تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
انقطاعات الكهرباء الأخيرة: «جيت ألم البنطلون الجاكتة ضربت»

انقطاعات الكهرباء الأخيرة: «جيت ألم البنطلون الجاكتة ضربت»

كتابة: سارة سيف الدين 7 دقيقة قراءة

خلال الأيام الماضية، انقطعت الكهرباء لمددّ متفاوتة في أوقات مختلفة بمحافظات متفرقة، حسب ما أوضحه عدد من المواطنين لـ«مدى مصر»، وذلك بالتزامن مع موجة حارة شديدة بلغت درجات الحرارة فيها 46 درجة بمحافظات الصعيد، خلال هذا الأسبوع.

الانقطاع الأكبر للكهرباء حدث مساء السبت الماضي في مناطق عدّة بمحافظة الجيزة، مثل الطالبية والعمرانية والهرم، واستمر قرابة 24 ساعة، نتيجة اشتعال بأحد الكوابل بشارع الثلاثيني، ما تسبب بانقطاع المياه أيضًا نتيجة توقف محطة رفع المياه، لتنتشر عربات مياه الشرب التابعة للمحافظة محاطة بالمواطنين يحملون قوارير فارغة لتعبئتها.

وبعد الانتهاء من أعمال الإصلاح التي استمرت 24 ساعة إضافية، بحسب المصادر، انقطع التيار مرة أخرى عن محطة محوّلات «جزيرة الذهب»، مساء الإثنين، نتيجة عطل بكابلين، لتُضطر الحكومة للاستعانة بـ60 مولد كهربائي لمواجهة انقطاع الكهرباء وتأمين تغذية المرافق الحيوية، بحسب بيانات الشركة القابضة للكهرباء، قبل أن تُعلن، أمس، انتهاء أعمال الصيانة وعودة التيار.

يستمر انقطاع الكهرباء رغم من عدم وجود خطة حكومية لتخفيف الأحمال هذا الصيف. السبب هذه المرة ليس إمدادات الطاقة كما كان يحدث سابقًا، وإنما قدرة الشبكة نفسها على تحمل معدلات الاستهلاك غير المسبوقة، بحسب المصادر.

ما أن يخرج قطاع الكهرباء في مصر من أزمة حتى يسقط في غيرها. انقطاعات التيار كان أبرز الملفات تفجرًا منذ عشر سنوات، لتصبح أولى الملفات التي اهتمت الدولة بضرورة حلّها لامتصاص غضب المواطنين، وشرعت وزارة الكهرباء في خطة عاجلة لصيف 2015، قفزت على ضوئها قدرات إنتاج الكهرباء خلال عشر سنوات بـ 95%.

بدأت أزمة الوقود في الحل مع اكتشاف حقل الغاز الطبيعي «ظُهر» وبدء الإنتاج في 2018، قبل أن تبدأ أزمة جديدة منذ عام 2022، نتيجة نقص الوقود بالتزامن مع تراجع إنتاج الحقول المصرية، وأزمة موارد دولارية عنيفة. لجأت الحكومة على إثرها لخطة تخفيف أحمال منذ عام 2023، واستمرت لعامين. 

لكن قبيل الصيف الحالي، سيطر التفاؤل. أصبحت الدولة أكثر حذرًا من غضب المواطنين، وانقشعت أزمة السيولة الدولارية، فتغير الوضع، وتعاقدت الحكومة على كميات كبيرة من شحنات الغاز المُسال. كما وفرت ثلاث سفن إعادة تغويز لإعادة تغويزه وضخه بالشبكة بقدرات تصل إلى 2.25 مليار قدم مكعب يوميًا، بحسب تصريحات رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي.

كررت الحكومة في أكثر من مناسبة وعودها بألا تلجأ إلى سياسة تخفيف الأحمال. حتى في أحلك الظروف، حين توقفت إمدادات الغاز من إسرائيل مرتين خلال الصيف الجاري، أعطت الحكومة فورًا الأولوية لمحطات توليد الكهرباء على حساب القطاع الصناعي المستهلك للغاز الطبيعي.

لكن هذا الصيف، وبالأخص خلال الموجة الحارة الأخيرة، سجل الحمل الأقصى على شبكة الكهرباء مستويات قياسية خلال يومين متتاليين، وصلت إلى 39.4 جيجا واط، بنمو 6% سنويًا. هذا الحمل الأقصى كان اختبارًا جديدًا أسفر عن عدد من الأعطال بالشبكة القومية لتوزيع الكهرباء، كان أبرزها عطل «جزيرة الذهب»، بحسب أربعة مصادر حكومية بقطاع الكهرباء، لـ«مدى مصر».

يقول مصدر بإحدى شركات إنتاج الكهرباء التابعة لـ«القابضة لكهرباء مصر»، لم يرد ذكر اسمه، أن الدولة أنفقت خلال السنوات الماضية على الإنتاج عبر زيادة المحطات لكن «محدش سأل في التوزيع». ومع الزيادة السكانية والتوسع العمراني وارتفاع درجات حرارة الصيف سنويًا وزيادة الطلب على الكهرباء، يتضح اهتراء شبكة التوزيع وعدم قدرتها على مجاراة الطلب على الكهرباء لنشهد الأعطال الأخيرة أو قرارات بقطع الكهرباء منعًا لانهيار الدائرة المُغذية عند وصول الحمل إلى مستوى حرج.

نما الطلب على الكهرباء خلال العقد الماضي بنحو 50%، بحسب البيانات الرسمية.

أساس توزيع الكهرباء يعتمد على عاملين أساسيين هما الكابلات والمحولات. الكابل ينقل الكهرباء من محطة التوليد إلى المحول ومن المحول إلى الاستهلاك، في حين يقوم المحول بضبط جهد الكهرباء بما يتناسب مع حجم الاستهلاك النهائي سواء منازل ومحال أو مصانع كبيرة.

كل محول وكل كابل له قدرة استيعابية تتحمل نقل مقدار معين من التيار الكهربائي. مع ارتفاع استهلاك الكهرباء كما يحدث خلال الموجات الحارّة، يصل المحول والكابل إلى طاقتهما القصوى من العمل أو الاستيعاب، ومن ثم ترتفع درجة حرارتيها إلى مستوى يتجاوز أقصى حرارة مسموح أن يصل لها، ما قد يُعرض المحول أو الكابل إلى التلف أو الاشتعال، وفقًا لشرح المصدر.

في هذه الحالة، تقوم قواطع التيار الكهربائي الأتوماتيكية «الفيوزات» بفصل التيار والتي تعمل للوقاية من مستويات ارتفاع حرارة الكابلات أو المحوّلات. إذا كانت هذه القواطع متعطلة، تتلف الكابلات أو المحوّلات ما يتسبب في انقطاع التيار، أو قد يضطر المسؤولون عن الشبكة لقطعه بأنفسهم حفاظًا عليها.

لتفادي مثل تلك الأعطال، يجب رفع الحدود القصوى الاستيعابية للشبكة، فضًلا عن ضرورة توفير قدرات احتياطية ودوائر بديلة، لاستخدامها في حالات الأعطال الدورية. لكن طبقًا لتقديرات المصدر، تُسبب ارتفاع مستويات الاستهلاك وانخفاض الاستثمارات في شبكة التوزيع في انخفاض القدرات الاحتياطية للشبكة لتصبح بالسالب، أي أن الاستهلاك تجاوز السعة الكلية للشبكة الأساسية والاحتياطية معًا.

خلال عشر سنوات، نمت سعة محولات الجهد المتوسط والمنخفض (جهد الكهرباء داخل المدن وصولًا إلى المستهلك النهائي) بنسبة 62% لتصل 100 ألف ميجا فولت أمبير، بينما نمت محولات الجهد الفائق (على شبكات نقل الكهرباء لمسافات طويلة من محطات توليدها) بنسبة 114%، بحسب التقارير السنوية للشركة القابضة للكهرباء، والتي أشارت كذلك إلى نمو أطوال كوابل الجهد الفائق بنسبة 32% والجهد المتوسط والمنخفض 49%. لكن المصدر بمجلس الوزراء يرى أن معظم هذا النمو كان موجهًا إلى توسعات المدن الجديدة التي تستحوذ أيضًا على جهود الصيانة ورفع الكفاءة، فيما بقيت الشبكات القديمة على حالتها دون تطوير.

يقول المصدر من شركة الإنتاج، إنه لدى مصر محطات توليد يمكنها نظريًا توليد نحو 60 جيجا واط من الكهرباء، لكن لا يمكن تنفيذ هذا في ظل شبكة توزيع تشهد أعطال كبيرة تحت حمل استهلاك لا يتجاوز 40 جيجا فقط.

تسببت مشكلات متداخلة ومعقدة في هذه الأعطال الأخيرة، خاصة في المناطق المُحددة بـ«نقاط ساخنة»، مثل بعض مناطق الجيزة، التي شهدت توسعًا عمرانيًا ضخمًا رأسيًا وبشكل عشوائي، يفوق بمراحل قدرات تغذية المنطقة بالكهرباء، ودون أدنى تنسيق مع منظومة الكهرباء، الأمر التي تبدأ معه كل المشكلات لاحقًا، حسبما يقول مسؤول آخر بالشركة المصرية لنقل الكهرباء، لم يرد ذكر اسمه، لـ«مدى مصر» مُضيفًا «فنلاقي حارة عرضها 3 متر طلع فيها عشر أبراج 12 دور ونكتشف أثر ده مع أوقات الذروة».

يستخدم المصدر محطة محولات الهرم كمثال على المناطق الساخنة. ناورت شركة النقل ورفعت عدد محولاتها من أربعة إلى ثمانية كمناورة لمواجهة الزيادة في الاستهلاك، إلا أن هذا كان الحد الأقصى لإضافة محولات بالمحطة. «مبقاش في خلايا بالمحطة تستحمل محوّل كمان»، يقول المصدر، ولم يعد هناك مفر من ضرورة بناء محطة محولات إضافية، الأمر الذي يواجه جملة من المشكلات عنده تنفيذه، مثل توفير أراضي لبناء المحطة مسارات لمدّ الكوابل وإصدار تصاريح بمسارات الكوابل وأوامر الحفر. «محدش من الجهات المعنية بيساعدنا»، وهو ما كان الرئيس الأسبق لمرفق تنظيم الكهرباء، حافظ السلماوي، أكد عليه في تصريحات سابقة. 

يؤكد المصدر على أن إضافة محولات بالمحطة وتكبير قواطع الكابلات هي حلول وقتية لا تصمد طويلًا. الحل الجذري يمكن في بناء محطات محولات كهربائية جديدة بالأساس، بقدرات تفوق احتياج التغذية لاستيعاب أي عطل دون انقطاع التيار عن المنطقة، وأيضًا مدّ كوابل جديدة لاستيعاب حجم الطلب على الكهرباء.

يُزيد الطيّن بلة أنه مع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات الذروة، تقل القدرة الاستيعابية للكابل تلقائيًا نتيجة ارتفاع درجة حرارته إلى مستوى يقترب من الحدود القصوى المسموح بها، في هذه الحالة سخونة الكابل لا تكون ناتجة عن نقل الكهرباء لكن أيضًا ارتفاع درجة حرارة الأرض ما يجعل القدرة على نقل الكهرباء أقل، بحسب السلماوي.

يُضيف المصدر من شركة النقل أن «مشكلة المُخصصات المالية موضوع كبير، لكن بنتغلب عليه بالقروض سواء من مؤسسات محلية أو أجنبية»، مفسرًا أنه حين ترغب الشركة في شراء قطعة أرض لبناء محطة بمنطقة ما، يأتي جهاز الخدمات الحكومية، ويُحدد سعر المتر المسموح الشراء به «الجهاز يقوم سعر المتر X، أروح ألاقي اللي بيبيع الأرض بيقولي عشرة X».

ويوضح مصدر من حي العمرانية، بمحافظة الجيزة، لم يرد ذكر اسمه، لـ«مدى مصر» أن ما فاقم من مشكلة الأراضي، غياب ثقافة التبرع التي كانت تحدث في القرى في السابق «لكن إحنا هنا في حي عشوائي والمفهوم ده مش موجود، لا فيه تبرعات، ولا الدولة بتخصيص أراضي زي زمان»، مُضيفًا أن أي أرض داخل الحيز العمراني تكون تابعة لوزارة الأوقاف أو الزراعة، ويستلزم الأمر مخاطبة الجهات المالكة رسميًا لطلب تخصيصها، وفي أغلب الأحيان تكون تلك الأراضي مؤجرة بالفعل.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن