بأمعاء خاوية.. «أم يوسف» تواجه فساد منظومة العدالة
«كل اللي بيحصل دلوقتي مدد من يوسف، أنا بعمل كل حاجة عشان يفضل موجود»، تقول مروة قناوي بعيون زائغة ووجه مرهق وشاحب. تحاول مروة، 45 سنة، والمضربة عن الطعام منذ نهاية مارس الماضي، الابتسام أثناء استقبالها الزائرات والزائرين المتضامنين معها في منزل أسرتها بمنطقة المنيل.
كانت مجموعة من صديقات مروة، أو «أم يوسف»، قد دعوا إلى إضراب تضامني نسائي أمس السبت، للتضامن مع حق يوسف سامح العربي، 13 سنة، ابن مروة الذي قُتل برصاصة طائشة أطلقت احتفالًا بإحدى المناسبات بمدينة 6 أكتوبر قبل عامين، وانتهت بمأساة وفاة الطفل، الذي قررت أمه ألا تتخلى عن حقه.
منذ إضرابها عن الطعام خسرت «أم يوسف» ستة عشر كيلوجرام من وزنها. لديها مطلب محدد وهو القبض على متهمين اثنين هاربين من إجمالي أربعة متهمين حُكم عليهم في مايو 2018 بالسجن سبع سنوات بعد إدانتهم بتهمة القتل الخطأ وحيازة أسلحة. المتهمان الهاربان هما: طارق محمد أمين، ضابط شرطة، وخالد أحمد عبد التواب، ابن عضو مجلس النواب. لم يظهر المتهمان في المحكمة رغم صدور قرار ضبط وإحضار في حقهما، حتى حين قام دفاعهما بالتقدم بطلب إعادة إجراءات المحاكمة، وهي المحاكمة التي تأجلت حتى جلسة 13 مايو الجاري، قبل أيام من ذكرى وفاة يوسف الثانية.

في منزل أسرة يوسف؛ الإبن المُفتقد في كل مكان، هناك صور كثيرة له، وليوسف في المنزل جدارية عليها جرافيتي له، وحائط صور محاط برسائل كثيرة من زملائه وأساتذته وأصدقائه، بالإضافة إلى أشخاص لم يقابلونه. رسائل وداع ومحبة، وقصائد شعرية، وعشرات الصور ليوسف. وقفت مروة تشرح لـ«مدى مصر» ولبعض الزائرين الذين يزورونها للمرة الأولى اللحظات التي أخذت فيها تلك الصور. قالت «في الصورة دي يوسف بيحضر الأدوية اللي كانت رايحة في قافلة لغزة في 2013»، مشيرة إلى صورة يجلس فيها يوسف ويضع أشياء داخل صناديق، ثم تشير إلى صورة أخرى يجلس فيها يوسف في حجرة جيكا، وهو واحد من شهداء ثورة يناير، الذين قتلوا في نوفمبر 2012، وصورة ثالثة له ممسكًا بلافتة في ميدان التحرير.
«الناس اللي وقفت جنبي من ساعة ما يوسف اتصاب لغاية دلوقتي ده رد الجميل ليوسف، ومدد منه وليه، رد للي كان بيعمله، هو كان بييجي يبات معايا في المستشفيات مع مصابين الثورة، والناس جت باتت معاه وهو متصاب، هو كان بيستنى معايا أصحابنا المحبوسين قدام الأقسام»، هكذا وصفت مروة حائط الصور لـ«مدى مصر».
خلال اليوم، جلست المتضامنات يتحدثن مع مروة عن صحتها، وخطورة استمرارها في الإضراب بعد خسارتها هذا الوزن. وكانت مجموعة من طبيبات مركز «النديم» قد أصدروا بيانًا تنشادن فيه مروة بوقف الإضراب حرصًا على صحتها وسلامتها، إلا أن مروة أجابت على البيان وعلى الصديقات والمتضامنات بأنها تقدر قلقهم، ولكنها ستستكمل إضرابها.
رغم محاولتها إخفائه عن الزائرين، بدا على مروة التعب والإرهاق، ولكن ما لم تستطع إخفائه هو ما بدا عليها من صلابة وقوة وتحد لاستكمال ما بدأته.
أخذت مروة قرار الإضراب عن الطعام قبل شهرين من الدخول فيه. «أنا مش هدفي إني أنتحر، مافكرتش كتير قبل ماخده بس أنا بحافظ على نفسي عشان سلمى بنتي كمان، كل الحكاية اني استنفدت كل الوسايل التانية القانونية والوقفات، فجهزت جسمي ودخلت في الإضراب». بعد 12 يومًا من الإضراب توقفت مروة عن الذهاب إلى عملها، في إدارة إحدى المدارس الخاصة، وهي نفس مدرسة ابنها أيضا. تقول: «ما بقتش بتحرك من البيت خالص، بحاول أحافظ على طاقتي لأطول وقت ممكن، بس بشرب عصاير ومحلول جفاف ومياه عشان أحافظ على جسمي».
التضامن مع مروة في إضرابها وفي قضيتها، جعلها تستقبل عدة مكالمات من قيادات بوزارة الداخلية مؤخرًا تعدها بالقبض على المتهمين الهاربين. تقول: «لو كنت أضربت لوحدي كده، مكانش فيه حد استجاب، الاستجابة جات من التضامن.. أنا طبعا محظوظة وممتنة للتضامن».

إحدى الداعيات لليوم النسائي التضامني مع مروة هي الطبيبة النفسية والناشطة، سالي توما، كانت توما وبعض الصديقات يفكرن منذ فترة في حدث تضامني مع مروة. «من وقت إضرابها واحنا بنفكر نعمل حاجة، قضية مروة قضية نسائية، لأنها أم، والدولة دي بتقدس الأمومة. الحكم أصلا حكم بسيط في قضية زي دي، لكن كمان تقاعس الداخلية في القبض على المتهمين يوصل للدرجة دي؟». وصل عدد من أضربن عن الطعام لأكثر من مائة، قامت منظمات الإضراب بحصر مبدئي بأرقام التلغرافات التي أرسلتها المتضامنات للنائب العام أمس واليوم، يخطرنه بإضرابهم تضامنًا مع مروة ويطالبن بالقبض على المتهمين الهاربين، «موظفين التلغراف بقوا عارفين قصة يوسف من كتر التلغرافات اللي جاتلهم»، بحسب توما، بينما شهد أمس، السبت، مشاركة كبيرة من المتضامنين إلكترونيًا على وسائل التواصل الاجتماعي.
«رغم ان معروف ان مروة ثورية، إلا إن التضامن مع قضيتها كان من كل التيارات، حتى اللي بيدعموا السيسي، لأنها قضية مجتمعية. ومهم ان يوسف يكون رمز، وان عادة ضرب النار في المناسبات تقف، والقوانين تتغير، وده اللي احنا بنحاول نزق فيه مع مروة إضرابنا، عشان يتقبض على المتهمين، وهي كمان توقف إضرابها عن الطعام، اللي بقى خطر عليها صحيا، بعد ما فقدت خمس وزنها»، تقول توما.
خلال المساء، وفي الفترة التي استقبلت فيها مروة المتضامنين، كان هناك عدد من أسر المعتقلين، يتضامنون مع مروة، وتتضامن هي معهم، هم بالحديث عن ذويهم، وهي بالحديث عن ذكرياتها مع ابنها الراحل.
ملأ الأصدقاء والمتضامنون وقتهم في الحديث عن الأمومة، عن أطفالهم، وعن الوضع العام، وعن صحة مروة. عن الفعاليات القادمة في حملة مروة من أجل حق ابنها، تناقشت مع بعض الحضور. ومثلما كان هناك وجوه معروفة سياسيًا، كانت هناك وجوه سمعت عن القصة وقررت التضامن مع مروة حين واتتها الفرصة.
تسنيم، طالبة طب، 21 سنة، وجارة مروة، لكنها لم تكن على علاقة شخصية بها. تعرف تسنيم مروة عن طريق فيسبوك، «أنا مؤمنة بالقضية ومؤمنة انها ممكن تعمل حاجة مؤثرة. الإضراب عن الطعام هو طريقة سلمية عشان تاخد حقها، وطريقة سلمية للتضامن»، تقول تسنيم لـ«مدى مصر»، مضيفة أنها تتضامن معها لأنها لو كانت مكانها، ستحتاج لمن يساندها. لم تكن تسنيم تعرف أي من الحاضرين، ورغم ذلك بقيت لأكثر ساعة في المنزل «للتضامن».

الإضراب عن الطعام لم يكن هو الطريق الأول التي تسلكه مروة من أجل معاقبة الجناة الذين قتلوا ابنها، فبعد وفاة يوسف، تناقش معها زملائه بالدراسة في عدة أفكار، من بينها طباعة كراسة تعريفية ضد عادة ضرب النار بالمناسبات، وبدأت مروة بالفعل ببيع الكراسات في مناطق ومحافظات مختلفة، بمساعدة متطوعين كثر باعت ألف نسخة. خصصت مروة العائد فيما بعد لمدرسة تابعة لمشروع «مصر الخير» الخيري، أُنشأت وسميت باسم يوسف في الفيوم بمساعدة تبرعات أهالي زملاء يوسف في المدرسة، ثم لاحقًا استخدمت هذا العائد في تنظيم ورش توعية بعدد من المدارس عن خطورة إطلاق النار في المناسبات، ووجدت استجابة كبيرة بين الطلبة والطالبات الذين قابلتهم.
من ناحية أخرى، تستمر «أم يوسف» في مسلكها القضائي الذي بدأ منذ عامين لمعاقبة الجناة، الذين كانت عقوبة حيازتهم أسلحة خمسة سنوات وسنتين للقتل الخطأ. لذلك تسلك مروة مسلكًا آخر في البرلمان، مع عدد من النواب المتضامنين معها، لتغليظ العقوبة في هذه الجريمة. «مش كفاية بس ان يكون فيه توعية، لازم يكون فيه قانون رادع»، تقول مروة.
وتؤكد: «فيه ناس كتير بتستسهل الاستسلام، المتهمين بيعتمدوا سياسة النفس الطويل، وأنا الحقيقة مابعملش حاجة، يوسف طول عمره كان بيشوط لي وأنا بجيب اجوان، زي ما كان حد يضايقه في المدرسة، كنت انزل زي الديناصور، بس هو اللي ياخد حقه».
تتخيل «أم يوسف» كثيرًا اللحظة التي يُقبض فيها على الجناة، تقول «هتأثر أكيد، بس أنا مستنية اللحظة دي عشان أقولهم اني ماستسلمتش في حق ابني».
تشعر مروة أنها في مهمة وستستكملها، وأن التضامن معها هو انتصارات صغيرة من أجل الانتصار الكبير. حرصت مروة رغم خلفيتها السياسية، ورغم أن القضية تتعلق بالفساد وغياب تطبيق العدالة، ألا تكون قضيتها سياسية، فهي شاركت في الثورة باعتبارها مواطنة مستقلة. تقول: «الثورة جهزتني ليوسف، يوسف اتولد في يناير والثورة اتولدت في يناير، والاتنين ماتو، و الاتنين سابوا أثر الفراشة. لكن الاتنين هينتصروا في النهاية».
تقارير ذات صلة
«بدر 3».. حيث يواجه السجناء الموت البطيء
السجناء محرومون من أشعة الشمس والزيارة والحد الأدنى من حقوقهم
«الرفض بلحم الجسد»: ليلى سويف، كافكا، ودولة لا تُفجَع
لا يطلب إضراب ليلى الشفقة، بل يدعو إلى مساءلة أخلاقية وسياسية
حوارات على معدة فاضية (2-2)
تحكي ما جرى في لقائها مع وزير الخارجية البريطاني، ديفيد لامي، خلال زيارتها لإنجلترا
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن