القطاع الخاص يدير المستشفيات العامة بدلًا من الحكومة
وافقت لجنة الشؤون الصحية بمجلس النواب في 23 أبريل الماضي على مشروع قانون مقدم من الحكومة لمنح المستثمرين المصريين والأجانب حق إنشاء وإدارة وتشغيل منشآت ووحدات صحية تقدم خدمات الرعاية الصحية الأساسية نيابة عن الدولة، فضلًا عن تطوير وإدارة وتشغيل المستشفيات العامة والمركزية ومراكز ووحدات طب الأسرة القائمة حاليًا.
مشروع القانون جاء ترجمةً لرؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي، التي طرحها في أكتوبر الماضي، لمنح القطاع الخاص حق إدارة وتشغيل القطاع الصحي الحكومي بغرض تحسين جودة الخدمات الصحية ورفع كفاءتها.
مشروع القانون أثار الكثير من الاعتراضات والتخوفات من تخلي الدولة عن التزاماتها الأساسية في مجال الصحة، فضلًا عن تساؤلات عن حدود الدور الذي يمكن أن يؤديه القطاع الخاص عند توليه تقديم الخدمة الصحية نيابة عن الحكومة.
مشروع القانون
لم يحدد المشروع آلية محددة للتعاقد مع المستثمرين على إدارة المستشفيات العامة والوحدات الصحية، وإنما ترك لرئيس الوزراء ووزير الصحة تحديد طريقة التعاقد المناسبة، سواء عن طريق المناقصة العامة أو الاتفاق المباشر أو غيرها من الطرق التي حددها قانون «تنظيم التعاقدات التي تبرمها الجهات العامة». كما أعفى المشروع من الإلزام الخاص بموافقة مجلس النواب الوارد في قانون «منح الامتيازات المتعلقة باستثمار موارد الثروة الطبيعية والمرافق العامة وتعديل شروط الامتياز» عند إصدار رئيس الجمهورية قرار الترخيص للمستثمر بالبناء أو إدارة المستشفيات والوحدات الصحية العامة.
وبعد تقديم وزير الصحة، خالد عبد الغفار، تصور للتعاقد، وموافقة الجهات المعنية، أعطى مشروع القانون لرئيس الوزراء سلطة الترخيص للمستثمر بإنشاء أو تشغيل المنشآت القائمة، وذلك بعد تحديد عدد من البنود. أول تلك البنود هي حصة الحكومة، ولم يفسر مشروع القانون ما إذا كانت تتضمن الأموال التي ستحصل عليها الحكومة من أرباح المنشأة الصحية، أم التي ستدفعها للمستثمر لتوفير الخدمة الصحية للمواطنين، أو غيرها من أشكال الشراكة والاستفادة للقطاعين. تتضمن البنود أيضًا أسس تسعير الخدمات الصحية، إضافة إلى الإجراءات اللازمة للحفاظ على الأوضاع الوظيفية والمالية للعاملين بالمستشفيات والوحدات الصحية، ووسائل الإشراف والمتابعة الفنية والمالية على عمل تلك المنشآت. وتضمن «القانون» إعفاء المستثمر من الإلزام الوارد في قانون «التزامات المرافق العامة» في ما يتعلق بحظر تجاوز أرباحه السنوية 10%.
وألزم المشروع لقبول المستثمرين سواء كانوا أفراد أو شركات، مصريين أو أجانب، توافر ستة شروط؛ أولها توافر الخبرات اللازمة لتشغيل المنشآت الصحية، والتعهد والحفاظ على المنشآت الصحية وما تشتمل عليه من تجهيزات وأجهزة وجعلها صالحة للاستخدام طوال مدة التعاقد، فضلًا عن الالتزام بالقوانين والقرارات المطبقة على المنشآت الصحية، وعدم التنازل عن التعاقد للغير دون الحصول على إذن من مجلس الوزراء. الشرط الخامس تضمن ألا تقل مدة التعاقد مع المستثمر عن ثلاث سنوات ولا تزيد عن 15 سنة. أما السادس، فتضمن النص أن «تؤول جميع المنشآت الصحية بما فيها من تجهيزات وأجهزة طبية لازمة لتشغيلها إلى الدولة في نهاية مدة الالتزام دون مقابل وبحالة جيدة».
حدود الخدمة بين العام والخاص
الهدف من القانون المقترح حدده وزير الصحة في المذكرة الإيضاحية للمشروع التي قدمها لمجلس النواب في كونه جاء تنفيذًا لتوجيه رئاسي بالعمل على تنفيذ الدستور في ما يتعلق بمشاركة القطاع الخاص في خدمات الرعاية الصحية بما يؤدي إلى تحسين جودتها ورفع كفائتها وانتشارها الجغرافي العادل، حيث تنص المادة 18 في الدستور على تشجيع «الدولة مشاركة القطاعين الخاص والأهلي في خدمات الرعاية الصحية».
نقابة الأطباء، من جانبها، رفضت مشروع القانون، عندما شارك وفد يضم النقيب وعدد من أعضاء مجلس إدارة النقابة في اجتماع لجنة الشؤون الصحية، وذلك لما تضمنه من منح المستثمرين أيًا كانت جنسياتهم سلطة إدارة وتشغيل المنشآت الحكومية. وشدد نقيب الأطباء أسامة عبد الحي في بيان أصدرته النقابة في الثاني من مايو الجاري على ضرورة قصر نصوص القانون المقترح على منح المستثمرين حوافز لتشجيعهم على بناء مستشفيات جديدة لدعم الإمكانيات الصحية في مصر، وإضافة أسرة جديدة لسد العجز الحادث حاليًا.
كذلك، لفت الخبير في إصلاح القطاع الصحي ومدير برنامج الحق في الصحة في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، علاء غنام، إلى أنه لا يوجد من يعارض دخول القطاع الخاص في تقديم الخدمة الصحية وخصوصًا المصري، فنحن بحاجة إلى مستشفيات جديدة ينشئها القطاع الخاص بالشراكة مع الحكومة أو يتولى حق إدراتها. ولكن يأتي التحفظ على الاستحواذ، ولو كان مؤقتًا، خاصًا بالمستشفيات والوحدات الحكومية القائمة بالفعل.
هنا، أشارت هبة الليثي، مستشارة الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، والمشرفة على بحث الدخل والإنفاق إلى أن 20% من الفقراء في مصر ينفقون أكثر من 10% من إنفاقهم الكلي على الصحة والعلاج، ما يدل على عدم كفاية الخدمة الصحية الحكومية، مضيفة أن هذا الأمر مصنف من منظمة الصحة العالمية بأنه «إنفاق كارثي» وعلى الحكومة أن تتدخل لتقليل هذه النسبة وليس العكس، وهذا أمر لا يعكسه مشروع القانون الجديد.
الأرقام تدلل على أسباب ارتفاع الإنفاق. وفقا لنشرة الخدمات الصحية، تستحوذ المستشفيات الحكومية على أكثر من 70 % من إجمالي الأسرة في مصر، بواقع 88 ألفًا و597 سريرًا، وتحتاج مصر إلى رفع معدل إتاحة أسرة المستشفيات من 1.2 سرير لكل 1000 شخص حاليًا إلى 3 أسرة طبقًا لمتوسط المعايير العالمية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية.
وتقدم مكاتب الصحة الخدمات الوقائية كالتطعيمات والعلاجية الأساسية لمرضى العيادات الخارجية من قبل طبيب الأسرة الذي يقوم باللقاء الأول مع أفراد الأسرة ويعالجهم أو يحيلهم إلى مستويات الخدمة الصحية الأعلى. أما وحدات ومراكز صحة الأسرة فتقدم خدمات تخصصية في مجال طب الأطفال، والأمراض الباطنية، والنساء والتوليد وتحتوي على قسم للجراحات الصغيرة والخدمات التشخيصية (معمل / الأشعة). أما المستشفيات العامة والمركزية والنوعية فتقدم بدورها خدمات علاجية خارجية وداخلية، وخدمات الجراحات والحالات العاجلة. وفقا لغنام، كل وحدة رعاية أساسية في القرى والنجوع تخدم عادة 10 آلاف أو 20 ألف شخص غالبيتهم فئات غير قادرة، وتدار بفريق محدود جدًا من الأطباء والتمريض، ورغم ذلك تعد حارس بوابة المنظومة الصحية لأي بلد.
نمط الخدمة التي تقدمها هذه المنشآت، من طب علاجي ووقائي، هي أيضًا مصدر تساؤل لكيفية استبدال القطاع العام بالخاص. الباحث بوحدة الحق في الصحة في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أيمن سبع، شدد على أن تضمن القانون «الخدمات الوقائية» أمر غير مسبوق، فغير متصور أن يقدم القطاع الخاص خدمات التطعيمات للمواطنين مثلًا.
كذلك أوضح غنام أن الوحدات الصحية تساهم إلى جانب المستشفيات المركزية والعامة والنوعية في تغذية الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء بالبيانات الخاصة بنسب المواليد والوفيات وأسبابها، وكل المعلومات الصحية والسكانية الخاصة بالطب الوقائي والأوبئة والأمراض المعدية والمتوطنة والسارية وغير السارية والحجر الصحي، والبيانات الخاصة بتنظيم الأسرة، وغيرها الكثير من المعلومات التي تضع الدولة سياستها الصحية في ضوئها ويجب ألا تخضع لسيطرة أي مستثمر.
لذلك، بالنسبة لغنام، دخول الأجانب لإدارة وتشغيل المستشفيات العامة ووحدات الرعاية الأساسية وطب الأسرة والخدمات الوقائية هو أمر خطير ومرفوض، على حد تعبيره.
كذلك وصف أمين عام نقابة الأطباء السابق، إيهاب الطاهر، القانون الجديد بـ«مصيبة كبيرة على البلد كلها»، معلقًا على إدارة مستثمرين للمستشفيات الحكومية بـ«الأدهى أن يكونوا أجانب أو شركات متعددة الجنسيات منقدرش نعرف هم مين بالضبط، ولو دول حطوا أيديهم على المستشفيات الحكومية فهم سيطروا على الخريطة المرضية للمصريين». كما أبدى تخوفه من أن «تكون الكعكة التالية لاستيلاء الأجانب على أراضي وممتلكات الدولة هي كعكة الخدمة الصحية».
ونص مشروع القانون على أن «تحدد نسبة الأطباء وأفراد هيئة التمريض والفنيين الأجانب العاملين بالمنشأة الصحية محل الالتزام بقرار من وزير الصحة بالاتفاق مع الوزير المختص بشؤون العمل، وبعد أخذ رأي الجهات المعنية، على أن يصدر لكل منهم ترخيص مؤقت لمزاولة المهنة داخل المنشأة فحسب». وأشار مدير مركز الحق في الدواء، محمود فؤاد، إلى أنه بموجب مشروع القانون، سيستعين المستثمر بعدد من الأطباء والتمريض الأجانب ما يسهل عليه رفع أسعار الخدمة، في الوقت الذي لم يحدد فيه القانون المقترح أي تصور لحقوق الأطباء والتمريض وباقي العاملين بالمستشفيات والوحدات الصحية التي سيتم تأجيرها للمستثمرين.
الجدير بالذكر هنا، أن القطاع الحكومي الصحي يعاني من نقص عدد الأطباء بسبب تنامي ظاهرة الاستقالة من العمل الحكومي والهجرة للخارج. وبحسب إحصائيات نقابة الأطباء، معدل الأطباء في مصر 8.6 طبيب لكل عشرة آلاف مواطن، فيما المعدل العالمي 23 طبيبًا لكل عشرة آلاف مواطن.
إلى جانب تنفيذ نص الدستور حول مشاركة القطاع العام مع الخاص في تقديم الخدمة الصحية، أضاف المتحدث باسم وزارة الصحة، حسام عبد الغفار، في حديث تليفزيوني سببًا جديدًا لإعداد الوزارة القانون، حدده في تطبيق قانون التأمين الصحي الشامل في محافظات المرحلة الثانية والاستعداد لتطبيقه في المحافظات الأكثر سكانًا، في إطار تلافي السلبيات التي كشف عنها تطبيق المشروع في محافظات المرحلة الأولى من تدني دور القطاع الخاص.
بدأت مصر عام 2019 تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل التي توفر خدمة صحية إلزامية لجميع المواطنين بمختلف مستوياتهم الاقتصادية مقابل اشتراك تأميني يحدد حسب الدخل، على أن تتحمل الدولة مقابل اشتراكات الفقراء وغير القادرين. بدأ التطبيق في المحافظات الست الأقل كثافة سكانية في البلاد وهم؛ بورسعيد، والسويس، وجنوب سيناء، والإسماعيلية، وأسوان، والأقصر، ومن المقرر أن تتبع تلك المراحل ثمان مراحل أخرى في المحافظات المتبقية حتى عام 2030.
لكن غنام اعتبر أن إلصاق مشروع القانون الجديد بنظام التأمين الصحي الشامل يعبر عن سوء تقدير وفهم، وتخبط المسؤولون عن الصحة في البلاد. وفسر غنام لـ«مدى مصر» بأن قانون التأمين الصحي الشامل حدد آلية الشراكة بين القطاع العام والأهلي والخاص، ليقدم الأخير الرعاية العلاجية للمرضى المستفيدين من خدمات الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل بعد تأكد هيئة الاعتماد والرقابة الصحية من توافر معايير الجودة بأسعار متفق عليها بين القطاع الخاص والهيئة. ولكن مشروع القانون الأخير، بدلا من أن يمكن القطاع الخاص من إضافة أسرة علاج جديدة لمواجهة العجز الحادث حاليًا في تخصصات كثيرة، يعطيه حق إدارة وتشغيل أسرة القطاع الحكومي الموجودة بالفعل، وبذلك سيقدم القطاع الخاص الخدمة، ولكن بدلا من القطاع العام وليس في إطار شراكة في إدارة المنشآت.
وفي هذا السياق، ذكر غنام أنه أمام الحكومة حاليًا ما يقرب من 2000 مستشفى خاص مصرية وأكثر من سبع آلاف عيادة مصرية يمكن ضمهم إلى منظومة التأمين الصحي الشامل لدعمها.
وأضاف غنام أن الشراكة مع القطاع الخاص طبقت بالفعل في المحافظات الخمس الأوائل التي نفذ فيها نظام التأمين الصحي الشامل في مراكز أشعة وعيادات وصيدليات ومستشفيات عيون وغيرها، وذلك جنبًا إلى جنب مع المستشفيات والوحدات الصحية الحكومية الموجودة بتلك المحافظات التي تم صيانتها وتزويدها بالإمكانيات والأجهزة الطبية الحديثة وزيادة عدد الأطباء والتمريض بها، مع نقل تبعيتها إلى الهيئة العامة للرعاية الصحية التابعة لمنظومة التأمين الصحي الشامل.
ولكن مشروع القانون الجديد، بحسب من تحدث معهم «مدى مصر»، لا يخضع لاستراتيجية واضحة لتحديد دور القطاع الخاص في ترتيبات الرعاية الصحية.
في حديثه لـ«مدى مصر»، قال سبع إن دخول القطاع الخاص مجال الخدمة الصحية بأشكال مختلفة سواء بالتعاقد مع الحكومة أو بأي شكل من الأشكال هو أمر متعارف عليه دوليًا، غير أن القانون المقترح لم يأت ضمن خطة أو إطار استراتيجي مفهوم. ما هي صلاحيات القطاع الخاص؟ هل سيقوم بتسعير الخدمة الصحية؟ أو تغيير نشاط مستشفى أو وحدة صحية معينة أو الفئة المستهدفة؟
وفي هذا السياق، تساءل سبع، عن هوية المستثمر الذي أعد القانون من أجله، «مين المستثمر اللي واقف على الباب ودخوله محتاج هذا القانون؟» مضيفًا أنه في الظروف الحالية، تقدم المنشآت الصحية الحكومية خدمة متدنية بأسعار مدعمة وغير متصور أن يسعر القطاع الخاص الخدمة بنفس السعر أو بأسعار قريبة منها، وغير محدد مصير الإنفاق الحكومي على تلك المنشآت بعد تأجيرها للقطاع الخاص.
«المستثمرون هيروحوا معهد ناصر، ودار السلام هرمل، وكل المستشفيات المجهزة الموجودة في الأماكن المميزة»، هكذا حدد فؤاد لـ«مدى مصر» المنشآت الصحية المستهدفة من المشروع، موضحًا أن المستثمر لن يستهدف وحدة صحية في صفط اللبن أو إمبابة أو غيرها من الأماكن الفقيرة، وإنما سيبدأ عمله بمصر الجديدة والمعادي والشيخ زايد وغيرها من الأماكن التي يتركز فيها القادرين على تحمل أسعار الخدمات الصحية الجديدة كما فعلت شركة أبراج كابيتال (الإماراتية) مع مستشفيات كليوباترا.
الطريق للخصخصة
الهدف الواضح من القانون المقترح، اختصره فؤاد في تقليص حجم الإنفاق الحكومي إلى نحو غير مسبوق، موضحًا أن المتوقع بعد تطبيقه هو أن تحصل الحكومة على مبلغ مالي من المستثمر مقابل منح المستثمر حق إدارة وتشغيل المنشآت الصحية الحكومية، على أن يسعر المستثمر الخدمة الصحية بما يحقق له المكسب وتتحمل الدولة نسبة من تكلفة العلاج، يمكن أن تتقلص مع الوقت، من المرضى غير القادرين في تلك المنشأة.
وفي سياق تقليص الإنفاق، أصدرت الحكومة في مارس الماضي لائحة تقلص نسبة العلاج المجاني وترفع أسعار جميع الخدمات الصحية في المستشفيات العامة والمركزية، ووحدات الرعاية الصحية الأساسية وصحة الأسرة، التي يعتمد عليها الفقراء.
رؤية تقليص الإنفاق الحكومي على الخدمة الصحية وخصخصتها يمكن إعادتها ليونيو 2022، عندما وضعت الحكومة القطاع الصحي ضمن القطاعات الاجتماعية بالغة الأهمية التي ستستمر في تمويلها مع السماح للقطاع الخاص بالاستثمار فيها، وذلك في وثيقة سياسة ملكية الدولة. وأعطت الوثيقة للصندوق السيادي دورًا وصفته بالرائد لإبرام شراكات مع القطاع الخاص في المجال الصحي، لاستغلال الأصول وتوفير خدمة صحية عالية الجودة، وذلك لتحقيق عدة أهداف أبرزها رفع العبء التمويلي عن كاهل الدولة.
بعد ثلاثة أشهر من نشر الوثيقة، أعلن المتحدث باسم وزارة الصحة، حسام عبد الغفار في تصريحات صحفية، طرح ثلاثة مستشفيات حكومية هي: القبطي، وهليوبوليس، وشيراتون، للقطاع الخاص لحق الانتفاع، أو الإدارة، أو التطوير. وذلك قبل أن يتراجع عبد الغفار جزئيًا عن تصريحاته، ويؤكد على طرح مستشفى هليوبوليس وحده للاستثمار أمام القطاع الخاص، واستحداث قسم به للسياحة العلاجية، وتوفير أنواع محددة من الخدمات الصحية المتميزة.
وشدد عبد الغفار وقتها على أن «هليوبوليس» أحد خمسة مستشفيات (مبرة المعادي، والقبطي، ومصر القديمة، والإصلاح) تتبع المؤسسة العلاجية، وهي هيئة اقتصادية تشرف عليها وتملكها وزارة الصحة، تقدم خدمات صحية بأجر وتمول نفسها ذاتيًا، نافيًا: «تخلي الدولة عن مستشفياتها أو رفع أسعار الخدمات الصحية على المواطنين أو خصخصة قطاع الصحة».
بعد سبتمبر 2022، خفت الحديث عن خصخصة المستشفيات الحكومية، حتى أعاده السيسي إلى الواجهة من جديد في أكتوبر الماضي، خلال إحدى جلسات مؤتمر «حكاية وطن» الذي اختتمه بإعلان ترشحه للفترة الرئاسية الحالية، بتحدثه عن استعداد الدولة لمنح مستشفى، لم يحدد اسمها، رجح مراقبون أنها «مستشفى 500 500 لعلاج الأورام»، وشيدت من أموال التبرعات التي حددها في عشرة مليارات جنيه، لمستشفى عالمي لإدارتها وتشغيلها، على أن تشتري الحكومة الخدمة الصحية منها وتمنحها للفقراء الذين تحددهم.
في حديثه، حدد السيسي رؤيته لإصلاح المنظومة الصحية خلال تعقيبه على كلمة لوزير الصحة بشأن تمكين القطاع الخاص ومنحه فرص تنافسية لتشجيعه على بناء مستشفيات جديدة لتخفيف الحمل عن القطاع الحكومي، قائلًا: «لو عايزين تضمنوا مسار ناجح الدولة تخلص ثلاث أرباع المشوار وتسيب الربع للقطاع الخاص». أوضح السيسي رؤيته في أن تنشئ الدولة المستشفيات بالمواصفات التي يرضاها القطاع الخاص وتعطيها له لإدارتها كأنه صاحبها، مضيفا: «لو القطاع الخاص هيبني لازم يتخصص له أرض وندخل في متاهات الأرض وبعدين التصميم والتنفيذ ويشوف قرض عشان يعمل المستشفى وده هياخد من خمس إلى سبع سنين. لكن معايا أنا الموضوع هياخد سنتين أو سنة ونص، وأنا بقوله خلصتك المشوار تعالى دير كأنك اللي عملتها وأنا هشتري الخدمة».
رؤية الرئيس تبعها إجراءات حكومية تمهيدية نحو التعاقد مع مستثمرين مصريين وأجانب لإدارة المستشفيات الحكومية الكبيرة والمميزة التي تمول نفسها مثل مستشفى مبرة المعادي، ومستشفى أورام دار السلام (هرمل) المطلة على كورنيش المنيل. غير أن تلك الرؤية طرأ عليها تعديلًا جوهريًا في منتصف فبراير الماضي، حين أعد وزير الصحة، مشروع قانون، تضمن لأول مرة النص صراحة على خصخصة المستشفيات العامة والمركزية ووحدات الرعاية الصحية وطب الأسرة التي تقدم الخدمة العلاجية والوقائية للمواطنين وخصوصًا الأكثر فقرًا منهم، بشكل شبه مجاني، وتمول خزانة الدولة مرتبات العاملين بها، وتصنف من قبل خبراء النظم الصحية بأنها «حارس بوابة المنظومة الصحية لأي دولة».
تقارير ذات صلة
الضريبة على «المشروبات المُحلاة».. بحثًا عن صحة أفضل أم موارد أكثر؟
مصدر: وزارة المالية متحفظة على إقرارها تجنبًا لأية إجراءات قد تغذي صعود التضخم الذي بدأ في التحسن
تطوير مستشفى هرمل لم يصل إلى المرضى بعد
تستمر معاناة المرضى بشكل يومي، في انتظار إجراءات «التطوير»
«التصرف السياسي» يحكم مصير إمبراطورية «بلبن»
إمبراطورية «بلبن» من «آسفين عشان جامدين» إلى «لو في غلط متقتلنيش».. فلم يقتلوا
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن