المؤهل: ﻻبتوب وكاميرا.. المهنة: يوتيوبر
كل شيء يتغير حولنا. وسائل الاتصال وأشكال العلاقات، وحتى أنماط العمل. انهارت الصور التقليدية للعمال وما يعنيه العمل، خصوصًا بعد شهور طويلة من الوباء. انتقلنا من المكتب إلى البيت. ومن الراحة في أنواع وظائف تقليدية إلى الحاجة إلى ابتكار أشكال أخرى لكسب العيش. نحاول في «مدى مصر» الاشتباك مع هذه الأنماط الجديدة لما يعنيه العمل. ننشر لكم خلال يومين قصتين عن تلك الأنماط. الأولى عن «اليوتيوبرز» والثانية عن «اللايف كوتش»
لن تجد من يخبرك عن الخطوات المضمونة لنجاح تفسيخ الفسيخ أو تخليل الزيتون وطهي الكوارع وتنظيف «الكرّشة والفشة» غير الجدات، أو مقطع فيديو صوره أو صورته إحداهنّ منشورًا على يوتيوب، لتغرق في دوامة من المقاطع تنقل وتعلم مهارات منزلية ومطبخية شديدة الطابع المحلي والشعبي لا تنتهي، وما كنا نظنه أمرًا هامشيًا، تخبرنا أرقام المشاهدات المدونة أسفل كل مقطع أنه بات مطلوبًا ومنتشرًا، وأن صناع الفيديوهات قدّموا وقدّمن ضالة كثيرين، ليحصلوا لاحقًا وبشروط على أثمان خدماتهم.
منذ عشر سنوات، كانت غالبية استهلاك المصريين لمنصات التواصل الاجتماعي مقتصرة على فيسبوك، بينما كانت كل المنصات الأخرى استهلاكها لا يتجاوز 1% لكن الإحصائيات تقول إنه في نهاية 2017، يبدو أننا كما لو أعدنا اكتشاف اليوتيوب من جديد، ليصعد استهلاكنا كمصريين لليوتيوب بشكل ملحوظ، حتى أنه خلال أبريل الماضي، لأول مرة خلال عقد من الزمن تفوق استهلاكنا لليوتيوب على فيسبوك بنسبة 50.9% في مقابل 40% فقط، بحسب «Statcounter» أداة قياس زيارات المواقع.
مقطع الفيديو المنشور على يوتيوب الذي نشاهده كل ليلة قبل النوم، أو أثناء استراحة قصيرة خلال العمل، لم يعد مجرد مشاهدة عابرة، بل هي صناعة تُشكِل فيها مشاهداتنا الأرباح، وبات صُنع الفيديو عملًا قد يدر دخلًا. لكن متى تتحول صناعة الفيديو لعمل يوفر دخلًا، قد يكون إضافيًا أو أساسيًا؟ وما هي المهارات التي يجب على الصُنّاع اكتسابها لينجح هذا النمط الجديد من الوظائف؟ وما هو تفسير التناقض الكامن في أن صانعي المحتوى شديد المحلية الناجحين هم الأبعد عن استخدام التكنولوجيا؟
لم تكن الشهرة أحد الاحتمالات الواردة في تصورات سامي عن نفسه، خاصة وهو في الـ55 من عمره، إذ لم يتوقّع ذيع صيته خارج دوائر معارفه وزبائن محل بقالته الصغيرة الذي يقع على ناصية أحد الشوارع الضيقة والهادئة في أطراف مركز إيتاي البارود بمحافظة البحيرة، لتنطلق شهرته بعدها إلى فرنسا من بين دول أخرى، حيث لديه معجبين شاهدوه عبر قناته «يوميات سامي ماركت» على يوتيوب.
يحكي سامي لـ«مدى مصر» أنه منذ أكثر من عام قرر أكبر أبنائه إنشاء قناة على يوتيوب، يعرض من خلالها محتوى متنوع، لكنها لم تلقَ رواجًا، إلا أنه عندما شارك ابنه في بضع مقاطع، نجحت وسجلت مشاهدات كبيرة، ليقرر بعدها سامي أن يُنشئ قناته الخاصة، ويدعو كل معارفه للاشتراك بها، خاصة أنه بدأ بالترويج عبر القناة لبقالته وعروض الأسعار التي تقدمها، ثم انتقل رويدًا إلى تقديم بعض وصفات الطعام المحلي والموسمي. وبعد ثلاثة أشهر، استطاع سامي أن يجتاز الحد المطلوب للاشتراك ببرنامج «شركاء يوتيوب»
وفقًا للقواعد المنظمة لمنصة يوتيوب، يُتاح لليوتيوبرز الانضمام لبرنامج «شركاء يوتيوب» والمقصود بالشركاء صناع المحتوى والمالكين الحصريين لحقوقه الفكرية، وذلك بعد اجتياز الحد الأدنى للانضمام، والذي يتطلب تحقيق أربع آلاف ساعة مشاهدات لمقطع واحد أو لعدة مقاطع، وجذب ألف مشترك في القناة، يلي ذلك تحقق يوتيوب من هذه الشروط، ثم يُفعل التربح من القناة عبر إضافة إعلانات تتخلل الفيديو.
تحول الأمر بالنسبة لسامي من التسلية إلى العمل الجاد، فبات يُنجز مقطع فيديو بوتيرة منتظمة، في البداية أسبوعيًا ثم تحول الأمر إلى عمل شبه يومي، يطل من خلاله سامي على الملايين من جماهيره بطريقة عفوية تبتعد تمامًا عن الحنتفة والسنتفة التي تُهندس كل تفاصيل الصورة التي كنّا قد اعتدنا عليها فيما يمكن تسميته بالمحتوى/ الصورة الكلاسيكية على يوتيوب. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال التلقائية في الحديث، والكثير من الخروج عن النص، وحركة الكاميرا غير المنضبطة، وظهور مارّة، يقطع سامي حديثه ليُلقى عليهم السلام، ثم يعود ويُكمل حديثه بشكل طبيعي.
اللافت كذلك أن مقاطع سامي وغيره من نفس شريحة منتجي المحتوى، هو مدة المقطع التي غالبًا ما تكون طويلة قد تصل إلى قرابة الساعة، وهو ما يبدو الوقت القادر على استيعاب كل هذه التلقائية في المحتوى، وكذلك قد يعكس مهارات تقنية متراجعة تتعلق بتكثيف الفيديو وتقسيمه وإخراجه بشكل أقصر.
العقبات التقنية، من تصوير ومونتاج ورفع للمقاطع، هي أمور يؤكد سامي استحالة تعامله معاها، وعليه يضطلع ابنه أحمد (16 عامًا) الذي يدرس بالصف الثاني بإحدى مدارس الثانوية الفنية، بهذا الدور. يحكي أحمد لـ«مدى مصر» أن الأمر تتطلب منه تطوير مهاراته التقنية، في بادئ الأمر قبل أن يتعلم المُونتاج، كان يضطر أحيانًا إلى إعادة تسجيل الفيديو مرات عديدة إذا ما وقع خطأ أثناء التصوير، حتى أنه أعاد تصوير أحد المقاطع 14 مرة، لكنه تعلم المونتاج من فيديوهات تعليمية على المنصّة نفسها التي كان يأمل أن يعرض عليها، وهي يوتيوب، ليوفر لاحقًا الجهد والوقت.
يكافح أحمد لتحسين الجانب التقني لمقاطع الفيديو، مقاومًا علاقته المرتبكة بالتكنولوجيا، فحين استطاع سامي شراء هاتف «آيفون 12» المتطور، بغية تحسين جودة الصورة، وجد أحمد صعوبات في التعامل مع الهاتف وتشغيله، و اضطر للاستعانة بمساعدة آخرين ليطور معرفته بهذه المساحة.
يستحق الأمر العناء، فالأرباح من القناة تصل إلى سبعة آلاف جنيه شهريًا في أدنى مستوياتها، بحسب أحمد الذي يضيف أن ذلك يتجاوز بكثير الدخل الناتج عن البقالة، النشاط الوحيد الذي يُعيل العائلة، مستدركًا أن لا عمل آخر في ايتاي البارود سيوفر هذا الدخل. وتأتي هذه الأرباح نتيجة حجم المشاهدات المتأرجح بين عشرات الآلاف ويصل -كما في أحد الفيديوهات عن كيفية إعداد «الحواوشي»- إلى قرابة مليوني مشاهدة، بينما بلغ إجمالي مشاهدات القناة أكثر من 19 مليون مشاهدة خلال سنة وثلاثة أشهر.
استطاع سامي أن يقتحم سوق العمل الجديدة هذه عبر بيع مهارة اكتسبها ذات يومٍ، مصادفة، إذ أن سامي كان أصغر إخوته ما جعله شديد القرب من والدته «سيدة الطعام الشهي» ليصبح المطبخ مركز هذه العلاقة الوطيدة، ومن ثم تعلم سامي بدقة الوصفات الأصلية لكل ما أعدته والدته في المطبخ، بدءًا من الأطباق المصرية الرئيسية وحتى الحلوى، على أن يشترك جميعها في أنها ذات تكلفة اقتصادية منخفضة، ما يرى سامي أنه العنصر الأهم الذي يقدمه ليساعد الناس على مواجهة غلاء الأسعار.
ليلى النجار، التي حُصرت طوال حياتها في لقب ربّة منزل، أصيبت قبل عامين، بمرض نادر يسبب تليف العضلات، أدخلها في حالة نفسية سيئة للغاية، فاقترحت عليها واحدة من بناتها الأربع عمل قناة على اليوتيوب، لتشغل ذهنّها بأمر غير مرضها.
فبدأت ليلى تصوير مقاطع فيديو لا تلتقط فيه الكاميرا سوى يديها التي تطبق وصفات طعام بدقة وبنصائح عن التفاصيل الصغيرة التي تضمن لمشاهديها أن يأكل الشخص أصابعه ورائها، وكانت مشاهداتها في أول الأمر غير لافتة، إلى أن وثَّقت تفسيّخ الفسيخ ليكون مقطعها الرابح، مُحققًا حوالي مليون مشاهدة، أتبعته بفيديو آخر حول إعداد سمك التونة ليشاهده 1.3 مليون مستخدم. أما البطاقة الذهبية فكانت من حظ مقطعها عن كيفية تنظيف «الكرشة»، فشوهد أكثر من 4.3 مليون مرة. وهكذا نمت المشاهدات، لتصبح لدى ليلي الآن أكثر من 40 مليون مشاهدة على قناتها.
تحكي ليلى لـ«مدى مصر» ببهجة عن شعورها بالفخر لكونها، الآن، تتكسّب من عملها وبشكل مستقل عن زوجها، بعد أن كانت دومًا ربة منزل، حتى أنها استطاعت تأسيس مشروع آخر تستثمر فيه هذا الدخل عبر شراء محل كمخزن، تقوم فيه بتفسيّخ الفسيخ وبيعه عبر قناتها مع توفير خدمة التوصيل للمنزل.
تسييل المشاهدات: كيف يربح اليوتيوبرز؟
تقول ليلى المنخرطة أكثر -جراء عملها- في أوساط اليوتيوبرز خاصة من ربات البيوت، إنه بوجود مشاهدات في المتوسط تتخطى 50 ألف مشاهدة، تصبح الأرباح هي الدخل الأساسي للأسرة إلى الحد الذي دفع أزواج بعض ممن تعرفهنّ، لترك أعمالهم ليصبحوا شركاءً في المحتوى حتى أنهم «بيغسلوا السجاجيد مع مراتتهم» في فيديوهات. ليلي، التي تحفظت على ذكر دخلها من يوتيوب، أوضحت أن الشريحة التي تتحدث عنها تتراوح أرباحهم من 20 إلى 100 ألف جنيه شهريًا.
فضلًا عن مشروع المخزن والدخل المباشر من المشاهدات التي تحققها، تُحصّل ليلى دخلًا إضافيًا من حصدها لمشاهدات كبيرة من خلال عقود المُعلنين التي يبرمونها مباشرة مع ليلى، عقود قد تكون سنوية، وقد تكون طويلة الأمد فقط بين شركات قليلة جدًا وكبار اليوتيوبرز من حيث حجم الانتشار بحسب مراد السيوفي، مدير قسم الديجيتال ميديا في منصة «مدرستي» التعليمية والمدير السابق لنفس القسم في شركة «Omd» للإعلام، الذي يوضح أن التعاقد يكون في الغالب على حملات إعلانية تتضمن عددًا محددًا من الفيديوهات في حالة يوتيوب.
في هذه الحالة، يكمن دور الشركة المُعلنة، التي يحكمها الانتقائية الشديدة عندما تختار يوتيوبر ما، في تقييم عدد المشاهدات والمشتركين لدى اليوتيوبر، ونتائج تحليل نوع جمهوره من حيث نسبة الرجال إلى السيدات، وأعمارهم، ومواقعهم الجغرافية، ونوعية الجمهور المستهدف. هنا يقرر المُعلن إذا ما كانت هذه الشريحة هي سوقه المستهدفة أم لا.
أما ما يقع على عاتق اليوتيوبر عند اجتماعه مع المعلن، يتضمن تقديم فكرة الحملة، وتوضيح سعر الفيديو، وبحسب السيوفي فإن فكرة الحملة مساحة تُترك لصانع المحتوى نظرًا لأنه الأكثر دراية بنوع المحتوى المفضل لجمهوره.
بحسب السيوفي، تحديد تكلفة تلك العقود، الآخذة في التوسع منذ 2017، صعبة نظرًا لاختلاف شرائح الإنفلونسرز، بشكل عام، فقد تكون خمسة آلاف جنيه أو قد تتجاوز 200 ألف جنيه، ويصنع الفارق في السعر حجم مشاهدات اليوتيوبر.. بالملايين أو مئات الآلاف، أو أقل من ذلك.
ويختار المُعلن، الذي تُحقق إعلاناته الأرباح لكل من المنصة ومُنتجي المقاطع، من بين استراتيجيات متعددة لتحقيق هدفه. يرى محلل منصات التواصل الاجتماعي بإحدى المؤسسات الصحيفة، محمود السيد، أن الاستراتيجية الأولى، وهي ذهاب المُعلن إلى يوتيوب مباشرة، ناجحة بشكل أكبر من حيث إدارة المنصة لعملية وصول الإعلان إلى الفئة المُستهدفة بالإعلان، ما يجعل مردود تكلفة الإعلان أكبر بالنسبة للمُعلن، بينما تنضوى الاستراتيجية الثانية (توجه المُعلن مباشرة إلى اليوتيوبر) استفادة على مستوى آخر، فبدلًا من أن يرى المستهلك إعلانًا موجهًا، يتعرض المستهلك لحالة ارتباط مختلفة بالسلعة أو المنتج حين يكون ترشيحًا من اليوتيوبر مبني على المصداقية التي بينه وبين المستهلك/ المشاهد، وعلى الاستخدام المباشر من اليوتيوبر.
يؤكد السيوفي، أن ذهاب المُعلن إلى الإنفلونسرز، بما فيهم اليوتيوبرز، بشكل مباشر لا يستهدف حجم مبيعات من وراء هذه الحملة، بقدر استهداف خلق حالة من التفاعل والتأثر تدور حول المنتج، مُضيفًا أن هذا يحدث في قطاعات بعينها مثل الأغذية ومستحضرات التجميل، لأنها أنواع من المنتجات يعتمد انتشارها بشكل قوي على التأثر، مثل مشاهدة يوتيوبرز مفضلة لدى إحداهنّ تستخدم منتج ما من منتجات التجميل، أو يوتيوبر يقدم وصفات طعام يستخدم خلالها نوع محدد من منتجات الطعام، لذا سيحرك المشاهد عند محاولته إعادة إنتاج الشكل النهائي -سواء للوصفة أو وضع «المكيب أب»- استخدام ذات المنتج الذي استُخدم من قِبل اليوتيوبر.
وعن القطاعات التي لا يفيدها مثل هذا النوع من الحملات الدعائية، منتجات المشروبات الغازية، لن يتأثر المستهلك برؤيته أحد صناع المحتوى يشرب «بيبسي» بحسب السيوفي.
يلفت السيوفي النظر إلى أن هذا هو ما يجعل هناك نقاش حول ما إذا كان هذا النوع من الدعايا سيموت قريبًا بموت تأثير كل الإنفلونسرز عمومًا مع الوقت، لكن يقاوم هذا الرأي أن بعض السلع تظل متعطشة للتأثير الذي تصنعه منصات التواصل الاجتماعي بشكل يومي في حياتنا.
أما عن كيفية قياس تلك المشاهدات، يخبرنا السيد أن الوحدة التي يُبنى عليها الربح على يوتيوب هي الألف مشاهدة، واحتساب عدد من المتغيرات التي تتخلل هذه الألف، ليُصبح لدينا مقياس اسمه «CPM» لكل ألف مشاهدة، لكن الربح الناتج عنها ليس ثابتًا، إنما يخضع لعدد من المعايير المتغيرة: المواقع الجغرافية للمشاهدين، ألف مشاهد داخل مصر بسعر وألف مشاهد داخل كندا بسعر آخر. كذلك مدى توافق المشاهدين من حيث الأعمار والاهتمامات مع الشريحة المستهدفة من قِبل المُعلن. مثال على ذلك، لو أن المعلن يستهدف ألف مشاهد بأعمار العشرينيات ممن يهتمون بالإلكترونيات، أو ممن في مرحلة تحضيرات الزواج ومهتمون بالأثاث وشراء عقار إلخ. وإلى جانب نوعية المشاهد، أو المستهلك لاحقًا، هناك سلوك المشاهد بمعنى عدد المشاهدين الذين تخطوا الإعلانات في مقابل من شاهدوا الإعلان إلى ما بعد الحد المسموح عنده بالتخطي، عدد المشاهدين الذين نقروا على الإعلان نتيجة اهتمام أكبر بالإعلان، كل ذلك يُترجم إلى أرباح بحسب السيد.
ونظرًا لضخامة السوق المصري للعديد من المنتجات، خاصة تلك المقترنة بنوعية المحتوى المحلّى، صارت رغبة المعلنين الترويج لمنتجاتهم عبر ذلك المحتوى فرصة جديدة لصنّاع المحتوى المتطلعين لسبل جديدة لتحقيق دخول إضافية، حتى تطور سوق إنتاج المحتوى نفسه، وأصبح زاخرًا بالصنّاع الذين انتبهوا لتلك الفرص، وآخرين يستثمرون في هؤﻻء الصنّاع.
صناعة صناعة المحتوى
انتشار صناعة المحتوى ليس نتاج جهود فردية ليوتيوبرز انتبهوا إلى فرص المكسب من محتواهم، إذ أنه قد ظهر خلال هذه الموجة التي بدأت في الانتشار خلال السنوات الثلاث الماضية، سماسرة دفعوا بهذه الصناعة إلى أعلى، خاصة في المناطق الأكثر فقرًا. مثلًا، يتعاقد سمسار بشكل غير رسمي مع عدد من ربات البيوت لتقديم محتوى معين، ولا يطلب منهن سوى تصوير الفيديو.
يعمل هؤلاء السماسرة بشكل خاص مع الفئة التي تقدم المحتوى المعني بالطبخ والحياة اليومية المنزلية، وحتى كيفية تناول الخلافات العائلية، كما يؤكد السيد، موضحًا أن عمل السمسار يبدأ عند استلامه ذلك المحتوى المصوّر الخام من زبائنه، ومعها حقوق البث، ويتولى هو تأسيس الحسابات على يوتيوب وربطها بحسابات بنكية، ومَنْتَجة الفيديوهات، ثم رفعها على المنصة وإعداد الإعلانات عليها، ثم سحب الأرباح من ماكينات الصراف الآلي على أن يُعطي أصحاب المواد الأصليين مبلغًا شهريًا.
حسام بسيوني، أحد السماسرة ومؤسس شركة افتراضية تُدعى «Sniper Media» تحدث إلى «مدى مصر» موضحًا أن دور السمسار مؤخرًا بدأ يأخذ شكلًا أكثر تطورًا، في ظل تنامي وعي صانعي المحتوى بمسألة الأرباح، بمعنى أنه لم يعد شائعًا ربط السمسار القناة بحساب بنكي يخصه، خوفًا من النصب، ففريق العمل الذي يُديره يقتصر دوره على إدارة القناة وتحميل المقاطع ومَنْتَجتها وكذلك الدفع لمنصة يوتيوب لشراء مشاهدات مدفوعة عن فيديو ما، وتسويق الفيديو بما يتضمنه ذلك اختيار الصورة الظاهرة من الفيديو، ووضع عنوان به الكثير من الكلمات المفتاحية ليتقاطع أكثر مع محركات البحث، لتزيد المشاهدات.
بسيوني، الذي قد يصل دخله إلى 20 ألف جنيه شهريًا من عمله، يخبرنا أنه مع انتشار ثقافة التربح من اليوتيوب، بات كثيرون يُقبلون على صناعة المحتوى، ولكن البعض ممن يريدون تحقيق ذلك بشكل سريع، لا ينتظرون حتى اجتياز الحد الأدنى لبدء الربح، وهو كما أشرنا سابقًا أربعة آلاف ساعة مشاهدات وجذب ألف مشترك في القناة، خلال مدة أقصاها عام.
هنا، تأتى أهم الخدمات الذي يقدمها حسام، تفعيل قناة لصاحبها. يقوم بذلك عبر طرق غير شرعية، بحسب ما يشرح حسام، يتعامل مع خوادم تُفبرك ساعات مشاهدة وهمية -لكنها مُحتسبة- على مقطع فيديو واحد على القناة المستهدفة قد تصل مدته الزمنية إلى ستين دقيقة، يمكن من خلال هذه الخدمة الإسراع من عملية تفعيل القنوات على يوتيوب.
بهذه الطريقة، يحقق حسام الأربعة آلاف ساعة مشاهدة، في فترة من ثلاثة أيام إلى أسبوع، بدلًا من شهور قد يحتاجها صانع المحتوى المستجد لإنجاز هذا الشرط، ثم يأتي دور الألف مشترك وهي المهمة الأسهل بالنسبة لحسام.
ويستخدم حسام وشركته هذه الطريقة لهدفين، إما تدشين قنوات وتفعيلها ثم بيعها جاهزة للإعلانات والأرباح بأسعار تبدأ من ألف جنيه وحتى 15 ألف جنيه، أو أن يطلب أحد الزبائن من حسام أن يُفعِّل له قناته الخاصة التي دشنها الزبون بشكل مستقل عن خدمات حسام.
يُؤكد حسام أنه في غالبية المرات، حين يقوم يوتيوب بمراجعة تحقق شروط الانضمام لبرنامج «شركاء يوتيوب»، تنتهي المراجعة بالموافقة، وهو ما يعني أن هذه الخدعة غالبًا ما تمر.
استطاع «مدى مصر» الوصول لحسام، أساسًا، عبر جروب على منصة التواصل الاجتماعي فيسبوك تعلن عن تقديمها مجموعة من الخدمات لليوتيوبرز، وتتوالى عليها إعلانات عن قنوات مفعلة بحالات مختلفة، أي عدد المشتركين بها يتراوح ما بين أعداد صغيرة إلى كبيرة، يُؤسس على ذلك لاحقًا الأسعار التي قد تكون مُعلنة أو قابلة للتفاوض.
يحكي حسام عن نجاحات فريقه، مع العديد من العملاء، الذين يشير إلى أن نسبة كبيرة منهم من النساء اللاتي تسعين وراء الحصول على عمل يوفر دخل، قد يُفعِّل قنواتهن، أو يبيعهن قنوات مُفعّلة، ويتابع معهن إدارة القناة لفترة من الوقت حتى يستقر أدائها، وهنا قد ينتهي عمل فريقه، أو يستمر في حالة طلب اليوتيوبر منه ذلك.
يتفق كلٌ من السيد وبسيوني على أن أحد أهم العوامل التي خلقت هذا الإقبال الواسع على صناعة محتوى على منصة يوتيوب بهدف تحقيق ربح، كان رؤية نماذج تبدلت أحوالهم المعيشية بشكل جذري جراء العمل على يوتيوب، مثل أحمد حسن وزينب، اللذان صار دخلهما أضعاف ما كان قبل ذلك.
طبقًا لموقع سوشيال بليد Social Blade لتحليلات السوشيال ميديا، المتخصص في تحليل بيانات يوتيوب، تدر قناة ليلى النجّار دخلًا بين 500 وثمانية آﻻف دولار أمريكي شهريًا، وذلك النطاق الواسع يرجع لعدم اطلاع الموقع على الـCPM المحدد لأي قناة، فيعطي الموقع نتيجة لذلك حد أدنى وأقصى لما يمكن للدخل الذي من الممكن أن تحققه كل قناة.
يُضيف السيد أن انتشار صناعة الفيديو في المناطق الريفية والصعيد كان مدفوعًا بانعدام فرص عمل تحقق دخلًا في مستوى ما يحققه يوتيوب، إلى جانب قدرة صناعة المحتوى على إدماج ذوي المهارات المحدودة في سوق العمل بتجاوزهم متطلبات هذا السوق الاعتيادية وعوائده المتواضعة. ضف إلى ذلك، أن الدخل من اليوتيوب -حتى في أدنى مستوياته- يعتبر جيدًا نظرًا للانخفاض النسبي لتكاليف المعيشة في الأقاليم مقارنة بالحضر.
في نهاية الأمر، ما كان لأي عمل متاح في «ايتاي البارود»، أن يمكن سامي من رفع مستوى دخله كما فعلت صناعة المحتوي على يوتيوب، كذلك لم تكن ليلى النجار لتتمكن من دخول سوق العمل وتوفير دخل كبير، بعد قضاء سنوات طويلة خارج قوة العمل، كما قدم يوتيوب فرصة عمل لها تقدم تتسم بالمرونة في الوقت بما لا يضغط على وضعها الصحيّ، لكننا سنكتشف خلال المدى المتوسط حدود قابلية هذه الوظيفة للاستدامة.
تقارير ذات صلة
ساعة «العمل المؤقت».. أدنى من «الحد الأدنى»
في فبراير الماضي أقر المجلس القومي للأجور حدًا أدنى لأجور العمل المؤقت عند 28 جنيهًا للساعة
أين يسكن موظفو الحكومة في العاصمة الجديدة؟
عشرات الآلاف من موظفي الدولة سينتقول للعمل في العاصمة الجديدة
رحلة التعليم من التنمية إلى الأرباح
يُنتج التعليم الخاص والتوسع المستمر فيه حاليًا المزيد من اللامساواة
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن