تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
المنتَج مصري والثمن بالدولار

المنتَج مصري والثمن بالدولار

كتابة: شمس الدين عصام، محمد عز 8 دقيقة قراءة

خلال العام الماضي، انتشرت شائعات حول اتجاه شركات سيارات وعقارات لبيع منتجاتها في السوق المصري بالدولار الأمريكي. سرعان ما نفت بعض الشركات تلك الأخبار، وأوضحت أخرى أنها إجراءات اتخذتها لربط تسعير منتجاتها بسعر الدولار، لكن البيع نفسه بالجنيه المصري.

وفيما انتهت الشائعات عند ذلك الحد في تلك القطاعات، لم يتوقف اتجاه السوق المصري نحو ظاهرة «الدولرة»، إذ يعاني أغلب الشركات في مصر من تقلبات سعر الصرف، وصعوبة استيراد مستلزمات الإنتاج من الخارج، ما أجبر بعضها على الابتعاد تمامًا عن البيع في السوق المصري والتحول للتصدير، أو ربط أسعار منتجاتها بسعر الصرف في السوق الموازية، في ظل عدم قانونية البيع بالدولار. لكن، في الوقت نفسه، حصلت بعض القطاعات الاقتصادية على استثناءات تسمح لها بتجاوز القانون والبيع مباشرة بالدولار.

في يوليو الماضي، فوجئ أحمد*، وهو وكيل لكبرى مصانع حديد التسليح، بطلب إدارات البيع في تلك المصانع تحصيل قيمة حصته بالدولار بدلًا من الجنيه، في سابقة هي الأولى من نوعها بالنسبة له، بينما رفضت المصانع تنفيذ طلبات الشراء التي تصل إليها بالجنيه المصري.

اشتراط مصانع الحديد البيع بالدولار، يأتي مخالفًا لقانون البنك المركزي الذي يمنع التعامل بغير الجنيه المصري محليًا. وبحسب القانون، فإن العقوبة على تداول العملات الأجنبية خارج القنوات الشرعية، سواء تجارة العملة أو استخدامها لتداول سلع أخرى، تصل إلى السجن مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على عشر سنوات، وبغرامة تساوي المبلغ موضوع الجريمة.

رغم ذلك، قال أحد وكلاء مصانع الحديد لـ«مدى مصر»، اشترط عدم ذكر اسمه، إن شركة «حديد عز» توقفت، بدءًا من يوليو الماضي، عن بيع منتجاتها للوكلاء وتجار الجملة بالجنيه المصري وإحلال الدولار محله، بالتزامن مع تخارج الحكومة من حصتها بالشركة التي بلغت نحو 14%، تبعها بفترة قصيرة شركتا السويس للصلب، وحديد المصريين، التابعتان لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية.

سرعان ما حذت شركات القطاع الخاص حذو الشركات الحكومية، وأصبح الدولار هو عملة تعاملات مصانع الحديد مع وكلائهم، الذين يبيعون للجمهور بالجنيه المصري، حتى الآن. 

منتصف يوليو الماضي، رفعت الشركات أسعارها، وسعّرت المصانع طن الحديد عند 840 دولار، رغم أن الأسعار العالمية كانت تتراوح بين 605-640 دولار للطن، ما يعني تحصيل ربح مضمون مُقدر بـ250 دولار للطن، بخلاف الربح الناتج عن التصنيع بشكل عام، إذ يبلغ سعر خام الحديد (البليت) نحو 470 دولار للطن في المتوسط، بحسب الوكيل.

«لما قلنا نشتري بالأسعار العالمية بما إننا هندفع دولار، قالولنا عاجبك تشتري ادفع وشيل، ولو مش عاجبك غيرك هيشيل»، أضاف الوكيل.

وبرغم مخالفة ذلك للقانون، كان الدفع يتم في البنوك بشكل رسمي، بحسب ثلاثة وكلاء لمصانع الحديد.

وقالت المصادر إن توجه المصانع للبيع بالدولار جاء بموافقة شفهية من جهات حكومية بالتزامن مع قبول البنوك النقد الأجنبي غير معروف المصدر، دون ذكر تلك الجهات.

استمرت «دولرة» الحديد لمدة أربعة أشهر كاملة، في الفترة بين يوليو وأوائل نوفمبر الماضي. لكن، مع تسرب أخبار البيع بالدولار للإعلام ووصولها لطلبات إحاطة في مجلس النواب، توقفت المصانع فجأة عن طلب الدولار، وعادت للبيع بالجنيه.

تزامنًا مع ذلك، قلّ تدريجيًا حجم ما تطرحه المصانع أمام الوكلاء للبيع. «مثلًا إذا كانت الحصة الأسبوعية تصل إلى 500 طن، كان الوكيل يحصل على كمية بين 10 و20% من هذه الحصة على أقصى تقدير، ما لا يتجاوز 100 طن»، يقول أحد وكلاء مصانع الحديد.

ومع بداية العام الجاري، أبلغت مصانع عدة الوكلاء والتجار رسميًا بمنع بيع أي منتجات من الحصص الأسبوعية بالجنيه، وأكدوا أن التعامل سيقتصر على الوكلاء الذين سيدفعون ثمن حصصهم بالدولار فقط.

«مع عودة البيع بالدولار مرة أخرى أصبحت المصانع تتيح للوكلاء الحصول على كامل حصصهم الأسبوعية»، بحسب الوكيل.

هذه المرة، لا تتم الصفقات عبر السوق المصرفية الرسمية. يدفع الوكيل ثمن الحصة بالدولار لدى مكاتب المصانع في مختلف المناطق الجغرافية بدلًا من إيداعها في حسابات الشركات بالبنوك، تخوفًا من العقوبات القانونية للتعامل بالدولار، بعد إثارة الموضوع في مجلس النواب.

أحد وكلاء مصانع الحديد برر البيع بالدولار بحاجة المصانع للعملة الصعبة لفتح الاعتمادات المستندية الخاصة بواردات الخام من «البليت» و«مكورات الحديد»، إذ تحتاج صناعة حديد التسليح المصرية لاستيراد خامات أولية لصهر البليت بقدرات تصل إلى 4.5 مليون طن سنويًا، بالإضافة إلى استيراد 3.5 مليون طن بيليت جاهز للدرفلة، بإجمالي قدرات تشغيل تتجاوز 12 مليون طن سنويًا، بحسب بيانات غرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات التي اطلع عليها «مدى مصر».

لكن، الوكيل أوضح أنه بالإضافة إلى عدم قانونية البيع بالدولار في السوق المصرية، فإن المصانع تبالغ في التسعير الذي يتجاوز الأسعار العالمية، إذ وصلت أسعار بيع طن حديد التسليح للوكلاء داخل السوق المحلي بالدولار بقيم أعلى من أسعار التصدير، ليتراوح سعر الطن للوكلاء بين 800 و840 دولار من أرض المصنع، مقارنة بنحو 580 إلى 600 دولار للطن المُصدَّر.

كانت النتيجة هي قفزات قياسية في أسعار حديد التسليح داخل الأسواق المحلية. «الوكلاء يحصلون على الدولار اللازم دفعه مقابل حصصهم الأسبوعية من السوق السوداء لعدم توافره في البنوك، لذا يخضع تسعير المنتج المحلي لسعر السوق السوداء، وتتحرك الأسعار بالتوازي صعودًا وهبوطًا»، يقول الوكيل.

بالإضافة لذلك، فإن طلب المصانع من وكلائها الدفع بالدولار يرفع الطلب على العملة الصعبة من السوق السوداء، وبالتالي زيادة أكبر في تسعير العملة، في حين لا تزال البنوك غير قادرة على التدبير، يقول الوكيل.

منذ بداية 2022، تواجه مصر أزمة نقص في العملات الأجنبية هي الأسوأ منذ سنوات، بعدما تخارج مستثمرو الأموال الساخنة في أدوات الدين من استثماراتهم في مصر بشكل سريع، ما أفقد الحكومة والبنك المركزي موارد مهمة من العملة الصعبة، وأدى إلى انخفاضات متتالية في قيمة الجنيه المصري وارتفاعات مضطردة في معدلات التضخم والأسعار، خاصة مع القرارات الحكومية بتقييد الاستيراد للحفاظ على ما تبقى من العملة الصعبة داخل البلاد.

تأثرت مصانع الحديد بهذه القيود. وخلال النصف الأول من العام، اضطرت المصانع إلى تخفيض إنتاجها، في ظل عدم قدرتها على استيراد المواد الخام اللازمة للصناعة. بحسب الوكلاء، انخفضت حصص توريدات مصانع الحديد بحوالي 90%.

«قبل الأزمة كانت الحصة بتاعتي من شركة واحدة 5 آلاف طن أسبوعيًا. بعدها بقيت باخد 500 طن بالكتير»، يقول أحد الوكلاء لـ«مدى مصر».

بالتوازي مع ذلك، لجأت بعض شركات الحديد إلى زيادة صادراتها للخارج، للحصول على العملة الصعبة التي تمكنها من استيراد المواد الخام للحفاظ على الإنتاج مستمرًا.

وخلال أول تسعة أشهر من العام الماضي، قفزت قيمة صادرات الصلب المصري بنحو 65%، صعودًا إلى 1.74 مليار دولار، مقارنة بنحو مليار دولار في الفترة نفسها من العام السابق له، وفق بيانات المجلس التصديري لمواد البناء.

لكن، لم يكن ذلك كافيًا، حتى وصل الأمر بتلك الشركات لتسعير منتجاتها بالدولار في السوق المحلي.

الأمر نفسه بدأ في الظهور أيضًا في قطاع واردات الحبوب الغذائية، والتي يجبر مستوردوها المشترين المحليين من المصانع والمطاحن على دفع 5-10% من ثمن البضائع بالدولار، والباقي بالجنيه.

«النسبة ضعيفة فعلًا بالنسبة لإجمالي السوق، لكن منتشرة بين مستوردي القمح والذرة الصفراء والفول الصويا»، يقول مصدر في واحدة من كبرى شركات استيراد الحبوب.

المصدر، الذي رفض ذكر اسمه، أوضح أن البعض مجبر على ذلك الوضع، خاصة وأنه لا توجد أي بوادر حتى الآن لحل أزمة العملة الصعبة، واستمرار تعطل الكثير من البضائع داخل الموانئ في انتظار الحصول على إتاحات دولارية لاستخراج أذون الإفراج.

حتى الآن، تقتصر ظاهرة دولرة الصناعة على قطاعات بعينها، ولم تنتشر بعد إلى أركان القطاعات الأخرى. لكن، محلل مالي في أحد بنوك الاستثمار الخاصة، قال لـ«مدى مصر» إن عدم معاقبة تلك الشركات قد يدفع المزيد من القطاعات لحذو حذوها، خاصة أنها تحاول الآن المناورة عن طريق تقليص الإنتاج، وهي ذات الطرق التي لجأت إليها مصانع الحديد في البداية، دون النجاح فيها. بالإضافة إلى ذلك، فإن الحديد يدخل في أغلب الصناعات المصرية، ما يجعله عنصرًا هامًا لباقي قطاعات الاقتصاد بالتبعية.

رئيس إحدى أكبر شركات التجارة قال لـ«مدى مصر» إن هناك بعض القطاعات التي يمكنها بيع منتجاتها بالدولار رغم تجريم ذلك الأمر قانونًا لاعتبارات مختلفة، سواء في المناطق الحرة أو حتى داخل حدود البلاد. فمثلًا، بحسب المصدر، قطاع الحديد تعمل به الحكومة وقد تستخدمه لسحب السيولة الدولارية من السوق، أو قطاع الأعلاف الاستراتيجي الذي تهتم الحكومة بعدم تأثره بالأزمة، أو حتى قيام الدولة نفسها بالاتجار في الدولار لجذب العملة الصعبة، مثل طرح الأراضي للمستثمرين بالدولار، والوحدات السكنية للمصريين بالخارج. لكن، في القطاعات الأصغر، لا تغامر الشركات والأفراد بمحاولة البيع بالدولار خوفًا من العواقب القانونية حتى الآن.

«الشركات ممكن متقدرش تبيع بالدولار، لكن أضعف الإيمان، بيربطوا سعر منتجاتهم في السوق المحلي بسعر تكلفة الفرصة البديلة لو كان المنتج ده اتصدر وحصل على عائد. بالعكس، هو لما بيصدّر بيحاول يكون أسعاره تنافسية في سوق عالمي كبير، لكن في مصر مش محتاج يعمل دا، فبيحط سعر كبير مربوط بسعر دولار يوصل لحد 57 جنيه أحيانًا»، أضاف المصدر.

المثال الأبرز على اتجاه الشركات للتسعير بالدولار هو شركات العقارات، التي دفعتها الارتفاعات المستمرة في أسعار مواد البناء إلى تسعير وحداتها بالدولار، وإقرار معادلة جديدة تسمح لهم بتغيير أسعار الوحدات، حتى بعد إتمام العقود، بزيادة السعر إذا انخفض سعر الجنيه، للتحوط من ارتفاع تكلفة الإنشاء الناتجة عن ذلك، وهو الأمر الذي أدى إلى تباطئ في تجارة العقارات، بحسب تصريحات لمحلل القطاع العقاري بشركة نعيم المالية، يوسف البنا.

اتجاه الحكومة نفسها للبيع بالدولار كان أيضًا ما أشار إليه محلل مالي في أحد بنوك الاستثمار المحلية، الذي قال لـ«مدى مصر» إن الحكومة تحاول بشتى الطرق البحث عن طرق لجذب الدولار، أو، على الأقل، الاحتفاظ به في البنوك. وفي سبيل ذلك تتخذ قرارات «خطيرة».

فتزامنًا مع تراجع مبيعات السيارات في مصر خلال الـ11 أشهر الأولى من العام الماضى، بنسبة 54.8%، أعادت الحكومة إطلاق مبادرة استيراد سيارات المصريين بالخارج مرة أخرى، وخفّضت القيمة الجمركية على السيارة، وتدرس حتى إتاحة الشراء من المناطق الحرة ضمن المبادرة مباشرة، وهو ما سيؤدي إلى الإضرار بقطاع السيارات المصري الذي بدأ هو الآخر في الاستيراد عن طريق المناطق الحرة.

لكن، الأخطر هو موافقة مجلس النواب، قبل أسابيع، على مقترح حكومي بتعديل قانون الأراضي الصحراوية، ليسمح للعرب والأجانب -أيًا كانت جنسيتهم- بتملك الأراضي الصحراوية في البلاد دون استثناء أي منطقة، وهو ما عزته الحكومة إلى رغبتها في تشجيع المستثمرين.

غير أن توقيت إقرار التعديل وتزامنه مع تحذيرات جهات دولية من مخططات إسرائيلية لإجبار سكان غزة على مغادرة القطاع إلى سيناء، فضلًا عن عدم تقييد التعديل بأي ضمانات تستبعد مثلًا أصحاب الجنسية الإسرائيلية من التملك أو تقيده في أماكن معينة، أثار مخاوف على الأمن القومي المصري عبر عنها عدد من نواب المعارضة بالغرفة الأولى للبرلمان. 

* اسم مستعار.

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن