تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
ضحايا «قانون 73».. وصم وحبس وتشريد

ضحايا «قانون 73».. وصم وحبس وتشريد

كتابة: أحمد عشماوي 8 دقيقة قراءة
صورة أرشيفية لوقفة احتجاجية اعتراضا على القانون 73/ المصدر:المتضررين من قانون ٧٣ لسنه ٢٠٢١

في 18 يونيو الماضي، جددت محكمة جنايات بدر، حبس أربعة موظفين فُصلوا من أعمالهم بعد إجراء تحاليل مخدرات لهم، وأُلقي القبض عليهم على خلفية مشاركتهم في مؤتمر، قبل نحو ثمانية أشهر، لحشد الدعم ضد قرارات الفصل، فيما لم يتثنَ معرفة موقف موظف آخر محبوس على ذمة القضية نفسها، حسبما قال المحامي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إسلام أسامة، لـ«مدى مصر». 

وألقت قوات الأمن القبض على ستة موظفين مفصولين من محافظات مختلفة، في أكتوبر الماضي، عقب يوم من مشاركتهم في مؤتمر بحزب المحافظين لعرض مظلمتهم، وبينما تم الإفراج عن أحدهم في نفس اليوم، عُرض خمسة على نيابة أمن الدولة، التي قررت حبسهم احتياطيًا على ذمة القضية رقم 4356 لسنة 2024، ووجهت لهم اتهامات بـ«الانضمام لجماعة إرهابية، ونشر أخبار كاذبة»، بحسب «المبادرة».

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي صدق في يوليو 2021 على القانون رقم 73، بشأن بعض شروط شغل الوظائف أو الاستمرار بها للعاملين في الجهاز الإداري للدولة، والمؤسسات الخاصة ذات النفع العام، والذي بمقتضاه يُعزل من يثبت تعاطيه للمواد المخدرة، فيما اعتبرته أمينة العمال بحزب المحافظين ورئيس النقابة المستقلة للعاملين بالضرائب، فاطمة فؤاد، خطوة على طريق تقليص عدد الموظفين في الدولة انصياعًا لشروط صندوق النقد الدولي التقشفية، حسبما قالت لـ«مدى مصر».  

ودخل القانون حيز التنفيذ في يناير 2022 بعدما أصدر رئيس مجلس الوزراء لائحته التنفيذية، التي وضعت ضوابط واضحة تضمن الوصول لنتيجة مؤكدة لحملات الكشف الفجائي عن تعاطي المواد المخدرة التي تجريها الجهات الخاضعة لأحكام القانون للعاملين بها، بمعرفة جهات حكومية مختصة حددها القانون. 

بعد أربعة أشهر من بدء التنفيذ، صرح رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، في مايو 2022 بأن الهيكل الإداري لجهاز الدولة متضخم و«لا نحتاج أكثر من 30% من العدد الحالي». وفي يناير 2023 قال مدير صندوق مكافحة الإدمان والتعاطي، عمرو عثمان، إنه جرى فصل ما يقرب من ألف موظف بعد الكشف عليهم والتأكد من تعاطيهم المخدرات.

ليس هناك إحصاء رسمي بشأن إجمالي عدد المفصولين بموجب القانون، ما دفع النائب، إيهاب منصور، بالتقدم بطلب إحاطة، في مارس الماضي، لرئيس مجلس الوزراء يطالب فيه بالكشف عن العدد، بعد تكرار احتجاجات الموظفين المفصولين، مضيفًا أن هناك بعض التقارير تشير إلى أن عددهم يتجاوز 30 ألفًا.

في كل الأحوال، «هناك آلاف الأسر تضررت من هذا القانون»، ليس فقط بفقدان مصدر دخلها في ظل أزمة اقتصادية طاحنة، لكن أيضًا جراء الوصم الاجتماعي، الذي يضاعف بدوره من احتمالات عدم إمكانية الالتحاق بوظيفة أخرى، وكأن القانون «جاء عقابيًا وليس لتقويم الموظف»، بحسب طلب إحاطة تقدمت به النائبة إحسان شوقي، في مايو الماضي، مشيرة إلى أن «تفعيل نصوص القانون أدى إلى اكتشاف عدد من الثغرات التي من شأنها عدم منح أي فرصة لعودة الموظف.. ما تسبب في انهيار عدد كبير من الأسر».

الشهر الماضي، توجه وفد من زوجات عدد من الموظفين المفصولين إلى العاصمة الإدارية الجديدة، لتقديم شكاوى إلى رئاسة مجلس الوزراء، ووزارتي البترول والطيران، بشأن ما وقع على أسرهن من ضرر بعد فصل أزواجهن من العمل، حسبما قالت حينها إحدى المشاركات في الوفد لـ« مدى مصر» طالبة عدم ذكر اسمها، بعدما توجهن إلى «الإدارية» في ديسمبر الماضي، لتقديم شكاوى بذات الشأن، دون رد، واستدعى الأمن الوطني في اليوم التالي ثلاث منهن، حسبما قالت إحدى من خضعن للتحقيق لـ«مدى مصر»، مشترطةً عدم الكشف عن اسمها.

إحدى عضوات الوفد قالت لـ«مدى مصر»، إن زوجها كان يعمل بشركة منتجات بترولية، ولا يدخن أصلًا لأنه مريض بالقلب، وأجرى عملية تركيب دعامات. وفي يوم الخميس الموافق 18 أبريل 2024، أجرت الشركة تحليلًا استدلاليًا لزوجها، جاءت نتيجته إيجابية، فطلب إجراء تحليل تأكيدي أو العرض على الطب الشرعي، بحسب ما تنص عليه اللائحة التنفيذية للقانون، لكن اللجنة المُشكَلة لإجراء التحاليل رفضت طلبه، وأصدرت الشركة قرار فصله.

أرسلت الزوجة لـ«مدى مصر» صورًا لتقارير طبية تثبت حالته الصحية، وإفادة صادرة عن صندوق مكافحة وعلاج الإدمان بعدم تعاطيه أي مواد مخدرة، بعدما ذهب زوجها لإجراء تحليل آخر رفضت الشركة الاعتراف به، بحسب الزوجة، التي أوضحت: «زوجي هو العائل الوحيد للأسرة، وكان ملتزم بقسط شهري وآخر سنوي، بعد فصله اضطرينا نبيع شقتنا التمليك علشان نسدد القرض، وقمنا بتأجير شقة، وباقي علينا القسط السنوي، إحنا زوجات الموظفين بنتحرك وبنحرر شكاوى على أمل أن المسؤولين يشعروا بالظلم الذي وقع على أسرنا».

يحدد القانون عدة ضوابط للتأكد من تعاطي الموظف للمواد المخدرة قبل اتخاذ قرار فصله، منها إلزام العامل بالإفصاح عن ما يتناوله من عقاقير بصفة دائمة نتيجة حالته الصحية من خلال شهادة طبية معتمدة، بما يضمن عدم تأثير هذه الأدوية على نتيجة التحليل، كما تضمنت الضوابط الأخذ في الاعتبار الحفاظ على الخصوصية عند أخذ العينة، لمن يخضع لتحليل البول، وهو التحليل الاستدلالي الأولي للكشف عن المتعاطين. وسمح القانون في حالة إيجابية العينة، بإجراء تحليل آخر «توكيدي» للدم أو البول باستخدام أجهزة الكروماتوجرافي أو ما يماثلها (طريقة لتحليل وفصل المركبات المختلفة) كما منح القانون للعامل حق الاحتكام إلى الطب الشرعي حال ظهور إيجابية التحليل الاستدلالي، أو لتوقيع الكشف الطبي عليه لإثبات حالته الصحية في حالة تناوله عقار مدرج بجدول المخدرات يؤثر على نتيجة التحليل، لكن هذه الضوابط لم تطبق عمليًا بحسب الموظفين المفصولين. 

أستاذ الطب النفسي في جامعة عين شمس، محمود الحبيبي، قال لـ«مدى مصر» إن بعض الأدوية تتفاعل مع شرائط تحليل البول للكشف عن تعاطي المواد المخدرة، مثل أدوية مضادات الاكتئاب والمضادات الحيوية وأدوية البرد، «أدوية كتير بتعمل تفاعل» وتظل في البول لمدة 48 ساعة على الأقل، وفي حالات الأمراض المزمنة تظل تأثيرات الأدوية على نتيجة تحليل شرائط البول متواجدة طالما أن المريض يتناول الدواء بانتظام. 

وبحسب تقرير للوحدة الاستشارية للطب الشرعي والتزوير بمحافظة المنيا، حصل عليه «مدى مصر»، لا يمكن إثبات تعاطي المخدرات على أساس تحليل البول العشوائي فقط، حيث يعد تحليلًا أوليًا «غير موثوق به طبيًا»، كما أشار التقرير إلى أن تشخيص تعاطي المواد المخدرة يجب أن يتضمن عدة عناصر طبية منها تاريخ التعاطي وسلوك الشخص، ما يلزم إجراء تحليل تأكيدي للدم أو البول باستخدام جهاز الكروماتوجرافي الغازي.

caption
caption
صورة تقرير المنيا

كريم مجدي، أحد الموظفين المفصولين من شركة السويس للزيت «سوكو»، قال لـ«مدى مصر»، إن الشركة طلبت منه إجراء تحليل الكشف عن تعاطي المواد المخدرة، لكن مجدي لم ينجح في الإتيان بعينة نظرًا لانعدام الخصوصية. «دخلت دورة المياه علشان ياخدوا عينة للتحليل من البول، معرفتش، الواحد بيتكسف، الدنيا كانت زحمة، ومفيش خصوصية، حاولت مرتين، معرفتش» يقول مجدي، مشيرًا إلى أنه في المحاولة الثالثة تم إعطاؤه عبوة فارغة للإتيان بعينة التحليل، مدون عليها بقلم «فلومستر» اسمًا آخر يمكن إزالته بمنتهى السهولة، فقام بإبلاغ اللجنة باختلاط العبوة الخاصة به بأخرى، فرد المسؤول «معلش اتلخبطت»، وصحح الخطأ، لكن مجدي فشل للمرة الثالثة في الإتيان بعينة، وسط حالة من سوء المعاملة و«الترهيب» على حد وصفه، مما أدى إلى نشوب مشادة كلامية بينه وبين أحد القائمين على أعمال لجنة التحليل، على أثرها أبلغه المسؤول: «فرصتك انتهت، هيتعملك غش أو امتناع عن التحليل»، وبعد أيام استدعته الشركة للتحقيق، واتهمته بغش العينة وقررت فصله. 

يعمل مجدي حاليًا في شركة أمن براتب يقل عن الحد الأدنى للأجور، ما استحال معه الوفاء بالتزامات أسرته. «انفصلت عن زوجتي بعد فصلي من العمل، مش قادر أصرف على البيت، وأولادي كانوا في مدارس خاصة تركوها»، يقول مجدي، الذي تجمع أسرته مبلغًا شهريًا لسداد قرض البنك الذي حصل عليه قبل فصله من العمل.

أحد الموظفين المفصولين من مديرية الزراعة بمحافظة كفر الشيخ، قال لـ«مدى مصر»: «المعاملة سيئة من البداية، تحس أنك مجرم، إيه الجبروت ده؟ دخلت دورة الميه أجيب عينة للتحليل..المرافق واقف جنبي، قولتله مش هعرف كده، ممكن تبعد شوي؟ وانت شايفني كويس. قالي مش هسيبك، كان موترني». بصعوبة بالغة تمكن الموظف من الإتيان بقدر بسيط من عينة للبول للتحليل، وظهرت نتيجة التحليل إيجابية، وتم سؤاله من قبل اللجنة إذا ما كان يتناول أي أدوية، فأخبرهم أنه تناول دواء ومسكنات للبرد منذ يومين، وطمأنته اللجنة، على حد قوله، بأن «النسبة بسيطة وهتعدي»، مضيفًا: «أنا كنت هتجنن، لا أتعاطى أي مواد مخدرة، ومش بدخن أصلًا». بعدها، وعلى مدار ستة أشهر، استمر الموظف في عمله بشكل اعتيادي، قبل أن تخطره المديرية بقرار فصله بناءً على إيجابية نتيجة التحليل. 

ينظم القانون 73 الإخطار بنتيجة التحليل، حيث ينص على أن «تلتزم الجهة المختصة أو مصلحة الطب الشرعي.. بإخطار الصندوق [مكافحة الإدمان] بالنتيجة النهائية للتحليل خلال عشرة أيام من وصول العينة إليها»، بالإضافة إلى أن العينة يجب أن يتم تحليلها في خلال فترة زمنية لا تتجاوز ساعتين كحد أقصى، بعد ذلك تكون العينة «غير دقيقة» حسبما أوضح الحبيبي لـ«مدى مصر».

بعد فصله، أقام الموظف دعوى قضائية أمام مجلس الدولة، الذي أحالها في 21 فبراير الماضي إلى المحكمة الإدارية، ولم يحدد موعد الجلسة بعد، بحسب الموظف، الذي لا يعوّل كثيرًا على نتيجة الدعوى بسبب أن «القضايا بتترفض» ويأمل أن تستمع الحكومة ومجلس النواب إلى مشكلة الموظفين المفصولين. «عايزينهم يهتموا شوية ويحسوا بالظلم الواقع علينا، مستحقاتنا وقفت وبيوتنا اتخربت، لا أعمل حاليًا وما ليش وش أمشي في الشارع أصلًا.. طلعت عليا سمعة أني مدمن»، يقول الموظف. 

«كل القضايا دي بتترفض»، يقول مدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، المحامي مالك عدلي، لـ«مدى مصر»، مشيرًا إلى أن المركز تقدم بطعن على حكم المحكمة الإدارية العليا برفض دعوى إلغاء قرار إنهاء خدمة موظف في إحدى الهيئات الحكومية، واستند الطعن على تشكيل اللجنة المعنية بفحص عينات تحليل المخدرات من مستشفى الهيئة، وهو ما يتعارض مع القانون الذي ينص على حصر تشكيل اللجان في وزارة الصحة وصندوق العلاج من الإدمان، لكن الدائرة الاستئنافية بمحكمة القضاء الإداري رفضت الطعن. 

بالإضافة إلى المخالفات التي شابت التطبيق، يرى عدلي، أن القانون نفسه تشوبه «عدم دستورية»، حيث إن الكشف عن المتعاطين يمكن فهمه بالنسبة للعاملين في وظائف لها علاقة بسلامة المواطنين كسائقي القطارات والنقل العام وغيرها، أما -مثلًا- موظف يعمل بأعمال كتابية ويمارس عمله في حالة اتزان، ما الداعي لإخضاعه لكشف تحليل المخدرات؟ يتساءل عدلي، موضحًا أن تعميم شن الحملات على الموظفين وإخضاعهم للتحليل «يشكل انتهاكًا لحرية وخصوصية الجسد» المصونة دستوريًا.

كما يشير عدلي إلى أن القانون 73 نص على اتخاذ أقصى عقوبة في الجزاءات التأديبية بفصل الحالات الإيجابية، وهو ما يعد «إعدامًا إداريًا» للموظف، حيث من المفترض أن عقوبة الفصل لا يتم البت فيها إلا عن طريق المحكمة، كما أن الالتزام الدستوري والقانوني يُلزم الدولة بعلاج حالات الإدمان. «المدمن نعالجه مش نزود إدمانه ونفقده مصدر رزقه ونشرد عياله، وقد يكون مش مدمن أصلًا وتناول أدوية علاجية»، يقول عدلي.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن