تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
الموت على باب «القومسيون»

الموت على باب «القومسيون»

كتابة: أحمد عشماوي 6 دقيقة قراءة

لم يكد ماهر يتمكن من الوقوف على قدميه بعد تعافيه من إصابات بالغة، إثر حادث أليم وقع له قبل سنتين خلال عمله سائقًا بإحدى الشركات العاملة في ميناء دمياط، حتى توجه إلى القومسيون الطبي بقرية غيط النصارى التابع له محل إقامته، طلبًا لتجديد رخصته المهنية لكي يتمكن من استئناف العمل وتأمين مصدر دخل لأسرته، بعدما استنفدت العمليات الجراحية والعلاج على مدار العامين مورد الأسرة الوحيد المتمثل في معاش يبلغ 1700 جنيه.

على مدار أربعة أشهر، دأب ماهر (64 سنة) على التوجه إلى مقر القومسيون لإنهاء إجراءات الكشف الطبي والحصول على إفادة رسمية بإعادة تأهيله وصلاحيته للقيادة مرة أخرى، لكن دون جدوى، حتى قرر في الثاني من أبريل الجاري إجراء زيارة أخيرة، عاد منها جثة هامدة بعدما أنهى حياته أمام مقر القومسيون

على وقع الصدمة، ثارت تساؤلات كثيرة بين الأهالي ثم انتقلت إلى وسائل التواصل الاجتماعي بعد انتشار الخبر: ماذا حدث؟ ما الذي يدفع إنسانًا إلى الاحتجاج بالحياة نفسها؟ ولماذا أمام القومسيون؟ هل التعنت البيروقراطي هو ما أوصله لهذا اليأس التام؟ أم أن لحالته أسبابًا أخرى؟

منزل ماهر - تصوير أحمد عشماوي

الذهاب إلى منزل ماهر في قرية الزعاترة مغامرة، بدأت من موقف دمياط الجديد، واستمرت نحو ساعة على طريق ضيق تسير فيه المركبات بمختلف الأنواع في كلا الاتجاهين على إيقاع «المرجيحة» بفعل المطبات الكثيرة، وحفر الأسفلت المتآكل، واختبارات المنحنيات الخطرة عند الترعة، وأعمدة إنارة على وشك السقوط، حتى الوصول إلى مدينة الزرقا، وهناك انضممتُ إلى جمع من الركاب ينتظرون سيارة أخرى متوجهة إلى القرية، لكن مر نصف ساعة ولم تأتِ السيارة، فاضطررتُ لاستقلال توكتوك سار بي نصف ساعة أخرى عبر الطريق المتهالك الذي يبدو أنه قيد الإصلاح منذ زمان بعيد، «بيشتغلوا أسبوع، ويوقفوا شهور.. يعنى قدامنا 100 سنة على ما يخلصوا»، يقول سائق التوكتوك.     

عقب وصولي إلى القرية، تطوع كثيرون لإرشادي إلى المنزل، الذي يعرف الجميع قصة صاحبه، ويذكرونه بتقدير فيه حَسرة: «نِفسه كانت عزيزة» رغم صعوبة الحياة و«كفاحه» من أجل توفير «لقمة عيش بالحلال»، لكنه «اتبهدل، واتظلم» هكذا قالوا، داعين له بالرحمة وأن «يسامحه الله».

استقبلني ابنه، شاب في الثلاثينيات من عمره، يعمل سائقًا هو الآخر، ويعيش مع أسرته في منزل العائلة بعد زواج شقيقتيه.

بحسب الابن، التحق والده قبل نحو عامين بالعمل لدى إحدى الشركات في ميناء دمياط، عن طريق «مقاول سواقين»، و«كان شغّال على الطريق في دمياط القديمة سنتين، بينقل مياه من السنانية [قرية في دمياط]، إلى شركة الغاز في المينا، وتعرض لحادثة»، يقول الابن، الذي أضاف أن والده أجرى عملية جراحية في ساقه وخضع لعلاج طويل استنزف ميزانية الأسرة المحدودة أصلًا، مما جعل العيش في غاية الصعوبة بسبب تعذر عودته إلى العمل. «كان في رجله أيامها جهاز طالع منه مسامير وشرائح في قلب اللحم، كنت تشوفه يصعب عليك»، بحسب وصف أحد أصدقاء ماهر لـ«مدى مصر». 

وبحسب آخر تصريح حصل عليه ماهر لدخول الميناء، اطلع عليه «مدى مصر»، كان يعمل لدى شركة تدعى «الطيار للمقاولات العامة»، فيما أوضح الابن والصديق أنه كان يعمل «دون عقد»، ولم تصرف الشركة أي مستحقات له، ولم تتخذ أي إجراء لدعمه بعد إصابته أثناء العمل، «مسألوش عنه».

وأمام الظروف المعيشية الصعبة، لم يكن لدى ماهر حيلة سوى العودة إلى العمل، لذلك كان أول ما فكر فيه حين شعر بتحسن حالته الصحية وقدرته على الحركة، بحسب الابن، هو الشروع في إجراءات تجديد رخصته المهنية، والتي تتضمن الحصول على شهادة من القومسيون الطبي تفيد بأهليته الصحية للقيادة، وهو إجراء إلزامي يجريه السائقون كافة عند تجديد رخصهم، حسبما قالت مصادر نقابية لـ«مدى مصر». 

بعدما اجتاز ماهر جميع الفحوص الطبية، طلب منه القومسيون إجراء «رسم عصب»، وهو فحص يقيس سرعة توصيل الإشارات العصبية في أعصاب وعضلات وأوتار المنطقة المصابة، لكن السائق لم يتمكن من القيام بهذا الإجراء نتيجة تجاوز تكلفته لقيمة معاشه الشهري. 

بلغت تكلفة إجراء «رسم عصب»، في أبريل الجاري، 2050 جنيهًا، فيما يتكلف «رسم عصب وعضلات» 2600، حسمبا أخبرت خدمة العملاء بأحد مراكز الأشعة «مدى مصر».   

«أعمل إيه مع بتوع القومسيون دول؟ كل ما أروح لهم يعملولي بإيدهم كده [ملوحًا بيده للابتعاد]»، يتذكر الصديق كلمات ماهر وهو يشكو سوء معاملة الموظفين له.

من جانبه، استنكر محمود مرسي، رئيس اللجنة النقابية لعمال النقل البري بالزرقا، التابعة للنقابة العامة، في حديثه لـ«مدى مصر» إلقاء اللوم على القومسيون الطبي في واقعة ماهر، موضحًا أن تركيب الشرائح والمسامير في القدم لا تمنع السائق لاحقًا من القيادة بشكل طبيعي، «لكن فيه حاجة اسمها تأهيل وعلاج طبيعي»، يجب التأكد من إتمامهما قبل تجديد رخصة القيادة، مؤكدًا أن القومسيون لا يتعمد عرقلة السائقين. 

الطريق المؤدي إلى قرية الزعاترة - تصوير عشماوي

لن تستطيع الذهاب من الزعاترة إلى غيط النصارى حيث مقر القومسيون عبر وسيلة مواصلات واحدة، بل عبر أربع، تتكلف نحو 60 جنيها ذهابًا وإيابًا. أمام المقر سألتُ عددًا من السائقين المتعاملين مع القومسيون إذا ما كانوا يواجهون أي تعقيدات أو تعنت في إنهاء إجراءاتهم، فنفى جميعهم ذلك، لكنهم أشاروا إلى أن التعقيد «بيكون في إدارة المرور» بالإضافة إلى ارتفاع تكلفة تجديد الرخص، منتقدين دور النقابة العامة للعاملين في النقل البري، التابعة للاتحاد العام لنقابات عمال مصر، والتي يقتصر دورها، حسب السائقين، على تحصيل الرسوم عند تجديد الرخصة، دون أن تقدم لهم أي خدمات أو دفاع عن حقوقهم.

ردًا على انتقادات السائقين، قال المتحدث باسم صندوق الحوادث والكوارث التابع للنقابة، ناصر عبد الحميد، إن النقابة دشنت الصندوق في أغسطس 2021، وبدأ عمله فعليًا منذ سبتمبر 2024، ويُحصّل من كل عضو 50 جنيهًا كل ثلاث سنوات (مع تجديد رخصة القيادة)، مُضيفًا أن الصندوق صرف ما يقرب من 30 مليون جنيه، منها تعويضات للسائقين على الطرق داخل مصر وخارجها، جراء حوادث تعرضوا لها، حيث يُصرف 100 ألف جنيه في حالة الوفاة، و40 ألفًا في حالة الإصابة، فيما يدعم بعض السائقين الذين أجروا عمليات جراحية بمبلغ خمسة آلاف جنيه للحالة الواحدة، وعند وصول السائق إلى سن المعاش (60 سنة)، يتقاضى حينها من النقابة العامة 1500 جنيه عن كل مدة اشتراك (ثلاث سنوات)، بدءًا من تاريخ تفعيل عمل الصندوق، «ولدينا إحصاء بأسماء وعناوين السائقين ممن تلقوا هذه المبالغ»، يقول عبد الحميد لـ«مدى مصر».

فيما يخص واقعة ماهر، أوضح عبد الحميد، أن وصول السائق إلى سن المعاش يعني أن عضويته في النقابة «أصبحت شرفية»، مشيرًا إلى أن القومسيون الطبي يفحص السائقين الذين تخطوا سن المعاش ولا يزالون في سوق العمل سنويًا، لإتمام إجراءات تجديد الرخصة، خلافًا للسائقين تحت سن المعاش حيث يٌفحصون كل ثلاث سنوات، نظرًا لاعتبارات الحالة الصحية في هذه السن، وللتأكد من لياقتهم البدنية.

وأضاف مرسي أن اللجنة النقابية بالزرقا، صرفت العام الماضي 500 جنيه لماهر، كدعم له ولظروفه الصحية، رغم عدم تجديد رخصته وانتهاء عضويته في النقابة ببلوغه سن المعاش، مشيرًا إلى أنه تواصل مع النقابة العامة، الجمعة الماضي، وجار اتخاذ الإجراءات اللازمة لصرف «مبلغ إعانة لأسرته».

هل ساندت النقابة ماهر حين استغنت عنه الشركة التي كان يعمل لديها دون تعويضه أو تحمل نفقات علاجه، رغم أن الإصابة كانت أثناء العمل؟ سأل «مدى مصر» رئيس نقابة «النقل البري»، علي أحمد، الذي أجاب بأن عمل السائقين في شركات بعقود أو دون، يقع ضمن اختصاص مديريات العمل، مؤكدًا أنه في حالة لجوء أحد السائقين إلى النقابة «هنساعده.. لكن إحنا مالناش نتدخل.. ولكل واحد اختصاص». وأشار إلى أنه لم يسبق أن تلقت النقابة شكاوى من أعضائها البالغ عددهم مليوني عضو موزعين على نحو 165 لجنة نقابية على مستوى الجمهورية، بشأن توظيف الشركات سائقين دون عقود، مرجعًا واقعة سائق دمياط بالأساس إلى تعرضه «لحالة نفسية سيئة.. وربنا يشفي كل مريض» على حد تعبيره. 

حاول «مدى مصر» التواصل مع المتحدث الإعلامي لوزارة العمل، للتعليق على مسؤولية الوزارة في حماية السائقين أمثال ماهر من الشركات التي لا تلتزم بالقانون، لكنه لم يجب على اتصالنا حتى موعد النشر.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن