تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
كيف تؤثر شهادات الـ18% على التضخم والناس؟

كيف تؤثر شهادات الـ18% على التضخم والناس؟

كتابة: سارة سيف الدين 6 دقيقة قراءة

تجاوزت حصيلة شهادات الادخار ذات العائد 18% لمدة عام، نصف تريليون جنيه، خلال أقل من شهر من طرح بنكي مصر والأهلي الشهادة، بحسب تصريحات صحفية لمصادر من البنكين.

طرح الشهادة تزامن مع سماح البنك المركزي بخفض قيمة الجنيه بنحو 15%، وارتفاع التضخم خلال فبراير إلى 10% سنويًا، وواصل ارتفاعه في مارس مسجلًا 12%، وهو أعلى معدل له منذ أكثر من ثلاثة أعوام، ليتجاوز لأول مرة مستهدفات «المركزي» في فبراير.

يهدف «المركزي» من هذه الشهادات مرتفعة الفائدة بشكل أساسي إلى كبح جماح التضخم، وهي استراتيجية تلجأ لها البنوك المركزية حين ترتفع معدلات التضخم.

الفكرة الأساسية هي إخراج قدر من الأموال من التداول في السوق والاحتفاظ بها داخل النظام المصرفي. سحب هذه الأموال يعني ببساطة أنها لن تُنفق على أي عمليات شراء أو استهلاك. وبالتالي، ينخفض الطلب العام، ومعه ينخفض التضخم. على الأقل نظريًا.

للوهلة الأولى، يبدو من الرقم الهائل الذي اجتذبته الشهادات الجديدة أن هذه الاستراتيجية تعمل فعلًا. لكن محاولة تفكيك هذه الرقم أو فهم مصدره قد تضيف بعض الشك عن حقيقة هذا.

يُصدر البنك المركزي نشرات دورية تتضمن بيانات حول مختلف فئات النقود. أول هذه الفئات هي المعروض النقدي (M1) ويتكون من عنصرين: النقود المُتدوالة في السوق، وأموال الحسابات الجارية بالعملة المحلية (التي يتم السحب منها بسهولة). ثاني هذه الفئات اسمها أشباه النقود (M2) وتشمل الودائع غير الجارية بالعملة المحلية (أي الودائع المغلقة).

وبحسب أحدث بيانات لـ«المركزي»، يبلغ حجم المعروض النقدي (M1) تريليون و382 مليار جنيه (المُتداول في السوق منها 701 مليار جنيه، والباقي ضمن الحسابات الجارية بالعملة المحلية).

نجاح استراتيجية المركزي للحد من التضخم يعتمد على أن تأتي أموال هذه الشهادات من النقود المُتدوالة في السوق لأن هذه هي الأموال التي تذهب إلى الاستهلاك الذي قد يتسبب في التضخم.

لكن المنطقي أن معظم هذه الأموال جاء من الشريحة التي تمتلك فوائض يمكن ادخارها، ومعظمها موجود مسبقًا في البنوك، وليس متداولًا في الأسواق. كما أن حجم الأموال التي جمعتها الشهادات حتى الآن يمثل نحو 75% من إجمالي النقود المتداولة، وبالتالي لا يُعقل أن كل هذه النقود خرجت من السوق لتذهب إلى الشهادات. لهذا يرى محلل في وحدة بحوث إحدى شركات تداول الأوراق المالية، لـ«مدى مصر» لم يرد ذكر اسمه، أن غالبية هذه الحصيلة أتت من داخل القطاع المصرفي.

وبالتالي، فإن تأثير هذه الشهادات على التضخم يصبح محلًا للشك، خصوصًا عند النظر في نوعية السلع والأنماط الاستهلاكية التي ستتأثر بهذه الشهادات.

تنقسم السلع من ناحية طبيعة الاستهلاك إلى نوعين: سلع مرنة، أي يمكن للمُستهلك الاستغناء عنها أو تأجيل استهلاكها لأنها غير ضرورية، مثال على ذلك، الأجهزة الكهربائية والسيارات وترفيه وغيرها. بينما تعد السلع غير المرنة هي التي سيُضطر المستهلك إلى شرائها مهما حدث في أسعارها، وأبرزها المواد الغذائية، فهي سلع لا تُتيح للمستهلك مرونة في الإقدام أو الامتناع عن استهلاكها.

وأشار المحلل إلى أن الفئة الأكبر من المودعين أموالهم بهذه الشهادات تأتي من الأفراد ذوي الدخول العالية، التي توفر فوائض مالية للادخار، بعد الإنفاق الشهري المُعتاد، ما يجعل أثر حبس هذه الأموال على الاستهلاك محدود، من ناحية أنها لو كان أصحابها سينفقونها كان ذلك سيكون في استهلاك غير ضروري مثل شراء سيارة جديدة أو شراء شقة أو إنفاقها في رحلات سياحية أو شراء أجهزة منزلية من الكماليات.

يدعم هذا الرأي أن الشهادات السابقة ذات العائد المرتفع التي قدمتها البنوك، في عام 2020، والتي حققت حصيلة بلغت 380 مليار جنيه، بلغ عدد أصحابها نحو ثلاثة ملايين شخص. هؤلاء في الغالب ينتمون إلى الشريحة العليا والمتوسطة في الطبقة الوسطى الذين تتحمل مستويات دخولهم حبس مدخراتهم عن الإنفاق في شهادات ادخارية. ما يؤكد على ذلك أن أحد تقارير مؤسسة «فيتش سوليوشنز» البحثية عن الاستهلاك في مصر يعتبر الطبقة الوسطى هم أصحاب الدخول التي تبلغ أو تزيد عن 10 آلاف دولار سنويًا (أي 150 ألف جنيه سنويًا تقريبًا بحسب سعر الصرف وقتها). ووفقًا لهذا المعيار، يبلغ حجم هذه الطبقة نحو 5% فقط، بحسب التقرير.

لكن تأثير حبس هذه الأموال لا يقتصر على استهلاك هذه الشريحة الصغيرة، لكنه يمتد كذلك إلى الشرائح الأقل دخلًا. توقف دورات الاستهلاك، حتى في كماليات مثل شراء سيارة أو شقة، يعني توقف مصدر دخل للشرائح الأقل دخلًا كان يصل إليها عند حدوث هذا الاستهلاك. على سبيل المثال، يحصل الموظف في معرض السيارات على دخل عند بيع السيارة، والعمال عند تشطيب الشقة، وهكذا. هذه الفئة تدخر أقل بحكم محدودية دخولها، وتُنفق أكثر خاصة على الغذاء، وبالتالي ستصل إليهم تأثيرات حبس السيولة ويتقلص استهلاكهم، ولكن في حالتهم هو استهلاك ضروري، بحسب المحلل. لذا، وبالرجوع إلى تمركز التضخم في المواد الغذائية، لن يتأثر الطلب بصورة كبيرة إلا في حدود الانتقال من الطعام الجيد إلى الطعام الأرخص والأقل جودة والذي يوفر كميات كبيرة.

إلى جانب هذا، فإن أسباب موجة التضخم الحالية تعود إلى أسباب عالمية تتجاوز تأثير حجم الطلب المحلي. يُقصد بمفهوم التضخم المستورد أن ارتفاعات الأسعار على نطاق محلي ليست نتيجة انتعاش الطلب/ الإنفاق الاستهلاكي بصورة تفوق مقدار الإنتاج المحلي أو المعروض، حيث في حالة التضخم المستورد يتراجع الدور الكلاسيكي لمقدار نمو الطلب أمام العرض كشرط لارتفاع الأسعار، ما يعني أنه حتى في حال تراجع الطلب فلن تنخفض الأسعار.

يؤكد أحدث تقرير صادر عن وحدة الأبحاث ببنك الاستثمار «بلتون» الشهر الماضي، حصل «مدى مصر» على نسخة منه، أن 40% من معدل التضخم المحلي المرتفع منه تضخم مستورد (ارتفاعات الأسعار على نطاق محلي لأسباب غير محلية). تمثلت ارتفاعات الأسعار العالمية هذه في المواد الغذائية مثل القمح والذرة والزيوت وغيرها، وكذلك أسعار الطاقة، والتي ترفع من تكلفة التنقل للأفراد ومن تكلفة شحن السلع المستوردة، ونقلها محليًا، وهو ما يظهر في السلع الغذائية، كما تؤثر زيادات أسعار الوقود على أسعار السلع النهائية خاصة السلع كثيفة الاستهلاك للطاقة أثناء إنتاجها.

تتفق رئيسة قطاع البحوث في شركة فاروس للأوراق المالية، رضوى السويفي، في حديثها لـ«مدى مصر» مع أن معدلات التضخم القادمة ستكون محكومة بدرجة أكبر بتأثير الارتفاعات العالمية في أسعار السلع، وإن كان أثر الشهادات الادخارية سيمثل عاملًا مساعدًا. فيما يتفق المحلل المالي أن أثر الشهادات في السيطرة على معدلات التضخم خلال الشهور القليلة القادمة محدود.

في المقابل، فإن هذه الشهادات مرتفعة الفائدة قد تتسبب في زيادة الركود الاقتصادي، من خلال المساهمة في انحسار الاستثمارات في الأعمال الجديدة، التي بالأساس ستنحسر في ظل الركود الاقتصادي وعدم تعافي الطلب الاستهلاكي منذ أزمة كورونا، بحسب وحدات البحث لشركات الاستشارات المالية، بجانب أنه الآن بوسع المستثمر أو أي صاحب عمل، أيًا كان حجمه، أن يؤجل الأعمال التوسعية والجديدة التي كانت ستوفر وظائف جديدة، وبالتالي دخول للفئات الأقل في الدخل، وأن يضع هذه الأموال في الشهادة الادخارية ليجني ربحًا سريعًا ومضمونًا دون أي مخاطر، ودون جهود التشغيل التي ترتبط دومًا بالأعمال، خلال عام فقط.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن