تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
مُسكّن «رفع الفائدة» ﻻ يعالج التضخم المزمن

مُسكّن «رفع الفائدة» ﻻ يعالج التضخم المزمن

كتابة: محمد رمضان 19 دقيقة قراءة
تصوير: losspreventionmedia.com

«يمكن للببغاء أن يصبح اقتصاديًا ممتازًا فقط إذا علمته كيف ينطق كلمتي العرض والطلب.»

إرفينج فيشر، اقتصادي أمريكي من المدرسة النيوليبرالية.

ربما اقتبس إيرفينج فيشر، الاقتصادي الأمريكي المعروف بنظريته عن العلاقة بين سعر الفائدة والتضخم، المقولة السابقة من الفيلسوف والمؤرخ الاسكتلندي الساخر توماس كارالايل، والذي عاش في القرن التاسع عشر. كانت الثورة الصناعية في بريطانيا لا تزال في بداياتها. وشجعت فوائض الإنتاج على ظهور علم كامل هو علم الاقتصاد.

استخدم كل من كارالايل وفيشر الجملة بأشكال مختلفة تمامًا. كارالايل استخدمها بشكل ساخر للتدليل على مدى ضيقه من تكرار اقتصاديي عصره لمصطلحي «العرض والطلب»، وذلك في الوقت الذي كان يُعتقد أن سعر السلعة يتحدد فقط بتكلفة صنعها وعوامل الإنتاج التي دخلت فيها، وليس كمية السلع المعروضة في السوق أو مقدار الطلب عليها. بينما استخدمها فيشر بشكل جدّي للتدليل على سيادة نظرية «العرض والطلب» على تفسير كل شيء تقريبًا في الاقتصاد، بداية من المستوى الكلي وحتى قرارات المستهلكين الفردية.

كان فيشر هو أحد المؤسسين الحقيقيين للنظرية النقدية [من النقود] حول التضخم، والتي أطلقت لاحقًا سلسلة من التغيرات في طريقة التعامل مع التضخم والنظر إليه في كل دول العالم تقريبًا، وساهمت في زيادة سطوة البنوك المركزية على القرار الاقتصادي في العالم بعدما كان الاقتصاد يخضع -وحتى السبعينيات- لمجموعة من الاعتبارات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، يتشارك فيها مسؤولون تنفيذيون وسياسيون من خلفيات مختلفة.

لكن هذا تغير من السبعينيات. تزايدت سطوة البنوك المركزية، واحتكر الإحصائيون وعلماء الاقتصاد القياسي والتكنوقراط الفنيون وحدهم تفسير الظواهر الاقتصادية، وبالتالي رؤية الطريقة المثلى لحل تلك المشكلات ومنها التضخم.

يتمتع الحديث حول التضخم بالكثير من التسطيح من جانب صناع السياسات العامة في الحكومة. غالبًا ما تلجأ الحكومة لإلقاء اللوم على مجموعة من العوامل أو الفاعلين الاقتصاديين في السوق دون إلقاء اللوم على نفسها وعلى السياسات الاقتصادية التي تقوم بها، وهي الأولى بالنظر لأن التضخم -ببساطة في كل وقت وفي كل مكان- هو نتاج السياسات الاقتصادية وليس مجرد خيارات البيع والشراء في السوق. في الرواية الحكومية، كل شيء يمكنه أن ينتج التضخم إلا سياسات الحكومة الاقتصادية. صدمات العرض العالمية، ارتفاع أسعار البترول والشحن البحري، حرب هنا أو هناك، جائحة عالمية، حرب تجارية بين الصين والولايات المتحدة، وحتى التجار وأصحاب المخابز الذين يحتكرون السلع. كل شيء يمكنه أن يولِّد التضخم إلا سياسات الحكومة.

هذه هي الزاوية الأوسع للنظر في التضخم في مصر. ليس في ضوء الأزمة الحالية في العالم، والتي تتسبب طبعًا في الكثير من الضغوط التضخمية المحلية، لكن في ضوء أن التضخم هو نتيجة طبيعية لعدد من السياسات الاقتصادية والمالية التي تنتهجها الحكومة. إذا كنا نريد بالفعل محاربة التضخم، يصبح التفكير في سياسات اقتصادية بديلة فرضًا.

يبدو التضخم أصل كل الشرور في الاقتصاد، على الأقل بالنسبة للغالبية العظمى من الاقتصاديين في العصر الذي نعيش فيه. ربما كذلك للغالبية العظمي من الناس. فلا المواطن الفقير يريد ارتفاعات في الأسعار، ولا مدخرو الطبقة الوسطى في البنوك، ولا حتى رجال الأعمال والمستثمرين يمكنهم العمل بشكل جيد مع معدلات التضخم المرتفعة. يجمع الكل تقريبًا على أن التضخم المرتفع، والمعدلات المتذبذبة للتضخم، هي شيء سيء للاقتصاد. التضخم المرتفع يتسبب في بيئة سيئة للأعمال على المدى الطويل، حيث تصبح عملية ضمان الأرباح فيها عملية انتزاع للزيادات السعرية التي تسبب فيها التضخم وليست زيادات سعرية متعلقة بتحسين الجودة أو تطوير عمليات إنتاج السلع.

وعلى الرغم من الإجماع شبه الكامل على أن التضخم المرتفع شيء سلبي، إلا أن هناك خلافات كبيرة بين الاقتصاديين على تفسير التضخم في كل زمان ومكان تقريبًا. الخلاف حول تفسير التضخم بين الاقتصاديين يبدو شديد التجذر وممتد طوال التاريخ الاقتصادي الحديث. هذا لأن التضخم مرتبط بمليارات القرارات التي يقوم بها المستهلكون والمنتجون في السوق يوميًا. لذلك في الغالب ما يتم ترجيح وزن عوامل معينة في تفسير التضخم على عوامل أخرى من أجل بناء أطر حاكمة للسياسات النقدية والمالية في أي دولة لمكافحته.

هناك نظريتان تُستخدمان في تفسير التضخم: النظرية النقدية [من النقود]، والنظرية الهيكلية.

تميل النظرية النقدية (أو نظرية عرض النقود) إلى أن التضخم ينتج من زيادة عرض ودوران النقود في الاقتصاد بوتيرة أسرع من زيادة الإنتاج. هذا هو الإطار الحاكم في تعامل البنوك المركزية مع مشكلة التضخم. أبرز تعبير عن النظرية النقدية هي مقولة ميلتون فريدمان، أحد أبرز منظري الاقتصاد النيوليبرالي، الشهيرة «إن التضخم في كل وقت وفي كل مكان هو ظاهرة نقدية، بمعنى أنه ينتج فقط من زيادة كمية النقود بمعدل أسرع من زيادة الإنتاج». تلك النظرية هي المسيطرة على تفكير البنوك المركزية في العالم في العصر الحالي.

وأسس فيشر وفريدمان وغيرهما من اقتصاديي النيوليبرالية لعهد جديد في التعامل مع التضخم. الحل السحري عند الحديث عن التضخم، حتى بين غير المتخصصين، هو رفع سعر الفائدة.

استمرت سطوة النظرية النقدية على تفكير البنوك المركزية حتى الأزمة الاقتصادية في 2008، وضعت الأزمة البنوك المركزية في وضعية تسمح لها بالتدخل في الاقتصاد من خلال طباعة النقود أو ما يعرف بسياسة التيسير الكمي من أجل تجاوز الأزمة. كانت إجراءات التيسير الكمي التي قام بها الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية الأوروبية تعني زيادة النقود المعروضة في الاقتصاد بشكل أو بآخر، سواء عبر برامج إعادة شراء السندات الحكومية أو شراء السندات الخاصة من الشركات أو بمجرد تشغيل آلة طباعة النقود. رغم هذا، وطوال الفترة من 2008 وحتى 2020، لم تعرف تلك الاقتصادات المتقدمة معدلات تضخم مرتفعة.

كانت عملية تشغيل آلة النقود، واستمرار معدلات التضخم ضمن مستهدفات البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة، تعني أن النظرية النقدية فقدت صلاحيتها، وخاصة أن العالم عاش ما يقرب من عقد كامل ضمن سياسات التيسير الكمي، ولم يعرف تضخم انفجاري كما روجت النظرية النقدية. 

التضخم ظاهرة معقدة، تتداخل فيها الكثير من العوامل التي لا يمكن للبنوك المركزية السيطرة عليها. الكثير من الاقتصاديين يعتقد أننا نولي السيطرة على التضخم أهمية أكبر من المفترض أن تكون عليها، وأننا يجب أن نولي ظواهر اقتصادية أخرى أهمية أكبر مثل رفع الإنتاجية والأثر التوزيعي للنمو الاقتصادي. أحد هؤلاء هو جوزيف ستيجليتز، الاقتصادي الحائز على نوبل، والذي يتفق مع سياسات الفيدرالي الحالية منذ بداية 2021 بعدم رفع أسعار الفائدة بشكل كبير لكبح التضخم والانتظار حتى تنتهي أزمات سلاسل التوريد. بل إن ستيجليتز يدافع عن الوضع الصعب أو الضيق لسوق العمل الأمريكي حاليًا، والذي يجعل المنتجين والشركات يرفعون أجور العمال، ويجادل بأن ذلك مهم للحراك الاجتماعي وتقليل اللامساواة، وأنه يمكن تحمل الآثار التضخمية الناتجة عن رفع الأجور.

على العكس من ستيجلتز، نجد اقتصاديين آخرين ضد هذا التوجه، يرون أن كبح التضخم في الوقت الحالي أولوية على أي أولويات أخرى. مثلًا، أندرو بيلي، محافظ بنك إنجلترا، والذي رفع أسعار الفائدة من أجل مواجهة التضخم، وجه دعوة غريبة للعمال بعدم المطالبة بزيادات في الأجور من أجل السيطرة على التضخم، رغم وجود وظائف شاغرة كثيرة يمتنع العمال عن الالتحاق بها بسبب انخفاض الأجور وصعوبة ظروف العمل بعد إعادة فتح الاقتصاد إثر أزمة الوباء، وهو ما ينافي بديهيات سوق العمل الحر في ظل الرأسمالية.

تصر البنوك المركزية على أن قرارات رفع الفائدة تمثل تحوطًا ضد التضخم، ومحاولة للحفاظ على قيمة الثروة عبر الزمن، مع أن كل الشواهد تقول إن معدلات الفائدة المرتفعة لا توفر سوى تحوطًا بسيطًا جدًا في الدول النامية (مثل مصر) ضد التضخم. التضخم مستمر في الزيادة على المدى الطويل، ناهيك عن أن تقديرات التضخم في مصر وغيرها من الدول النامية غالبًا ما تكون غير دقيقة وواقعية بسبب مشكلات السوق والتفاوت الكبير بين أسعار السلع.

هناك تفسير آخر للتضخم يُعرف  بالنظرية الهيكلية. تطور التفسير الهيكلي للتضخم في أمريكا اللاتينية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. كانت تلك البلدان تعاني من ظروف اقتصادية واجتماعية تشبه الوضع المصري وغيره من الدول النامية من حيث هياكل الاقتصاد المتخلفة، وخاصة في القطاعات المرتبطة بشكل أساسي بالتضخم كالزراعة والصناعة.

يميل الكثير من الاقتصاديين الآن -وخاصة هؤلاء الذين يركزون على اختلالات التنمية في الدول الفقيرة- لاعتبار النظرية النقدية غير فعالة بشكل كبير في تفسير أو مكافحة التضخم في الدول النامية، وذلك لأن اقتصادات الدول النامية -على عكس نظيراتها في الدول المتقدمة- لا تتمتع بهياكل إنتاج مرنة، وتزيد فيها مساحة الاقتصاد غير الرسمي بشكل كبير. يجعل هذا استهداف التضخم بآليات عرض النقود أو الآليات الأخرى المتعلقة بسعر الفائدة، شبه مستحيلة.

من المفترض أن تجعلنا تلك النقاشات نفكر في التضخم في مصر، حيث يمثل مشكلة كبيرة، خاصة بعد التعويم الذي رفع المركزي بعده أسعار الفائدة لتصل إلى 18% على بعض الشهادات من أجل السيطرة على التضخم.

عاشت مصر منذ السبعينيات معدلات تضخم مرتفعة. في أغلب السنوات، كانت معدلات التضخم المحلية أكثر من 10% ووصلت إلى 20 و29% في أوقات مختلفة. في الأوقات الجيدة، كما في الأوقات السيئة، لدينا تضخم مرتفع.

caption
تصوير: بيانات البنك المركزي

تعبر المعدلات المرتفعة للتضخم فوق مستويات 10% عن مشكلة حقيقية في الاقتصاد المصري. وعلى الرغم من أن هناك فترات مختلفة تتراجع فيها معدلات التضخم، إلا أن ميل أسعار السلع للزيادة مستمر على المديين الطويل والقصير. كل سنة تضيف سلة السلع الاستهلاكية إلى سعرها في مصر على الأقل 5% خلال السنوات الخمسين الماضية.

بشكل عام، تزداد أسعار المستهلكين في مصر بوتيرة متسارعة مع الوقت بغض النظر عن الصدمات الفجائية. يمكن أن نلحظ ذلك في مؤشر أسعار المستهلكين في آخر 25 سنة، والذي يوضح الاتجاه التصاعدي المستمر للأسعار في سلة السلع المكونة للتضخم في مصر.

caption
تصوير: trading economics.com

هناك أسباب مباشرة لهذا الميل للارتفاع. يميل التفسير الهيكلي لاعتبار التضخم خللًا هيكليًا في البنية الاقتصادية نفسها في الدول النامية. على سبيل المثال، الخلل الهيكلي في قطاع التجارة الخارجية، والذي يجعل تلك الدول دائمًا تصدّر مجموعة من المواد الخام أو السلع الزراعية أو المنتجات ذات القيمة المضافة المنخفضة، مقابل استيراد عدد من السلع الرأسمالية أو الاستهلاكية المصنعة بشكل كامل أو نصف المصنعة. يجعل هذا ميزان مدفوعات تلك الدول يميل دائمًا لأن يكون بالسالب ويعرّض تلك الدول بشكل أساسي لضغوط تضخمية مختلفة ناتجة عن عبور التضخم من الخارج، بسبب تكلفة أسعار السلع المستوردة.

مثلًا، تستورد مصر عددًا من السلع الأساسية مثل القمح والذرة والزيوت النباتية وجميعها مرتبطة بأسعار عالمية. لذلك سرعان ما تتأثر مصر بسرعة بالتغير في أسعار تلك السلع عالميًا، وتنعكس تلك الارتفاعات في صورة تضخم مستورد.

كذلك تتأثر كل المنتجات المصنعة بأسعار مدخلاتها الوسيطة المستوردة من الخارج، وينعكس ذلك بدوره على معدلات التضخم. يمكننا أن نرى تأثير تكاليف الإنتاج المرتفعة من خلال النظر لمؤشر أسعار المنتجين، والذي يقيس التغير في الأسعار التي يدفعها المنتجون للحصول على السلع والمواد الخام اللازمة لعملية الإنتاج، وهو المقابل الفعلي لمؤشر أسعار المستهلكين. إذا زاد الترابط بين الاثنين -وفي حالة مصر العلاقة واضحة- بينهما، فإن ذلك يعني أن مصدر مهم للتضخم هو جانب العرض نفسه بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج.

caption

يمكننا أن نلاحظ أن مؤشر أسعار المنتجين في مصر على المدى الزمني الطويل يتجه للزيادة، مثله مثل أسعار المستهلكين، لكنه وفي فترات زمنية يستقر عند مستويات معينة. فمثلًا في الفترة بين 2012-2016، استقر المؤشر نسبيًا، وهي الفترة التي اتسمت بانخفاض معدلات التضخم نسبيًا في مصر. خلال هذه الفترة، كان معدل التضخم بين 7-10% تقريبًا، قبل أن ينطلق بعد التعويم بسبب ارتفاع تكلفة الاستيراد.

أحد أهم الاختلالات التي تجعل التضخم في مصر هو السمت العام للأشياء، الاختلالات في المالية الحكومية الناتجة عن مشكلات العجز المتزايد في الموازنة العامة (أي أن الدولة غير قادرة على دفع جانب الإيرادات ليقترب من المصروفات الحكومية، وخاصة في السنوات الأخيرة في مصر مع زيادة ميل الحكومة للاستثمار المكثف في قطاع البنية التحتية عبر الاقتراض في الغالب).

يعبر التوسع في الاقتراض المفرط عن مشكلة تتعلق بالنظام الضريبي في مصر. هذا النظام مُنتِج للتضخم بسبب اعتماده على ضرائب غير مباشرة، مثل ضرائب القيمة المضافة، غالبًا ما تخصم من المنبع، وتؤدي لتحمل المستهلكين كلفتها. تمثل الضرائب على السلع والخدمات بشكل عام، بما فيها ضريبة القيمة المضافة، في آخر موازنة حكومية حوالي 469 مليار جنيه (من إجمالي 964 مليار لكل الحصيلة الضريبية). أي أن ضرائب السلع تقارب 48% من الحصيلة الضريبية. ارتفعت تلك الحصيلة لأكثر من الضعف منذ عام 2016 فقط. تلك الضغوط التضخمية غالبًا ما تؤدي بالمنتجين لتحميل الزيادات للمستهلكين. وفي الغالب ما تنتج معدلات تضخم. لكن الأهم أن هيكل النظام الضريبي بهذا الشكل (أي الاعتماد المكثف على ضرائب السلع في مقابل ضرائب الدخل والأرباح والممتلكات) يعني أن الضرائب غير قادرة على كبح التضخم على المدى الطويل.

من المفترض أن تكون الضرائب على الدخول قادرة على النمو بشكل أكبر. فلا يمكن للحكومة أن تظل تفرض ضرائب قيمة مضافة على السلع إلى ما لا نهاية. المعدل الحالي لضريبة القيمة المضافة هو 14% تقريبًا، بينما يمكن للحكومة أن تفرض ضرائب دخول تصاعدية حسب الشرائح، يمكنها أن تصل نظريًا على الأقل من 80-90% على الدخول المرتفعة. بالتالي، فإن النمو في حصيلة ضرائب القيمة المضافة محدود جدًا على المدى الطويل (مقارنة بضرائب الدخل)، ولا يمكن أن يتخطى حد معين، ويرتبط بمعدلات الطلب الكلي على تلك السلع، والذي ينمو بوتيرة أقل خاصة في الحالة المصرية التي تنتشر فيها معدلات فقر تقدر بـ30% من مجموع السكان.

يؤدي ذلك لانخفاض نسبة الضرائب من الناتج المحلي على المدى الطويل. في الثمانينيات، كانت الضرائب تمثل ما يقرب من 26%، بينما لا تتجاوز حاليًا أكثر من 14% فقط. هذا التدني في القدرة على جمع الضرائب على الدخول والأرباح والممتلكات يجعل الدولة تتجه بشكل أكبر للاقتراض لتمويل عجز الموازنة، وهو ما نشهده حاليًا من خلال التوسع في الاقتراض. يؤدي التوسع في الاقتراض لتمويل الموازنة العامة إلى زيادة النمو في المعروض النقدي في السوق بسبب لجوء الدولة للجهاز المصرفي لتمويل عجز الموازنة، وهو ما يساهم مع الوقت في زيادة كمية النقود بوتيرة أسرع من زيادة الإنتاج.

يسمي ذلك بالسياسة النقدية الحادة excessive monetary policy، والتي تطبع فيها الكثير من النقود بما لا يقابل الزيادة في كمية السلع. تظهر في تلك الحالة أثر النظرية النقدية في تفسير التضخم، ولكن ما لا يقدمه النقديون من تفسير هو أن توسع الحكومة في الاقتراض هو مجرد عَرَض لمشكلات هيكلية في الموازنة العامة ترتبط بالنظام الضريبي (وبالطبع الانحيازات السياسية التي ينتج عنها هذا النظام الضريبي).

يوضح الجراف التالي نمو المعروض النقدي في مصر منذ منتصف التسعينيات، وهي الفترة التي ترسخت فيها الأيديولوجيا النيوليبرالية للإصلاح في مصر، ويمكن أن نلاحظ العلاقة بين نمو المعروض النقدي وبين التضخم بمجرد النظر لأرقام التضخم مقارنة مع زيادات المعروض النقدي.

caption

هذا التوسع المستمر في الاقتراض دون أن يساهم هذا الاقتراض في زيادة الإنتاج بشكل سريع يؤدي لأن يكون العرف السائد في الاقتصاد هو التضخم، لأن الاقتراض لا يساهم على المدى القصير والمتوسط في رفع مستويات الإنتاجية في الاقتصاد ككل أو رفع إنتاجية العوامل المختلفة للإنتاج مثل العمال ورأس المال. ويصبح حينها هذا المعروض النقدي من المال موجود في السوق من أجل الاستهلاك وليس الإنتاج.

يجعل ذلك التضخم مشكلة هيكلية مرتبطة بالنمط الاقتصادي نفسه في مصر. وبالتالي، حتى إذا حاولت الحكومة ضغط الإنفاق العام في الموازنة من خلال التقليل من مخصصات الأجور أو الدعم كنسبة من الناتج المحلي، وهو ما تفعله الحكومة المصرية منذ الثمانينيات والتسعينيات على الأقل، فإن ذلك سوف ينتج على المدى الطويل كسادًا تضخميًا (وهي الحالة التي تكون فيها معدلات النمو منخفضة ومعدلات التضخم مرتفعة) لأنه يعطل الإنفاق الاستثماري. هذا إلى جانب وجود مشكلات هيكلية أخرى في إنفاق القطاع الخاص على الاستثمار والتوسعات، بسبب أن الائتمان الموجه للقطاع الخاص بأسعار فائدة مرتفعة وصلت في مراحل ما إلى 16% (والآن حوالي10-11%)، وهو ما يجعل الدولة هي التي تقود عملية الاستثمار من خلال الاقتراض. بالتالي، ومن أجل معالجة التضخم من تلك الناحية، فإن زيادة الحصيلة الضريبية كنسبة من الناتج المحلي مهمة جدًا على المدى المتوسط والطويل في استهداف التضخم، بالإضافة لسياسات مالية أخرى هدفها تشجيع الادخار والاستثمار، وتؤدي في النهاية للنمو الاقتصادي على المدى الطويل. 

بعيدًا حتى عن مستوى المالية الحكومية، يعتبر التضخم بنية مضمنة ضمن السوق في مصر بشكل كبير. فعلى مستوى الأسواق، وخاصة في السلع الغذائية، سواء المحلية أو المستوردة، يبدو التضخم أيضًا عاملًا هيكليًا مضمنًا في بنية السوق وفي قرارات الفاعلين فيه.

تمثل السلع الغذائية وزنًا كبيرًا في معدلات التضخم في مصر، وذلك لأنها تأتي من قطاع زراعي لديه كثير من المشكلات الهيكلية وتتأثر بشكل سريع بالتغيرات في الأسعار العالمية للسلع. تميل أسعار السلع في مصر، بمختلف أنواعها، سواء سلع غذائية مصنعة أو سلع تأتي مباشرة من الحقول أو حتى أصول ريعية مثل العقارات، إلى الارتفاع الدائم على المدى المتوسط (سنة أو أكثر). في الغالب ترتبط تلك الارتفاعات بعدد من العوامل الموسمية: مواسم الحصاد، مدى توافر السلعة في الريف، وعلاقة ذلك بمعدلات الاستهلاك المدينية من نفس السلعة. لذلك في الغالب ما تظهر في السلع الزراعية وغيرها تباينات كبيرة في الأسعار بين الريف والحضر، وحتى داخل الحضر نفسه وداخل الريف نفسه.

غالبًا يكون هذا الميل مدفوعًا بالتوقعات المستقبلية للمنتجين والمستهلكين في السوق، والتي جرى العرف الاقتصادي على اعتبارها محدد مهم لأسعار التضخم المستقبلية. تلعب التوقعات دورًا هامًا في تحديد عملية التسعير للمنتجات لأنها تعطي ما يشبه الإجماع عن مستوى السعر في السنة القادمة، وبالتالي يميل المستهلكون والمنتجون على حد سواء للتكيف مع زيادات الأسعار، والنظر لها على أنها طبيعية ومقدرة الحدوث.

في الغالب يؤدي ضعف الرسمنة في السوق إلى ذلك. لكن غياب الرسمنة في السوق يقف خلفه العديد من العوامل التي تؤثر في تباين مستويات السلع. يُعرّف ميل السلع لأن تظل مرتبطة بمستويات معينة من الثبات، بجمود السعر أو price rigidity. في الغالب يكون هذا الجمود السعري مرتبطًا بالاقتصادات المتقدمة التي لا تعاني من مشكلات عميقة في سلاسل التوريد بالاحتكارات الموجودة في السوق، وهي التي تجعل أسعار السلع شبه ثابتة حتى لو قلت تكلفة إنتاجها. لكن في الحالة المصرية وغيرها من الدول النامية، يكون ذلك الجمود السعري أكثر نحو اتجاه الزيادة، بمعنى أن السلع ترتفع لمستويات معينة، لكنها لا تعاود الهبوط لمستويات ما قبل الأزمة بعد اختفاء الظرف.

مثال شهير على ذلك هو السلع الغذائية المرتبطة بمواسم الحصاد، وهي تقريبًا أغلب مجموعة الخضار والفاكهة في سلة التضخم. إذا حدثت أزمة، فإن السلع ترتفع في بداية الموسم، ومن ثم بعد زيادة المعروض تجد أن السلع لا تنخفض بمستويات تساوي مستويات الارتفاع التي حدثت.

هذا الميل الطبيعي للسلع للارتفاع لا ينطبق فقط على السلع الزراعية التي تستهلك في أشكالها الخام، لكن أيضًا في السلع التي تدخل في مراحل تصنيع مختلفة، وذلك بسبب طبيعة السوق في مصر، والتي تعوّد فيها المنتجون على أسعار تضخم مرتفعة نسبيًا. مثلًا، إذا كنتَ شركة تعمل في القطاع الرسمي أو حتى غير الرسمي، وتدرك بالبديهة ومن خلال وجودك في السوق يوميًا أن الأسعار تزيد، فمن الطبيعي أن تتأثر جدًا سلوكيات التسعير (pricing behavior) لديك كمُنتِج، سواء على المدى الطويل أو على المدى القصير، بمعدلات التضخم. حتى وإن كان المنتجون لا يعرفون أساسًا الآلية التي يُنتَج بها التضخم، فإن انعدام اليقين حول مستقبل السوق نفسه غالبًا ما يؤدي إلى زيادات سعرية.

غالبًا ما تخضع تلك القرارات التسعيرية للمنتجات لعوامل غير منطقية إذا نظرت لمخرجاتها. فمثلًا، ترتفع أسعار سلع ليس لها علاقة ببعضها البعض كمجموعات سلعية، ليس كسلع مكملة (أي تُستهلك بالتوازي مع سلعة أخرى)، ولا كسلع وسيطة (أي تدخل في إنتاج سلع أخرى). في الغالب يحرك المنتجون أسعارهم بناءً على الارتفاع العام للأسعار، وذلك على المدى الطويل. إذا ارتفع سعر الأرز مثلًا في السوق غالبًا ما يتبعه ارتفاع أسعار كل السلع الغذائية. وهكذا مع كل السلع الرئيسية. وتُنتِج حالة انعدام اليقين حول مستقبل السوق والطلب في السوق سلوكيات غير عقلانية في التسعير. وتجعل المستهلكين يميلون في أحيان كثيرة لتكديس السلع شهريًا أو قبل مواسم معينة بسبب حالة انعدام اليقين حول الأسعار حتى على المدى القصير.

هناك أيضًا مشكلة كبيرة جدًا في مصر فيما يتعلق بالسلع الغذائية وخاصة الخضروات والفواكه، وهي مصدر مستمر للتقلبات السعرية. تتمثل تلك المشكلة فيما يمكن أن نسميه «توزيع الأسعار غير المتكافئ» بين المناطق الجغرافية المختلفة وبين المنتجين المختلفين. من الطبيعي في مصر أن تجد طماطم في حي التجمع الخامس بضعف سعرها في شارع الهرم. وفي الفواكه أيضًا تنتشر تلك الظاهرة. يمكن أن يكون هناك فرق في الجودة، لكن في معظم الحالات يتأقلم البائعون في تلك المناطق المختلفة مع مستويات الدخول فيها. ففي التجمع أو في الشيخ زايد يمكن أن تدفع سعرًا لسلعة بزيادة 50% أو أكثر على سعرها في الهرم أو في فيصل أو في غيرهما. لا يمكن أن يبرر فرق الجودة هذا التفاوت السعري بالطبع. ففي النهاية، كلها طماطم تأتي من نفس المورد ونفس المنطقة الزراعية في الغالب.

يُنتِج ذلك التفاوت مع الوقت إزاحة سعرية دائمة نحو الأسعار المرتفعة، حتى وإن لم ترتفع تكاليف الإنتاج ولم تحدث صدمات على مستوى العرض، لأنه على المدى الطويل تصبح تلك الأسعار الأرخص محل طلب من سكان مناطق مختلفة يأتون ليشتروا من أماكن أبعد بسبب السعر الرخيص. ذلك الطلب يُنتِج مزيدًا من الارتفاع في الأسعار على المدى المتوسط والطويل، ويساهم في تحديد السلوك التسعيري للتجار في السوق بشكل كبير.

هذا التفاوت بالطبع نابع من التفاوت في الدخول في مصر، وهو نتاج مختلف لتشوهات مختلفة في البنية الاقتصادية في مصر. العلاقة بين التضخم واللامساواة غالبًا هي علاقة مستقرة في الدراسات التجريبية التي أجريت عليها في الاقتصاد. في الغالب، تؤدي معدلات التضخم المرتفعة لإعادة إنتاج اللامساواة في الدخل، وذلك لأنه في الأغلب ما تؤثر الأسعار المرتفعة على قدرة الفقراء على الإنفاق على أي شيء آخر غير الطعام. ينفق الفقراء بطبيعة الحال أكثر من 90% من دخلهم على الطعام، وبالتالي فزيادات السعر في نوعية السلع الموجهة للفقراء تزيد اللامساواة التي بدورها تعود لتزيد أسعار السلع عن طريق دفع الطلب الكلي لطبقة ومجموعة من السكان دون أخرى، وهكذا تغذي الدائرة نفسها.

كل ما سبق يجعلنا نفكر: كيف إذًا نحجّم تأثير هذا التضخم الهيكلي؟ كيف نحافظ في اقتصاد نامٍ على معدلات تضخم معتدلة بين 5-7%، تبقي ثابتة لفترات طويلة، ما يدعم حالة الاستقرار الاقتصادي؟

تبدو الأداة الوحيدة التي تستعملها الحكومة في محاولة احتواء التضخم هي رفع سعر الفائدة، لكنها تصبح مع الوقت أداة غير فعالة. يمثل رفع الفائدة مشكلة كبيرة للنمو الاقتصادي، حيث يبطئ من قدرة الشركات وتحديدًا شركات القطاع الخاص على النمو والتوسع من خلال الاقتراض بأسعار فائدة معقولة من البنوك، ويؤثر على قدرتها على تكلفة رأس المال العامل working capital المهم في النفقات التشغيلية، كما أنه يولد المزيد من التضخم، لأن الزيادة في تكلفة رأس المال العامل غالبًا ما تنعكس في السعر النهائي للسلع. يساهم هذا في تدعيم النظرة السلبية المستقبلية لمعدلات التضخم، والتي تلعب دورًا مهمًا في معدلات التضخم الحالية. إذا كان ثمة شعور عام في السوق بأن الأسعار ستزيد بمقدار 10% على مدى الأشهر الستة القادمة، سيتجه الناس إلى شراء قدر أكبر من السلع على المدى القريب للتخزين، أو سوف يطالبون برفع الأجور 10% لمواجهة التضخم المتوقع. في الحالة الأولى يزيد التضخم بفعل زيادة الطلب، وفي الحالة الثانية يزيد بفعل زيادات الأجور وارتفاع كلفة الإنتاج.

إذن، تبدو السياسة النقدية المتعلقة باحتواء السيولة المحلية في السوق من خلال رفع أسعار الفائدة في البنوك ذات تأثير سلبي على المدى المتوسط والبعيد، وذلك لأننا لا يمكن أن نستمر بمعدلات فائدة مرتفعة. تنتج معدلات الفائدة المرتفعة كسادًا طويلًا وتقلل من قدرة القطاع الخاص والاقتصاد ككل على الاستثمار. وبالتالي، يجب أن يُنظر في تلك المشكلات الهيكلية في الاقتصاد من أجل علاج التضخم نفسه. فالتضخم ليس معزولًا عن الاقتصاد، والتضخم المرتفع هو في النهاية ضريبة لاختلالات النمو الاقتصادي في مصر.

نحتاج إصلاحات فعلية في الاقتصاد ترفع من مستويات الإنتاجية وكفاءة الإنتاج في القطاع الزراعي، وتشجع على ضخ الاستثمارات في التصنيع، وخاصة في الصناعات الأساسية للاقتصاد الإنتاجي، ما يقلل من التعرض لصدمات الأسعار العالمية، وما ينتج عنها من ضغوط تضخمية. أيضًا نحتاج لإبطاء عجلة الاقتراض في الموازنة العامة، ودفع الاستثمار الحكومي بعيدًا عن البنية التحتية نحو قطاعات أكثر إنتاجية. نحتاج الكثير من العمل من أجل إنتاج معدلات نمو مستدامة تنتج توزيعا جيدا للأجور في الاقتصاد، ما يمكن الغالبية من إحتواء صدمات التضخم، ومن أجل توفير الحماية الاجتماعية والدعم للفقراء ضد تلك الصدمات. نحتاج إصلاحات في الهيكل الضريبي في مصر، وإصلاحات في السوق نفسه وطريقة عمله، من خلال تدخل الحكومة لضبط مشكلات الأسواق في السلع الغذائية، وتقليل الهدر في المحاصيل الزراعية، وبناء نظم تسويقية جيدة تحقق للمزارعين المكاسب الضرورية دون زيادة طول سلسلة التوريد من خلال دخول التجار والوسطاء. نحتاج إصلاحات في هيكل الإنتاج ترفع من مستويات الإنتاجية وتدعم البحث والتطوير وإنتاج قيمة مضافة حقيقية في السلع المصنعة والموجهة للتصدير، بدلًا من تصدير المعادن والمنتجات الزراعية.

نحتاج الكثير من الإصلاحات الهيكلية في الاقتصاد، لكن كلها لا يمكن أن تتم في ظل النمط الاقتصادي الحالي، والذي يهتم بعلاج الأعراض دون البحث عن مسببات المرض.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن