تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
 القتال الإثيوبي في تيجراي يلقى ظلاله على السودان 

 القتال الإثيوبي في تيجراي يلقى ظلاله على السودان 

كتابة: نصر الدين الطيب 5 دقيقة قراءة
إثيوبيون على الحدود السودانية يفرون من القتال في بلادهم

بينما تتواصل المعارك في إقليم تيجراي شمالي إثيوبيا، وتستمر موجات نزوح عشرات الآلاف من النازحين الساعين للفرار من القتال المتواصل منذ ما يقارب الشهر، قررت ولاية كسلا السودانية، الخميس، إغلاق حدودها مع إثيوبيا خوفًا من امتداد المعارك إلى الداخل السوداني، ويأتي هذا بعد صدور قرارات مشابهة من أريتريا وجيبوتي.

ولحق مناوشات بدأت مطلع العام الحالي تصعيد عسكري غير مسبوق بقرار رئيس الحكومة المركزية الإثيوبية الحاصل على جائزة نوبل للسلام آبي أحمد في الرابع من الشهر الحالي بالهجوم على إقليم تيجراي وذلك لـ«تحريره من سيطرة الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي».

والجبهة هي التيار الأساسي في الإقليم وحكمت إثيوبيا لأكثر من 20 سنة، وكان لها دور أساسي في الإطاحة بالحكم الاستبدادي لمنجستو هايلي ماريام.

وبعد أسبوعين من بدء الصراع، الذي يتزايد وكأنه حرب أهلية شاملة، تدعي الحكومة المركزية أنها سيطرت على سلسلة من البلدات في منطقة تيجراي الغربية، وهذا أمر أساسي بسبب قربه من السودان، حيث يمكن للإمدادات أن تصل إلى قوات تيجراي. كما استعادت القوات الحكومية السيطرة على مناطق في الجنوب على طول الحدود مع منطقة أمهرة الإثيوبية.

وبينما يزداد الوضع السياسي والأمني في التعقد، لجأ إلى السودان أكثر من 40 ألف من سكان الإقليم الملاصق للحدود مع السودان وأريتيريا، في ظل توقعات أممية أن يرتفع هذا العدد خلال الأشهر الستة القادمة إلى 200 ألف، جرّاء عمليات الاقتتال المتواصلة في الإقليم.

 في منطقة الهشابة السودانية التقى «مدى مصر» مع تسفاي بجيقا (75 سنة) وعائلته، الذي أتى لاجئًا للمرة الثانية في حياته من بلدته ماي خضراء في إثيوبيا.

يقول تسفاي «نزحت مع زوجتي إلى الأراضي السودانية أثناء حرب إثيوبيا وإريتريا في سنة 1998 وقضيت نحو أربع أعوام في مدينة القضارف السودانية، وهناك أنجبت ولداي الذكور. عدت إلى ماي خضراء بعد اتفاق السلام بين الدولتين.. وها أنا أعود مرة أخرى نازحًا».

في مركز الإيواء السوداني خصصت مفوضية اللاجئين لأسرة تسفاي غرفة صغيرة، دون أبواب أو شبابيك، يعيش فيها مع زوجته وزوجتي ابنيه وخمسة أحفاد، وفي قريته بقي ولداه غير معلوم مصيرهما.

لاجئون في مركز إيواء الهشابة

زوجة تسفاي شاركت في سرد تفاصيل مسيرهم على الأقدام لمسافات طويلة حتى وصولهم إلى منطقة آمنة، لكنها تعود بالحديث عن ابنيها. ويقول تسفاي «الأنباء التي تصلنا من هناك تقول إن كل شباب تيجراي من عمر أبنائي مستهدفون بالقتل».

كانت أحداث الليلة الأخيرة لعائلة تسفاي بجيقا في الإقليم مفاجئة رغم استعداد الأهالي للأسوأ. يقول: «كانت الأوضاع السياسية بين حكومة الإقليم والحكومة المركزية متوترة للغاية، لكننا لم نتوقع هذا القدر من الاقتتال.. كان التلفزيون المحلي يحشد الناس، وكذلك كانت حكومة أديس أبابا تتوعد قادة الإقليم».

يشير تسفاي إلى أن السكان في هذه الأجواء كانوا قد بدأوا بالفعل في تدبير أسرع الطرق للخروج من القرية، لكن الاقتتال كان قد بدأ بالفعل، فخرج الناس تحت تبادل النيران ومع انقطاع تام لكل وسائل الاتصال وللكهرباء، وكذلك المواصلات.

يضيف «تدبرت مع جيراني جرار زراعي ومقطورة نستخدمها في الزراعة، وقررنا الهرب مع من حضر من عائلاتنا دون حضور أبنائي.. مر الآن سبعة أيام ولم يأتوا للمخيم ولم يأتي أحد بخبر عنهم.. يقولون فقط إن شوارع الحي الذي نقطنه مليئة بجثث الشبان».

المخيم الذي تعيش فيه عائلة تسفاي كان معدًا بالأساس لإعادة توطين سكان سودانيين تأثروا من بناء سد ستيت على نهر عطبرة، والآن يستقبل يوميًا مئات اللاجئين الإثيوبيين من مدن ماي خضراء وبرخت وقرى حدودية أخرى. ويحرس المخيم قوة عسكرية سودانية مشتركة من الجيش والشرطة.

على مدخل مركز الإيواء المؤقت كان قتينت دبرازون يدفع عربة كارو يجرها حصان، مع عائلته وقليل من الأمتعة وأدوات الطبخ. أشار لنا قتينت وعليه آثار إعياء قائلًا إنه وصل لتوه بعد المشي ليلتين كاملتين في طرق لا يعلمها مرافقًا عشرات اللاجئين الآخرين.

يكمل قتينت حديثه قائلًا: «فررنا من بلدة برخت بعد أن تحولت شوارعها إلى ساحات معارك، وشهدنا عمليات قتل ممنهج ونهب واسع للمتاجر والمساكن.. وصلت ولا أعلم كم سأبقى، عرفت بوجود المخيم فأردنا التقاط أنفاسنا وربما نستطيع العودة لحصاد محصولي الزراعي الذي يؤمن معيشي وعائلتي».

أطفال إثيوبيون في بلدة حمداييت السودانية الحدودية

وفي مدينة حمداييت السودانية بولاية كسلا الحدودية مع إثيوبيا تابع «مدى مصر» حركة نزوح مئات الإثيوبيين عبر نهر ستيت الصغير في اتجاه الأراضي السودانية، حيث التقى قدي اكسام (39 سنة). أشار إلى طرف النهر الفاصل بين السودان وإثيوبيا وقال «أتيت من منطقة الحمرة. تركت أمي وأبي ورائي. أصرا أن أخرج مع أبنائي ونتركهما فتكون فرصة النجاة أكبر».

يأتي اللاجئون عبر النهر إما سيرًا على الأقدام أو بقوارب صغيرة تحمل بعض الأمتعة. ومن ضفة النهر يتجهون إلى ساحة كبيرة في المدينة وهناك تستقبلهم المنظمات الإنسانية وتحصر مفوضية اللاجئين أعدادهم. هناك يفترشون الأرض تحت ظلال الأشجار، تقيهم الأغطية المهترئة من العراء، ويلجأون للاحتطاب للطبخ والتدفئة، بعد أن تسمح لهم سلطات المعسكر بذلك.

ويبدى المسؤول في مفوضية اللاجئين بمخيم حمداييت للإيواء المؤقت، أحمد عمران،  قلقه من معدل التدفقات الكبيرة للاجئين الإثيوبيين إلى داخل الأراضي السودانية، ويقول لـ«مدى مصر»، من خيمة نصبتها المفوضية لحصر وتسجيل اللاجئين: «نسجل يوميًا من 1000 إلى 1500 لاجئ يرغبون في ترحيلهم إلى معسكر أم راكوبة في العمق السوداني بولاية القضارف».

ويضيف عمران: الأعداد التي نسجلها هي ليست كل من دخل إلى الأراضي السودانية عبر معبر حمدييت الحدودي، موضحًا «نقوم بتسجيل من يصلنا هنا، هذه على الاقل قدرة المفوضية في الحصر مقارنة بالضغط الهائل على موظفيها في العمل.. من يصلنا ندون معلوماته الشخصية ونحوله إلى المخيم الدائم.. لكن كثيرون لا يأتون إلى هنا».

من جهته، عبر المسؤول في مفوضية اللاجئين بولاية كسلا شرقي السودان، النور الضو، عن قلقه من الأوضاع المزرية التي يعيشها اللاجئون في مخيم الإيواء المؤقت في الهشابة في ولاية القضارف الحدودية وافتقارهم للتغطية الشاملة من ناحية الطعام والإيواء ومياه الشرب النظيفة. ويقول لـ«مدى مصر» إنهم يتوقعون مع التصعيد العسكري في إقليم تيجراي أن يصل 50 ألف لاجئ إلى السودان بنهاية الشهر الجاري، مشيرًا إلى ضآلة إمكانيات المنظمات الانسانية مقارنة بهذا العدد.

وتصاعد التوتر بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تيجراي بعد تأجيل رئيس الحكومة الإثيوبي آبي أحمد الانتخابات التي كان مقرر إجراؤها في 29 أغسطس الماضي بسبب وباء «كورونا»، وصوت البرلمان لصالح هذا القرار. لكن جبهة تيجراي، رفضت تأجيل الانتخابات ونظمت في 9 سبتمبر انتخابات محلية، لم تعترف بها الحكومة الاتحادية، كما لم تعترف الجبهة بشرعية آبي آحمد، بعد انتهاء ولايته الرسمية في الحكم. أدى ذلك إلى تبادل الاتهامات بين الطرفين بارتكاب مجازر بحق سكان الإقليم، تطورت في الرابع من الشهر الحالي إلى صدور قرار من الحكومة المركزية للهجوم على الإقليم وتحريره من الجبهة الشعبية.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن