«المعلبات المفخخة».. خدعة الجيش الإسرائيلي القاتلة للمجوّعين
في نهايات أغسطس المُنصرم، استغل وليد أبو حسن (15 عامًا) الانسحاب الجزئي لقوات الاحتلال من حي التفاح، شرقي مدينة غزة، ليعود مع شقيقه الأكبر إلى منزلهما، أملًا في جلب مواد غذائية كانت عائلتهما تركتها قبل نزوحها عن الحي.
خلال سيرهما في أطراف الحي الذي كان الجيش الإسرائيلي قد توغل فيه على مدار أسابيع، وقبل الوصول إلى المنزل، عثر الشقيقان على معلبات غذائية ضمن مخلفات الجنود الإسرائيليين بين أنقاض المنازل المدمّرة، وقبل أن يحذره شقيقه الأكبر، وظنًا منه أنها علبة سمك التونة الذي يحبه، فتح وليد إحدى العُلب ليأكل ما بها، فانفجرت بين يديه.
«كان جائعًا ولم يتناول الطعام منذ يومين»، يقول شقيق أبو حسن، عن الفتى الذي فقد كلتا يديه ودخل في غيبوبة استمرت لأيام على سرير المستشفى، بعد إصابته الحرجة نتيجة الانفجار.
قبل نحو شهرين من إصابة أبو حسن، مات الشاب محمد المصري، متأثرًا بإصابته نتيجة انفجار إحدى المعلبات القاتلة بين يديه، في حي القرارة، في شمال خان يونس جنوب القطاع، والتي التقطها بعدما انسحبت قوات الاحتلال المتوغلة في المنطقة، اعتقادًا منه بأنها «علبة بازلاء»، حسبما قال والده لـ«مدى مصر».
على نفس المنوال، أوضح الأب أن الشاب القتيل ذهب للبحث عن بقايا مواد غذائية في منزلهم، الذي تعرض لدمار كبير، وعثر داخله على معلبات تركها جنود الاحتلال، فيما أشار الأب إلى أن العثور على أيٍ من أشكال الطعام بات حُلمًا بالنسبة للأسرة التي عاشت ظروف المجاعة، مع استمرار إغلاق معابر القطاع والتضييق على القليل من المساعدات التي دخلت بعد فتحها جزئيًا.
تخدع قوات الاحتلال أهالي القطاع بتلك المعلبات التي يظنون أنها من بقايا طعام جنود الاحتلال، في وقت تزداد فيه الحاجة للأطعمة، سواء المعلبة أو الطازجة، تزامنًا مع إجراءات الدولة الإسرائيلية لخلق المجاعة بين السكان في القطاع المحاصر، حسبما قال لـ«مدى مصر»، المتحدث باسم مديرية الدفاع المدني في غزة، محمود بصل.
وعلى مدار أشهر العدوان والمجاعة الطويلة، توالت أنباء انفجارات الأجسام المشبوهة المُعدة للتفجير، التي تشبه معلبات الفول والبازلاء والحمص، ولكنها تحتوي على صاعق ينفجر بمجرد فتح العلبة، والتي يتركها الجنود الإسرائيليون داخل منازل المواطنين، والمدارس، بعد انسحابهم من مناطق التوغل في مناطق مختلفة من أنحاء القطاع، ما أطلقت عليه وسائل إعلامية فلسطينية اسم «مُعلبات الموت».
لا توجد إحصائية محددة لعدد القتلى والمصابين إثر انفجارات «معلبات الموت»، حسبما قال بصل، مؤكدًا أن مئات الضحايا أصيبوا في أثناء بحثهم عن الطعام بين مخلفات جنود الاحتلال، دون التأكد من خطورتها، في المناطق التي انسحبت منها القوات الإسرائيلية بعدما توغلت داخلها على مدار 22 شهرًا من العدوان؛ غير أن مصادر إعلامية ذكرت أن نحو 300 شخص، بينهم نحو 90 طفلًا، قُتلوا إثر «انفجارات المعلبات».
وأغلقت إسرائيل جميع معابر القطاع، منذ الثاني من مارس الماضي، مانعة إدخال المواد الغذائية، باستثناء كميات ضئيلة لم تُوزَع وفق آلية محددة، ما فاقم الأزمة الغذائية الحادة التي يعيشها سكان القطاع كافة، فيما بدأت السلطات الإسرائيلية، قبل أسابيع، بالسماح بدخول عدد محدود من شاحنات المساعدات إلى غزة، وسط استهداف مستمر لسائقيها وقوات تأمينها ومنتظريها.
نتيجة للمجاعة المفروضة، التي أعلنت الأمم المتحدة حدوثها في القطاع المحاصر، الشهر الماضي، قُتل أكثر من 360 فلسطينيًا، بينهم نحو 131 طفلًا، بحسب بيانات وزارة الصحة في غزة.
ولم توثق وزارة الصحة في غزة أعداد ضحايا مخلفات الاحتلال الحربية والذخائر غير المنفجرة، خلال أوقات العدوان على القطاع، حسبما قال لـ«مدى مصر»، مدير وحدة المعلومات الصحية في الوزارة، زاهر الوحيدي، مُضيفًا أنه خلال فترة التهدئة الممتدة ما بين 19 يناير الماضي، وحتى 18 مارس، سجلت الوزارة مقتل خمسة أشخاص، وإصابة نحو 40، نتيجة لتعرضهم لحوادث ناتجة عن مخلفات الاحتلال الحربية.
ورغم تحذير «الدفاع المدني» للمواطنين في عدة نشرات أصدرتها المديرية، من الاقتراب من أي مخلفات يتركها الجنود الإسرائيليون بعد انسحابهم من مناطق التوغل، وقعت العديد من الإصابات الخطيرة بين الأهالي نتيجة «فخ المعلبات»، والتي تسبب معظمها بحالات بتر أطراف، وذلك تزامنًا مع تزايد حدة الجوع نتيجة الحصار الإسرائيلي، ومنع إدخال المواد الغذائية بما يكفي لاحتياجات مليوني فلسطيني في القطاع.
يتماشى النهج الإسرائيلي في استهداف الأهالي بخداعهم عبر تمويه المواد المتفجرة داخل المعلبات الغذائية، استغلالًا لحاجتهم الشديدة إلى الطعام، مع أسلوب التجويع، ثم القتل برصاص الجيش الإسرائيلي، أمام مراكز توزيع المساعدات التابعة لمؤسسة غزة الإنسانية، المدعومة إسرائيليًا وأمريكيًا، فضلًا عن إعدام المجوّعين أثناء محاولتهم الحصول على مساعدات من الشاحنات القليلة التي تسمح القوات الإسرائيلية بإدخالها للقطاع، دون آلية آمنة لتوزيعها على المحتاجين.
كان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، حذّر منذ الأشهر الأولى للعدوان الإسرائيلي على القطاع، من تكرار حوادث انفجار مخلفات الجيش الإسرائيلي في منازل الفلسطينيين، خاصة التي تكون على هيئة معلبات، إذ أصيب جراء انفجار معلبات مفخخة العديد من الأهالي، بحسب المكتب، موضحًا أن الاحتلال يتعمد تفخيخ المخلفات التي يتركها وراءه، لزيادة أعداد القتلى والجرحى، لاسيّما من الأطفال الذين لا يستطيعون تمييز هذه المخلفات.
وفي ما يمكن أن يُعد تفسيرًا للغاية الإسرائيلية من وراء تلك المصائد القاتلة، قال رئيس المخابرات الإسرائيلية السابق، أهارون هاليفا، إن 50 ألف قتيل فلسطيني في غزة هو «أمر ضروري ومطلوب للأجيال القادمة»، مضيفًا أنه «ينبغي قتل 50 فلسطينيًا مقابل كل إسرائيلي قتلته حركة حماس» في السابع من أكتوبر 2023، معتبرًا أن الفلسطينيين بحاجة إلى «نكبة بين الحين والآخر ليشعروا بالثمن».
بخلاف المعلبات المفخخة المنثورة بقصد القتل والإضرار، كانت دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام «UNMass»، قدّرت، نهايات العام الماضي، أن الفرق المختصة بحاجة إلى ما يصل إلى نحو 14 عامًا لإزالة الذخائر غير المنفجرة، والمتناثرة في جميع أنحاء القطاع، ودعت المجتمع الدولي للمساعدة في إزالة مخلفات الحرب من المتفجرات، للتخفيف من المخاطر التي يتعرض لها المدنيون وفرق الإغاثة.
ووفقًا للتقديرات الأممية التي تؤكدها تقارير الأجهزة الحكومية المختصة؛ فإن نحو 10% من القذائف والقنابل التي ألقاها جيش الاحتلال لم تنفجر، مخلفة نحو 7500 طن من القذائف والقنابل في الشوارع وأراضي المواطنين ومنازلهم وبين الركام وتحت الأنقاض في مختلف مناطق القطاع، حتى أبريل من العام الماضي، حسبما ذكر «الإعلامي الحكومي»، الأمر الذي يمثل خطورة شديدة لن تنتهي حتى بانتهاء العدوان، ما لم يتم إزالتها وتحييد خطر انفجارها.
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن