الماركسية والنسوية والمشاعات
المقال الثالث في ملف «المشاعات»
المشاعة هي كل مورد للحياة مشترك بين أي جماعة إنسانية تتمتع به بصورة مستدامة وبطريقة توافقية. يعد مبدأ «اﻷرض لمن يزرعها» مبدأ مشاعيًا، ﻷن احتكار اﻷرض فعلًا يتجاوز عملية الزراعة ذاتها، حيث يتطلب منع اﻵخرين من الزراعة التطويق بالسياج والحراسة المستمرة. يصر المشاعيون على حقيقة أن المشاعات قديمة قدم التاريخ اﻹنساني ذاته وأن الحضارات المتعاقبة -حتى الحضارة الرأسمالية الكوكبية- لم تلغ المشاعات تمامًا إلى يومنا هذا رغم كل أفعال التقييد والتطويق والمصادرة واﻹفراط في الاستهلاك من أجل الربح.
قدمنا من قبل مقالًا لجورج كافينتزيس، بعنوان «مستقبل المشاعة: الخطة البديلة للنيوليبرالية أم نزع التراكم الأصلي لرأس المال؟»، يليه مقال المؤرخ الأمريكي، بيتر لينيبو، «فلسطين وماركس والمشاعات»، وهنا نقدّم مقال المنظرة الإيطالية، سيلفيا فيدريتشي، «الماركسية والنسوية والمشاعات» من أجل رؤية مشاعية مغايرة للقضايا الاجتماعية والسياسية الملحة اليوم. المقال منشور هنا بإذن المجلة.
ـــــــــــــ
الشيوعية بالنسبة لنا ليست وضعًا للأمور يجب إقامته، مثلًا أعلى سيكون على الواقع أن يتوافق معه. إننا نطلق اسم الشيوعية على الحركة الفعلية التي تلغي الوضع الراهن للأمور. وشروط هذه الحركة تنتج من المقدّمات الموجودة الآن.
ـ كارل ماركس وفريدريك إنجلز، الإيديولوجيا الألمانية1
مقدمة
ما الأدوات، والمبادئ، والأفكار التي يمكن أن تجلبها الماركسية إلى النظرية والسياسة النسويتين في عصرنا؟ هل يمكننا اليوم التفكير في علاقة بين الماركسية والنسوية بخلاف «الزواج غير السعيد» الذي صوّرته هيدي هارتمان/ Heidi Hartman في مقالٍ عام 1979 جرى الاستشهاد به كثيرًا؟2 ما أهم جوانب الماركسية لإعادة تصوُّر النسوية والشيوعية في القرن الحادي والعشرين؟ وكيف يُقارَن مفهوم ماركس للشيوعية مع مبدأ المشاعة، النموذج السياسي الذي يُلهم الكثير من التفكير النسوي الجذري اليوم؟
بطرح هذه الأسئلة، فإنني أنضم إلى نقاشٍ حول بناء بدائل للرأسمالية بدأ في المخيمات والميادين حٌول الكوكب فيه، بطرقٍ تزخر بالتناقضات لكنها مبدعةٌ لإمكانات جديدة، يأتي إلى الوجود مجتمعٌ من «المشاعيين»، يسعى لبناء فضاءاتٍ وعلاقات اجتماعية لا يحكمها منطق السوق الرأسمالية.
إلّا أن تقييم ميراث رؤية ماركس للشيوعية من أجل القرن الحادي والعشرين ليس مهمةً سهلة. فعلاوةً على تعقيد فكر ماركس ثمة حقيقة أنه في الفترة الأخيرة من حياته، بعد هزيمة كوميونة باريس، تخلّى فيما يبدو عن بعض مسلّماته السياسية، خصوصا بصدد الشروط المادية المسبقة لبناء مجتمعٍ شيوعي.3 كذلك من المتفق عليه أن ثمة اختلافات هامة بين عمليه الكبيرين، «رأس المال» و«الأسس/Grundrisse 4»، وأن ماركس ليس كاتبًا يمكن إدراك فكره من خلال أية منظومة من الصياغات، إذ أن «مستوى تحليله [كان] يتغير باستمرار مع مخططاته السياسية».5
أمران مؤكدان رغم ذلك
ما زالت اللغة السياسية التي منحنا إياها ماركس ضروريةً للتفكير في عالمٍ يتجاوز الرأسمالية. فتحليله لفائض القيمة، والنقود، وشكل السلعة، وبالدرجة الأولى، منهجه -منحهُ التاريخ والصراع الطبقي أساسًا ماديًا ورفضهُ فصل الاقتصادي عن السياسي- ما زالا لا غنى عنهما، رغم أنهما غير كافيين، لفهم الرأسمالية المعاصرة. ليس مدهشًا إذن مع تعمّق الأزمة الاقتصادية العالمية حدوث إحياءٍ للاهتمام بماركس لم يكن ليتوقّعه الكثيرون في أعوام التسعينيات، حين أعلنت الحكمةُ السائدة أن نظريته ماتت. وبدلًا من ذلك، بين حطام الاشتراكية المتحققة، انبثقت سجالات واسعة حول مسائل «التراكم الأولي»، وصيغ «الانتقال» والمعنى التاريخي والأخلاقي للشيوعية و إمكانها. مختلطة بالمبادئ النسوية، والأناركية، والمناهضة للعنصرية، والكويرية queer*، ما زالت نظرية ماركس تؤثر في عصاة أوروبا، والأمريكتين، وما وراءهما. لا يمكن، إذن، لنسويةٍ مناهضة للرأسمالية أن تتجاهل ماركس. وفي الحقيقة، كما جادلت ستيفي جاكسون/ Steve Jackson، فإن «المنظورات السائدة داخل النظرية النسوية في أوائل الثمانينيات كانت عموما مُسترشِدةً بـ، أو مصاغةً في، حوارٍ مع الماركسية».6 لكن لا شك أن مقولات ماركس لا بد من وضعها على أسسٍ جديدة ولا بد أن نمضي «أبعد من ماركس».7 ولا يرجع هذا فحسب إلى التحولات السوسيواقتصادية التي جرت منذ عصر ماركس، بل بسبب حدود فهمه للعلاقات الرأسمالية -وهي حدودٌ أظهرت دلالاتِها السياسية الحركاتُ الاجتماعية لنصف القرن الأخير، التي وضعت على المسرح العالمي ذواتٍ اجتماعية تجاهلتها أو همّشتها نظرية ماركس.
النسوية ووجهة نظر إعادة الإنتاج الاجتماعي
قدم النسويون إسهامًا هامًا في هذه العملية، لكنهم لم يكونوا وحدهم. فخلال الخمسينيات والستينيات، غداة النضال المناهض للاستعمار، طرح منظّرون سياسيون من أمثال فرانز فانون/Frantz Fanon 8 للتساؤل تحليلات مثل تحليلات ماركس التي شدّدت حصريًا تقريبًا على العمل المأجور وافترضت الدور الطليعي للبروليتاريا المدينية، وهمّشت بذلك المستَعبَدين، والمستعمَرين، والذين بلا أجر، بين آخرين، في عملية التراكم والنضال المناهض للرأسمالية. أدرك هؤلاء المنظّرون السياسيون أن خبرة المستعمرات تتطلّب إعادة التفكير «في الماركسية ككل»، وأن النظرية الماركسية إما أن يعاد تأطيرها لتشمل خبرات 75% من سكان العالم وإما أن تكفّ عن كونها قوةً مُحرِّرة وتصبح بدلا من ذلك عقبة أمام التحرر9. فالفلاحون، وعمال السخرة، وحثالة البروليتاريا، الذين صنعوا ثورات القرن العشرين، لم يبدو أي نيةٍ لانتظار عملية بلترةٍ مستقبلية، أو «لتطور القوى الإنتاجية»، كي يطالبوا بنظام عالمي جديد، مثلما قد ينصحهم الماركسيون الأرثوذكسيون وأحزاب اليسار.
كذلك وبّخ علماء البيئة، بما في ذلك بعض علماء الاجتماع البيئي ماركس لترويجه نظرةً لا تناظرية وأداتية لعلاقة الإنسان-الطبيعة، مقدمًا الكائنات البشرية والعمل باعتبارهما الفاعلين النشيطين الوحيدين ومنكرًا على الطبيعة أية قيمة باطنيةٍ وقدرة على التنظيم-الذاتي.10 لكن مع صعود الحركة النسوية أمكنت صياغة نقد أكثر منهجية للماركسية، لأن النسويين جلبوا إلى الطاولة لا معدومي الأجر في العالم فحسب بل كذلك الأعداد الهائلة للذوات الاجتماعية (النساء، والأطفال، والرجال أحيانًا) الذين ينتجون يوميًا ويعيدون إنتاج قوة العمل في الحقول، والمطابخ، وغرف النوم، والشوارع، ومعهم منظومة من المسائل والنضالات المتعلقة بتنظيم إعادة الإنتاج الاجتماعي التي لم يكد ماركس والتقاليد السياسية الماركسية يتناولونها.
انطلاقًا من هذا النقد أدرس ميراث رؤية ماركس للشيوعية، وأركز على تلك الجوانب الأشد أهمية بالنسبة لبرنامجٍ نسوي ولسياسة المشاعات، التي أُشير بها إلى الممارسات والمنظورات العديدة التي تعتنقها الحركات الاجتماعية عبر الكوكب التي تسعى اليوم لتدعيم التعاون الاجتماعي، وهدم سيطرة السوق والدولة على حيواتنا، وحفز اقتسام الثروة، وبهذه الطريقة، تضع حدودًا لتراكم رأس المال. ومُستبِقةً استنتاجاتي، أجادل بأن رؤية ماركس للشيوعية بوصفها مجتمعا تجاوز القيمة التبادلية، والملكية الخاصة، والنقود، يقوم على أساس منتجين أحرار، ويحكمه مبدأ «لكلٍ حسب حاجته ومن كلٍ حسب قدرته» تمثل مثلًا أعلى لا يمكن أن يعارضه أي نسوي مناهض للرأسمالية. كذلك يمكن للنسويين اعتناق صورة ماركس الملهِمة للعالم الذي تجاوز التقسيم الاجتماعي للعمل، رغم أنهم سيودّون ضمان أنه بين الصيد في الصباح، وصيد السمك فيما بعد الظهر، والانتقاد بعد العشاء، سيتبقى بعض الوقت للجميع للتشارك في التنظيف ورعاية الأطفال. لكن السياسة النسوية تعلّمنا أننا لا يمكن أن نقبل مفهوم ماركس لما يشكّل العمل والصراع الطبقي، كما لا بد بصورةٍ أشد جذرية أن نرفض الفكرة -التي تتخلل أغلب عمل ماركس المنشور- القائلة إن الرأسمالية هي، أو كانت، مرحلةً ضرورية في تاريخ الانعتاق الإنساني وشرطا مسبقًا ضروريًا لبناء مجتمع شيوعي. لا بد من قول ذلك بصرامة، حيث إن فكرة أن التطور الرأسمالي يدعم الاستقلال الذاتي للعمال والتعاون الاجتماعي ومن ثم يعمل باتجاه انحلاله هو ذاته، ثبت أنها جامحة على نحوٍ بارز.
الأهم بكثير بالنسبة للسياسة النسوية من أي طرحٍ مثالي للمجتمع ما بعد الرأسمالي هو نقد ماركس الذي لا يلين للتراكم الرأسمالي ومنهجه، بدءًا من قراءته للتطور الرأسمالي بوصفه نتاج علاقات اجتماعية تناحرية. بعبارة أخرى، كما جادل رومان روسدولسكي/11 Roman Rosdolsky وأنطونيو نيجري/12 Antonio Negri، بين آخرين، فإن ماركس الأشد أهمية بالنسبة لنا، أكثر من الثوري الرؤيوي الذي يطرح عالمًا من التحرر المتحقق، هو منظّر الصراع الطبقي، الذي رفض أي برنامج سياسي لا يتجذّر في الإمكانات التاريخية الواقعية وسعى خلال عمله برمته إلى تدمير العلاقات الرأسمالية، ورأى أن تحقيق الشيوعية هو في الحركة التي تلغي الوضع الراهن للأمور. من وجهة النظر هذه، فإن منهج ماركس المادي التاريخي، الذي يطرح أننا كي نفهم التاريخ والمجتمع لا بد أن نفهم الشروط المادية لإعادة الإنتاج الاجتماعي، يُعدّ حاسمًا بالنسبة للمنظور النسوي. أما الإقرار بأن الإخضاعَ الاجتماعي هو نتاجٌ تاريخي متجذّر في تنظيمٍ نوعي للعمل فقد كان له تأثيرٌ مُحرِّر على النساء. فقد نزع صبغة التطبيع عن التقسيم الجنسي للعمل وعن الهويات المبنيّة على أساسه، وطرح مقولات الجندر [الجنوسة ـ جنس الجنسين] ليس باعتبارها بناءات ذهنية اجتماعية فحسب بل أيضًا باعتبارها مفاهيمَ يُعاد تعريف مضمونها على الدوام، متحركةً إلى ما لا نهاية، ومفتوحة النهاية، ومشحونة سياسيًا دائمًا. وفي الحقيقة، فإن الكثير من السجالات النسوية حول صلاحية «النساء» كمقولةٍ تحليلية وسياسية يمكن أن تُحلّ بسهولة أكبر لو تم تطبيق هذا المنهج، لأنه يعلّمنا أن من الممكن التعبير عن مصلحة مشتركة دون أن ننسب إلى أنفسنا أشكالًا ثابتة ومتجانسة للسلوك والشروط الاجتماعية.
كذلك يكشف تحليلُ الوضع الاجتماعي للنساء من خلال موشور الاستغلال الرأسمالي للعمل الاستمراريةَ بين التمييز على أساس الجندر، والتمييز على أساس العرق، ويمكّننا من تجاوز سياسة الحقوق التي تفترض دوام النظام الاجتماعي الراهن وتخفِق في مواجهة القوى الاجتماعية المتناحرة التي تقف في طريق تحرير النساء. إلا أن ماركس، كما أوضح الكثير من النسويات لم يطبق منهجه ذاته باتساق، على الأقل على مسألة إعادة الإنتاج وعلاقات الجندر. فكما بيّن كلٌ من مُنظِّرات حركة الأجور مقابل العمل المنزلي -ماريا روزا داللا كوستا/13 Mariarosa Dalla Costa، وسيلما جيمس/Selma James 14 وليوبولدينا فورتوناتي/Leopoldina Fortunati 15- والمنظّرات النسويات البيئيات، مثل ماريا ميس/16 Maria Mies وأرييل سالّه/17 Ariel Salleh، ثمة تناقضٌ صارخ في قلب فكر ماركس. فرغم أنه يعتبر أن استغلال العمل هو العنصر المحوري في إنتاج الثروة الرأسمالية، فإنه يترك دون تنظير بعض النشاطات والعلاقات الاجتماعية الأشد جوهرية لإنتاج قوة العمل، مثل العمل الجنسي، والإنجاب، ورعاية الأطفال، والعمل المنزلي. اعترف ماركس بأن قدرتنا على العمل ليست مُعطىً مُسلّمًا به بل هو نتاجٌ للنشاط الاجتماعي18 الذي يتخذ دائمًا شكلًا تاريخيًا نوعيًا، لأن «الجوع هو الجوع، لكن الجوع الذي يتم إشباعه باللحم المطهي الذي يؤكل بالشوكة والسكين يختلف عن الجوع الذي يلتهم لحمًا نيّئًا بمساعدة الأيدي، والأظافر، والأسنان».19 لكننا لا نجد في أعماله المنشورة أي تحليل للعمل المنزلي، والأسرة، والعلاقات الجندرية النوعية في الرأسمالية، باستثناء تأملاتٍ متفرقة تُفيد أن أول تقسيمٍ للعمل كان في الفعل الجنسي، وأن العبودية كامنةٌ في الأسرة، وهكذا دواليك.20 وفي المجلد الأول من رأس المال، لا يتم التطرّق أبدًا للعمل الجنسي حتى في شكله المدفوع، حيث تُستبعَد العاهرات، مع المجرمين والمتشردين، حتى من دائرة «الصعاليك»،21 المرتبطين بوضوح بـ«حثالة البروليتاريا» تلك التي نبذها ماركس في الثامن عشر من برومير باعتبارها عاجزةً إلى الأبد عن تغيير وضعها الاجتماعي.22 وتتم الإشارة إلى العمل المنزلي في هامشين، أحدهما يسجّل اختفاءه من منازل عاملات المصانع النساء اللائي تعانين من العمل المفرط خلال الثورة الصناعية، والآخر يلاحظ أن الأزمة التي سببتها الحرب الأهلية الأمريكية أعادت عاملات النسيج في انجلترا إلى مهامهن المنزلية.23 يعاملُ الإنجاب عموما كوظيفة طبيعية،24 لا كشكل من العمل يندرج في الرأسمالية تحت إعادة إنتاج قوة العمل ومن ثم يخضع لتنظيمٍ نوعي من الدولة. وحتى حين يقدم ماركس نظريته في «فائض السكان النسبي»،25 لا يكاد يذكر مصلحة رأس المال والدولة في قدرة النساء على إعادة الإنتاج، ويُرجِع تحديد فائضٍ سكاني إلى متطلبات التجديد التكنولوجي،26 رغم جداله بأن استغلال أطفال العمال يضيف ميزة إلى إنتاجهم.27
بسبب أوجه الإغفال تلك اتهمت العديد من النسويات ماركس بالاختزال ونظرن إلى تكامل النسوية والماركسية باعتبارها عملية إخضاع.28 إلا أن المؤلفات اللاتي ذكرتُهن أظهرن أننا يمكننا العمل بمقولات ماركس،29 لكن يجب أن نُعيد بناءها ونغيّر نظامها المعماري، بحيث لا يعود مركز الثقل هو العمل المأجور وإنتاج السلع حصريًا، بل إنتاج وإعادة إنتاج قوة العمل، خصوصًا ذلك الجزء الذي تقوم به النساء في المنزل، لأننا بذلك نظهر للعيان مجالًا جديدًا للتراكم والنضال، وكذلك المدى الكامل لاعتماد رأس المال على العمل غير المدفوع والامتداد الكامل ليوم العمل.30 وفي الحقيقة، فإننا بتوسيع نظرية ماركس للعمل المنتج لتشمل عمل إعادة الإنتاج في أبعاده المختلفة، يمكننا ليس فقط أن نصيغ نظرية لعلاقات الجندر في الرأسمالية بل أن نكتسب فهمًا جديدًا للصراع الطبقي والوسائل التي تعيد بها الرأسمالية إنتاج ذاتها من خلال خلق أنظمة عملٍ مختلفة وأشكال مختلفة من التطور غير المتكافئ والتخلف.
إن وضع إعادة إنتاج قوة العمل في بؤرة الإنتاج الرأسمالي يكشف عن عالمٍ من العلاقات الاجتماعية يظل غير مرئيٍ عند ماركس لكنه جوهريٌ لفضح الآليات التي تنظّم استغلال العمل. إنه يكشف أن العمل غير المدفوع التي يستخلصه رأس المال من الطبقة العاملة أكبر بكثير من كل ما تخيله ماركس، ويمتد إلى كلٍ من العمل المنزلي الذي كان متوقعًا من النساء أن تؤدينه واستغلال المستعمرات وأطراف العالم الرأسمالي. ثمة، في الحقيقة، استمرارية بين التقليل من قيمة إعادة إنتاج قوة العمل التي تجري في المنزل وبين التقليل من قيمة العمل المستخدم في المزارع العديدة التي أقامتها الرأسمالية في الأقاليم التي استعمرتها، وكذلك في قلب معاقل التصنيع. وفي كلتا الحالتين لم يتم فحسب تطبيع أشكال العمل والقسر المستخدمة، بل صارت كلتاهما جزءًا من خط الإنتاج الكوكبي المصمَّم لخفض تكلفة إعادة إنتاج العمال المأجورين. على هذا الخط، ينضم العمل المنزلي غير المدفوع المنسوب للنساء بوصفه مصيرهن الطبيعي، ويكمّل، عمل ملايين الفلاحات اللاتينيات/ campesinas، ومزارعي الكفاف، والعمال غير الرسميين، الذين يزرعون وينتجون بمقابلٍ زهيد السلعَ التي يستهلكها العمال المأجورون أو يقدمون بأقل التكاليف الخدمات التي تتطلبها إعادة إنتاجهم. ومن هنا تراتبات العمل التي حاولت الكثير من الأيديولوجيات العنصرية وأيديولوجيات التمييز الجنسي تبريرها، لكنها تبين فحسب أن الطبقة الرأسمالية حافظت على سلطتها من خلال نسقٍ للحكم غير المباشر، تٌوقِع به الانقسام في الطبقة العاملة فعليًا، باستخدام الأجر لتفويض العمال الذكور السلطةَ على غير المأجورين، بدءًا بالسيطرة والإشراف على أجساد النساء وعملهن. وهذا يعني أن الأجر ليس المجالَ الوحيد للمواجهة بين العمالة ورأس المال -المجال الذي تتفاوض فيه الطبقة العاملة على نوعية وتركيب العمل الضروري اجتماعيًا- بل إنه أيضًا أداةُ لخلق علاقات قوة وتراتبات غير متكافئة بين العمال، وأن تعاون العمال في عملية العمل ليس كافيًا بأية حال لتوحيد الطبقة العاملة. ينتج عن ذلك أن الصراع الطبقي سيرورةٌ أعقد بكثير مما افترض ماركس. وكما اكتشفت النسويات، عادة ما يجب أن يبدأ في العائلة، إذ كان على النساء كي تحاربن الرأسمالية أن تحاربن أزواجهن وآباءهن، بنفس الطريقة التي توجّب بها على الملونين أن يحاربوا ضد العمال البيض وضد النمط الخاص من التركيب الطبقي الذي تفرضه الرأسمالية من خلال علاقة الأجر. وأخيرًا، فإن الاعتراف بأن العمل المنزلي هو عمل ينتج القوة العاملة يمكّننا من فهم الهوياتِ الجندرية كوظائف للعمل والعلاقاتِ الجندرية كعلاقاتِ إنتاج، وهذه نقلة تحرِّر النساء من عقدة الذنب التي عانينا منها كلما أردنا رفض العمل المنزلي وتُضخِّم دلالة المبدأ النسوي المتمثل في أن «الشخصي هو السياسي».
لماذا أغفل ماركس ذلك الجزء بالذات من عمل إعادة الإنتاج الأشد جوهرية لإنتاج قوة العمل؟ في موضع آخر،31 اقترحتُ أن ظروف الطبقة العاملة في انجلترا في زمنه قد تُقدم تفسيرًا، إذ حين كان ماركس يكتب «رأس المال»، كان القليل جدًا من العمل المنزلي يؤدَّى في عائلة الطبقة العاملة (كما أقر ماركس ذاته)، لأن النساء كن تُستخدمن جنبًا إلى جنب مع الرجال في المصانع من الفجر إلى غروب الشمس. كان العمل المنزلي، كفرع من الإنتاج الرأسمالي، تحت مستوى أفق ماركس التاريخي والسياسي. وفقط في الجزء الثاني من القرن التاسع عشر، بعد عقدين من تمردات الطبقة العاملة التي كان فيها شبح الشيوعية يطارد أوروبا، بدأت الطبقة الرأسمالية الاستثمار في إعادة إنتاج قوة العمل، في ارتباطٍ مع تحوّلٍ في شكل التراكم، من الصناعة الخفيفة (على أساس المنسوجات) إلى الصناعة الثقيلة (على أساس الفحم والصلب)، مما تطلب انضباطَ عملٍ أشد كثافة وقوةَ عملٍ أقل هزالًا. وكما كتبتُ مؤخرًا في مقال، «بعبارات ماركسية، يمكننا القول إن تطور عمل إعادة الإنتاج والظهور المترتب عليه لربة منزل بروليتارية بدوامٍ كامل كانا ناتجين جزئيين للانتقال من استخلاص قيمة ’الفائض المطلق‘ إلى استخلاص قيمة ’الفائض النسبي‘ كنمطٍ لاستغلال العمل».32 كانا نتاج تحوّل من نظام استغلالٍ قائم على الإطالة المطلقة ليوم العمل إلى آخر يمكن فيه تعويض تقليل يوم العمل بثورة تكنولوجية تكثّف من معدل الاستغلال. لكن عاملا آخر كان بالتأكيد خوفُ الرأسماليين من أن الاستغلال-الفائق الذي يخضع له العمال، بسبب التمديد المطلق ليوم العمل وتدمير مشاعاتهم، كان يؤدي إلى انقراض الطبقة العاملة ويؤثّر على رفض النساء للعمل المنزلي ورعاية الأطفال -وهذا موضوع متكرر في التقارير الرسمية التي أمرت بها الحكومة البريطانية بدءًا من أربعينيات القرن التاسع عشر لتقيّم ظروف عمال المصانع وحالة الصحة.33 عند هذا المفترق تم إدخال إصلاحٍ عمالي يزيد من استثمار رأس المال (بالأموال والعمل) في إعادة إنتاج قوة العمل، ليحفز سلسلةً من قوانين المصنع خفضَت أولًا ثم ألغَت استخدام النساء في المصانع، وزادت بصورة جوهرية (بنسبة 40% مع حلول نهاية القرن) أجر الذكور.34 بهذا المعنى، يمكن قراءة مولد ربة المنزل البروليتارية بدوام كامل -وهي ظاهرة سارعتها الفوردية- باعتباره محاولةً تُعيد إلى العمال المأجورين الذكور، على شكل تجميعةٍ ضخمة من عمل النساء غير المدفوع، المشاعات التي فقدوها مع قدوم الرأسمالية.
أشارت هذه الإصلاحات إلى «الانتقال إلى الدولة الحديثة» كمُخطِّطٍ لبناء عائلة الطبقة العاملة ولإعادة إنتاج قوة العمل35. لكن ما كان الأكثر بروزًا حين كان ماركس يكتب «رأس المال» كان بالتأكيد أن العمال لا يستطيعون إعادة إنتاج أنفسهم. يشرح هذا جزئيًا لماذا لا يوجد العمل المنزلي على الإطلاق تقريبًا في عمله. إلّا أن من المحتمل أن ماركس تجاهل العمل المنزلي أيضًا لأنه كان يمثّل نفس نمط العمل الذي اعتقد أن الصناعة الحديثة سوف ولا بد أن تحل محله، وأخفق في رؤية أن تعايش أنظمة عملٍ مختلفة سيظل مكونًا جوهريًا للإنتاج الرأسمالي وانضباط العمل.
أقترح أن ماركس تجاهل العمل المنزلي لأنه يفتقر إلى الخصائص التي كان يعتبرها جوهريةً بالنسبة للتنظيم الرأسمالي للعمل، الذي ماهىَ بينه وبين التصنيع الواسع -النطاق- أعلى نموذج للإنتاج في نظره. بكون العمل المنزلي يجدُ قاعدته في البيت، ومُنظمًا بطريقة لاجماعية، ولا تعاونية، ويؤدَّى على مستوى منخفض من التطور التكنولوجي، ظل الماركسيون حتى في القرن العشرين في ذروة التدجين، يُصنّفونه باعتباره بقيةً أثرية من أشكال الإنتاج السابقة على الرأسمالية. وكما أوضحت دولورس هايدن/ Dolores Hayden في الثورة المنزلية الكبرى،36 فحتى حين دعا المفكرون الاشتراكيون إلى عملٍ منزلي مكتسب للطابع الاجتماعي، لم يعتقدوا أنه يمكن أن يكون عملًا ذا معنى،37 ومثل أوجوست ببل/ August Bebel، استشرفوا زمنًا يكون فيه العمل المنزلي اختُزل إلى الحد الأدنى.38 وتطلب الأمر تمرّدًا نسائيًا ضد العمل المنزلي خلال الستينيات والسبعينيات لإثبات أن العمل المنزلي هو «عمل ضروري اجتماعيًا»39 بالمعنى الرأسمالي، ورغم أنه ليس منظمًا على أساس صناعي، فإنه بالغ الإنتاجية، وهو إلى حد بعيد عمل لا يمكن ميكنته، لأن إعادة إنتاج الأفراد التي يتوقف عليها بقاء قوة العمل تتطلب تنويعة من الخدمات العاطفية وكذلك البدنية المتبادلة التفاعل بطبيعتها ومن ثم فهي كثيفة العمل جدًا. وزاد هذا الإدراك في خلخلة إطار ماركس النظري والسياسي، ليجبرنا على إعادة التفكير في أحد المبادئ الرئيسية لنظرية ماركس في الثورة، أعني، افتراض أنه مع تطور الرأسمالية سيتم تصنيع كل أشكال العمل، والأهم من ذلك، أن الرأسمالية والصناعة الحديثة شرطان مسبقان لتحرير البشرية من الاستغلال.
الآلات والصناعة الحديثة وإعادة الإنتاج
افترض ماركس أن الرأسمالية والصناعة الحديثة لا بد أن تُعِدّ المسرح من أجل قدوم الشيوعية، لأنه اعتقد أنه دون قفزة في إنتاجية العمل يتيحها التصنيع سيكون محكومًا على البشرية بنزاعٍ لا ينتهي بفعل الندرة، والإملاق، والتنافس على ضرورات الحياة.40 كما نظر إلى الصناعة الحديثة باعتبارها تجسيدَ عقلانيةٍ أرقى، شقّت طريقها إلى العالم من خلال دوافع جشعة لكنها تعلّم الكائنات البشرية توجهاتٍ قادرة على تطوير قدراتنا إلى أقصى مداها، كما تحررنا من العمل. الصناعة الحديثة، بالنسبة لماركس، ليست فحسب وسيلة تقليل «العمل الضروري اجتماعيًا»، بل كذلك ذاتُ نموذجِ العمل، تُعلّم العمال الاتساق، والانتظام، ومبادئ التطور التكنولوجي، ومن ثم تمكّننا من الانخراط بصورة قابلة للتبادل في مختلف أنواع العمل،41 وهذا شيء (كما يذكّرنا) لا يمكن أبدا أن يحققه عامل المانيفاكتورة الشامل وحتى الحرفي المربوط بمهنته.
الرأسمالية، في هذا السياق، هي اليد القاسية التي تجلب الصناعةَ الواسعة النطاق إلى الوجود، وتمهّد الطريق لتركيز وسائل الإنتاج والتعاون في عملية العمل، وهي تطورات اعتبرها ماركس جوهرية لتوسع القوى المنتجة والزيادة في إنتاجية العمل. الرأسمالية أيضا بالنسبة له هي السوط الذي يروّض الكائنات البشرية على متطلبات الحكم-الذاتي، من قبيل ضرورة الإنتاج فيما وراء الكفاف والقدرة على التعاون الاجتماعي على نطاق واسع.42 ويلعب الصراع الطبقي دورًا هامًا في هذه العملية. فمقاومة العمال للاستغلال تجبر الطبقةَ الرأسمالية على تثوير الإنتاج بحيث تقتصد العمل إلى مدى أبعد في نوعٍ من التكيّف المتبادل، لتقلّل باستمرار دور العمل في إنتاج الثروة وتستبدل بالآلات المهامَ التي حاولت الكائنات البشرية الهروب منها تاريخيًا. واعتقد ماركس أنه فور اكتمال هذه العملية، فور أن تقلّل الصناعةُ الحديثة العملَ الضروري اجتماعيًا إلى الحد الأدنى، ستبدأ حقبةٌ سنكون فيها أخيرًا سادة وجودنا وبيئتنا الطبيعية، ولن نكون قادرين فحسب على إشباع احتياجاتنا بل أحرارًا أيضًا لنكرّس وقتنا لمساعي أسمى.
لم يشرح كيف ستحدث هذه القطيعة، إلا من خلال منظومةٍ من الصور الاستعارية التي توحي بأن قوى الإنتاج فور اكتمال تطورها ستكسر القشرةَ التي تغلّفها مُفجِّرةً ثورةً اجتماعية. ومن جديد، لم يوضح كيف سندرك متى ستكون قوى الإنتاج ناضجةً بما يكفي للثورة، مشيرًا فحسب إلى أن نقطة التحول ستأتي مع اتساع العلاقات الرأسمالية باتساع العالم، حين سيبلغ تجانس وتعميم قوى الإنتاج والقدرات المناظرة لدى البروليتاريا بعدًا كوكبيًا.43
ورغم ذلك، مارست رؤيته لعالمٍ يمكن فيه للبشر استخدام الآلات لتحرير أنفسهم من العوز والكدح ويصبح وقتُ الفراغ معيار الثروةِ جاذبيةً هائلة. وتدين لها بالكثير صورة أندريه جورز/ André Gorz لمجتمعٍ ما بعد صناعي دون عملٍ يكرّس فيه الناس أنفسهم لتنميتهم-الذاتية.44 يشهد بذلك أيضًا الانبهار بين الماركسيين الإيطاليين المستقلين ذاتيا بـ«شذرة الآلات» في الأسس/ Grundrisse، وهي الموضع الذي تُقدَّم فيه هذه الرؤية بأقصى جسارة. وقد أفرد أنطونيو نيجري بالأخص، في ماركس متجاوزًا ماركس، هذه الشذرة باعتبارها الجانب الأشد ثورية لنظرية ماركس. وفي الحقيقة، فإن صفحات «الكراستين VI وVII»، حيث يصف ماركس عالمًا كفّ فيه قانون القيمة عن العمل، وألغى العلمُ والتكنولوجيا العملَ الحىّ من عملية الإنتاج ويقوم العمال فقط بدور المشرفين على الآلات، تحبس الأنفاس بقوتها الاستشرافية.45 لكننا، كنسويات خصوصًا، نجد أنفسنا اليوم في وضعٍ نرى منه كم هي وهميةٌ تلك القوى التي يمكن لنظام إنتاجٍ مؤتمَت أن يضعها تحت تصرفنا. يمكننا أن نرى أن «النظام الصناعي المرتفع الإنتاجية المزعوم» الذي كان ماركس بالغ الإعجاب به، «كان في الحقيقة طفيليًا على الأرض، لم يُر أبدا أمثاله في تاريخ البشرية»46، وهو الآن يستهلكُها بسرعة تُلقي ظلًا طويلًا على المستقبل. ولما كان ماركس سابقًا عصره في التعرف على التفاعل بين البشرية والطبيعة، كما لاحظت سالّه،47 فقد حدَس السيرورة، إذ لاحظ أن تصنيع الزراعة يسبب استنزاف التربة بقدر ما يسبب استنزاف العامل.48 لكنه اعتقد بداهةً أن هذا المنحى يمكن عكسه، أن وسائل الإنتاج فور أن يستولي عليها العمال يمكن إعادةُ توجيهها لتخدم أهدافًا إيجابية، أنها يمكن أن تُستخدَم لتوسيع الثروة الاجتماعية والطبيعية بدل استنزافها، وأن انهيار الرأسمالية وشيكٌ إلى درجة وضع حدٍّ للضرر الذي ألحقته بالأرض عمليةُ تصنيعٍ تستهدف الربح.
في كل هذه الأمور كان مخطئًا بعمق. فالآلات لا تُنتِجها الآلات في نوعٍ من الحمْل البتول. وإذا أخذنا الكومبيوتر كمثال، فحتى هذه الآلة الأكثر شيوعًا تُعدُّ كارثةً بيئية، تتطلب أطنانًا من التربة والماء وقدرًا هائلًا من العمل البشري لإنتاجها. وبتضاعفها بمرتبة المليارات، لا بد أن نستنتج أن الآلات اليوم، مثل الماعز في انجلترا القرن السادس عشر، «تأكل الأرض» بإيقاع يبلغ من سرعته أنه لو كان لثورةٍ أن تقوم في المستقبل القريب، فإن العمل اللازم لجعل هذا الكوكب قابلًا للعيش من جديد سيكون مذهلًا.49 علاوة على أن الآلات تتطلب بنيةً تحتية مادية وثقافية تؤثر ليس على مشاعاتنا الطبيعية فحسب -الأراضي، والغابات، والمياه، والجبال، والبحار، والأنهار، والسواحل- بل كذلك على نفسيتنا وعلاقاتنا الاجتماعية، فتشكّل ذاتياتنا، وتخلق احتياجاتٍ وعادات جديدة، وتُنتج تبعياتٍ ترتهن المستقبلَ بدورها. ويفسر هذا جزئيًا لماذا، بعد قرن ونصف من نشر المجلد الأول من «رأس المال»، لا تُبدي الرأسمالية علامةً على التحلل، رغم أن الشروط الموضوعية التي استشرفها ماركس كضرورةٍ للثورة الاجتماعية تبدو أكثر من ناضجة. وما نشهده، بدلًا من ذلك، هو نظامٌ للتراكم الأولي الدائم يذكِّر بتطويقات القرن السادس عشر، ينظّمه هذه المرة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بحشدٍ من شركات التعدين والأعمال الزراعية تقوم في إفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية بخصخصة الأراضي الجماعية وتنزع ملكية المنتجين الصغار للحصول على الليثيوم، والكولتان، والماس التي تتطلبها الصناعة الحديثة.50 كذلك يجب أن نشدّد على أن أيًا من وسائل الإنتاج التي طورتها الرأسمالية لا يمكن الاستيلاء عليها بصورة لا إشكالية وإخضاعها لاستخدام مختلف. ومثلما -كما سنرى لاحقًا- لا يمكننا الاستيلاء على الدولة، لا يمكننا الاستيلاء على الصناعة، ولا العلم، ولا التكنولوجيا الرأسمالية لأن الأغراض الاستغلالية التي خُلقت من أجلها تُشكِّل قوامها وطريقة أدائها.
وأفضل مثال على أن الصناعة والتكنولوجيا الحديثتين لا يمكن ببساطة تملّكهما وإعادة برمجتهما لأغراض مختلفة هو نمو الصناعات النووية والكيميائية، الذي سمّم الكوكب وزوّد الطبقة الرأسمالية بترسانةٍ هائلة من الأسلحة التي تهدّدنا الآن بالفناء أو على الأقل بالتدمير المتبادل للطبقات المتنازعة. وكما عبّر أوتو أولريش/ Otto Ullrich، فإن «أبرز إنجاز للتكنولوجيا العلمية الطابع كان بلا شك زيادة القدرة التدميرية لآلة الحرب».51 وبالمثل، فإن المعالجة العقلانية الرأسمالية للزراعة التي وضعها ماركس كنقيضٍ للطريقة اللاعقلانية المفترضة للمُنتِج الصغير دمّرت وفرة وتنوع وقيمة الغذاء،52 ولا بد من نبذ قدر ٍكبير منها في مجتمع يكون فيه الإنتاج من أجل الكائنات البشرية وليس هدف البشرية.
وثمة اعتبارٌ آخر يجعلنا نطرح للتساؤل مفهوم ماركس عن وظيفة التكنولوجيا في تشكيل مجتمع شيوعي، خصوصًا حين نفحصه من منظور نسوي. فالشيوعية القائمة على الآلات تعتمد على تنظيمٍ للعمل يستبعد النشاطات الأشد أساسية التي تؤديها الكائنات البشرية على هذا الكوكب. وكما ذكرت، فإن عمل إعادة الإنتاج الذي يُغفِله تحليل ماركس هو إلى حد بعيد عملٌ لا يمكن ميكنته. بعبارةٍ أخرى، فإن رؤية ماركس لمجتمع يمكن فيه تقليل العمل الضروري بدرجة ضخمة من خلال الأتمتة يصطدم بحقيقة أن أكبر قدر من العمل على وجه الأرض من طبيعةٍ بالغة الارتباطية ولا يكاد يخضع للميكنة. مثاليًا في مجتمع ما بعد رأسمالي سنُمَيكِن العديد من الأعمال المنزلية الرتيبة، وسنعتمد بالتأكيد على أشكال جديدة من الإتصال للصحبة، والتعلم، والمعلومات، فور أن نسيطر على نوع التكنولوجيا المنتَجة، ولأية أغراض، وتحت أي ظروف. لكن كيف يمكننا أن نُميكِن غسل طفل، ومعانقته، والتسرية عنه، وإلباسه، وإطعامه، وتقديم الخدمات الجنسية، أو مساعدة المرضى أو المسنين الذين لا يستطيعون مساعدة أنفسهم؟ أي آلةٍ يمكن أن تضم المهارات والمشاعر اللازمة لهذه المهام؟ جرت محاولات لخلق روبوتات تمريض53 وروبوتات حب تفاعلية، وربما رأينا في المستقبل إنتاج أمهاتٍ ميكانيكيات. لكن حتى لو افترضنا أننا يمكننا شراء تلك المعدات، فلا بد أن نتساءل بأية تكلفة عاطفية سنُدخلها في منازلنا لتحِل محل العمل الحيّ. لكن إذا لم تكن ميكنة عمل إعادة الإنتاج ممكنةً إلا جزئيًا، فإن المخطط الماركسي الذي يجعل توسّع الثروة المادية معتمدًا على الأتمتة وتقليل العمل الضروري يتهاوى؛ لأن العمل المنزلي، و بالأخص رعاية الأطفال، يمثّل أغلب العمل على هذا الكوكب. يفقد ذاتُ مفهوم العمل الضروري اجتماعيًا الكثير من تماسكه. كيف يمكن تعريف العمل الضروري اجتماعيًا إذا لم يكن القطاع الأكبر والأشد ضرورية من العمل على الكوكب مُعترَفًا به كجزءٍ جوهري منه؟ وأية معاييرٍ ومبادئ ستحكم تنظيم عمل الرعاية، والعمل الجنسي، والإنجاب إذا كانت هذه النشاطات لا تعتبرُ جزءًا من العمل الضروري اجتماعيًا؟
التشكك المتزايد بشأن إمكان التقليل الجوهري للعمل المنزلي من خلال الميكنة هو أحد أسباب تجدُّد الاهتمام والتجريب الآن بين النسويات لأشكالٍ أكثر جماعية لإعادة الإنتاج ولخلق مشاعات إعادة الإنتاج54، بإعادة توزيع العمل بين عدد من الأفراد أكبر مما تتيحه العائلة النووية. النموذجي هنا هي الثورة المنزلية الكبرى، وهي مشروع بحثٍ حيّ مُستلهَم من عمل دولورس هايدن/ Dolores Hayden، أطلقته فنانات، ومصمّمات، ونشيطات نسويات في أوتريخت (هولندا) لاستكشاف كيف يمكن تحويل المجال المنزلي، وكذلك المجاوَرات والمدن، وكيف يمكن بناء «أشكال جديدة للعيش والعمل المشتركين». وفي نفس الوقت، وتحت ضغط الأزمة الاقتصادية، تتضاعف النضالات دفاعًا عن مشاعاتنا الطبيعية (الأراضي، والمياه، والغابات) ولخلق نشاطاتِ مَشْيَعة (مثلا، تسوُّق وطهي جماعيين، بستنة حضرية). ومما له مغزى أنه «بصرف النظر عن الاستعمار ونقل التكنولوجيا، فإن الجزء الأكبر من احتياجات العالم اليومية تواصل تقديمه نساء العالم الثالث اللاتي تزرعن الغذاء خارج رابطة النقود» وبمدخَلات تكنولوجية بالغة المحدودية، بالزراعة غالبًا على الأرض العامة غير المستخدمة.55 في زمن برامج تقشفٍ تُسبّب الإبادة الجماعية، يُعدّ عمل هؤلاء المزارعات بمثابة الفرق بين الحياة والموت بالنسبة للملايين.56 إلّا أن هذا هو نفس نمط العمل الموجّه للكفاف الذي اعتقد ماركس أنه لا بد من القضاء عليه، حيث اعتبر أن عقلنة الزراعة -أي، تنظيمها على نطاق واسع وعلى قاعدة علمية- «إحدي أعظم مزايا نمط الإنتاج الرأسمالي» وجادل بأن هذا غير ممكن إلّا من خلال نزع ملكية المُنتِج المباشر.57
حول خرافة تقدمية الرأسمالية
بينما يجري نقدٌ لنظرية ماركس بشأن قدرة التصنيع على تحرير البشرية من الكدح والعوز، ثمة أسبابٌ أخرى لضرورة رفض اعتقاده بضرورة وتقدمية الرأسمالية. أولًا، أن نظريته تقلِّل من قيمة المعرفة والثروة اللتين أنتجتهما المجتمعات غير الرأسمالية ومن المدى الذي أقامت به الرأسمالية سلطتها من خلال تملّك تلك المجتمعات -وهذا اعتبارٌ محوري إذا أردنا ألّا نفتتن بتقدم المعرفة الرأسمالي وألّا يُصيب الشللُ إرادتَنا للخروج منها. وفي الحقيقة، فإن من المهم لنا سياسيًا أن نتذكر أن المجتمعات التي دمرتها الرأسمالية حققت مستوياتٍ راقية من المعرفة والتكنولوجيا قبل قدوم الميكنة بآلآف السنين، فتعلّمت الإبحار عبر امتدادات شاسعة من المياه، واكتشفت بالمراقبة الليلية المجرات الكوكبية الأساسية، واخترعت المحاصيل التي أقامت أود الحياة البشرية على الكوكب.58 يشهد على ذلك التنوّع المدهش للبذور والنباتات التي استطاع تطويرها سكان أمريكا الأصليون، وبلوغهم براعةً في التكنولوجيا الزراعية لا يمكن تجاوزها حتى الآن، بأكثر من مئتي تنويعةٍ من الذرة والبطاطس تم ابتكارها في أمريكا الوسطى وحدها -وهذا تناقضٌ صارخ مع تدمير التنوع الذي نشهده على يد الزراعة الرأسمالية المنظمة علميًا في زمننا.59
لم تخترع الرأسمالية التعاون الاجتماعي أو التبادل الواسع النطاق، كما سمّى ماركس التبادلات التجارية والثقافية. على العكس، فقد دمّر قدوم الرأسمالية مجتمعات كانت تربطها علاقاتُ ملكيةٍ جماعية وأشكال عمل تعاونية، وكذلك شبكات تجارة واسعة. كانت أنساق عملٍ تعاونية راقية هي القاعدة قبل الاستعمار من المحيط الهندي إلى جبال الإنديز. يمكننا أن نتذكر نظام الأيّو/ ayllu** في بوليفيا والبيرو ونظم الأرض الجماعية في إفريقيا التي بقيت حتى القرن الحادي والعشرين، وكلها تتناقض مع رؤية ماركس بشأن «عزلة الحياة الريفية».60 وفي أوروبا، أيضًا، دمرت الرأسمالية مجتمعًا من المشاعات يقوم ماديًا ليس فقط على أساس الاستخدام الجماعي للأرض وعلاقات العمل الجماعية بل كذلك على النضال اليومي ضد السلطة الإقطاعية، الذي خلق أشكالا تعاونية جديدة للحياة، من قبيل تلك التي جرّبتها حركات الهرطقة (الكاثار، والفالدنسيان) التي حلّلتُها في كاليبان والساحرة.61 وليس من قبيل الصدفة أن الرأسمالية لم يمكنها الانتصار إلّا من خلال حدٍ أقصى من العنف والدمار، بما في ذلك إبادة آلاف النساء خلال قرنين من عمليات اصطياد الساحرات، مما كسر مقاومةً اتخذت بحلول القرن السادس عشر شكل الحروب الفلاحية. إن تطور الرأسمالية، الأبعد ما يكون عن كونه حاملًا للتقدم، كان هو الثورةُ المضادة، حيث خرّب صعود أشكالٍ جديدة للجماعية نشأت في الصراع، وكذلك تلك القائمة في الضِياع الإقطاعية على أساس الاستخدام المشترك للمشاعات. أضف إلى ذلك أنه يلزم ما هو أكثرُ بكثيرٍ من تطور الصناعة الواسعة النطاق لخلق التوليفة والتجمع الثوريين للمنتجين الأحرار اللذين استشرفهما ماركس عند ختام «رأس المال»، المجلد الأول.62 رأس المال والصناعة الواسعة النطاق قد يحفزان «تركيز وسائل الإنتاج» والتعاون في عملية العمل الذي ينتُج عن تقسيم العمل،63 لكن التعاون اللازم لعمليةٍ ثورية مختلفٌ نوعيًا عن العنصر التقني الذي يصفه ماركس بأنه (مع العلم والتكنولوجيا) «الشكل الأساسي لنمط الإنتاج الرأسمالي»64. ومن المشكوك فيه حتى إن كان يمكننا الحديث عن تعاونٍ بصدد علاقات عمل لا يُسيطر عليها العمالُ أنفسهم ومن ثم لا تُنتِج اتخاذَ-قرارٍ مستقل، إلّا في لحظة المقاومة حين يتم تخريب التنظيم الرأسمالي لعملية العمل. كما لا يمكننا تجاهل أن التعاون الذي نال إعجاب ماركس كعلامةٍ للتنظيم الرأسمالي للعمل أمكن تاريخيًا بالضبط على أساس تدمير مهارات العمال وتعاونهم في نضالهم.65
ثانيًا، أن نفترض أن التطور الرأسمالي كان حتميًا، ناهيك عن كونه ضروريًا أو مرغوبًا، في أي وقت من التاريخ، في الماضي أو الحاضر، يعني أن نضع أنفسنا على الجانب الآخر من نضالات الناس الذين قاوموه. لكن هل يمكننا القول إن الهراطقة، الأنابابتيين [مناهضي الناموس]، والحفّارين، والعبيد الآبقين، وكل الأشخاص المتمردين الذين قاوموا تطويقات مشاعاتهم أو حاربوا لإقامة نظام اجتماعي مساواتي، وكتبوا، مثل توماس مونتسر/ Thomas Müntzer (كل ملكية يجب أن تكون مشاعًا omnia sunt communia) على راياتهم، كانوا على الجانب الخطأ من التاريخ، منظورًا إليهم من منظور التحرر الإنساني؟ ليس هذا سؤالًا عبثيًا. لأن انتشار العلاقات الرأسمالية ليس شيئًا من الماضي بل سيرورةٌ مستمرة، ما زالت تتطلّب دمًا ونارًا، ولا تزال تولّد مقاومةً هائلة تضع بلا شك كابحًا على إخضاع كل أشكال الإنتاج على الأرض وعلى انتشار العمل المأجور.
ثالثًا، أن نطرح الرأسمالية بوصفها ضرورية وتقدمية يعني أن نقلِّل من قيمة حقيقةٍ أصررتُ عليها طوال هذا الفصل: أن التطور الرأسمالي ليس، أو ليس بالدرجة الأولى، تطوير القدرات البشرية وفي المقام الأول القدرة على التعاون الاجتماعي، كما توقع ماركس. إنه أيضا تطوير علاقاتِ قوةٍ غير متكافئة، وتراتبات، وانقسامات، تُولّد، بدورها، إيديولوجيات، ومصالح، وذاتيات تؤسس قوةً اجتماعية تدميرية. وليس صدفة، في وجه الهجوم النيوليبرالي الأشد تنسيقًا لخصخصة الموارد الجماعية والعامة المتبقية، أن الجماعات الأشد تماسكًا، وليست الأشد تصنيعًا، هي التي استطاعت أن تقاوم، وفي بعض الحالات، أن تعكِس مدّ الخصخصة. وكما أوضحت نضالات شعب السكان الأصليين -نضال الكتشوا/ Quechua والأيمارا/ Aymara ضد خصخصة الماء في بوليفيا66 ونضالات شعب الآوا/ U'wa في كولومبيا ضد تدمير أراضيهم بالحفر للتنقيب عن البترول، بين أمثلة أخرى- تم وقف التوسع الرأسمالي وحتى إجباره على التراجع، لا حيث كان التطور الرأسمالي هو الأرقى بل حيث كانت الروابط الجماعية هي الأقوى. وفي الحقيقة، بينما يتراجع احتمال ثورةٍ عالمية يُشعلها التطور الرأسمالي، تبدو إعادة تأسيس مجتمعاتٍ محلية سحقتها سياساتٌ عنصرية ومتحيّزة جنسيًا ودوراتٌ متعددة من التطويقات، لا مجرد شرطٍ موضوعي بل شرطًا مسبقًا للتحول الاجتماعي.
من الشيوعية إلى المشاعات: منظور نسوي
لا بد إذن أن تكون أولويةً سياسية للنسويات وسواهم من حركات العدل الاجتماعي اليوم أن يقاوموا الانقسامات التي خلقتها الرأسمالية على أساس العرق، والجندر، والعمر، وأن يُوحّدوا ما فصلته في حياتنا وأن يُعيدوا تأسيس مصلحةٍ جماعية. هذا في نهاية المطاف هو موضع الرهان في سياسة المشاعات، التي تفترض مسبقًا، في أفضل أحوالها، اقتسامًا للثروة، واتخاذ -قرار جماعي، وثورةً في علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين. يمكن للتعاون الاجتماعي وبناء المعرفة الذي نسبه ماركس للعمل الصناعي أن يُقام فقط من خلال نشاطات المشيعة -البستنة الحضرية، وإدارة بنك الوقت، وتعميم المصادر المفتوحة- التي تُنظَّم-ذاتيا وتتطلبُ، كما تُنتِج الجماعة النوعية. بهذا المعنى، بقدر ما تستهدفُ سياسات المشاعات إعادة إنتاج حيواتنا بطرق تدعم الروابط المتبادلة وتضع حدودًا للتراكم الرأسمالي،67 فإنها تترجم، جزئيًا فكرة ماركس عن الشيوعية بوصفها إلغاءً للوضع الراهن للأمور. كذلك يمكن الجدال أننا مع تطور المشاعات الأونلاين -صعود السوفت وير المجاني وحركات الثقافة المجانية- نقترب الآن من التعميم الكوني للقدرات البشرية الذي استشرفه ماركس كنتيجة لتطور القوى المنتجة. لكن سياسة المشاعات تفترق جذريًا عما عنته الشيوعية في التقاليد الماركسية وفي الكثير من عمل ماركس، بدءًا من البيان الشيوعي. هناك عدّة اختلافاتٍ جوهرية بين سياسة المشاعات والشيوعية تبرز خصوصًا حين ننظر إلى هذه الأشكال السياسية من وجهة نظر نسوية وبيئية.
المشاعات، كما تناقشها الكاتبات النسويات أمثال فاندانا شيفا/ Vandana Shiva، وماريا ميس، وآرييل سالّه/ Ariel Salleh وتمارسها القاعديات في المنظمات النسائية، لا تعتمد في تحقيقها على تطور القوى المنتجة أو ميكنة الإنتاج، أو أي انتشار كوكبي للعلاقات الرأسمالية -وهي الشروط المسبقة لمشروع ماركس الشيوعي. بل على العكس، تكافح التهديدات التي يفرضها عليها التطور الرأسمالي وتُعيد تقييم المعارف والتكنولوجيات المحلية- النوعية.68 لا تفترض أن ثمة ارتباطًا ضروريًا بين التطور العلمي/التكنولوجي والأخلاقي/الذهني، الذي هو فرضيةٌ كامنة في مفهوم ماركس للثروة الاجتماعية. كما تضع في محور مشروعها السياسي إعادة هيكلة الإنتاج كمجالٍ حاسم لتغيير العلاقات الاجتماعية، وبذلك تخرِّب بنية القيم لتنظيم العمل الرأسمالي. وبوجه خاص، تحاول كسر العزلة التي ميّزت العمل المنزلي في الرأسمالية، ليس بهدف إعادة تنظيمه على مقياسٍ صناعي، بل بهدف خلق المزيد من الأشكال التعاونية لعمل الرعاية.
المشاعات يجري تصريفها بصيغة الجمع، بالروح التي نشرها الزاباتيستا، بشعار «لا واحدة، و[صيغ] نعم كثيرة»، مما يقر بوجود مسارات تاريخية وثقافية متنوعة وكثرة من النواتج الاجتماعية تتماشى مع إلغاء الاستغلال. إذ أن من المعترف به أن تبادل الأفكار والخبرات التكنولوجية يمكن أن يكون قوةً تاريخية إيجابية، لكن احتمال تعميمٍ كوني للمعارف، والمؤسسات، وأشكال السلوك تجري مقاومته باضطراد ليس فقط بوصفه ميراثًا استعماريًا بل كمشروعٍ لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تدمير الحيوات والثقافات المحلية. وفي المقام الأول، لا تعتمد المشاعات في وجودها على دولة مسانِدة. رغم أن ثمة في الدوائر الراديكالية رغبةٌ متلكِّئة في وجود الدولة كشكلٍ انتقالي، يُفترَض أن المطلوب منها هو محو المصالح الرأسمالية المُتحصِّنة وإدارة تلك العناصر من الثروة المشتركة التي تتطلب تخطيطًا واسع المدى (الماء، والكهرباء، وخدمات النقل.. إلخ.) فإن شكل الدولة اليوم في أزمة، ليس فقط في الدوائر النسوية وغيرها من الدوائر الراديكالية. وفي الحقيقة، فإن شعبية سياسة المشاعات ترتبط مباشرة بأزمة شكل الدولة، التي أوضحها بصورةٍ درامية إخفاق الاشتراكية المتحقِّقة والتعميم العالمي لرأس المال. وكما عبر جون هولوواي بقوة في غيّروا العالم دون الاستيلاء على السلطة، فإن تخيُّل أننا يمكننا استخدام الدولة لإقامة عالمٍ أكثر عدلًا يعني أن ننسِب لها وجودًا مستقلًا ذاتيًا، مجرّدًا من شبكتها من العلاقات الاجتماعية، التي تربطها بصورة لا تنفصم بالتراكم الرأسمالي وتجبرها على إعادة إنتاج النزاع الاجتماعي وآليات الاستبعاد. كما يعني تجاهل حقيقة «أن العلاقات الاجتماعية الرأسمالية لم تكن أبدا قاصرةً على حدود الدولة» بل تتأسس كوكبيًا69. وفضلًا عن ذلك، مع بروليتاريا عالمية منقسمة على أساس الجندر والتراتبات العرقية، فإن «دكتاتورية البروليتاريا» المتعيّنة في شكل دولة ستخاطرُ بأن تصبح دكتاتورية القطاع الأبيض/الذكر من الطبقة العاملة. لأن من يملكون سلطةً اجتماعية أكبر سيوجّهون العملية الثورية بالتأكيد صوب أهداف تحفظ الامتيازات التي اكتسبوها.
بعد عقود من التوقّعات المغدورة والاقتراعات الانتخابية، توجد الآن رغبة عميقة، خصوصًا بين الشباب في كل البلدان، في استعادة القوة على تغيير حيواتنا، في استعادة المعرفة والمسؤولية اللتين قد نملّكهما في دولة بروليتارية لمؤسسةٍ مُتسيِّدة قد تحلّ محلنا بينما تمثّلنا. سيكون هذا تحوّلًا كارثيًا. لأننا بدل أن نخلق عالمًا جديدًا، سنُزيِّف سيرورة التحول-الذاتي التي دونها لا يكون أي مجتمعٍ جديد ممكنًا، ونُعيد تأسيس ذات الشروط التي تجعلنا اليوم سلبيين حتى في مواجهة أفظع حالات الجور المؤسسي. إن أحد أوجه جاذبية المشاعات بوصفها «الشكل الجنيني لمجتمع جديد» هو أنها تمثل سلطةً تأتي من مستوى الأرض، بدل أن تأتي من الدولة وتعتمد على التعاون والأشكال الجماعية لاتخاذ-القرار بدل القسر.70 بهذا المعنى، تتناغم روح المشاعات مع استبصار أودري لورد/ Audre Lorde بأن «أدوات السيّد لن تهدم أبدا بيت السيد»71، وأنا أعتقد أن ماركس لو كان حيًا اليوم لوافق على هذه النقطة. فرغم أنه لم يتوقف كثيرًا عند أوجه الخراب التي أنتجها التنظيم الرأسمالي للتحيز الجنسي والعنصرية ولم يُولِ كبير اهتمام بتحويل ذاتية البروليتاريا، فإنه فهم أننا نحتاج إلى ثورة لنحرر أنفسنا ليس فقط من القيود الخارجية بل كذلك من التمثُّل الداخلي للإيديولوجيا والعلاقات الرأسمالية، ووفق تعبيره، من «كل رَوَث العصور»، حتى نصبح «صالحين لتأسيس المجتمع من جديد».72
الهوامش
- Karl Marx and Frederick Engels, The German Ideology, Part 1, ed. C.J. Arthur (New York: International Publishers, 1970), 56–57.
- Heidi I. Hartmann, «The Unhappy Marriage of Marxism and Feminism: Towards a More Progressive Union,» Capital and Class 3, no. 2 (Summer 1979): 1–33.
- هذه الحجة قائمة على قراءة «الكراسات الإثنولوجية». وهي ملاحظات جمعها خلال سنواته الأخيرة إعدادًا لعمل كبير حول الموضوع. وتعليقاته هنا تبين أن عمل لويس هنري مورجان المجتمع العتيق، و«خصوصا تقريره المسهب عن هنود الإيروكوا، منح ماركس لأول مرة استبصارات عن الإمكانات العينية لمجتمع حر كما وُجد فعليًا في التاريخ» وعن مسار ثوري لا يعتمد على تطور العلاقات الرأسمالية. ويجادل روزمونت أن مورجان كان في ذهن ماركس حين أثار في مراسلة مع ثوريين روس إمكان سيرورة ثورية في روسيا تتحرك مباشرة إلى أشكال كوميونية من الملكية على أساس الكوميونة الفلاحية الروسية، وليس من خلال حلها. انظر: Franklin Rosemont, «Karl Marx and the Iroquois.» July 7, 2009, accessed June 2, 2018, http://libcom.org/library/karl-rnarx-iroquois-franklin-rosemant. On this subject, وانظر أيضا: Kevin B. Anderson, «Marx’s Late Writings on Non-Western and Precapitalist Societies and Gender,« Rethinking Marxism 14, no. 4 (Winter 2002): 84–96; Teodor Shanin, Late Marx and the Russian Road: Marx and the «Peripheries of Capitalism» (New York: Monthly Review Press, 1983), 29–31.
- زعم أنطونيو نيجري، مثلًا، أنه يجب النظر إلى «الجروندريسه» باعتبارها ذروة فكر ماركس وأن أهمية «رأس المال» قد بولغ في تقديرها، ففي «الجروندريسه» طور ماركس مفاهيمه الكبرى والتعريف الأشد جذرية للشيوعية. انظر: Antonio Negri, Marx beyond Marx: Lessons on the Grundrisse, ed. Jim Fleming, trans. Harry Cleaver, Michael Ryan, and Maurizio Viano (Brooklyn: Autonomedia, 1991), 5–4, 8–9, 11–18.
وعلى النقيض، يجادل جورج كافينتزيس بأن «رأس المال» به مفهوم أكثر تكاملًا للرأسمالية وأن ماركس في هذا العمل اللاحق نبذ بعض الأطروحات الأساسية، الواردة في «الجروندريسه» مثل أطروحة أن الرأسمالية، من خلال أتمتة الإنتاج، يمكنها أن تتجاوز قانون القيمة، انظر: Caffentzis, «From the Grundrisse to Capital and Beyond: Then and Now,« Workplace: A Journal for Academic Labor no. 15 (September 2008): 59–74, accessed June 2, 2018, http://ices.library.ubc.ca/index.php/workplace/article/view/182216.
- Ariel Salleh, Ecofeminism as Politics: Nature, Marx and the Postmodern (London: Zed Books, 1997), 71; Bertell Ollman, Dialectical Investigations (New York: Routledge, 1993).
* الكوير: كلمة تصف الهويات الجنسية للمثليات والمثليين، والثنائيي الجنس، والعابرين جنسيًا. (المترجم)
- Stevi Jackson, «Why a Materialist Feminism Is (Still) Possible,« Women’s Studies International Forum 24, no. 3–4 (May 2001): 284.
- Negri, Marx beyond Marx.
- كما كتب فرانز فانون: «لذا يجب دائمًا توسيع التحليل الماركسي قليلًا في كل مرة نتناول المشكلة الاستعمارية. فكل شيء حتى وبما في ذلك ذات طبيعة المجتمع قبل الرأسمالي، الذي شرحه ماركس جيدًا، يجب هنا التفكير فيه من جديد»: Fanon, The Wretched of the Earth (New York: Grove, 1986), 40.
- Roderick Thurton, «Marxism in the Caribbean,« in Two Lectures by Roderick Thurton: A Second Memorial Pamphlet (New York: George Caffentzis and Silvia Federici, 2000).
- انظر على سبيل المثال: Joel Kovel, «On Marx and Ecology,» Capitalism, Nature, Socialism 22, no. 1 (September 2011): 11–14. يجادل كوفل بأن ماركس ظل حبيس وجهة نظر علمية النزعة وإنتاجية النزعة وطرح «طبيعة سلبية يشتغل عليها إنسان نشيط». وشجع «تطورًا شاملًا للقوى الإنتاجية». (13، 15). إلا أن هناك سجالًا عريضًا حول الموضوع لا يمكنني الإشارة إليه إلاّ عرضًا، انظر على سبيل المثال: John Bellamy Foster, «Marx and the Environment,» Monthly Review 47, no. 3 (July–August 1995): 108–23.
- Roman Rosdolsky, The Making of Marx’s «Capital« (London: Pluto Press, 1977).
- Negri, Marx beyond Marx.
- Mariarosa Dalla Costa, «Women and the Subversion of the Community,« in The Power of Women and the Subversion of the Community, eds. Selma James and Mariarosa Dalla Costa (Bristol: Falling Wall Press, 1975).
- Selma James, Sex, Race and Class (Bristol: Falling Wall Press, 1975).
- Leopoldina Fortunati, The Arcane of Reproduction: Housework, Prostitution, Labor and Capital, ed. Jim Fleming, trans. Hillary Creek (Brooklyn: Autonomedia, 1995).
- Maria Mies, Patriarchy and Accumulation on a World Scale (London: Zed Books, 1986).
- Salleh, Ecofeminism as Politics.
- Karl Marx, Capital: A Critique of Political Economy, Vol. 1, ed. Frederick Engels, trans. Ben Fowkes (London: Penguin, 1990), 274.
حيث يكتب، «تتحدد قيمة قوة-العمل، مثلما في حالة كل سلعة أخرى، بوقت-العمل الضروري لإنتاج، وبالتالي، أيضًا إعادة إنتاج هذا الصنف النوعي. بقدر ما تكون له قيمة، فإنه لا يمثل أكثر كمية محددة من متوسط العمل الاجتماعي المتشيء فيه. لا توجد قوة العمل إلا كقدرة للفرد الحي. وبالتالي فإن إنتاجها يفترض سلفًا وجوده. ومع وجود الفرد، يتمثل إنتاج قوة العمل في إعادة إنتاجه لذاته أو الحفاظ عليه.
- Karl Marx, A Contribution to the Critique of Political Economy, ed. Maurice Dobb (New York: International Publishers, 1970), 197.
- Marx and Engels, The German Ideology, 51–52.
- Marx, Capital, Vol. 1, 797.
- Karl Marx, The Eighteenth Brumaire of Louis Napoleon (New York: International Publishers, 1963).
- يحدث هذا في هامش، في «الآلات والصناعة واسعة-النطاق«، معلقًا على الإحلال المتزايد للعاملات النساء بالعمال الذكور، نتيجة إدخال الآلات في المصنع. «قذف كل عضو في الأسرة في سوق العمل». يكتب: «حيث أن وظائف معينة، مثل تمريض وإرضاع الأطفال، لا يمكن إلغاؤها تمامًا، فإن الأم التي جرت مصادرتها بواسطة رأس المال لا بد أن تجرب بدائل من نوعٍ ما. العمل المنزلي، من قبيل الخياطة وإصلاح الثياب، لا بد أن يحل محله شراء أصناف جاهزة. ومن ثم فإن الإنفاق المتضائل للعمل في المنزل يصاحبه إنفاق متزايد للنقود في الخارج. ومن ثم تتزايد تكلفة إنتاج عائلة الطبقة العاملة: Marx, Capital, Vol. 1., 518n.
وبالإشارة إلى هذه الفقرة لاحظت ليوبولدينا فورتوناتي أن «ماركس تمكن من رؤية العمل المنزلي فقط حين دمره رأس المال، ورآه من خلال قراءة التقارير الحكومية التي أدركت المشكلات التي طرحها اغتصاب العمل المنزلي قبل ذلك بكثير: Fortunati, The Arcane of Reproduction, 169.
- يكتب ماركس، مثلًا، أن «الزيادة الطبيعية للعمال لا تُرضي متطلبات تراكم رأس المال»:Marx, Capital, Vol. 1, 794.
- Capital, Vol. 1. 794–97.
- Capital, Vol. 1, 782.
- :Capital, Vol. 1, 795. لا يوضح ماركس، رغم ذلك، من يحدد هذا الإنتاج المتزايد -وهذا سؤال وجيه باعتبار أن وصفه، في رأس المال، المجلد الأول، للعلاقات الأمومية في الأحياء الصناعية لانجلترا يشير إلى رفض واسع النطاق لممارسة الأمومة بحيث يُقلِق صناع السياسة وأصحاب الأعمال المعاصرين: Capital, Vol. 1, 521, 521n, 522.
- Hartmann, «The Unhappy Marriage,» 1.
- الاستثناء هي ماريا ميس، التي ذكرت مرارًا أن من المستحيل داخل الماركسية التفكير في علاقات الجندر: Mies, Patriarchy and Accumulation On a World Scale.
- Federici, Revolution at Point Zero: Housework, Reproduction, and Feminist Struggle (Oakland: PM Press, 2012), 38.
- Federici, Revolution at Point Zero, 94–95. For an analysis and critique of Marx’s conceptualization of the reproduction of labor-power, see also Federici, «Capital and Gender,» in Reading ‘Capital’ Today, eds. Ingo Schmidt and Carlo Fanelli (London, Pluto Press, 2017), 79–96.
- Marx, Capital, Vol. 1, Chapter 16, Part V.
- Capital, Vol. 1, 348, 591, 599, 630.
أرقام الصفحات الثلاث الأخيرة تناقش تأثير استخدام النساء في المصانع على انضباطهن وعملهن في إعادة الإنتاج. وكما قال ماركس، «بصرف النظر عن التقدم اليومي المهدِّد لحركة الطبقة العاملة، فرضت تقييد عمل المصنع نفسُ الضرورة التي فرضت تسميد الحقول الانجليزية بسماد الجوانو [براز طيور البحر والوطاويط]. فنفس الرغبة العمياء في الربح التي أنهكت التربة في هذه الحالة أطبقت الخناق في الحالة الأخرى على القوة الحيوية للأمة من جذورها.
- ليست مصادفة أن يكون لدينا مع حلول عام 1870 قانون زواج جديد وقانون تعليم (أدخل الحق في التعليم الأولي للجميع)، وكلاهما يعني مستوى جديدًا من الاستثمار في إعادة إنتاج قوة العمل. وبدأ في نفس الفترة، بالتزامن مع الارتفاع في الأجر العائلي، تغير في عادات أكل الناس في بريطانيا، وفي وسائل توزيع الغذاء، مع ظهور أولى متاجر الغذاء في الأحياء. وفي نفس الفترة بدأت ماكينة الخياطة تدخل البيت البروليتاري. انظر: Eric J. Hobsbawm, Industry and Empire: The Making of Modern English Society, Vol. 2, 1750 to the Present Day (New York: Random House, 1968), 135–36, 141.
- Fortunati, The Arcane of Reproduction, 173.
- Dolores Hayden, The Grand Domestic Revolution: A History of Feminist Designs for American Homes, Neighborhoods, and Cities (Cambridge, MA: MIT Press, 1985 [1981]).
- Hayden, The Grand Domestic Revolution, 6.
- August Bebel, Women under Socialism (New York: Schocken Books, 1971). 172.
39.«زمن-العمل الضروري اجتماعيًا هو زمن العمل الذي يتطلبه إنتاج أية قيمة استعمالية في ظل شروط الإنتاج العادي لمجتمع مُعين ومع الدرجة المتوسطة للمهارة وكثافة العمل السائدة في ذلك المجتمع»: ماركس، «رأس المال». المجلد 1، 129.
- Marx and Engels, The German Ideology, 56.
- Marx, Capital, Vol. 1, 618.
- Capital, Vol. 1, 775.
- Marx and Engels, The German Ideology, 55–56; Karl Marx and Frederick Engels, The Communist Manifesto, trans. Samuel More (New York: Penguin, 1967).
- André Gorz, A Farewell to the Working Class (London: Pluto, 1982); Gorz, Paths to Paradise: On the Liberation from Work (London: Pluto, 1985); on this subject, see also Edward Granter, Critical Social Theory and the End of Work (Burlington, VT: Ashgate, 2009), 121.
يشير جرانتر إلى أن فكرة جورس عن مجتمع يكون فيه وقت الفراغ مقياسًا للثروة هي فكرة ماركسية، وفي الواقع يشير جورس بوضوح إلى ماركس باستشهادات من «الجروندريسه».
- Negri, Marx beyond Marx.
- Otto Ullrich, «Technology,» in The Development Dictionary: A Guide to Knowledge as Power, ed. Wolfgang Sachs (London: Zed Books, 1993), 281.
- Salleh, Ecofeminism as Politics, 70.
- كما كتب ماركس في المجلد الأول من «رأس المال» في نهاية الفصل عن «الآلات والصناعة الواسعة-النطاق»: «كل تقدم في الزراعة الرأسمالية هو تقدم في فن، ليس سرقة العامل فحسب، بل في سرقة التربة؛ فكل تقدم في زيادة خصوبة التربة لزمن معين هو تقدم باتجاه تدمير المصادر الدائمة لتلك الخصوبة. كلما انطلق بلد من الصناعة الواسعة النطاق باعتبارها الخلفية لتطوره، مثلما في حالة الولايات المتحدة، كلما زادت سرعة عملية الدمار هذه. ومن ثم، يطور الإنتاج الرأسمالي التقنيات ودرجة توليف عملية الإنتاج الاجتماعية بأن يدمر في نفس الوقت المصادر الأصلية لكل ثروة - التربة والعامل»؛ ماركس، رأس المال، مجلد 1، 638.
- لنفكر، مثلا، في العمل الضروري لمراقبة وتحييد التأثيرات المدمرة لأكوام النفايات النووية المتراكمة عبر الكوكب.
- See Federici, «War, Globalization and Reproduction,« in Revolution at Point Zero, 76–84; Federici, «Women, Land Struggles, and the Reconstruction of the Commons,« Working USA 14, no. 1 (March 2011); Federici, «Witch-Hunting, Globalization, and Feminist Solidarity in Africa Today,» Journal of International Women’s Studies 10, no. 1 (October 2008): 29–35, reprinted in Federici, Witches, Witch-Hunting, and Women (Oakland: PM Press, 2018), 60–86.
- Ullrich, «Technology!,» 227.
- Karl Marx, Capital: A Critique of Political Economy, Vol. 3, ed. Frederick Engels, trans. Ben Fowkes (London: Penguin, 1991), 948–49.
- Nancy Folbre, «Nursebots to the Rescue? Immigration, Automation, and Care,« Globalizations 3, no. 3 (September 2006): 356.
- On this subject, see Federici, «Feminism and the Politics of the Commons in an Era of Primitive Accumulation,» in Revolution at Point Zero, 138–48.
- Salleh, Ecofeminism as Politics, 79; Federici, «Feminism and the Politics of the Commons,» 138–48.
- طبقًا لصندوق الأمم المتحدة للسكان، عام 2001، «كان نحو 200 مليون من سكان المدن يزرعون الغذاء و«يزودون نحو مليار شخص بجزء من إمدادهم الغذائي على الأقل».
United Nations Population Fund, State of the World Population 2001: Footprints and Milestones: Population and Environmental Change (New York: United Nations, 2001). A Worldwatch Institute report, «Farming the Cities Feeding an Urban Future,» June 16, 2011, accessed June 4, 2018, http://www.worldwatch.org/node/8448
يؤكد أهمية زراعة الكفاف ويلاحظ في بيان صحفي «حاليا ينخرط نحو 800 مليون شخص على مستوى العالم في الزراعة الحضرية وينتجون 15 ـ 20 بالمائة»; Worldwatch Institute, «State of the World 2011: Innovations that Nourish the Planet,« accessed June 2, 2018, http://www.worldwatch.org/sow11.
- Marx, Capital, Vol. 3, 754–55.
- Clifford D. Conner, A People’s History of Science: Miners, Midwives, and «Low Mechanicks» (New York: Nation Books, 2005).
- Jack Weatherford, Indian Givers: How the Indians of the Americas Transformed the World (New York: Fawcett Books, 1988).
** الأيّو: عشائر قرابة تمثل الوحدة الاجتماعية الاقتصادية الأساسية لمجتمع هنود الكتشوا والأيمارا في بوليفيا والبيرو التي تقطن إقليم الإنديز، تتشكل من عائلات ممتدة تملك الأرض مشاعًا وتقوم بدور الحكومة المحلية. (المترجم)
60 حول هذه الترجمة انظر: Hal Draper, The Adventures of the Communist Manifesto (Berkeley: Center for Socialist History, 1994).
- Federici, Caliban and the Witch: Women, the Body and Primitive Accumulation (Brooklyn: Autonomedia, 2004).
- Marx, Capital, Vol. 1, 930n.
- Capital, Vol. 1, 92: .
- Capital, Vol. 1, 454.
- حول هذا الموضوع، انظر: Marx, Capital, Vol. 1, 563–68. In «Machinery and Large-Scale Industry,« section 5، في «الصراع بين العامل والآلة» يكتب ماركس: «أداة العمل تصرع العامل». فالرأسماليون لا يستخدمون الآلات فحسب لتحرير أنفسهم من الاعتماد على العمالة، بل إن الآلات هي «أقوى طريقة لكبت الإضرابات... وسيكون ممكنا كتابة تاريخ كامل للاختراعات المنجزة منذ 1830 لغرض وحيد هو إمداد رأس المال بالأسلحة ضد تمرد الطبقة العاملة». Capital, Vol. 1, 562–63.
- Raquel Guitérrez Aguilar, Los ritmos del Pachakuti: levantamiento y movilización en Bolivia (2000–2005) (Mexico: Sisifo Ediciones, 2009).
- Massimo De Angelis, The Beginning of History: Value Struggles and Global Capital (London: Pluto Press, 2007).
- Maria Mies and Vandana Shiva, Ecofeminism (London: Zed Books, 1993); The Ecologist, Whose Common Future? Reclaiming the Commons (London: Earthscan, 1993).
- John Holloway, Change the World without Taking Power: The Meaning of Revolution Today (London: Pluto Press, 2002) 14, 95.
- John Holloway, Crack Capitalism (London: Pluto Press, 2010), 29.
- Audre Lorde, «The Master’s Tools Will Never Dismantle the Master’s House,«in This Bridge Called My Back: Writings by Radical Women of Color, eds. Cherríe Moraga and Gloria Anzaldúa (New York: Kitchen Table, 1983), 98–101.
- Marx and Engels, The German Ideology, 95.
تقارير ذات صلة
الأم الصغيرة.. قصة من الأدب الهندي لعصمت شوجتاي
من الأدب الهندي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن