تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«الفاميليا».. ادعاء الطبقة الوسطى لا يضحك

«الفاميليا».. ادعاء الطبقة الوسطى لا يضحك

كتابة: محمد يحيى 4 دقيقة قراءة

في برنامج «الفاميليا» يعود أحمد أمين، بعد انطلاقة في مجال التمثيل تنوعت بين المسرح والتليفزيون،  إلى مجال البرامج الذي كان سببًا في شهرته التي بدأت من خلال موقع يوتيوب، لينتقل بعدها للقنوات الفضائية من خلال برنامج «البلاتوه»، الذي عبر فيه أمين بقوة عن السخرية من التقاليد والعادات الاجتماعية المتعلقة بالطبقة الوسطى، وذلك ضمن الحدود الآمنة لهذا الانتقاد، فهناك ابتعاد كامل عن التابوهات الثلاثة: الدين والجنس والسياسة، مع السخرية من العادات اليومية والشخصيات والتصرفات النمطية الشائعة. لاقت تلك الفيديوهات نجاحًا كبيرًا لقيامها بعملية التنفيس اللطيفة ضد الأجيال الأكبر سنًا، والعادات التي يتخطاها الزمن، ذلك دون الوصول الى درجة التصادم مع أهمية فكرة العائلة وقدسيتها.

في «الفاميليا» يخون أمين جمهوره المعتاد من الشرائح المتوسطة من الطبقة الوسطى، ويستهدف جمهورًا آخر هو شريحة الطبقة الوسطى العليا الطامحة للحاق بطبقة الأغنياء، والتي تسعى للظهور بشكل ينفي عنها انتمائها للطبقة الوسطى من خلال اهتمام باقتناء ما يقتنيه الأغنياء والتحدث مثلهم بخليط من اللغتين العربية والإنجليزية، وارتياد الأماكن التي يرتادونها، والسعي للالتحاق بالنوادي ذات الاشتراكات الباهظة، والقرى السياحية ذات التكلفة العالية، حتى لو كانت تفوق قدراتهم المادية.

من بدايته، نلاحظ الاهتمام بالمظهرية في البرنامج، بدءًا من عنوانه باختيار لفظًا أجنبيًا مقابل لكلمة العائلة. من المفترض أن البرنامج يقوم على فكرة تشجيع الترابط العائلي بين الآباء وأبنائهم، متجاهلًا الأمهات، ربما بافتراض أن لديهن الوقت الكافي للتواصل مع الأبناء، أما الأب المشغول دائما بأعماله التي سوف توفر المستوى المادي المرتفع للأسرة فهو من يحتاج إلى من يساعده في إعادة الترابط بينه وبين أولاده.

من برنامج الفاميليا

الحب في المنتجع

تبدأ كل حلقة  بأحمد أمين وهو يتحدث في مونولوج عن موضوع الحلقة، يتبعه دخول عدد من الآباء بصحبتهم الأبناء، منتجع «ويل سبرينج»، ليلتحقوا فيما يشبه معسكر يشرف عليه أحمد أمين، الذي يجمع الآباء في دائرة ويتلو عليهم إجابات أبنائهم عن سؤال وجهوه إليهم، خاص بموضوع الحلقة، غالبًا يكون عن: تتمنى إيه من بابا؟ بعدها يبدأون في ممارسة أنشطة ومسابقات يلعب فيها كل أب مع ابنه أو بنته، قبل أن ينتهي اليوم  بأن يتلو كل أب على ابنته خطابًا كتبه له/ا عن مشاعره وانطباعاته من اليوم وكيف أنه تغيّر، والعكس، وذلك على خلفية من موسيقى ناعمة تستحلب العواطف. 

لا يخرج نوع المواضيع عن: انشغال الآباء بجهاز المحمول عن أبنائهم أو عدم وجود quality time لقضائه مع الأبناء. وتبدو حلول تلك المشاكل طبقية، فالحل هو قضاء يوم مع الأبناء في المخيم، حيث يمكن للأب أن يلعب ويتفاعل ويمارس الرياضة ويجلس للسمر مع ابنه، وهو ما يبدو كدعاية واضحة للمنتجع الذي يظهر اسمه في الفيديوهات، ويتم تسطيح المشكلات ليصبح الحل سهلًا لا يتعدى بعض الكلمات والنصائح في أجواء الطبيعة، دون الدخول في طبيعة وأساس تلك المشكلات من أسباب اجتماعية واقتصادية وتربوية، وتصبح تجربة حرمان الآباء من تليفونهم المحمول هي الوسيلة لأن يعرفوا أهمية  الكلام مع الأبناء، وتنظيم لعبة مشتركة مع الأبناء هو الحل لمشكلة قضاء وقت ممتع وقيّم معهم. 

لا يختلف برنامج «الفاميليا» كثيرًا عن برامج تليفزيون الواقع الأمريكية ذات الطبيعة الاجتماعية، فهي برامج توهم المتفرج بأن ما يشاهده واقع لشخصيات حقيقية عادية قد قامت بحل مشاكلها الاجتماعية واستطاعت التغيير من نفسها على طريقة كتب ومحاضرات التنمية البشرية، بينما من المفهوم أن التصوير يكون بالاتفاق على سيناريو عام، يرتجل داخله المشاركون، فيتظاهرون بأفعال معينة ضمن إطار معين يحدده معدوا البرنامج، لتوصيل معنى معين.

كما يلعب المونتاج واختيار مشاهد معينة مع الموسيقى والتصوير دورًا مهمًا في توصيل الصورة التي يرغب البرنامج في إظهارها، بمشاهد مفتعلة يتبادل فيها الآباء والأبناء الرسائل التي يظهرها البرنامج كاعترافات كنسية يقوم بها الطرفان للتطهر من الذنوب الماضية، ووعود لحياة قادمة أكثر إشراقًا تخلو من المشاكل بعد عملية التطهر التي قام بها الطرفان في المعسكر الفاخر.

من برنامج الفاميليا

يراهن أمين على جماهيريته العائلية في تقديم برنامج يحث على الترابط العائلي، ولكن الواضح أنه قد وقع في فخ الرعاة، فبين المنتجع الذي يعلن عن نفسه كمكان للتخييم العائلي، وبين شركة الأجهزة الإلكترونية التي ترعى البرنامج، اتجه البرنامج إلى جمهور محدود من الأغنياء، ومن يسعون للحاق بهم، تاركًا مشكلات الطبقة الوسطى التي تعيش في مرحلة من أصعب مراحلها، من الضغوط الاقتصادية، والتي أدت بدورها إلى توترات اجتماعية وإحباطات تؤثر بالفعل على العلاقات بين أفراد الأسرة.

 أما إذا تركنا كل أفكار التحليل الاجتماعي والطبقي جانبًا، فالمعضلة الأساسية في الحقيقية أن برنامج «الفاميليا» غير مضحك على الإطلاق، ولم ينجح في انتزاع حتى ابتسامة، وذلك على العكس من برنامج «البلاتوه» الذي قدم فيه أمين مادة مضحكة ولطيفة. ويبدو أن حالة التصنع والتوجيه والافتعال الموجودة في «الفاميليا» قد أثرت على قدرة أمين على اصطياد المفارقات الاجتماعية التي كان يحسن التقاطها كسمكة خرجت من محيطها.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن