تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
المجاعة في غزة.. جوع يطغى ويسود ومواد غذائية محدودة بأسعار «خيالية»

المجاعة في غزة.. جوع يطغى ويسود ومواد غذائية محدودة بأسعار «خيالية»

كتابة: محمود الشرقاوي 5 دقيقة قراءة
تصوير زهير دوله

في الثاني من مارس الماضي، أعلن رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إغلاق جميع المعابر ووقف إدخال جميع البضائع والمساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، بالتزامن مع انتهاء المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وفشل الجهود السياسية في التوصل إلى تسوية.

إغلاق المعابر لم يكن مجرد إجراء سياسي، بل كان إعلانًا عمليًا عن بدء أزمة إنسانية غير مسبوقة. قطاع غزة المحاصر منذ أكثر من 17 عامًا والمُنهك بحرب مستمرة منذ عام ونصف، بات معتمدًا بشكل كامل على المساعدات الدولية، ومع توقفها بالكامل، بدأ تأثير الحصار يظهر منذ الأيام الأولى، لتتفجر أزمة جوع حادة تهدد حياة أكثر من مليوني إنسان.

مع افتقار القطاع لأي بنية تحتية قادرة على تخزين أو إنتاج الغذاء، وتجريف أكثر من 75% من الأراضي الزراعية وتحويلها الى مناطق حمراء، يمنع جيش الاحتلال مواطني غزة من الوصول إليها، وقلة أعداد الماشية والطيور الداجنة الموجودة في القطاع، صار تقريبًا بلا غذاء، وما تيسر منه باتت أسعاره «خيالية» كما يصفها أهالي القطاع، والبدائل محدودة، فيما مضت مؤشرات الجوع العالمية في الإشارة إلى وصول غزة لحد المجاعة.

caption

تحكي أحلام العجوري، النازحة في خان يونس، عن يومياتها مع الجوع. «الجوع غصة خاصة بقلوبنا إحنا الأمهات المعيلات. تحس حالك وابنك جعان أنك ولا حاجة وبلحظة بتفقد الواحدة فينا إحساس أنها أم. امبارح تقريبًا كان الأصعب عنا بين أيام الجوع اللي بنعيشها. بلحظة انقطع الخبز الظهر تقريبًا، وضل بس شوية فتات حمصناهم وطعميناهم للصغار مع شوربة العدس. الصغار ما شبعوا وأصغر واحد عندي عيط كتير. راحت بنتي ع الجيران تجيب خبز بس طلع وضع الجيران انيل. ربنا اكرمنا بشوية حظ واعطونا صحن سبكيتي أكلوه الصغار تقريبًا بعد العصر ورجعوا جاعوا تاني، لحد اجى الليل عيطوا من معدتهم. حكيتلهم خلص اشربوا مية ونامو وللصباح رباح. الجوع كافر».

انعكس شح المواد الغذائية على مختلف الأصناف. عبد الناصر العجرمي، رئيس جمعية أصحاب المخابز، يقول لـ«مدى مصر» إن هناك 25 مخبزًا موزعين على مدينة غزة ووسط وجنوب قطاع غزة يعملون بتمويل من برنامج الغذاء العالمي لإنتاج الخبز للمواطنين. هذه المخابز كانت تعمل على إنتاج 300 طن طحين(دقيق) يوميًا، منذ إعلان وقف إطلاق النار في يناير، على أن تقوم ببيع الخبز بسعر 2 شيكل للربطة. جميع هذه المخابز توقفت عن العمل منذ تاريخ 1 أبريل نظرًا لنفاد مخزونها. وفقا للعجرمي، لا يوجد طحين معروض للتداول في قطاع غزة حاليًا، وما يجري تداوله هو طحين مخزن لدى المواطنين بشكل فردي ويباع في السوق السوداء، ويصل سعر الكيس الواحد منه إلى 1500 شيكل بدلًا عن 70 سابقًا.

في الأسواق باتت رفوف المحال والبسطات شبه خاوية، ولم يتبقَّ لدى أصحابها سوى كميات محدودة من بعض الأصناف، والتي شهدت قفزات سعرية غير مسبوقة. لا يزال بعض مخزون الأرز متاح، لكن بـ50 شيكلًا مقابل ثمانية أو تسعة شيكلات أثناء وقف إطلاق النار، وكذلك المكرونة، والعدس، بنفس فروق الأسعار.

اما الحليب، فانقطع، وان وجد، يباع الكيس بـ80 شيكلًا بعدما كان سعره ثمانية شيكلات فقط. كما قَلَتَ الزيوت أيضًا، وتحديدًا زيت الزيتون، والقليل الذي يوجد منه أسعاره تجاوزت 100 شيكل بعد أن كان سعر زجاجة القلي سبعة شيكلات أثناء وقف إطلاق النار. شح الزيوت أدى الى إغلاق محال الطعام الرخيص، كمحال الفلافل.

باتت «الدُقة» هي الغذاء اليومي لكثير من مواطني غزة، ومكونها الأساسي هو القمح، والذي يستبدل بالعدس، والمجدرة، التي تتكون من خليط من الأرز والعدس.

caption

أمام هذا الواقع المستجد، ظهرت أنماط غير تقليدية لتبادل السلع، حيث تشهد مجموعات التواصل الاجتماعي حركة نشطة لعروض المقايضة، فيعرض البعض استبدال الأرز بالسكر، أو المعلبات بأي سلعة غذائية أخرى. في حالات أخرى، يعرض البائعون بيع السلع بسعرها السابق -قبل الانهيار- مقابل توفير المشتري سيولة نقدية، وهي سلعة نادرة بحد ذاتها، نتيجة انقطاع التدفق النقدي إلى قطاع غزة بالكامل منذ 7 أكتوبر 2023.

كما تتواصل محاولات مؤسسات المجتمع المدني والمطابخ المجتمعية للتخفيف من حدة المجاعة، إلا أن هذه الجهود تواجه تحديات جسيمة بفعل شُح الموارد، والارتفاع الحاد في الأسعار، واتساع رقعة الاحتياج. مع إعلان المطبخ المركزي العالمي عن توقفه الكامل عن تقديم الوجبات الساخنة سواء للنازحين أو للمستشفيات، وباتت المؤسسات الأهلية والمبادرات الشبابية تخوض معركة الجوع وحدها.

ناصر شاهين، أحد العاملين في إحدى هذه المبادرات، يوضح لـ«مدى مصر» أن الأعداد الموجودة أمام تكيات الطعام داخل مراكز الإيواء ارتفعت بشكل غير مسبوق منذ توقف المطبخ المركزي، مشيرًا إلى أن مشاهد الطوابير الطويلة، والتدافع العنيف بين الأطفال والنساء والرجال للحصول على وجبة طعام، باتت يومية، خاصة أن كثير من التكايا لا تستطيع تأمين وجبة واحدة يوميًا لكل فرد، وبعضها يضطر إلى تقليص الكميات أو التوقف بشكل مؤقت بسبب نفاد المواد. ويضيف شاهين أن هذا التدافع لا يهدد فقط سلامة العاملين والمتطوعين في التكايا، بل أصبح مصدر خطر مباشرًا على حياة النازحين أنفسهم، مؤكدًا وقوع إصابات يومية تشمل حالات حروق واختناق نتيجة الزحام الشديد.

داخل أحد مراكز الإيواء وسط قطاع غزة، حيث تتكدس عشرات العائلات في فصول دراسية تحولت إلى ملاجئ، تتقاسم العائلات الطعام، تصف فاطمة الوحيدي المشهد قائلة: «كيلو طحين كان يومًا رمزًا للبساطة والآن صار حلمًا. الخبز أبسط مقومات العيش، غدا رفاهية لا نقدر عليها». وتضيف الوحيدي أن عيون الأمهات هنا في مركز الإيواء كلها قلقة على أطفالهن الجياع. «نحن نعيش لنصمد ببطون خاوية.. ولكن إلى متى؟» 

تعتمد منظمة الغذاء والزراعة مؤشر تصنيف الأمن الغذائي المتكامل، والذي يعلن عن المجاعة في حال تعرض 20% من الأسر لنقص حاد في المواد الغذائية، وتعرض 30% من الأطفال لسوء التغذية، وفقد من شخصين لأربعة حياتهم بسبب الجوع أو تقاطع المرض مع سوء الغذاء. إعلان المجاعة هو المستوى الخامس، ويسبقه المستوى الرابع، ما يسمى بـ«الطوارئ» حيث تتعرض الأسر لفجوات كبيرة من احتياجاتها الغذائية، مما يعرضها لسوء التغذية والموت. وأعلن المؤشر أن 44% من سكان غزة في المستوى الرابع «طوارئ» و18% في المستوى الخامس.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن