تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
المستوطنات.. الأسرى.. والمقاومة: كيف يربط الاحتلال غزة بالضفة؟

المستوطنات.. الأسرى.. والمقاومة: كيف يربط الاحتلال غزة بالضفة؟

كتابة: ريهام المقادمة 9 دقيقة قراءة

منذ بدأت عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر الحالي، والسؤال يتردد: ماذا سيحدث في الضفة

مراجعة مواقف وخطابات إسرائيل منذ 1967 تشير دائمًا إلى قطاع غزة باعتباره «مشكلة»، بينما كانت الضفة هي «الفرصة»، حتى أن قرار رئيس الوزراء السابق أرييل شارون بسحب المستوطنات الإسرائيلية من غزة في 2005 كان يُشار له بمحاولة استثمار موارد الدولة في التوسع الاستيطاني في الضفة. 

هذا الفصل بين غزة والضفة في عقيدة الاحتلال العسكرية والسياسية يواجه عديد من التحديات ظهرت تداعياتها في السنوات الثلاث الأخيرة. يُشكل التوسع الاستيطاني في الضفة واستمرار قيود الاحتلال فيها أرض هذه التحديات، وهي مرادف الحصار في حالة غزة. أما جسد هذه التحديات الحي، فيتمثل في المقاومة، التي لا تنفصل عن روابط المقاومة في غزة، منها من يقبع في سجون الاحتلال، ومنها من اتجه لحمل السلاح من خلال مجموعات المقاومة الجديدة. 

«ما حدث في غزة لا ينفصل أبدا عن الضفة الغربية، بل هو متصل به في السبب والنتيجة»، يقول أستاذ العلاقات الدولية في جامعة قطر أحمد عزم. «إنّ اسم عملية 7 أكتوبر هو طوفان الأقصى، في إشارة لما يحدث في القدس التي هي جزء من الضفة الغربية».

تشكل الضفة الغربية 21% من مساحة فلسطين التاريخية، بعدد سكان يقترب من 3 ملايين و256 ألف نسمة حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. مثّلت اتفاقات أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين نقطة بداية لتشكيل السلطة الفلسطينية ككيان إداري يحكم الضفة وقطاع غزة، كما قسّمت أوسلو أراضي الضفة الغربية لمناطق تابعة للسلطة الفلسطينية، ومناطق مشتركة بين السيطرة الإسرائيلية والفلسطينية، ومناطق تخضع بشكل كامل للسيادة الإسرائيلية والتي بدورها تشمل المستوطنات الإسرائيلية. بحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، يُقدر عدد المستوطنين في الضفة الغربية بحوالي 726 ألف لعام 2022. تنتشر الحواجز ونقاط التفتيش في جميع أنحاء الضفة، بعدد 593 حاجزًا حسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان لعام 2022 بين دائم ومؤقت، سواء على شكل بوابات أو حواجز عسكرية وترابية. 

المصدر: Visualizing Palestine

في يونيو الماضي، وفي تطور جديد لسياسة المستوطنات، فوضت الحكومة الإسرائيلية اليمينية وزير ماليتها بتسلئيل سموتريتش صلاحيات تُخوله تسهيل إجراءات عمليات الاستيطان وتسريعها. وفي تعليقه على الخطة، قال الوزير، الذي يعيش بالقرب من مستوطنة في شمال الضفة: «طفرة البناء بالضفة وبجميع أنحاء بلادنا مستمرة. كما وعدنا، اليوم نتقدم في بناء آلاف الوحدات الجديدة في يهودا والسامرة... سنواصل تطوير المستوطنات وتعزيز سيطرة إسرائيل على المنطقة». سموترتيش هو أيضًُا من قدّم في 2017 «خطة الحسم»، التي تقوم على عقيدة أن فلسطين التاريخية هي أرض للإسرائيليين، وكل شي مُتاح لحسم هذا الصراع، حتى لو كان الحديث هنا عن تهجير الفلسطينيين الموجودين في الضفة الغربية.   

التفت العالم لسياسة المستوطنات في مايو 2021 عندما حاول الاحتلال إخلاء أكثر من 20 عائلة فلسطينية من منازلهم في حي الشيخ جراح، شرقي القدس، لتسكين عدد من المستوطنين فيه. هبت تظاهرات داعمة لأهالي الشيخ جراح ومناهضة للاستيطان في كل مناطق فلسطين التاريخية، كان أبرزها مظاهرات سكان الأراضي المحتلة عام 1948، وانتهت بتجديد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة لمدة 11 يومًا.

لا تزال أحداث الشيخ جراح عالقة في ذهن إسرائيل اليوم وهي التي جعلت وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير في مؤتمر صحفي الأربعاء 11 أكتوبر، يصرح أنه وجّه قائد الشرطة للتجهيز لسيناريو عملية حارس الأسوار 2، وهو الاسم الذي أطلقته إسرائيل على الحرب على غزة عام 2021. بن غفير صرح ايضا عبر منصة x يوم 12 أكتوبر بأنه تم شراء نحو 4 آلاف قطعة سلاح من أصل نحو 20 ألف قطعة سيتم شراؤها خلال الأيام القادمة، وهي أسلحة تم توزيعها على المستوطنين بحجة الدفاع عن أنفسهم في حالة الحرب.

زياد حسيبا، الباحث في شؤون الصراع العربي الإسرائيلي من الضفة الغربية، قال لـ«مدى مصر» معلقًا على تسليح المستوطنين: «منذ بداية الأحداث تم توزيع أكثر من ألف قطعة سلاح على المستوطنين، وهذا أشبه بإعطاء ذريعة للمستوطنين بفعل ما 'تستطيعونه لحماية أنفسكم'. حتى تعليمات إطلاق النار في الضفة الغربية اختلفت، وأصبحت تميل لقتل أي شيء يتحرك. كل هذا يعطي مؤشر للانفجار في أي لحظة. وما حدث منذ أيام في قرية قصرة مثال حي، حيث قتل ثلاثة من أبناء القرية خلال مواجهات مع المستوطنين، وثاني يوم خلال التشييع، قتل اثنين من المشيعين خلال الجنازة. أعتقد أن بذور اشتعال الضفة ستكون من خلال المواجهات مع المستوطنين».

حتى الآن، سقط 159 شهيدًا في الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر، حسب وزارة الصحة الفلسطينية. إرهاب المستوطنين جزء من هذا القتل المستمر، فقد شهد مثلا يوم 28 أكتوبر قتل المستوطنين للمواطن الفلسطيني بلال صالح (40 عامًا) أثناء قطفه الزيتون. هذه ليست المرة الأولى التي يقتل فيها مستوطنون إسرائيليون فلسطينيين ولكن الوضع العام وحالة السماح التي تقدمها الحكومة الاسرائيلية لهذا النوع من العنف قد يزيد من حالات الاغتيال. 

مع هذا العنف، يحقق الاستيطان هدفًا آخر بخلاف تمدد السيطرة على الأرض، يتحدث عنه الباحث والأكاديمي في العلوم السياسية في جامعة بيرزيت برام الله إبراهيم ربايعة: «التطهير العرقي لمناطق على المدى الأوسع والشكل الأوسع، وبالتالي إفراغها لأقصى درجة من الوجود الفلسطيني من أجل التهيئة لضمها».

كانت آخر اعتداءات الاحتلال في قرية زنوتا جنوب مدينة الخليل، الواقعة في مناطق ج التي تخضع لإشراف أمني وإداري إسرائيلي بشكل كامل، تسببت في تهجير عشرات المواطنين، بعد أن هدم المستوطنون خيمهم ومنازلهم، واقتلعوا أشجارهم.

يرسم حسيبا خطوط الترابط بين الأحداث والأماكن، حصار غزة و التوسع الاستيطاني في الضفة، وتحديدًا في السنوات الثلاث السابقة، وعنوانها المقاومة. «آخر حرب بالمعنى الشامل على قطاع غزة كانت خلال هبة الشيخ جراح لمدة 11 يومًا. في آخر معركة لم يكن لدينا هذا العدد من المجموعات المسلحة في الضفة الغربية. الآن هذه المجموعات المسلحة في الضفة الغربية موجودة، ونحن نتحدث عن ما يقارب 253 عملية إطلاق نار في غضون الأسبوع الأول من طوفان الأقصى. هذا الرقم يعتبر مرتفع نسبيًا في الماضي. صحيح أنها حتى اللحظة لا تشكل علامة فارقة أو ورقة ضغط، ولكنها قابلة للانفجار في أي لحظة. أي حدث بسيط من الممكن أن يقلب الطاولة».

ويقول عزم، متحدثًا عن مقاومة الضفة «إن 7 أكتوبر شكّل هزيمة التحصينات الإسرائيلية، حيث بُنيت المحطة الثانية على هروب الأسرى. فقد بدأ تشكيل كتيبة جنين، لإسناد الأسرى في أثناء هروبهم، ولكن إعادة أسرهم أدّت إلى أن تتجه الكتيبة إلى أن تكون نوعًا من المقاومة، لتتسع ظاهرة تكوين كتائب ومجموعات، بدأت لاحقًا تشغل الجيش الإسرائيلي، وتحظى بتركيز الأمن الإسرائيلي، على حساب قطاع غزّة. لقد شكّلت الضفة الغربية كتائب ومجموعات مقاومة، تطورت نوعيًا وكمّيًا خلال العامين الفائتين».

في 6 سبتمبر 2021، قامت مجموعة من ستة أسرى فلسطينيين، معظمهم من حركة الجهاد الإسلامي، بالهروب من سجن جلبوع الاسرائيلي، وذلك بعد حفر نفق لمدة عام كامل. الحادث كان فارقًا في واقع الحركة الأسيرة، والتي تكونت مع الاعتقالات اليومية منذ 1967، وأيضا في الذاكرة الفلسطينية حول الممكن والمستحيل. 

وفي تحليله لمكان قضية الأسرى في عملية طوفان الأقصى٬ يذكر المحلل هاني المصري بأن عدد كبير من قيادات حماس المؤثرة في عمليات صنع القرار هم "من الذين أفرِج عنهم في صفقة تبادل الأسرى الأخيرة، وهم الذين تعهدوا والتزموا بتحرير الأسرى."

الأعمال المسلحة في الضفة الغربية بدأت في 2021 بشكل شبه منتظم، حيث انطلقت بذورها من شمال الضفة في شكل مجموعات مثل عرين الأسود، وكتيبة جنين، وتجربة أريحا في مخيم عقبة جبر، وكتيبة طولكرم في مخيم نور شمس.

عن الكتائب في طولكرم وجنين، يقول ربايعة: «ما حدث في جنين هو استعادة حالة المقاومة التي لها جذور، وجذورها الذاكرة الحية لـ2002، الاجتياح والمقاومة والصمود. هذه التجربة في جنين مرتبطة بالمخيم، والمخيم حاضنة المقاومة، حوّلته لهوية وطنية جامعة في ظل فشل الهويات الأخرى، سواء كانت هويات قبلية، أو عشائرية، أو حزبية. لاحقًا الناس أصبحت تقول إن المخيم هو نقطة الكرامة الرئيسية».

يبرز ربايعة أيضا التحولات في حركات المقاومة الجديدة: «ظاهرة عرين الأسود التي ظهرت في مدينة نابلس كان لها حاضنة هي المدينة، وهذا غير معتاد عليه في الحالة الفلسطينية. بالعادة المخيم هو مركز الفعل المقاوم مع استثناءات قليلة أهمها البلدة القديمة في نابلس التي كان فيها تجارب سابقة. لكن هذه التجربة امتازت بأنها جاءت في لحظة يأس وبالتالي بعثت الأمل وقام فيها جيل خارج عن التوقعات». 

ويضيف، «عملت هذه المجموعة على الوعي بشكل أساسي. الضفة الغربية كانت تترقب بيانات عرين الأسود لأنها تخاطب العقل بخطاب ثوري ناضج وهذا ما كان يبحث عنه الفلسطينيون. العرين عسكريًا لم تكن فكرة ناضجة أو قوية، كانت محاولة وتجربة، كانت فكرة وهذا هو الأهم، بمعنى أنها زرعت وأعادت إحياء الأمل وقالت للفلسطينيين هذا ممكن. ورسائل كل عناصر العرين التي كان يتم تناقلها على تطبيقات التواصل الاجتماعي كانت رسائل واضحة: أكملوا من بعدنا. هم كانوا يعلمون أنهم لن يستطيعوا التغيير بشكل كبير، لكن يستطيعوا زراعة الفكرة، وأعتقد أنهم نجحوا. الشباب يبحثون عن هذه الحاضنة».

كانت قوات الاحتلال قد اقتحمت يوم 19 أكتوبر مخيم نور شمس في مدينة طولكرم، الذي يضم كتيبة طولكرم التابعة لـ«سرايا القدس»، حسب شهادات صحفيين، بهدف تدمير البنية التحتية في المخيم، واستُهدف الفلسطينيين بطائرة مسيرة قتلت ستة منهم. يُعد استخدام سلاح الجو ممثلًا في الطائرات المُسيرة دخولًا جديدًا في المخيمات بعد 20 عامًا من الانتفاضة الثانية، إضافة إلى عمليات تدمير واسعة للبنى التحتية والمناطق التي يمكن أن تظهر فيها بؤر للمقاومة. 

كما ارتفعت كثافة هجمات الاحتلال على مخيم جنين الذي يضم كتيبة جنين، منذ بدء طوفان الأقصى، حيث اقتحم الاحتلال المخيم بعشرات الآليات العسكرية، والجرافات، دمّر بها الشوارع، تحديدًا شارع الشهيدة شيرين أبو عاقلة التي تم قتلها في نفس الشارع، وتحطيم النصب التذكارية الموجودة هناك، الاقتحام الذي قتل فيه أربعة فلسطينيين وأصيب آخرين.

«تدمير الاحتلال للنصب التذكاري داخل المخيم واقتلاع الحصان، حصان معركة 2002، لم يكن عبثًا، بمعنى أن الاحتلال بضربه لهذه الشواهد والرموز حاول ضرب الذاكرة المنتصرة في مخيم جنين»، يقول ربايعة، ويضيف «لا أعتقد أن الاحتلال يقلق من المواجهة العسكرية بقدر ما يقلق من البناء الفكري والثقة التي امتلكها الفلسطينيون بأنهم قادرون. أذكر أنه بعد الانتفاضة الثانية بسنوات قليلة، أصبحت دوريات الاحتلال تدخل إلى الضفة الغربية دون أي مواجهة. اليوم أصبحت تواجَه بعبوات وأسلحة». 

«الاحتلال يستثمر هذه الحرب لمحاولة القضاء على هذه التجربة التي لا يزيد عمرها عن عامين حتى اليوم، بمعنى أن أي محاولة لعمل عسكري في الضفة سيتم اصطيادها بسهولة لغياب الكثافة المتمثلة في المركبات، بالتالي الحركة مكشوفة على هذه الشوارع. كل هذا يفسر التراجع الكبير للعمليات النوعية. ومهم الإشارة إلى أنه أحد الفاعلين الرئيسيين في هذه العمليات هي حركة حماس، وحركة حماس اليوم كوادرها في الضفة معتقلين، وثانيًا هي تخوض معركتها الرئيسية في غزة»، يقول ربايعة. 

ومع بدء طوفان الأقصى، ارتفعت وتيرة الاعتقالات في الضفة بشكل ملحوظ، حيث اعتقل الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 2150 فلسطينيًا وفلسطينية، حسب نادي الأسير الفلسطيني، عشرات منهم هم كوادر من حركة حماس. بين المعتقلين الشيخ عمر دراغمة، الذي استُشهد في سجون الاحتلال بعد نحو أسبوعين من اعتقاله، رغم شهادات ذويه بأنه كان في حالة صحية جيدة. كما استشهد الأسير عرفات حمدان بعد يومين من اعتقاله. وفقا لمؤسسات حقوقية يتعرض المعتقلين إلى كثير من الانتهاكات، تضمنت الضرب والتنكيل، وقطع الكهرباء عن الزنازين، ومنع زيارات المحامين والعائلات، وتقديم وجبات طعام سيئة، وإغلاق العيادات في السجون.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن