«المزادات الاستثنائية» ورقة الحكومة الأخيرة لإنقاذ موسم قطن مليء بالمفاجآت
تدرس اللجنة التنفيذية لمنظومة تداول الأقطان طرح مزادات استثنائية لمحصول القطن، بعدما امتنع مئات المزارعين والتجار عن بيع أقطانهم خلال المزاد الرسمي الأخير في مطلع مارس الجاري، اعتراضًا على انخفاض الأسعار، حسبما قالت عشرة مصادر بالقطاع لـ«مدى مصر».
وشهدت أسعار القطن تقلبات عنيفة خلال مزادات متتالية منذ بداية الموسم في سبتمبر الماضي، بدأت بارتفاع تاريخي عند 18 ألف جنيه للقنطار في أكتوبر، وصولًا إلى هبوط كبير في نهاية الموسم ليصل القنطار إلى عشرة آلاف جنيه في مزاد 4 مارس، وفقًا لبيانات المزادات التي اطلع عليها «مدى مصر».
منظومة تداول القطن التي أُطلقت بشكل تجريبي عام 2019، وتم تعميمها على كل الجمهورية في 2021، تقوم فيها الحكومة ممثلة في شركة «مصر لحليج الأقطان» بدور الوسيط بين مزارعي القطن والمصدرين ومصانع الغزل. تتسلم الحكومة الأقطان من المزارعين دون وسطاء -نظريًا- وتطرحها للبيع مباشرة بأسعار عادلة عبر مزاد علني، تحصّل فيه شركة «مصر» رسومًا من المزارعين قدرها 50 جنيهًا على كل قنطار.
كما يتضمن دور الحكومة الإعلان سنويًا عن سعر ضمان للقطن، تشتري به من المزارعين إذا لم ينجحوا في بيع محصولهم للشركات الخاصة، بهدف تشجيع المزارعين على التوسع في زراعة القطن.
خلال الموسم الجاري كان سعر الضمان الحكومي خمسة آلاف و500 جنيه للقنطار (157 كيلوجرامًا)، وكانت توقعات العاملين بالقطاع أن يرتفع سعر البيع في المزادات إلى ما بين ستة وسبعة آلاف جنيه للقنطار.
تزامن الموسم مع نمو مطرد في حجم وسعر السوق السوداء للعملة، استغله التجار والمصدرون لتحقيق مكاسب، عن طريق الاقتراض من البنوك للحصول على سيولة تمكنهم من المضاربة في منظومة القطن وشراء كمية أكبر منه بأسعار مرتفعة، وتصديره للحصول على عائد يتجاوز 60 جنيهًا للدولار الواحد، أي ضعف السعر الرسمي للعملة الذي كان وقتها أقل من 31 جنيهًا للدولار، حسبما قال مصدر مسؤول بإحدى شركات الأقطان الخاصة لـ«مدى مصر».
دفع هذا الأسعار إلى الارتفاع إلى ما بين 13 و16 ألف جنيه للقنطار بنهاية أول أشهر الموسم، متجاوزة ضعف التقديرات الأولية، ثم وصلت إلى نقطة تاريخية عند 18 ألف جنيه للقنطار في أكتوبر الماضي.
«بعض الشركات المستحوذة على السوق كان هدفها تلم المحصول كله لما تطرح سعر عالي بالشكل ده، وتصدّر وتستفيد من ارتفاع سعر الدولار في السوق السوداء»، يقول مصدر مسؤول باتحاد مُصدري الأقطان لـ«مدى مصر».
فيما دفع ارتفاع الأسعار بهذا الشكل مئات المزارعين والتجار إلى تأجيل البيع، «فكروا أنه لو الموسم بدأ بـ16 و18 ألف جنيه، يبقى لو أجلوا البيع لآخر الموسم هيكون وصل 25 ألف في المزادات، ويمكن يوصل لـ20 ألف جنيه بره المزادات» يقول المصدر من اتحاد مصدري الأقطان لـ«مدى مصر»، موضحًا أن مصر تصدر نحو 90% من إنتاج القطن سنويًا، لذلك تشتري المغازل ومصانع الملابس المحلية أحيانًا القطن المتبقي بأسعار مرتفعة، إذا توافر موسم جيد لتصدير الملابس.
توقع المزارعين زيادة السعر كان عن سابق خبرة، أحد المزارعين بمركز الرياض، محافظة كفر الشيخ قال لـ«مدى مصر»، إنه أجّل بيع محصوله خلال موسم 2022 - 2023 حتى نهاية الموسم انتظارًا لارتفاع الأسعار، وباعه خارج المنظومة عقب انتهاء المزادات الرسمية بسعر عشرة آلاف جنيه للقنطار، في حين لم تتجاوز الأسعار في مزادات ذلك الموسم خمسة آلاف جنيه.
لكن ما لم يعمله الفلاحون أن الرياح ستتغير هذا الموسم، بثلاثة أحداث مفاجئة متتالية.
قبل بدء موسم الحصاد أعلنت الحكومة عزمها شراء نحو 30.44 طن من الإنتاج المحلي، الذي بلغ 76 ألف طن هذا الموسم، ما يوازي 40% من الإنتاج، مقابل أقل من 10% من إنتاج الموسم كانت تذهب للسوق المحلي سنويًا، بحسب عضوين في اتحاد مصدري القطن، طلبا عدم ذكر اسميهما.
كان هذا القرار «توجيهًا من القيادة السياسية»، حسبما قال عضو الاتحاد لـ«مدى مصر»، لتشغيل المغازل والمصانع الحكومية الجديدة ضمن خطة تطوير شركات الغزل والنسيج، لتصدير القطن بعد تصنيعه بدلًا من تصديره كمادة خام.
سعر الضمان المنخفض كان مناسبًا للحكومة لجمع احتياجاتها، لكن استمرار ارتفاع الأسعار في المزادات، مع هبوط الإنتاج المحلي بنحو 38.4% إثر تقلص مساحات زراعته بنحو 25%، ليصل إلى 1.2 مليون قنطار من 254.8 ألف فدان، رفع تكاليف شراء القطن على الحكومة.
«الحكومة لقت إنه طول ما الأسعار عالية التكلفة هتزيد ومش هتقدر تشتري الكمية اللي محتجاها، فقررت تعمل تحجيم للتصدير»، يقول مصدر بشركة «مصر لتجارة وحليج الأقطان» التابعة لقطاع الأعمال، والمشرفة على منظومة تداول الأقطان.
في منتصف أكتوبر الماضي نقلت صحف عن مصادر حكومية أن مجلس الوزراء قرر تحجيم التصدير إلى ما بين 40% و50% من الإنتاج المحلي للقطن، ما يوازي 30.44 إلى 45.66 ألف طن، وفي ضوء هذا التوجيه اتفق أعضاء اتحاد مصدري القطن على أن تصدّر كل شركة في الاتحاد 145 طنًا حتى إن لم تكن صدرت خلال الموسم السابق، مع السماح بتعاقدات تعادل متوسط الحصة التصديرية خلال الخمس سنوات الماضية للشركات التي لم تتوقف عن التصدير.
في الشهر التالي بدأت أسعار المزادات في الهبوط نسبيًا، إلى ما بين 11 ألف و500 جنيه و14 ألف جنيه للقنطار، تأثرًا بقرار تقليص الصادرات، فضلًا عن احتدام التوتر في المنطقة، إثر التوترات في البحر الأحمر مع مهاجمة جماعة الحوثي لسفن الشحن المرتبطة بإسرائيل والدول الموالية لها في حربها على قطاع غزة.
التوتر في الطريق الأقرب إلى شرق آسيا، أكبر أسواق مصر التصديرية، رفع أسعار الشحن ثلاثة أضعاف، والتأمين 900%، ما أدى إلى انخفاض الطلب الخارجي على القطن المصري، ومن ثم هبوط سعره محليًا.
وبالفعل، هبطت الصادرات إلى الهند، أكبر مستقبل للأقطان المصرية، منذ بداية الموسم الجاري إلى نحو عشرة آلاف طن فقط مقارنة بثلاثة أضعاف هذه الكمية في الفترة نفسها من الموسم الماضي، وفق بيانات رسمية لاتحاد مصدري الأقطان حصل عليها «مدى مصر».
المفاجأة الثالثة جاءت في نهاية فبراير، حين بدأت أسعار صرف الدولار في الهبوط التدريجي بالسوق السوداء عقب إعلان الحكومة عن صفقة رأس الحكمة، والذي كان من المتوقع أن يعقبه «تعويم»، حسبما قالت المصادر.
«التجار معظمهم كان بيكسبوا من التصدير في أول الموسم لأن حصيلة التصدير بتاعتهم كانوا بيغيروها بسعر 70 جنيه في السوق السوداء. لكن بدأ الدولار ينزل وكان واضح إنه هينزل أكتر»، يقول مصدر باتحاد مصدري الأقطان لـ«مدى مصر».
دفعت التغييرات المفاجئة في السوق معظم الشركات المصدرة للقطن للاتفاق على سعر يناسب الجميع، «الشركات المتوسطة قعدت واتفقت على خفض الأسعار، علشان ما يخسروش، وده بيخالف أي شيء عن فكرة المزاد، لكن ده بيحصل دايمًا في أي مزادات في مصر»، يقول مصدر بشركة النيل لحليج الأقطان لـ«مدى مصر».
لكن السبب الآخر لهبوط الأسعار كان قرار الحكومة بمنع واحدة من أكبر شركات تصدير الأقطان، وثاني أكبر مستحوذ على القطن هذا الموسم بعد «شركة مصر» الحكومية، من دخول المزاد الأخير وذلك لأنها كانت «تضارب» على الأسعار طوال الموسم، وتسببت في رفعها لمعدلات تاريخية، حسبما قالت ثلاثة مصادر بالقطاع لـ«مدى مصر».
فيما أوضح مصدر بشركة «مصر لحليج الأقطان» أن استبعاد الشركة المشار إليها من المزاد الأخير كان بسبب امتناعها عن سداد باقي مستحقات المزارعين خلال ثلاثة مزادات سابقة، فضلًا عن تسببها في رفع الأسعار، كما وصف.
«مصر للحليج هي الضامن بين الشركات والفلاحين، الشركات بتسدد 70% مقدم وبعدين تسد 30% بعد أسبوعين، والشركة دي امتنعت عن السداد وإحنا اللي دفعنا المستحقات دي ولسه ما ردوهاش لحد الآن، يبقى إزاي عايزين يدخلوا مزاد جديد ويرفعوا السعر ويشتروا وبرضه ما يسدوش؟» يقول المصدر بالشركة لـ«مدى مصر».
تواصلنا مع الشركة التي أشارت إليها المصادر غير أن المسؤولين عنها رفضوا التعليق.
خروج ثاني أكبر مستحوذ على القطن من المزاد الأخير بالموسم، واتفاق باقي الشركات على خفض الأسعار، نجح في النزول بالأسعار حتى عشرة آلاف جنيه للقنطار، لكن المزارعين رفضوا البيع بهذه الأسعار وقرروا سحب أقطانهم.
«كان عندي في المزاد 100 ألف كيس (الكيس قنطار وربع)، بعد ما الناس سحبت قطنها تبقى في المزاد 50 كيس في أبو حمص»، يقول محمود الخولي، أحد العاملين بمنظومة تداول الأقطان بالبحيرة لـ«مدى مصر».
وفقًا للمصادر، فإن نسبة كبيرة من البائعين في مزادات المنظومة إما تجار وإما كبار مزارعين، الذين يستفيدون من ارتفاع تكاليف نقل وتوريد القطن للمنظومة على المزارعين ذوي الحيازات الصغيرة، فيشترون منهم إنتاجهم بأسعار أقل من أسعار المزاد بنحو ألف أو ألفي جنيه، ويربحون الفارق بين السعرين.
«لما أسعار المزادات بدأت عالية جدًا، التجار طمعوا وقرروا يشتروا من الفلاحين بـ13 ألف ويخزنوا عندهم لحد آخر الموسم، علشان كده رفضوا يبيعوا على 10 آلاف، ده هيبقى خراب بيوت»، يقول الرئيس السابق لشركة الدلتا لتجارة وحليج الأقطان، إبراهيم قنديل.
أحد المزارعين المُشاركين في المزاد الأخير قال لـ«مدى مصر» إنه شارك بـ50 قنطار قطن، لكنه لم يطلب سحبهم من المزاد رغم تدني السعر لأنه كان المزاد الأخير، ما يعني عدم وجود فرص أخرى للبيع، في حين سحب التجار الكبار أقطانهم بعد انتشار شائعة عن احتمالية انعقاد مزاد آخر، «وهو ما تأكدنا منه بالفعل بعد ذلك، لكن فات الأوان لأننا وافقنا على البيع بالسعر المنخفض».
«الفلاحين لما كنا نقولهم: طيب هتاخدوا القطن تودوه فين؟ الموسم خلص والمزادات خلصت، يقولوا هنرميه في البحر أو هنولع فيه بس مش هنبيعه بالسعر ده»، يقول محمود الخولي، أحد العاملين بمنظومة تداول الأقطان لـ«مدى مصر».
فيما قال أربعة مزراعين لـ«مدى مصر»، إن شركة أبو مضاوي، شجعت المزارعين عبر موظفيها في المحافظات، على سحب أقطانهم من المزاد مع وعد بشراء كل الكميات منهم خارج المنظومة، وهو ما استجاب له مئات المزارعين.
لكن وزارة قطاع الأعمال بدورها قطعت الطريق على «أبو مضاوي»، وأصدرت قرارًا في اليوم التالي للمزاد، بمنع حلج أي قطن في المحالج الحكومية التي تمثل غالبية المحالج في مصر، إلا إذا تم شراؤه عبر منظومة تداول الأقطان، حسبما قال مصدر ثانٍ بإحدى شركات تصدير القطن الخاصة.
ثلاثة من المزارعين قالوا لـ«مدى مصر»، إن لا حل أمامهم سوى تخزين القطن حتى بيعه في مزادات العام المقبل، أو بيعه لبعض الشركات المحلية لحلجه في محالج غير رسمية، وبيعه للمصانع المحلية إذا عرضوا سعرًا أفضل، في حال لم تعلن المنظومة عن مزادات جديدة.
لكن وفقًا للخولي، المسؤول عن منظومة تداول القطن في البحيرة، فإن تخزين القطن قبل حلجه قد يؤدي إلى تعفنه، فضلًا عن تغيير لونه، «لما بيجيلنا قطن متخزن بيبان عليه وجودته بتبقى أقل وبننزل في سعره 20% على طول».
المصادر في قطاع الأقطان التي أكدت أن الحكومة تدرس حاليًا فتح مزادات استثنائية، قالت إن هدفها هو جمع الأقطان المتراكمة في المخازن، والتي تصل إلى 14% من إجمالي الإنتاج، بحسب تقديرات رسمية، وذلك بجانب خوفها من عزوف الفلاحين عن زراعة القطن في الموسم المقبل، في ظل الاحتياجات المتزايدة له محليًا للوفاء بمتطلبات المصانع الحكومية الجديدة، فضلًا عن أهمية تصديره لتوفير عائد دولاري لا تزال الدولة في حاجة له.
تقارير ذات صلة
«الكشري».. الثمن الخفي للسيادة الغذائية المسلوبة
وجبة تعكس علاقة مصر بأرضها وسكانها وواقع الاستعمار الاقتصادي الذي أعاد تشكيل مائدتنا
ليالي قطاف الياسمين
ذهبنا إلى حقول شبرا بلولة ليلًا وسجّلنا تجربة قطاف الياسمين الشاقة كما هي في الواقع
+%170 زيادة في إيجارات أراضي «الأوقاف» و«الإصلاح الزراعي».. «تعظيم إيرادات الدولة» يهدد صغار المزارعين
هدف الزيادات كان تعظيم العائد من الأصول التي تديرها الدولة
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن