المأزق الإسرائيلي بعد «طوفان الأقصى»
مع اليوم السادس من عملية طوفان الأقصى التي أطلقتها كتائب القسام، التابعة لحركة حماس، يتعرض قطاع غزة لقصف جوي ومدفعي إسرائيلي غير مسبوق، بحسب شهود عيان داخل القطاع، مع استمرار الحديث عن احتمال غزو بري.
حتى الآن، تتمحور عملية السيوف الحديدية، التي يرد بها الجيش الإسرائيلي على «طوفان الأقصى»، حول استرداد القوة، بعد اتفاق الجميع على أن عملية المقاومة قد تكون الأقسى من حيث الحجم والتبعات منذ إعلان دولة إسرائيل في 1948، واحتلال أراضٍ أكثر في 1967.
بدأ هجوم المقاومة في الساعات الأولى من السبت الماضي، باختراق طائرات شراعية، تحمل مقاتلي القسام، الأجواء الإسرائيلية على الحدود مع غزة، تلاها اقتحام مقاتلين للسياج الفاصل بين القطاع واﻷراضي المحتلة بدراجات نارية وسيارات دفع رباعي. ما عزز قوة العملية أنها كانت على جبهات متعددة، فنتج عنها أسر عشرات الإسرائيليين، وقتل أكثر من 1300 وفقًا لتقديرات الإعلام الإسرائيلي.
رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، صرح «إننا في حالة حرب ولسنا في حملة عسكرية»، وإعلان الحرب يترتب عليه إعلان حالة الطوارئ ووضع إمكانيات إسرائيل اللوجيستية وبناها التحتية تحت تصرف الجيش لتحقيق أهدافه، المتمثلة في تدمير غزة ومقاومتها. هذا ما باشرت فيه إسرائيل منذ اللحظة الأولى لتدارك هجوم المقاومة عليها، فاستهدفت المدنيين في غزة ليل نهار، من خلال تدمير البنايات السكنية، كما قطعت الكهرباء عن القطاع بشكل كلي، ما أدى بالضرورة لانقطاع المياه، تبع كل هذا انهيار في المنظومة الصحية وقدرتها الاستيعابية.
تُبرز تطورات «طوفان الأقصى» والرد عليها بـ«السيوف الحديدية» محك إسرائيلي داخلي، حيال الغياب المطول لاستراتيجيته تجاه غزة بشكل خاص والفلسطينيين بشكل عام، وهو الغياب الذي ارتاح له بشكل كبير الائتلاف اليميني الحاكم والذي يشهد معارضة وتحديات متزايدة في الفترة الأخيرة.
الباحث والأكاديمي في العلوم السياسية في جامعة بيرزيت برام الله، إبراهيم ربايعة، يرى أن الهدف المباشر من رد الفعل الإسرائيلي هو إنهاء حركة حماس ميدانيًا وسياسيًا. «المستوى الأول من رد الفعل الإسرائيلي هو المستوى العسكري الميداني، الذي يتمثل بأعلى درجة من فوهة النيران المفتوحة على قطاع غزة، اعتماد سياسة الأرض المحروقة، تحويل قطاع غزة إلى مجموعة من الجزر غير القابلة للحياة» يقول ربايعة.
«يقودنا هذا إلى الهدف السياسي، وهو إنهاء حكم حماس وتدمير بنيتها العسكرية بشكل كامل، وإنهاء قدراتها وإخراجها من اللعبة السياسية»، طبقًا لربايعة، الذي يرى أنه بجانب التحرك العسكري، هناك «المستوى الآخر والخطير الذي تعمل عليه إسرائيل، وهو الخطاب السياسي الذي يضع حماس في موقع داعش، وهو خطاب نجح بشكل كبير على مستوى العواصم الأوروبية والولايات المتحدة، بوصف ما فعلته حماس بالأوصاف التي كانت تطلق على داعش، وهذا يعني إخراج حركة حماس من أي لعبة سياسية قادمة، وملاحقة مسؤوليها السياسيين والعسكريين، وإغلاق العواصم العربية والإسلامية أمامها بشكل كامل، وبالتالي إنهائها من الخارج والداخل».
لا يتفق الجميع مع وضوح الاستراتيجية الإسرائيلية في هجومها على غزة في الوقت الراهن، إذ يستشعر البعض البُعد الانتقامي في المقام الأول وغياب الهدف السياسي بشكل عام.
تقول المحللة في مجموعة الأزمات العالمية، مايراف زنشاين، إنها لا تعتقد أن القوى السياسية أو حتى العسكرية في إسرائيل لديها تخيل لما ستؤول إليه هجماتها الحالية على غزة، «الأمر الواضح هو أنهم ذاهبون بكل قوتهم، بلا تهاون، وبمقاربة انتقامية راغبة في دفع حماس ثمنًا باهظًا لما فعلته».
«ولوقت طويل، لم تصغ إسرائيل هدفًا واضحًا لغزة»، تقول زنشاين، وتضيف «لا استراتيجية لإسرائيل في غزة، فقط حروب وهجمات جوية عليها على مدار سنوات لشراء وقت بين كل عملية والأخرى. لقد سمعت هذا الرأي مرارًا وتكرارًا من مسؤولين أمنيين إسرائيليين، أنه ليس هناك حل لقضية غزة».
تضع زنشاين ذلك الرأي في الإطار العام لسياسة اليمين الإسرائيلي الحاكم، والراغب في الإبقاء على حركة حماس باعتبارها تمثل أيضًا العائق أمام قيام دولة فلسطينية أو مفاوضات جدية حولها، فتقول: «أعتقد أن هذا العنصر لا يزال معنا في الصورة، وجزء من الحسابات السياسية الإسرائيلية. اليمين الإسرائيلي يريد حماس قائمة».
يضم التحالف الحاكم، الذي تشكل في ديسمبر 2022 برئاسة نتنياهو، أحزابًا يمينيةً، منها حزبا: الصهيونية الدينية والقوة اليهودية، واعتمدت حكومة التحالف سياسات توسيع المشروع الاستيطاني من بين سياسات أخرى مناهضة للوجود الفلسطيني.
لكن اليمين الإسرائيلي ليس اللاعب الوحيد في تشكيل رد الفعل على «طوفان الأقصى»، فهناك ضغط شعبي إسرائيلي مهم، ودعوات في الإعلام باستقالة الحكومة أو على الأقل نتنياهو.
يقول الباحث السياسي من غزة، عزيز المصري: «الشعب الإسرائيلي يطالب برد قوي وعنيف ضد حركة حماس وقطاع غزة عامةً، للانتقام وإعادة هيبة الدولة، ويطالب الحكومة بفعل المستحيل لإعادة الأسرى الإسرائيليين من القطاع. الضغط منحصر في جزئية لوم الجيش والحكومة، حيث يحملونها مسؤولية أسر أبنائهم ويتهمونها بالتخاذل، بل إن الاتهامات وصلت لاعتبار الجيش متآمر مع حماس وهو من سهل لهم عملية الاقتحام والأسر».
وقوع أسرى إسرائيليين بيد المقاومة الفلسطينية، الذين تقدّرهم الأرقام المتداولة بنحو 150 أسيرًا إسرائيليًا، ومن جنسيات أخرى، منها الأمريكية والألمانية والفرنسية، فرض شروطًا جديدةً في التعامل مع الإسرائيليين.
هنا، يوضح ربايعة أن «إسرائيل تتعامل معهم كرهائن ومختطفين، لا تصفهم بأسرى. قد يتم التضحية بهؤلاء أو جزء منهم في سبيل تحقيق العملية الواسعة، وبالتالي هي لا تتحدث عن وساطات أو مفاوضات بهذا الخصوص. في العادة عملية تحرير الرهائن يقع فيها ضحايا كُثر، حتى من الأسرى أنفسهم».
بدورها توضح زنشاين أنه ليست هناك أولوية لمسألة الأسرى لدى صانعي القرار الإسرائيليين، «قد لا يمثل موضوع الأسرى أولوية بشكل مطلق، أو حاليًا في ظل حالة الطوارئ. وقد يكون بعضهم قُتل بالفعل». وبالفعل أعلنت كتائب القسام عن مقتل أربعة أسرى جراء الغارات الإسرائيلية.
يُذكِّر الغضب من التعامل مع مسألة الأسرى بغضب شعبي آخر شهده الشارع الإسرائيلي الصيف الماضي، حين خرجت تظاهرات مناهضة لمحاولة نتنياهو تمرير إصلاحات قضائية تخل بمبدأ فصل السلطات.
تكونت تلك التظاهرات ديموغرافيًا، وفقًا للمؤرخ إيلان بابي في لقاء سابق مع مدى مصر، من «المستوطنين، وهم المجموعة الدينية الوطنية التي لها قواعد داخل إسرائيل، جيل أصغر سنًا من اليهود الأمريكيين والروس، وبعضهم من الأحزاب الدينية الوطنية الأكثر اعتدالًا. أما المجموعة الثانية، فهم من اليهود الأرثوذكس، وهي في الأصل مناهضة للصهيونية، لكنها تستفيد تدريجيًا من الدولة الصهيونية وتتعاون معها. المجموعة الثالثة هي القاعدة الأصلية لليكود، ومعظمهم من اليهود العرب الذين ما زالوا يشعرون أن الليكود بقيادة الأشكناز سيصحح سنوات التمييز ضدهم، بقيادة حزب العمل عندما كان في السلطة (1948-1977)».
ومع ذلك، ورغم الغضب الشعبي من حكومة نتنياهو، أعلنت المعارضة منذ اللحظة الأولى بعد «طوفان الأقصى» توافقها التام مع توجه الحكومة لإبادة المقاومة عن بكرة أبيها. يقول المصري: «لا حديث الآن في إسرائيل إلا حديث الحرب، وهناك موافقة من جميع القوى السياسية حول تشكيل حكومة طوارئ وطنية».
ومع المساعي المستمرة خلال اليومين الماضيين لتشكيل حكومة طوارئ وطنية، أقر مجلس الوزراء الإسرائيلي، أمس، تشكيل حكومة طوارئ مصغرة، يقودها زعيم المعارضة بيني جانتس، وهو رئيس الأركان السابق، الذي جذب حزبه بعض أعضاء حزب الليكود الرافضين لسياساته.
تتولى حكومة الطوارئ مهام إدارة الحرب على غزة، إذ اشترط جانتس ألا يُقر الكنيست خلال فترة الحكومة أي قانون خارج موضوع الحرب، وعليه، وافق نتنياهو خلال مفاوضات تشكيل الحكومة على تجميد الإصلاحات القضائية.
«إسرائيل دومًا تتوحد في لحظات الحرب»، يقول ربايعة، واصفًا وجود جانتس في حكومة الطوارئ بأنه «عسكري يمتلك احترامه في المجتمع الإسرائيلي، وهذا يساعد نتنياهو الذي فقد الكثير من بريقه نتيجة الأزمات المتلاحقة في إسرائيل، ويحميه من تبعات أي عملية برية يمكن أن تفشل، لأنه لا يريد أن يتحمل مسؤوليتها وحده. بكل تأكيد سيحدث هنالك محاسبات لاحقة، تتصل بمستويات السياسية والعسكرية، ولكن العملية نفسها هي عملية مرعبة لإسرائيل، لأنها تتوقع بكل تأكيد خسائر كبيرة عند دخولها الميدان».
دخول شمال إسرائيل والضفة الغربية في ساحة الحرب قد يزيد من حتمية الوحدة الآنية. يقول ربايعة إن «دخول حزب الله يعني تشتت الجهد العسكري على جبهتين، وهذا يقود إلى نتائج مختلفة. دعينا نتذكر أن القدرات العسكرية والقتالية لحزب الله أعلى من حماس، فالعمق اللوجيستي عنده أكبر لأنه يصل إلى طهران ومتصل معها. التجربة العسكرية عند حزب الله أعلى، نتيجة التدخل في سوريا. وهذا ما تخشاه إسرائيل».
بالإضافة لهذا، فمنذ انطلاق «طوفان الأقصى»، شهدت الضفة الغربية مواجهات عديدة في أماكن مختلفة على نقاط التماس، نجم عنها، حسب وزارة الصحة الفلسطينية 31 وفاة ونحو 180 جريحًا، كما انتشرت في مدن الضفة دعوات للنفير العام أطلقتها حماس بعنوان «جمعة طوفان الأقصى».
يبقى أن نرى إذا ما كان التوحد الإسرائيلي في لحظة الخطر سيتجاوز التصدع القائم قبلها بين الجناحين الأمني والسياسي في الحكومة، من خلافات بين حزب نتنياهو اليميني وأجهزة الموساد والشين بيت الاستخباراتية، والذي تُذكِّر به زنشاين: «كل من عمل مع نتنياهو أصبح ضده في الفترة الأخيرة ولا يثق فيه ولا في قدرته على إدارة الموقف بعد ما حدث».
تستدرك زنشاين: «ولكنه يتمتع بقاعدة قوية، كوّنها وسيطر عليها بأساليب المافيا»، مذكرةً بقدرة نتنياهو أن «يزيح اليمين قليلًا، ويقرب من يبدون أكثر اعتدالًا في حكومة طواريء تمثل واجهة أكثر رصانة».
«سيحتاج الأمر إلى وقت حتى يظهر تأثير للرأي العام الداخلي. الكثيرون لا يشعرون بالأمان في إسرائيل الآن، وفكرة أن إسرائيل بإمكانها الإبقاء على حصار غزة واحتلال الضفة الغربية على المحك. سيدرك الجميع أنه لا يمكن تجاهل الفلسطينيين الآن. كانت هذه هي شرعية نتنياهو، ولكن هناك تأكد من الخطأ الكبير الكامن في تلك الشرعية»، تضيف زنشاين.
تلك الشرعية شرحها إيلان بابيه في لقائه السابق للتطورات الحالية مع مدى مصر، قائلًا «الاستراتيجية الصهيونية عرّفها بشكل جيد آخر باحثي الاستعمار الاستيطاني، باتريك وولف، على أنها القضاء على السكان الأصليين. في 1948، كانت الأداة الرئيسية هي التطهير العرقي الشامل، وفي الفترة ما بين 1948-1966، تم فرض الحكم العسكري على المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، وتم نقل هذا النظام إلى الضفة الغربية وقطاع غزة في عام 1967. وفي هذا القرن يجري استخدام مزيج من أساليب الماضي: التطهير العرقي، وسياسات الإبادة الجماعية، والتسييج، والطرد، أحيانًا على نطاق صغير، ولكن بشكل مستمر ويومي».
يضيف بابيه «الفلسطينيون هم ضحايا المشروع الاستعماري الاستيطاني، الذي بطبيعته لا يوقِف استعمارهم، مما يعني الحصول على أكبر قدر من الأرض، دون سكانها الأصليين. ولا تزال هذه هي الرؤية والاستراتيجية الرئيسية. لم تكن قيادة الدولة الاستيطانية، وقبلها حركة الاستيطان، متفقة دائمًا على التكتيكات، بل كانت متفقة على الرؤية. وهكذا، على سبيل المثال، منذ 1967، أراد حزب العمل الاستيطان في مناطق غير مكتظة بالسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية، في حين أراد المستوطنون المسيحيون الموجودون الآن في الحكومة الاستيطان وفقًا لفهمهم للكتاب المقدس، مما يعني الاستيطان في قلب المدن الفلسطينية مثل الخليل».
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن