برنس العالم السفلي
#108| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
هذا الويك إند يصبحكم ديتوكس في جولة أسطورية، لا تدعوكم لتخيّل الأساطير الإغريقية بل للعب معها. لعبٌ ينجي من جحيم أسطوري. وهذه الجولة كتبها لاعب محترف هو محمد ياسر.
#دليل #لعب
هُزم كرونوس، ملك الجبابرة وإله الزمن، على يد أبنائه الثلاثة الثائرين: زيوس، وبوسيدون، وهاديس. وبعد الهزيمة أجرى الأبناء الثلاثة قرعة على نصيبهم من الحكم في العالم، فكان العالم السفلي من نصيب هاديس، ويدور الزمان حتى 2018، ليثور زاجريوس ابن هاديس عليه، بعيدًا عن عالم الأساطير الإغريقية، وجحيم دانتي، وإلياذة هوميروس. هذه المرة، تقوم الثورة داخل لعبة تتقمص فيها دور بطل إغريقي في العالم السفلي، وتصارع للنجاة من الجحيم.
في لعبة «هاديس» -أو «حادس» كما تُرجمت في النسخة المصرية من فيلم ديزني «هرقليز»-إله العالم السفلي ليس البطل الأساسي، بل تلعب بشخصية ابنه البرنس «زاجريوس».
يعاملك هاديس دائمًا بقسوة، وفي المراحل الأولى تكشف اللعبة عن خديعة كبيرة، كذبة عاش فيها زاجريوس لسنوات بسبب أبيه، وهي أن أمه التي يعرفها ليست أمه الحقيقية، فيقرر الهروب من العالم السفلي -الذي يحكم والده فيه كل متر مربع- إلى الخارج للبحث عن أمه الحقيقية، ما يغضب هاديس كثيرًا، فيضع لك مئات العراقيل في طريقك للخروج. وفي أثناء رحلتك، وبسبب الخلاف بين آلهة الأوليمب وهاديس، يعاونك أعمامك وعماتك من الآلهة مثل زيوس، وبوسيدون، وأفروديت، وأثينا، وبقيتهم.
يتوجب عليك في محاولة هروب واحدة تخطي العقبات ومحاربة كل ما يلقيه هاديس في طريقك، إلى أن تصل بالطبع إلى القتال الأخير مع أبيك؛ هاديس نفسه. لكن حتى إذا هزمته لن تنتهي اللعبة، فهي مصممة لإعادة الرحلة عشرات المرات حتى تصل إلى الحقيقة. في البداية، يتكشف لك جزء من القصة مع كل محاولة هروب فاشلة عبر محادثاتك مع الشخصيات الأساسية والثانوية، لتكوّن فكرة عامة عما يحدث، لكن بعد عدة محاولات، تكافئك اللعبة بجزء من القصة بعد كل محاولة ناجحة فقط.
ويمكنك دائمًا اللعب مع حارس الجحيم «سيربيروس». الكلب ذو الثلاث رؤوس.
اللعبة من إنتاج «سوبر جيانت» ستوديو أمريكي صغير يتكون فريقه من 20 فردًا، استطاعوا تقديم لعبة قد لا يمكن لشركات ألعاب كبيرة تتكون من ألفي موظف صنعها، من الجهة الفنية وليست التقنية. وتجدر الإشارة إلى أن اللعبة رُشحت لجائزة «لعبة العام» جنبًا إلى جنب مع «ذا لاست أوف أس 2» و«جوست أوف تسوشيما» و«أنيمال كروسينج: نيو هورايزونز». بميزانية إنتاج محدودة، خرجت لعبة هاديس بشكل مثالي تقريبًا.
تنتمي هاديس إلى فئة «روج-لايك» Roguelike التي يتوجب عليك فيها إنهاء اللعبة على دفعة واحدة. لا يمكنك الموت في المنتصف أو حتى قبل النهاية بخطوة واحدة، عند الموت تخسر كل شيء تقريبًا وتعود لنقطة البداية، ولكن دفعًا للملل تتغير اللعبة كل مرة تموت فيها وتعاود المحاولة من جديد. بشكل عشوائي يختلف ترتيب ظهور الأعداء، وحركات دفاعهم أو آليات هجومهم، تتغيّر حتى الجوائز التي تحصل عليها لتقوية نفسك. في كل مرة تعاود فيها البدء من جديد تواجه احتمالات ومتغيرات عديدة.
تجذبك الرسومات الفنية والتصاميم في اللعبة من أول دقيقة، ومع الأداء الصوتي الفريد لكل شخصية، واستكشاف كيفية عمل الأسلحة وما يتوجب عليك فعله أو تفاديه، تغمرك التجربة كليًا، وتنغمس داخل أجواء العالم السفلي الساخنة. صُممت ديناميكيات القتال بذكاء شديد ومؤثرات بصرية وصوتية لكل حركة وردة فعل، لتبني في مخك الأنماط السليمة للقتال بشكل سريع، بالإضافة إلى المتعة الكامنة في التعرّف على معززات الأسلحة، وماذا تريد بالضبط من الآلهة لتزداد قوتك، وما يمكنك دمجه من تعزيزات للوصول إلى الكومبو المثالي. طوال اللعبة ستجد الميلودرامية مسيطرة على الأجواء، سواء في روائية الحكاية، أو في تعبيرات الأداء الصوتي للشخصيات، أو الموسيقى، التي تمزج بين الغربي والشرقي. لكن في كل محاولاتك ستجد الأجواء لائقة تمامًا على لعبة تدور في العالم السفلي.
***
بدأت علاقتي بآلهة الإغريق في السنة الأولى من الجامعة، منذ عشر سنوات، حين تعرضت للميثولوجيا الإغريقية، وأتذكر بوضوح الانبهار الذي شعرت به حينها، في كل مرة أتعرف إلى إله، وأغرس في قصته. كان إعجابي بالفكرة يزداد، وأشعر بتوسع مساحات الخيال في عقلي، حتى قررت الذهاب إلى مكتبة للبحث عن كتاب يتحدث عن الموضوع بالتفصيل، وبالفعل وجدت «أساطير الحب والجمال عند اليونان» الذي يتناول الميثولوجيا بأكملها، وفي طريق عودتي من المكتبة في سيارة صديقي، تعرضت للحادث الوحيد في حياتي، اصطدمت سيارة نقل ثقيل بنا، وجهًا لوجه، لم يحدث أذى جسدي، لكن الرعب كان مهولًا (والرادياتير اتخرم) في نفس اليوم أخبرت صديقي مازحًا أن ما حدث كان لعنة الإغريق، لو أننا ذهبنا لزيارة السيدة زينب بدلًا من المكتبة، لما حدث ذلك.
***
في اللعبة قابلني الرجل الذي خدع إله الموت، النسخة المتطورة من سيزيف ألبير كامو، وبجانبه صخرته العملاقة. بترحاب شديد يعرض المساعدة، ومع التقدم في اللعبة أخبرني سيزيف أنه لا يبالي بهذه اللعنة، بل أنها تساعده في الحفاظ على جسده رشيقًا. تأثرت كثيرًا في صغري عندما علمتُ بلعنته، ولم أصدق بأي شكل نسخة ألبير كامو، ببساطة لم أستطع تخيله سعيدًا، لكني حتمًا صدقت النسخة التي واجهتها في اللعبة.
ألهمتني اللعبة في وقت من حياتي، خابت فيه رجاءات وسقطت عدة آمال، إلى أن ثمة متعة خاصة في النهوض مجددًا وتغيير الاستراتيجيات. إدراك قد يبدو بديهيًا أو متأخرًا للبعض، أو غير حقيقي للبعض الآخر، لكن على أية حال هذا ما أهدتني إياه اللعبة، بجانب ما يقرب من 70 ساعة من المتعة.
في كل مرة تفشل المحاولة تجد نفسك تحلل ما حدث وأي خلل في خطتك أدى إلى عودتك إلى نقطة الإنطلاق، وبعد بضعة ساعات تجد نفسك وسط سيناريوهات عديدة، ولديك عدة خطط يمكنك وصفها بالجيدة، أصبحت تبحث عن الخطة المثالية وليس هزيمة هاديس. يمكنك قضاء عشرات الساعات من المحاولات، وفي كل مرة تجد متعة خاصة، في كل مرة تشعر بأمل جديد لتحسن من خطتك وتعاملك مع الأعداء. هذا الشعور بالأمل قد يكون غائبًا عن حياتك، لكن اللعبة تذكرك بتأثيره على عقلك، وبكونه محركًا قويًا للقيام من جديد والمحاولة مرة أخرى. اللعبة توفر لك مساحات واسعة من التجريب والتخطيط، لا مكان للشعور بالملل، وعوضًا عن ذلك هناك شعور قوي وبعيد عن حياتك المعتادة، بالتحدي الممتع، والأمل المتجدد.
يقدم وسيط الألعاب الإلكترونية المجال الأوسع للاستكشاف والتجارب التفاعلية، سواء في لعبة عالم مفتوح يمكنك فيها ركوب حصانك والركض لمئات الكيلومترات بين الصحاري والأشجار، أو في لعبة مستقلة صغيرة في حجرات ضيقة يمكنك التغلب عليها في بضع ساعات. وفي الحالتين، أو حالات أخرى، يوفر الوسيط عالمًا آخر تهرب إليه مما يطاردك في الحياة، ملاذًا مريحًا لعقلك من الأفكار المتسارعة وضغوطات العمل والعلاقات وقوس مفتوح من الحاجات، وهنا أجد سببًا آخر لشعوري بالامتنان تجاه تجربة هاديس، وأن للعبة قيمة مستقلة بالنسبة لي، فهي جعلتني أعود لعالم الألعاب التي تتمتع بالجوانب الفنية، أو بمعنى أدق جذبتني، بعد عدة أشهر من التركيز على ألعاب الـ «إف بي إس» (First-person Shooter) أونلاين، وهو نوع يعتمد فقط على مهاراتك وسرعة استجابتك وردود أفعالك، وبالطبع سرعة وثبات خط الإنترنت الخاص بك. لا قصة متقنة، ولا فن، بل تقدم هذه النوعية من الألعاب التشتيت عما لا تريده أن يدور في بالك، ونثر بضعة ساعات دون أفكار تخص الحياة، حتى يحين موعد النوم، وتعمل بالنظام البسيط الذي يكافئ عقلك بدفقة دوبامين كلما قتلت أحدًا أو تفوقت عليه بحيلة ذكية، وهذا تقريبًا، كل ما في الأمر. باستثناء المتعة المجردة، يصعب الجدال بشأن أن ذلك النوع من الألعاب يمكن أن يضيف أي قيمة فعلية إلى حياتك. على الجانب الآخر، تغمرك حكاية هاديس مثل قصة قصيرة أنت بالفعل تعرف أبطالها، أو غالبيتهم على الأقل، لكنك لا تقرأ هذه القصة، بل تعيشها. أنت بطلٌ أساسيٌ فيها، وموسيقى دارين كورب تحيطك من جميع الجهات.
وجدتُ نفسي منخرطًا في الدراما، أقاتل من قلبي. أغضب عندما أضغط زرًا سابقًا لأوانه، أو أفشل في تفادي ضربة قاتلة كان من الممكن تفاديها بسهولة. ثم أعود لخط البداية ممتلئًا بالأمل والرغبة في الانتقام. أصبح الأمر شبه شخصي؛ أبي الطاغية لا يريدني أن أبحث عن أمي الحقيقية، وأنا -زاجريوس- الشاب تمزقني رغبة الثورة على بطش أبي، والفضول لمقابلة أمي التي ولدتني.

بعد أول محاولة هروب ناجحة، دفعني الإخلاص في تفاصيل اللعبة إلى البحث عن صانعيها، كيف تبدو حياة المخرج الإبداعي (كرييتف دايركتور) لهذه اللعبة؟ راهنت أن المسؤول عن خروجها بهذا الشكل يعرف جيدًا ما يفعل، ولديه ذائقة وخبرة تعامل مع مئات الألعاب. تتبعت حياة جريج كازافين منذ كان صغيرًا في الثمانينيات يهوى ألعاب الفيديو ويكبر، ثم تكبر تقنية الألعاب من حوله، إلى أن أصبح ناقدًا وصحفيًا في مجال الألعاب لمدة عشر سنوات، وحتى بدأ مسار تطوير الألعاب في نهاية عشريناته، إلى أن أصبح الكرييتف دايريكتور في ستوديو «سوبر جيانت». ربما تكون هذه اللعبة الثالثة في حياتي التي تدفعني للبحث عن صانعيها، واستكشاف رحلة بنائها بداية من فكرتها الأولية. وهنا تكمن متعة أخرى؛ متعة إنشاء سياق لعالم خيالي في العالم الحقيقي، مع اكتشاف تفاصيل مثل أن سيربيروس المعروف بشراسته وشره -الأمر البديهي بالنسبة لكلب بثلاث رؤوس يخدم إله الموتى وملك العالم السفلي ويحرس بوابات الجحيم- لكن في أثناء بناء شخصيته أُضيفت خاصية اللعب معه، كذلك الأمر بالنسبة لصخرة سيزيف التي تستطيع التحدث إليها، خواص صغيرة لا تؤثر في مسار اللعبة، لكن لا يمكنك الفرار من كونها «كيوت»
ومنذ انتهيت من اللعبة، فطنت إلى أن لدي الكثير لأقوله عن رحلتي مع هاديس، لذا رشحتها كديتوكس يمكن مشاركته مع آخرين في الويك إند، إذا لم تدخل عالم الألعاب الإلكترونية من قبل، أو استكشاف تجربة مختلفة عن الألعاب المعتادة إذا كنت محبًا لهذا العالم. يمكنك في الويك إند تقمص شخصية برنس العالم السفلي زاجريوس، وتحاول الهرب إلى العالم الخارجي.
اللعبة مُتاحة على جميع منصات الألعاب (بلاي ستيشن، وإكس بوكس، وويندوز، وماك، ونينتندو) ويتراوح سعرها بين 20 إلى 25 دولارًا حسب المنصة و#سلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن