المعرض والفاتورة
هذا النص ضمن «رُحنا وشُفنا» #18 «مُنتهى الأدب»
بينما تتوالى ترشيحات دنيا سليمان وعلي التلباني ويحيى وجدي على المحرر؛ عَثَر الأخير بالصدفة على فاتورة قديمة أصفّر لونها داخل كتاب مُستعمل، صادرة عن دورة 1972 حين كان يُقام في الجزيرة (الزمالك)، الفاتورة لكتاب مُترجم بعنوان «النوم التنويم الأحلام»، وسعره 20 قرشًا، يا بلاش. ولا داعٍ لمقارنتها مع فاتورتكم إن رُحتم معرض التجمع الخامس، دُمتم سالمين.

1
قبل نحو عامين، وجد الناشر شريف بكر، مدير دار العربي للنشر، هذا الكتاب ضمن كتالوج جامعة تكساس الأمريكية، الذي يصدره مركز النشر الجامعي، للأكاديمي المصري المُقيم في الولايات المتحدة، عمر فودة. أعجبه الغلاف والعنوان بالطبع: «ستلا.. الهوية والدولة الحديثة»، وعزم على ترجمته ونشره في مصر. «ستلا» ليس كتابًا عن ثقافة الشُرب بل عن تاريخ المشروب. رؤية للمجتمع المصري عبر الزجاج الأخضر لعبوة ستلا منذ أن كان زجاجًا بُنيًا في الخمسينيات.
يقول ناشره إن الكتاب ليس فقط دراسة أنثروبولوجية شيقة، بل تأريخ غير تقليدي للمجتمع المصري في أكثر من قرن عبر قراءة تاريخ شركة، صحيح أنها شركة تُنتج مشروبات «مُحرمة» في دين وثقافة الأغلبية، لكن التحريم جعلنا نرى مجتمعين أو ثلاثة داخل المجتمع الواحد؛ مجتمع يشرب وآخر يُحرِم، ومجتمع أخير محايد يستثمر ويكسب أو يخسر من العمل في المنتج بكل مراحل إنتاجه وبيعه.
الغلاف اللافت لـ«ستلا» فجَّر قلشًا لطيفًا على السوشيال ميديا، غير أن بكر يتوقع أن يثير ما هو أكثر من القلش، لكنه ليس قلِقًا.

2
«الكاتب هو في الواقع الشخص الذي يمكننا من الاستمتاع بتخيلاتنا»، بهذه الجملة المكثفة صاغ عالم النفس الأشهر سيجموند فرويد علاقة الناس بالقراءة في مقالة نشرها تحت عنوان «الكتاب المبدعون وأحلام اليقظة».

في كتابها الصادر بالإنجليزية في عام 2024 والصادر بترجمة عربية لايمان السعودي عن دار الكرمة، تستحضر بيجال شاه ذات الفكرة في كتاب يحمل عنوان «العلاج بالقراءة».
بيجال شاه هي معالجة نفسية تعتمد نظرية التداوي بقراءة الكتب أو ما يُطلق عليه بالإنجليزية «بيبليوثيرابيست».
ورغم أن هذا المنهج في التطبيب النفسي يُعد حديثًا نسبيًا، حيث أُسس فعليًا في العقد الثاني من القرن العشرين كجزء من تيار العلاج المعنوي، إلا أن بيجال شاه، المولودة في نيروبي-كينيا، والمقيمة منذ نهاية التسعينيات في العاصمة البريطانية لندن، تقول في كتابها إن ما تم في مطلع القرن الماضي كان مجرد تأسيس للنظرية القائمة فعليًا منذ القرن التاسع عشر مع انتشار قراءة الروايات الحديثة، بل أنها تري أن أعمال الروائية البريطانية، جورج إليوت، قدمت ما يمكن اعتباره البداية الأولى للنظريات التي أسس لها فرويد لاحقًا. بل تقول بيجال شاه إن فرويد في الواقع استلهم من التراجيديات الاغريقية العظيمة، كتلك التي كتبها سوفوكليس نحو أربعة قرون قبل الميلاد.
غير أن كتاب بيجال شاه ليس تنظيرًا حول تلك القوة العلاجية التي تتيحها قراءة الأدب تحديدًا، بل هو رحلة يمكن أن تكون ذاتية حسب كل قارئ، يعرج فيها بين الحين والآخر على أفكار أحد الروائيين أو أحد الكُتّاب، ليعيش أحلامه ويواجه ذاته، أو حتى يتعرف عليها بعد اسقاطها على شخصيات الروايات التي يقرأها، أو حتى مواجهتها مع هذه الشخصيات، دون الوقوع في بئر الأحكام المسبقة القيمية أو غيرها.
وتستحضر بيجال شاه عبارة أخرى لفرويد وتطرحها تأكيدًا لاقتناعها العميق بها «القراءة تتيح لنا استكشاف خبايا النفس، من أفكار ورغبات وصراعات في ملاذ آمن يحررنا من التوترات المكبوتة من دون المخاطرة بعواقب وخيمة. يتشابه تركيز فرويد على فحص الذات بانفتاح وصدق مع نهج مونتين في الكتابة عن الذات».
الكتاب يقدم قصة مصحوبة بمعلومات بل وأحيانًا بعض الإحصاءات عن إمكانية أن تكون قراءة الأدب الطريق «للهروب من كل شيء» لا يحبه القارئ وإيجاد ما قد يحبه والتعايش مع ما لا يستطيع تغييره ليس فقط من ألم نفسي ولكن أيضًا ألم جسدي، مع إشارة إلى الدور الهام الذي لعبته مكتبات المستشفيات في بريطانيا في القرن العشرين.
تشارك بيجال شاه تجاربها مع التداوي بالقراءة في مراحل مختلفة من حياتها وعبر لحظات ضعف وأسى متعددة الأسباب، فتفتح أمام قارئ كتابها الباب ليتصور بنفسه ما يحتاج أن يقوم به وكيف يمكن له أن يختار ما يريد -يحتاج من الكتب- بل وفي مرحلة لاحقة ما يمكن له أن يُكتب من المذكرات أو الشعر، في ذات السعي الهادف للتحرر من الألم أو إيجاد بدايات جديدة أو نقطة تصالح بين الفقد والذكرى.
القراءة والتدوين يمثلان الركيزتان التي تعتمدهما بيجال شاه في عملها العلاجي، فهي تجري حديثًا مع المترددين على عيادتها تستنطقهم خلالها حول بعض الأمور ثم تقوم بإعداد «روشتة من الكتب» تطلب من كل من المترددين قراءتها، مع تدوين -كتابة أو صوتًا- ملاحظات عن الأفكار والمشاعر التي انتابته أثناء قراءة النصوص «الموصوفة» -بحسب «تفضيلات القارئ».
وبحسب بيجال شاه تتراوح «أنواع النصوص المستخدمة في العلاج بالقراءة بين الخيالية والواقعية، وتتخذ صورًا شتى، من الروايات إلى الشعر، ومن المسرحيات إلى المذكرات، ومن كتب المساعدة الذاتية إلى المقالات»، تاركة الاختيار لكل حسب تفضيله أن يمارس المطالعة من خلال نسخة ورقية أو أي من النسخ الإلكترونية عبر الوسائط المختلفة والمتزايدة في تعددها.
ثم تشارك بيجال شاه بعض تجارب التعافي لمن تردد علي عيادتها وكذلك رحلتها هي شخصيًا في استخدام القراءة للتعافي من آلام كامنة في النفس ومخاوف مسيطرة، وتطرح أفكارًا حول الأماكن التي يمكن لمن يحتاج استخدام القراءة للتعافي أن يتردد عليها بحثًا عن عناوين تساعده في التعايش وصولًا إلى التعافي، مثل المكتبات العامة ونوادي القراءة، وفي خاتمة كتابها تقدم عناوينَ عريضة للمعضلات النفسية المتكررة مع اقتراحات بالقراءة للمساعدة في الانتقال من نقطة الألم أو الرفض إلى نقطة التقبل والمضي إلى الأمام.
3
تعيد دار المحروسة نشر «حدتو: سيرة ذاتية لمنظمة شيوعية» الذي صدرت طبعته الأولى عن «الهلال» مع الذكري الستين لتأسيس حدتو 2007، وفي هذا العام تعيد المحروسة نشره باقتراح من الورداني مع اقتراب الذكرى الثمانين لتأسيس، وكذلك لما يجده من عودة «اهتمام أجيال جديدة من الشباب بالسعي لقراءة تاريخ مسارات ومحطات الحراك السياسي في مصر خاصة ما يتعلق بحركة اليسار»، حسبما يقول الورداني الذي يضيف أن «حركة اليسار في مصر تُعد من أهم الحركات، بما في ذلك حدتو التي تعد من أكثر الحركات انخراطًا على المستوى الشعبي وأكثرهم إلهامًا وأيضًا أكثرها أخطاءً، وإعادة قراءة التاريخ السياسي لمصر، والتاريخ عمومًا، أمر بالغ الأهمية لمن عاش تلك اللحظات أو خبرها قراءة، كما أن إطلاع الأجيال الجديدة أمر لا يقل أهمية على الإطلاق».
في عام 1947 تأسست حدتو «الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني» بقيادة الشيوعي المصري الهام، هنري كورييل، المولود في أسرة يهودية. سعت حدتو التي ضمت نخبة مثقفة استثنائية وتفاعلت مع الحركات الشيوعية عبر العالم لرفع الوعي بالحقوق العمالية والحقوق الوطنية وتعرضت واعضاءها لكل أشكال القمع من قِبل سلطات الاحتلال البريطاني والقصر الملكي ثم الحكم الناصري.
4
يفتح «مسامرات الشعب» شهية قارئه لاكتشاف ما قرأه المصريون بين نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، عبر رحلة سماح سليم مع مجلة مسامرات الشعب، التي أسسها خليل صادق فى 1904، وتطرح تساؤلات حول نوعية الأدب والجمهور المُتلقي وذائقته.
يقول أمير زكي، مترجم «مسامرات الشعب»، إن عنوانه الفرعي: الرواية الجماهيرية، فهو مشغول بالجماهير وليس النخبة، بل مرتبط أكثر بطبقة المتعلمين الجدد الذين كانوا يجيدون القراءة والكتابة، وذلك عبر رحلة مع مجلة مُخصصة لترجمة الروايات، ومن ضمن قراء «مسامرات الشعب» السيدات الجالسات فى البيوت فكانت وسيلة جيدة للتسلية. كما تطرقت سماح سليم إلى استقبال الجمهور للأعمال المنشورة في المجلة استقبالًا حافلًا، بل سردت واقعة تكشف تفاعل الجمهور مع المجلة عن طريق سؤال الجمهور للمترجم أو الكاتب لماذا انتهت هذه القصص بهذا الشكل، وماذا سيحدث في الحلقات التالية. بالتالي كان هدف المجلة إنتاج شكل أدبي جذاب للجمهور من أجل استكمال عملية البيع، بحسب زكي.
الكتاب الصادر عن «ديوان» ترجم زكي أحد فصوله في سابقًا ما منحه معرفة بموضوعه وسياقه قبل شروعه في ترجمته كاملًا. وحين أكمل مهمته، جرت حوارات مع سماح سليم، «ماذا سوف نضيف وما هو التصرف الصحيح أمام هذا اللفظ، وهذه متعة العمل مع مؤلف يمتلك لغتين الإنجليزي والعربي»، ويشير المترجم إلى وجود اختلافات بين النسختين بإذن من سليم، بل بطلبها أحيانًا، فهناك حرية لغوية جمعت بين الكاتبة والمترجم لإخراج النسخة العربية، «حرية ليست كاملة بسبب الرجوع المتكرر للكاتبة».
5

يصنّف أحمد شوقي علي «معجم المفردات العادية»، الصادر عن دار العين كـ«كتاب قصصي» وليس مجموعة قصصية كما هو السائد، ويقول إن «القطط أيضًا ترسم الصور» أول أعماله صنفه أيضًا كتابًا قصصيًا، بل يندم على تصنيف روايته: حكايات الحُسن والحزن بذلك: «لم أكن شجاعًا بما يكفي لإصدارها تحت تصنيف كتاب قصصي. وقد مرت عشر سنوات عليها، وأظن أنني اكتسبت خلالها الجرأة الكافية للتعبير عن نصي دون قلق من اعتبارات السوق وما يقبل عليه القراء والناشرون».
يضم معجم شوقي 16 قصة لكن بطلها المؤكد هو اللغة، إذ يعمد إلى اللعِب مع المفردات العربية الدارجة ذات المعاني المتعددة؛ ليقدم معها ومنها نصوصًا قصصية موازية للدلالات المهجورة لتلك المفردات.
كلمة الغلاف كتبها الشاعر عماد أبو صالح الذي التقط مجادلة شوقي للغة: «يحوي مزيجًا من المقدس والمبتذل، القاموسي واليومي، والسموِّ والوضاعة، دون تمهيدات ولا فواصل… يلعب على حافة الأجناس الأدبية الرصينة دون أن يستريح أو يستقر في أيٍّ منها».
6
نشرت «ديوان» كتاب أحمد صادق سعد «فلسطين بين مخالب الاستعمار»، والذي صدر لأول مرة في 1947، يعتبر صدوره فى الوقت الحالى مهمًا لأنه يحلل سياسات الاستعمار الاستيطاني التي اعتمدت عليها الصهيونية فى بناء المجتمع الإسرائيلي، ويعبّر عن رؤية اليسار المصري والفلسطيني تجاه قضية فلسطين، بحسب شهاب فخري إسماعيل الذي يقول إنه كتب مقدمة طبعة ديوان وسط ألغاز وتساؤلات مثل الإهداء المنشور في النسخة القديمة إلى «أ.س الذي سقط في ميدان إيطاليا دفاعًا عن الحرية»، والذي تبيّن أنه شخص يهودي يُدعى أيبي ستوليار، بحسب نسخة مُحدّثة ومزيدة من الكتاب أعدّها صادق سعد لكنها لم ترَ النور.

كما استندت تصويبات طبعة ديوان على ما ورد في أوراق وملاحظات دوّنها المؤلف بنفسه على مسودة أخرى من الكتاب، قدمها في صيف 2024 فرحان صالح، مؤسس دار الحداثة في بيروت، لأسرة المفكر الماركسي، وقد خطّ صادق سعد هذه التصويبات حين كان ينوي نشر الكتاب مع «الحداثة» (لم تُنشر بدورها).
وتأتي أهمية «فلسطين بين مخالب الاستعمار» أنه يقدم الرجعية الصهيونية بوصفها امتدادًا لطبيعة الرأسمالية البريطانية والصهيونية، كاشفًا عن كيفية تكوّن دولة الاحتلال من خلال صراع استعماري محض بعيدًا عن التصورات الدينية، ويُعتبر من الكتابات الماركسية الأولى التي تفاعلت مع مشكلة فلسطين، محللًا طبيعة الاستعمار الصهيوني بوصفه شريكًا لنظيره البريطاني.
والكتاب، بحسب شهاب فخري إسماعيل، هو ثمرة تعاون فكري بين اليسار المصري والفلسطيني ترجع إلى منتصف عام 1945 حين اجتمع قيادات تنظيم «الفجر الجديد» المصري مع نظيره الفلسطيني «عصبة التحرر الوطني» حيث عمل الأخير على تقديم بديل يساري تقدمي للتيار القومي الذي سيطر على الحركة الوطنية الفلسطينية.
يعتبر شهاب أن صدور هذا الكتاب فى الوقت الحالى مهم لتحليله سياسات الاستعمار الاستيطاني التي اعتمدت عليها الصهيونية في بناء المجتمع الإسرائيلي، ويعبّر عن رؤية اليسار المصري والفلسطيني تجاه قضية فلسطين.
ويتضمن تصورًا عن معاداة الفكر الصهيوني بعيدًا عن التصورات الفضفاضة التي تحاول المؤسسات التعليمية والثقافية الغربية الترويج لها، ويكشف أن صادق سعد ويهود آخرين وقتها رأوا في الفكر الصهيوني خطًا رجعيًا وعنصريًا.
7

يلعب كتاب ماهر زهدي «الست تحية.. تاريخ الفن والثورة»، على تقاطع حياة الراقصة والممثلة المصرية، كاريوكا، مع النشاط السياسي بحكم انتمائها اليساري الذي تسبب في تعرضها للسجن أثناء حكم جمال عبد الناصر.
يقول حسين عثمان، مؤسس دار ريشة ناشرة الكتاب، إن هذه السيرة تتجاوز فكرة أن كاريوكا واحدة من أبرز نجمات الفن في القرن العشرين، وتقدم الجانب السياسي-النضالي في شخصيتها بما في ذلك استرجاع جوانب مغفلة في تاريخها مثل دورها في دعم الجنود المصريين أثناء الحروب أمام العدوان الإسرائيلي.
ما يميز إصدار هذه الدار المؤسسة عام 2020، أنها الأكثر إلتزامًا بجمع وتأريخ سير أهم الأسماء السينمائية في مصر والتي بدأتها بثلاثية «الملك والكتابة» التي تناولت علاقة السلطة والصحافة في مصر عبر مئتي عام، وهو ما يوضحه مؤسسها أن تركيزه على إطلاق السير الذاتية يرجع لاقتناعه بأن قراءة هذه السير يمثل مشاركة ممتدة في «التأكيد على الهوية المصرية» بكل ما تتمتع به من ألوان وما يكوّنها من مشارب «ببساطة لأن كل شخصية في سيرتها وحياتها تقدم مدخلًا مختلفًا للتعرف علي مصر في عصر ما أو لحظة ما». ويضيف عثمان أن معظم الأعمال السيرية التي قدمتها «ريشة» على مدار السنوات الخمس الماضية لفتت إلى اهتمام القراء بالأساس من جيل الشباب للتعرف على شخوص وحيوات أجيال سابقة.

8
حمل كتاب محمد عمر جنادي «بعد أن فقدنا الفردوس» عنوانًا فرعيًا هو في نقد الثقافة والسياسة والحياة اليومية، بينما كان كان يمكن أن يكون عنوانه الفرعي المقتطف المبدئي الذي اختاره جنادي عن الفيلسوف الروماني إميل سيوران «تبقـى أحلامنـا عـلى قيـد الحيـاة بعـد يقظتنـا وتنجـو علـى الرغـم مـن تحليلاتنـا» فالثورة كما يراها جنادي لم تكن الفردوس بل كانت سعيًا إليه، يمكن أن يتحقق على مراحل في مساحات مختلفة لأن الثورة كانت مسعىً لسعادة مجتمعية مبنية على آلام وآمال جمعية بشكل ما.
يقول محمد السرساوي، مسؤول نشر الأدب والفكر العربي في «المحروسة»، عنه أنه نص لمراجعة الذات عن تفاعلات الثورة وما سبقها وما تلاها، ليس من منظور التقليل من أهمية وحقيقة الثورة، ولكن من منظور محاولة فهم تفاصيل ما كان.
لا ينخرط الكتاب في التنظير السياسي ولا في جلد الذات ولا الحث على استكمال ما كان، إنما يركز بالأساس على مسعي السعادة الجزئية الكامنة والممكنة لأبناء جيله بالرغم من انتكاسة الثورة التي كانت بالنسبة لجيله تجسد الفردوس المحتمل.
أو كما يكتب فإن كتابه «ليس عن الفردوس، ولا يحلم بـه أو يحن إليـه. كيف تحن النفس إلى ما لم تعشه يومًا؟» ولكنه مسعى لتجاوز «الحنين والشعور بالفقد» والاستعاضة عن ذلك بالتساؤل «ماذا خسرنا؟ وكيف نستعيد ما فقدناه؟»
إنــه محاولة لفهم شروط وجودنا، من خلال التفكيـر في مفاهيم تبدو يومية مثل البيـت والعمـل والجسـد. لكنه «يمثل عـودة إلى السياسـة في أكثر صورها وتمثيلاتها كثافة وصدقًا. فالسياسة، في النهاية، طريقة تنتظم بهــا حياتنا الاجتماعية».
بدأ جنادي كتابه بعدد من المقالات لموقع «خط 30» لكنه مع الوقت أدرك أن ما يكتبه ينبغي ويمكن أن يتحول لسياق متماس في إطار كتاب يجادل فيه عن المرغوب والممكن. فعلي سبيل المثال كما أن ليست كل ثورة تؤدي إلى الحرية فإن ليس كل مكان يسكنه الإنسان يكون بيتًا له، وليس كل سعي لكسر البطالة يؤدي فعلًا للوصول إلى عمل وكذلك فليس كل عمل هو مسار للاستقرار حتى وإن كان العمل في ذاته مستقر بالمعنى التقني، وأيضًا فليس كل اهتمام بالجسد هو موت للروح وإسقاط لمعنى الحياة.
يمضي كتاب جنادي في طرح التضادات المفترضة فيما يشبه رسالة طمأنة للذات حول مآلات ثورة يناير، مفعلًا في هذا الشكل من الكتابة تقاطع ما يُكتب مع ما يُقتبس من رواية أو كتاب في الفلسفة أو الأنثروبولوجيا، غير غافل في الوقت نفسه للاستشهاد بمآلات الثورة التي كانت والتي جعلت من الواقع الجمعي واقع لا فردوسي بامتياز.
9 - 10
يعتمد عادل سيف في «وِش البركة المنسي» على مصادر هائلة؛ أراشيف ومذكرات وخطط، لإحكام وصف منطقة «وش البِركة» التي هي في الأصل وجه البِركة، لكن المصريون -كعادتهم- جعلوا الوجه وِشًا كما في لغتهم اليومية.
كان «وِش البِركة» حي اللهو والاستمتاع، مكان المقاهي والبارات، مثل قهوة وبار «بوديجا»، والمسارح مثل «مسرح فردي»، والفنادق والموتيلات مثل «عدن بالاس»، وبالطبع كان حي الدعارة المرخصة، ولا دايم إلا وجه الله.
«وِش البركة المنسي» يرسم بكتابة رشيقة ولُغة حكاءة خريطة هندسية واقتصادية للمكان، وهو غير موجود في المعرض مثل «رحلة المصريين».

رحلة المصريين في الجانب الآخر، يُعتبر نصًا موازيًا لكتاب محمود الورداني عن حدتو، فالنص الجديد يتناول تجارب المصريين الذي انتهى الحال بهم خلف القضبان اتصالًا بقضايا سياسية شهيرة عبر القرن العشرين، والتي نُشر بعضها في سلسلة «كوكبة» في «مدى مصر». ويقول الورداني إن كتابه «رحلة المصريين» ليست استرجاعًا محملًا بالأسى على أشكال من الظلم وإنما استرجاع مسارات السياسة التي شكّلت الوعي المصري الجمعي والتي لم يخضها الساسة وحدهم بل خاضها العمال والفلاحين وكافة فئات المجتمع المصري.
وبحسب يحيى فكري، مؤسس ومدير المرايا، فإن كتاب الورداني هو أحد العناوين التي تعبر عن التزام الدار بمناقشة التاريخ والواقع والمستقبل من منظور تقدمي يهدف لطرح أفكار العدالة والحرية والمساواة. «المرايا مشغولة بقضايا التاريخ السياسي والثقافي في مصر وهذا هو المحدد الرئيسي للنشر سواء فيما نطلب به من كتب أو ما نختاره مما يطرح علينا». أما عن عدم المشاركة في «القاهرة»، فيقول إن الدار لم تتلق أي إخطار رسمي سواء بالمنع أو أسبابه. ويضيف: «العام الماضي تعثر تسجيل المشاركة ودفع الرسوم عبر حساب المرايا على موقع المعرض وفشلت محاولات ووساطات عديدة في حل المشكلة، أو حتى في توضيح أسبابها التي يمكننا فقط التكهن بأسبابها».
افتُرض أن سبب المنع الأول للمرايا بسبب إقدام الدار على نشر نص لم يلق قبولًا لدى السلطات لسبب أو آخر، وقيل وقتها أن النص المقصود ديوان الناشط السياسي أحمد دومة، ومع تجدد المنع يعلق فكري «ببساطة لا أعرف، قد يكون هذا الديوان أو أمرًا آخر»، والذي قُبض على صاحبه الثلاثاء الماضي من منزله وأُخلى سبيله في نفس اليوم.
بالفعل، بدأت «المرايا» فعاليات موازية لمعرض القاهرة للكتاب، وتستمر حتى موعد إغلاق المعرض -وتختصم من هذه المدة يوم 25 يناير، كل سنة وإحنا طيبين.
ختامًا، هناك كتب لا تفوتكم مثل عودة رواية ياسر عبد اللطيف الوحيدة: «قانون الوراثة» بعد نفاد طبعة «ميريت» 2002، وكذلك ديوانه الأحدث: «أيها العالم يا حبي» (الكتبخان)، وإعادة نشر «جماعة الأدب الناقص» لهيثم الورداني، وحرب نائل الطوخي الكبيرة: «الألفين وستة» عن (وزيز)، و«قصة جاليري 68» التي يسردها محمد رياض في «رقصة مباحة في مستطيل صغير» (المحروسة)، و«ولي النعم» لخالد فهمي عن محمد علي باشا وعالمه الذي ترجمه وحرره محمد هوجلا كلفت (الشروق)، و«السيرة الذاتية لأساتا شاكور» (1947-2025) للمترجم كريسبو ديالو: «أساتا سيرة الثورة والوعي» (بيت الحكمة).
بخلاف ما سبق، تسكعوا في المعرض، قلّبوا، ولا تصدقوا مُحَكِّمي الجوائز فهناك قصص حلوة، وأجلوا شراء الغالي لليوم الأخير، لعل الخصومات تصيبكم، فكل واحد أدرى بالفاتورة التي سيدفعها.
تقارير ذات صلة
عن معاني المخيم الفلسطيني
هذا النص ضمن «رُحنا وشُفنا» #21 «مُنتهى الأدب»
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
