تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«بالحب»: زيارة منزلية بهدف المواجهة 

«بالحب»: زيارة منزلية بهدف المواجهة 

قراءة في معرض «بالحب» لرانيا عاطف من تنسيق أحمد شوقي حسن

كتابة: رحمة الحداد 7 دقيقة قراءة

في عام 1979 عُرض في مركز الفنون المعاصرة «ICA»، في لندن، مشروع بعنوان «وثيقة ما بعد الولادة/ PostPartum Document» للفنانة المعاصرة ماري كيلي (1941-). لاقى العرض سخطًا صحافيًا ونقديًا، بسبب عرض كيلي لحفاضات طفلها القماشية المستعملة مؤطرة ومرفقة بكتاب يوثق جداول وظائفه الحيوية ومواعيد إطعامه وتطورات نضوجه. وقت عرض مثل هذا كان الفن المعاصر لا يزال قادرًا على الصدام، وإثارة الجدالات المجتمعية الواسعة في أماكن عرضه. لا يمكن ادعاء أن في الوقت الحالي يمكن لعمل فني أن يثير الصدمة أو الجدل، لكن أعمال مثل «وثيقة ما بعد الولادة» أصبحت بداية تراكم زماني ومكاني، ويمكن حتى اعتباره مخططًا أوليًا لشكل محدد جدًا من الأعمال الفنية النوعية/ الجندرية، التي تستكشف علاقة النساء بمساحتهن الداخلية المكانية، وعرض تلك المساحة بشكل عام، وعلاقة الأمهات بأطفالهن، والتوتر الذي تخلفه الأمومة في علاقتهن بأنفسهن كفنانات، وإمكانية الممارسة الفنية داخل نظام يرى العمل المنزلي كعمل غير حقيقي. مَثّل عمل كيلي صدمة في وقته لأن الممارسات الفنية المتعلقة بالنوع تحدث بالرغم من الأمومة وليس بمحاذاتها أو من خلالها. ما فعلته كيلي هو إخراج الخاص المهمش عادة إلى العام الذي يطالب بمساحة، وجعل ما لا يجب أن يرى جزءًا من مشهدية معرضية، تستخدم إرث الفن المعاصر، مثل القطع جاهزة الصنع والنصوص، وتجعلها جزءًا من سردية نسوية.

من خلال إرث كيلي يمكن النظر إلى معرض «بالحب»، المفتوح للزيارة حاليًا، في مساحة عرض «أرض» بجاردن سيتي في القاهرة، وهو المعرض الفردي الأول لرانيا عاطف، وقام بتنسيقه أحمد شوقي حسن. ينطلق العمل من مكان مشابه لعمل كيلي الشهير، لكنه يموضع تجربة الأمومة في سياق أوسع يتعلق بالعمل المنزلي كعمل غير مأجور، والتوتر الواقع بين الممارسة الفنية والأمومة، ويستكشف جدوى الممارسات الفنية غير الربحية محاولًا تفكيك الأدوار الجندرية الراسخة. 

تستقي رانيا من التراث الماركسي والنسوي وتجربتها الشخصية وتصمم العرض كزيارة منزلية، يتنقل الزائر بها من الجلوس على كرسي مريح منجد، والدوران حول سفرة خشبية تحيطها المقاعد، ويتحرك بين غرفة والأخرى وكأنه فرد يزور منزل، لأول مرة، ويتعرف على محتوياته. يصبح الزائر ضيفًا في مساحة تتسم بالحميمية، لكنه يختبر من خلال التصميم الداخلي مجموعة نصوص ومقاطع مصورة تناقش العمل المنزلي غير المأجور واستحالة الموازنة بين ما هو خارجي وما هو داخلي، في تناقض مربك، خاصة أنه من الممكن بعد فترة أن يشعر بالتعود والراحة في الإجراء السلبي المتمثل في الجلوس والمشاهدة، فيما يتلقى محتوى قلِق. من خلال ذلك التجهيز يمكن اختبار «بالحب» كرحلة داخل محاكاة لمساحة داخلية مغلقة خرجت إلى المساحة العامة.

«لم يُر المنزل أبدا كساحة للصراع، مكان الصراع هو العمل المأجور فقط». سيلفيا فيدريتشي (ليس عمل من أجل الحب)

caption

تعمل تجربة «بالحب» كتمشية أو جولة لاختبار فضاء مكاني، يبدو مقتطعًا عن سياقه الخاص ومنقولًا إلى العام، فبعدما تقابل بمرآة في المدخل تبدأ الجولة التي تتحرك بين مجموعة من الأعمال متعددة الوسائط بعضها منمق وذو شكل اختزالي متحفي، ومع التعمق إلى الداخل يتداعى إلى ما هو عفوي وغير منسق. يظهر ذلك في الأعمال التي تضم نصوصًا تتضمن شكلًا توثيقيًا وتفريغيًا لحوارات تدور بين رانيا ووالدتها أو ابنتها أو زوجها أو مجموعة من الأمهات والأصدقاء الآخرين.

في البداية تعرض النصوص في إطارات خشبية صغيرة، وتظهر النصوص العامية مكتوبة إلكترونيًا بخط  أسود ومطبوعة على ورق أبيض، في شكل يمكن رؤيته بشكل دوري في عرض النصوص، منمق واختزالي على الرغم من تحرر محتواه من الكتابة المسبقة، فهو حوار عامي بسيط لكنه يحمل أيديولوجيا، حول العمل المنزلي، والأجور، والتحكم، والرأسمالية، والحب، مع إكمال الجولة يتغير الطابع المعرضي للنصوص وتصبح جزءًا من عرض مجموعة من الدفاتر التي تحوي نصوص بخط اليد، تفرغ محادثات إضافية أو قوائم مهام وتسوق، مشطوب بعض منها أو محذوف منها بعض الأسماء، مع رسوم أو تخطيطات تستدعي موتيفات حيوانية أسطورية متعددة الأيدي تعكس الأخطبوط الذي تقابلنا أطرافه منذ لحظة الدخول إلى المساحة العقلية المنكشفة.

caption

تعرض تلك الدفاتر على طاولة، كجزء من تنسيق يحاكي سفرة، تدور حولها مجموعة من المقاعد الخشبية، مع إطارات معلقة على الحائط، أحدها يحوي طبق سلطة، وشاشة تحوي مقطع فيديو، تتكرر الشاشة في ثلاث غرف، مرتين بمحتوى مشابه، وهو أداء مصور، ليدين تحاولان موضعة مجموعة من العناصر البلاستيكية على قرص خشبي وما أن يتحقق وهْم التوازن تسقط العناصر كلها محدثة فوضى، ثم تتكرر العملية مجددًا.

تتكرر الشاشة بمحتوى مشابه بخلفية مختلفة في مساحة غرفة تمثل المساحة الأقل ترحيبًا بين مساحات العرض كلها، تحتوي على قرص خشبي يمكنك أن تقف فوقه محاولًا التوازن لتعكس التجربة المؤداة في الفيديو، فيما تنظر إلى تجهيز في الفراغ لأذرع أخطبوط ضخمة لكنها ناعمة ومحشوة بالقطن، تمتد من غرفة لأخرى، وتتلصص أطرافها من الجوانب حتى في الغرف الأكثر ترحيبًا وأقل عنفًا مثل غرفة السفرة أو الصالون، تصبح المساحة المكانية التي نتحرك بها أشبه بمساحة عقلية قلقة، وكأن العرض هو تداعي حر لأفكار شخص ما، والتمشية هي تمشية داخل ذلك العقل.

«هذا الجانب من الحملة هو ما وجدته مثيرا جًدا، أنه جعل الأمومة أو المكوث في المنزل شيئًا راديكاليًا، أعطى قوة لذلك الوضع، جاعلًا تغيير المجتمع ممكن من داخل المنزل دون الحاجة لتركه»- سيلفيا فيدريتشي (ليس عمل من أجل الحب)

caption

يمكن من خلال النظر للموتيفات التي تتناولها القطع متعددة الوسائط التقاط شكل من التكرار الأبدي (غسيل الأطباق/ تحضير الطعام و الطبيعة التكرارية عموما للعمل المنزلي)، تضم الوسائط داخلها وسائط، فالعرض بأكمله هو تجهيز في الفراغ بداخله صيغ وسائطية أخرى مثل النصوص والأداء والرسم التخطيطي والفيديو، داخل الفيديو أداء وداخل التجهيز فيديو داخله أداء، ويضم تجهيز السفرة نصوصًا، بينما يحوي الصالون المصغر فيديو به أداء رقمي يتمثل في التقاط صورة للشاشة أثناء عملية بحث، يتحرك البحث بين تصفح المعارض والإقامات الفنية المقبلة وإدراجها بحرص في صفحة إكسيل، يضاهي حرص ودقة وتكرار هذا الفعل شكل الأعمال المنزلية وصيغتها التكرارية، في الوقت نفسه ينتقل البحث إلى وصفات لتخبئة الخضروات للأطفال في الوجبات، والبحث والقراءة في تاريخ التنظير للعمل المنزلي بلا أجر.

caption

ربما تلخص الشاشة الصغيرة على الطاولة الخشبية التي تشاهَد من كرسي منجد للصالون شعورًا رئيسيًا في العرض وهو تداعي الوعي المرئي، أو رؤية الأفكار قيد التطوير، يصبح المعرض نفسه جزءًا من ذلك التداعي فهو عمل غير ربحي في ذاته يتحدث عن الأعمال الفنية غير الربحية والعمل المنزلي غير المأجور، بالاستعانة بأصوات من تجارب ذاتية بتفريغ محادثات مع الأم والأصدقاء، في فعل يوثق الطبيعة العفوية لتطبيع الأدوار الجندرية حتى بعد سنوات من البحث والتطور الظاهري في الجدالات ذاتها.

يتواجد العرض في مساحة بين الانغماس في الذاتية والسخرية ويكرر موتيفة الاضطراب/ الاهتزاز والتكرار مع حضور مجال صوتي من أصوات المياه أثناء صرفها في مواسير الحوض أثناء غسيل الأطباق، ترد الأصوات على الصور التي تصف كيفية فرد سترة من الصوف أو تعرض ببساطة مجموعة من الأواني تتراكم في حوض ضيق، في تحدي ومساءلة لتراتبية الصور كما تصفها المخرجة البلجيكية التي تستكشف في أعمالها مساحات من العمل المنزلي شانتال أكرمان (1950-2015)، حيث تلاحظ تراتبية غير رسمية للصور على الشاشة، تعلي مشهد قتالي على مشهد لامرأة تغتسل على سبيل المثال، تضع الصور المؤطرة ما يستحق العرض موضع تساؤل، لا تملك الإطارات التي تضم سترة من الصوف أو طبق سلطة أو مجموعة من الأطباق المكدسة في حوض المطبخ قيمة فنية في ذاتها لا في جودة التصوير أو في خيارات التأطير والتنسيق لكنها توضع كأولوية للعرض أو محاولة لجعل غير المرئي مرئي.

«كل صاحب عمل استغل ذلك الكد، استفاد بتطبيعه، بجعله يبدو وكأنه عمل نابع من الحب، دون اعتباره عمل من الأساس» سيلفيا فيدريتشي (ليس عمل من أجل الحب)

تمثل عملية الكتابة عن عرض رانيا عاطف مرآة للعرض ذاته، يجد المرء نفسه بشكل عفوي يبحث عما بحثت عنه رانيا، ما وضعته بوضوح كجزء من العرض وليس كبحث خلفي أو خلفية ثقافية، بل كتراكم من القراءات تمشي بمحاذاة التجربة الذاتية، في عملية تراكم أفكار وتجارب شخصية، وتجارب جيلية. على الشاشة التي تعلو طاولة خشبية، في غرفة صالون متخيلة، يمكن رؤية سهم يتجول بين محادثة مصورة عن العمل المنزلي معنونة بـ«الوردية الثانية» مبنية على كتاب بالعنوان نفسه لأرلي هوكشايلد (1940-)، أو حوار مع الناشطة الأمريكية الإيطالية، سيلفيا فيديرتشي (1942-) بعنوان «ليس عمل من أجل الحب/ Not A Labour Of Love»، الذي من خلاله عنونت رانيا المعرض «بالحب» في مساءلة لوضع الحب كجزء من منظومة استغلالية.

يطرح «بالحب» الحقائق بشكل مباشر، يحاول موضعة تجارب غير فنية في إطار فني، ويتجاوز المجازات حتى مع حضورها المباشر، المجازات المطروحة هي الخيارات الأوضح والأسهل في الفهم، والوسائط المختارة تبدو وكأنها لاحقة على الأفكار والأطروحات وليست سابقة لها، في امتداد لإرث ماري كيلي حيث قدم المحتوى ذاته قبل أسلوب العرض، وهو امتداد يطرح حالة من التوقف الزمني في ما يخص التجارب المتعلقة بالنوع/الجندر والعمل المنزلي والممارسات الفنية والأمومة من السبعينيات إلى الآن.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#أدب

فرم الودان

رحلة ساحرة مع الصوت في ميكروباص

هاني درويش 13 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن