تكون دائمًا موصولة بالمنصات وكذلك خدمات الخرائط والـGPS»، يقول.
هذه التأثيرات لا تعود إلى أسباب تقنية فقط، وهو ما يتضح في تجاوز عائدات اشتراكات الإنترنت المختلفة «إجمالي المخصصات العامة لاستثمارات قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بعدة أضعاف»، كما تلاحظ الورقة.
الأسباب الحقيقية تنظيمية بالأساس. تشير الورقة إلى تأثير احتكار البنية التحتية وإتاحة استخدامها من قبل الشركة المصرية للاتصالات، وكذلك «ممارسات الاحتكار التضامني»، حيث يتقاسم «عدد محدود من الشركات السيطرة على سوق سلعة أو خدمة بعينها، بحيث لا تتنافس في ما بينها بصورة فعلية، بل تتقارب أو تتوافق على تبني سياسات موحدة لتسعير السلعة»، وفرض ضريبة القيمة المضافة على استخدام الإنترنت.
يتطلب التعامل مع هذه الأزمات عددًا من الإجراءات التنظيمية، في ما يتعلق بضبط سياسات التسعير وتقديم الخدمة، والإعفاء الضريبي كليًا أو جزئيًا، وتوفير عدد من البدائل.
هذه الاقتراحات التي تطرحها الورقة تمثل حقوقًا واقعية للتعامل مع أزمة الإنترنت بشكله الحالي، والذي اختلف كثيرًا عن كل الأحلام والتطلعات حول إمكانياته وقدراته الهائلة كما تصورها نشطاء الجيل الأول من مستخدمي ومطوري الإنترنت.
يتذكر التقني والناشط، علاء عبد الفتاح، كيف كان إنترنت الأمس مختلفًا عن الإنترنت الذي نستخدمه اليوم، والذي تسيطر عليه الشركات الكبرى ونموذج الإعلانات والترفيه. «إلى أي مدى اليوم يمكن تخيل إنترنت مختلف، أقل هندامًا، أقل جودة، أكثر لامركزية، أكثر محلية، مع شبكة أبسط، وأقل كلفة بيئيًا؟ هذا الإنترنت كان يمكن أن يكون متاحًا ولكنه فقد».
تقارير ذات صلة
عصر جديد: الحرب تصل إلى خدمات السحاب
يؤشر الهجوم لطبيعة جديدة تتخذها الحروب في هذا العصر
أن تخسر المال في العالم الافتراضي لسعيك وراء «الرمال البيضاء» وغيرها
حاول الآلاف استثمار أموالهم إلكترونيًا عبر مخططات شبيهة بـ«مخطط بونزي»
إغلاق حسابات التواصل الاجتماعي.. «الأعلى للإعلام» يُبلغ وﻻ يقرر
كيف ينفذ المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قراراته بغلق وحجب حسابات مواقع التواصل الاجتماعي؟
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن