«العوامة رقم 70»: حكاية تشبه جيلها المهزوم
بمناسبة البرنامج الاحتفائي لسينما زاوية بالمخرج خيري بشارة
الشهر الماضي، قدمت سينما زاوية، برنامج أفلام احتفائي بالمخرج المصري خيري بشارة، يضم أفلامًا مرممة من مسيرته. يحاول هذا المقال تتبع الثيمات العامة لسينماه من خلال فيلمه الروائي«العوامة رقم 70«، أولى أفلامه الروائية غير المأخوذة عن نص أدبي.
_________________________
أريد أن أصرخ يا أمى
إننى أشعر بألم شديد داخلى
وأعرف أن الصراخ لن يشفينى
ولكنى أريد أن أصرخ
هناك أسئلة تمزقني
وأعرف أنها ستظل إلى نهاية العمر
بلا إجابات
أسئلة نخجل من طرحها
لأن لا أحد يريدنا أن نسأل فى العلن
لا أحد يريد أن يقوض الاستقرار السعيد
لكل الثوابت التي يتم تداولها
من جيل لجيل
ملاك الحقيقة المطلقة
يسيطرون على العالم
ويعيشون على الأوهام والأكاذيب
وتبقى سعادة الأنسان محاصرة دوما
أريد أن أصرخ يا أمى
قصيدة من أوراق خيري بشارة -بدون تاريخ، نشرت في كتاب عنه للناقد أحمد شوقي بعنوان «خيري بشارة فيلم طويل عن الحياة» (2017)
«جالي حلم غريب قوي في الدقايق اللي نمتها، بصيت لقيت نفسي عمال أضرب في باب قزاز لحد ما كسرته حتت. غريب إني حسيت بلذة رغم إن إيديا اتجرحت كلها، ولما فقت حسيت بألم فظيع»- أحمد الشاذلي- العوامة رقم 70
تبدو لي القصيدة كأغنية من الممكن أن يغنيها أحد أبطاله، أو مونولوجًا طويلًا، يردده وهو يحدق مباشرة في الكاميرا. تلمس أيضًا بعمق ما يمكن أن أسميه «الفكرة السينمائية» لدى خيري بشارة. يقف العالم السينمائي لبشارة على حافة الصراخ. داخل رأس أبطاله المثقل بالحلم والحيرة، هناك شيء صاخب وعالق كصرخة يريد أن يخرج. يخبر أحمد الشاذلي حبيبته وداد في «العوامة رقم 70»: «في مليون حاجة جوايا بتخبط، بتغلي. حاسس أن فيه شيء جوايا لازم يطلع. حرام يطلع فيك».
في محاضرة بعنوان «ما هو العمل الإبداعي؟» للفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، يسأل: ماذا يعني أن لديك فكرة ما في السينما؟
ويجيب: لا يقول صانع أفلام «سأقوم بعمل فيلم في المطلق»، بل لا بد أن يكون عنده احتياج، ضرورة ملحة لعمل ذلك، وإلا فلن يكون هناك شيء على الإطلاق! المبدع ينتج ما هو في أمس الحاجة إليه.
لدى بشارة فكرة مكرسة في كل أفلامه، وهي ضرورة التمرد على الثوابت التي يتم تداولها كحقائق وحيدة. إنها جذر الرغبة المحركة لكل حكاياته. رغبة سرية ومعلنة في تحطيم الحواجز التي تحاصره، كذلك الباب الزجاجي الذي يكسرة بطل «العوامة رقم 70» (1982) بلذة وألم.
في عالم محكوم بالتقاليد والموروث، تحاول شخصياته أن تفك قيودها، وأن تكون نفسها ثم يحبطها الواقع، تبتلعها دوائر القدر التي تشدهم كالطوق إلى مصير مظلم. يحلمون وينكسر الحلم ثم يعاودون من جديد. في سينماه يبدو الحلم كقدر سيزيفي. لذلك حين يصنع «العوامة رقم 70» متمردًا على تراث السينما المصرية الذي سبقه فإنه يفعل ذلك بإحساس الضرورة، فالسينما هي أيضًا جزء من واقعه المحكوم بالإرث والتقاليد.
نفس غاضب

سرديات بشارة هي سرديات انكسار الأحلام. ينتمى لجيل أفاق من حلم طويل على هزيمة مروعة. كانت لحظة وعي معمّدة بالهزيمة. تخرج من معهد السينما في 1967 كأول دفعته، يليه زميليه علي بدرخان، وداوود عبد السيد. إنه جيل مهزوم منذ لحظة البداية.
صنع أفلامه الأولى بنفس غاضب. أراد أن يحرك الناس بعنف. هناك إحساس عمومي مثقل بالهزيمة في أفلامه الأولى. يمكنك أن تلمس مصير الحلم الفردي في سينماه، الفتاة التي غنت «أنا حرة وأموت في الحرية» في «يوم مر... يوم حلو» (1988) ماتت محترقة، والتي قالت «نفسي ياخال أمسك القمر.. أطوله» في «الطوق والإسورة» (1986) ماتت مذبوحة. في أفلامه الأولى هناك شخصيات تحترق حرفيًا من العجز والعار. في «العوامة رقم 70» هناك صراخ وجثث تطفو على سطح النيل.
حتى بعد أن انتقل في النصف الثاني من مسيرته، والذي يبدأ بـ«كابوريا» نحو أفلام أكثر خفة وأقل ذهنية وقتامة، ظلت مساعي أبطاله محكومة في الغالب بعدم التحقق مثل حلم الهجرة في «أمريكا شيكا بيكا» (1993)، أو حلم السعادة في «حرب الفراولة» (1994)، إلا أن خيري صار أكثر حنانًا مع أبطاله في أفلام هذه المرحلة.
كان برنامج العروض الاستعادية الذي أقامته سينما زاوية لسينما خيري بشارة طيلة شهر يناير فرصة للعودة لسينماه ومشاهدتها في ظروف أقرب لعرضها الأول، مرممة وعلى شاشة كبيرة ووسط جمهور. كنت متحمسًا جدًا للعودة تحديدًا لـ«العوامة رقم 70»، فيلم بشارة الذي يماثل في قيمته التأسيسية لموجة الواقعية الجديدة المصرية فيلم جودار «على آخر نفس» (1960)، بالنسبة للموجة الفرنسية الجديدة.
كل منهما بلور على نحو مثالى ما تمثله الموجة السينمائية الصاعدة. فيلم بشارة أقرب لمانيفستو للحركة السينمائية الأهم والأكبر تأثيرًا وإنجازًا في تاريخ السينما المصرية. في فورة حماسي عدت للمتاح من المقالات نقدية التي كتبت عن الفيلم، وقت ظهوره، قبل أربعة عقود، لمعرفة كيف استقبله النقاد آنذاك؟
كانت أغلب الكتابات النقدية قادرة على لمس ملامح التجديد التي حملها الفيلم، لكن كان سمير فريد الأكثر حماسة من بينهم. هو أول من صك اسم «الواقعية الجديدة» في السينما المصرية، ونظّر لأفلامها ومخرجيها. كان يكتب عنها منذ البداية بإحساس البشارة. اعتبر فريد فيلم بشارة الثاني «العوامة رقم 70» الثمرة الأولى الناضجة لكفاح طويل من أجل سينما مصرية جديدة. كتب لاحقًا في مقدمة كتابه عن الواقعية الجديدة في السينما المصرية/ «إذا كان فيلم العزيمة الذي أخرجه كمال سليم عام 1939 هو بداية الواقعية المصرية في السينما فإن «العوامة 70» الذي أخرجه خيري بشارة عام 1982 هو بداية الواقعية الجديدة».
الأسئلة القديمة لا تزال صالحة لإثارة السخرية المرة

بعد الخروج من عرض «العوامة رقم 70» وجدتني مأخوذًا بجملة قرأتها في مقال فريد عن الفيلم، قبل ذهابي لمشاهدته، حيث وصف جيل بشارة، وهو الجيل الذي يعبر عنه الفيلم وينتمى له بطله، بـ«الجيل الذي قدر له أن يصبح أكثر الأجيال بؤسًا في مصر المعاصرة».
كنت أفكر أننا بشكل ما الجيل نفسه، بإحساس الهزيمة نفسه، كأن شيئا لم يتغير. كنت سأقول أننا نسكن العوامة نفسها، لكن عدم وجود عوامات الآن كان من شأنه أن يضرب مصداقية مجازي في مقتل. في هذه اللحظة بالذات، كنت قد أمسكت بفكرة مركزية في سرديات خيري بشارة. وجدت تجليها الأكبر في «الطوق والإسورة»، حيث المسار الدائري للحكاية. ثلاثة أجيال من عائلة البشارى في قرية الكرنك في النصف الأول من القرن العشرين يواجهون المصير نفسه، اذ تدور عليهم دائرة القهر والعجز. ينتهي الفيلم حيث بدأ. يبدأ الفيلم بالأب مقعدًا وعاجزًا وينتهى بالابن على ذات الحال، وهو الذي كان ذات يوم حُلم هذه العائلة للخروج من معاناتها. هذا ما يعبر عنه بشارة في فيلم «الطوق والأسورة».

هناك مشهد يلعب على نفس المعنى في «حرب الفراولة». يبكى حمامة (محمود حميدة) أمام فردوس أو فراولة (يسرا) بعد أن أجبره ثابت بيه (سامي العدل) على التنكر كامرأة في كامل ثيابها ومكياجها. يشعر حمامة بالذل أمام امرأته لكنه يذكرها أنه ليس وحيدًا في ذلك، إنه إرث طويل من الذل أمام لقمة العيش، «أبوك وأبويا وجدك وجدي وجدود جدود اللي جابونا ما كانوش مذلولين يا فردوس!»
لماذا يبقى الحال دائمًا هو الحال؟ لماذا لا نتقدم للأمام؟ لماذا نظل ندور في الدائرة نفسها حتى تبدو المعاناة كارثة يمررها جيل لآخر. هذه هي نوعية الأسئلة المحركة للسرد في سينما بشارة.
ذات في حالة تعري

بشارة هو أكثر مخرجي جيله ذاتية. يردد في أكثر من حوار أنه يعيش على ما يسميه «فضيلة التعبير عن الذات»، كأنه لا يستطيع أن يصنع فيلمًا لا يعبر عنه. ينطلق دائمًا من ذاته، وأفكاره الخاصة، لذلك حين تتاح له أول فرصة بعد عدد من الأفلام التسجيلية وفيلم روائي أول مأخوذ عن نص أدبي، فإنه يدير الكاميرا نحو ذاته.
في حوار قديم معه يحكي: «كنت أتمنى أن أصور لقطة أولى في فيلم العوامة رقم 70، أقدم فيها صورتي عاريًا وأدخل يدي في أحشائي، أفتح بطني ومخي وأقول مونولوجًا طويلًا عن نفسي وعن جيلي، لكني لم ألجأ لهذا بسبب الرقابة».
إذا كان بشارة قد تخلى مجبرًا عن هذه الرغبة في التعري العنيف والصادم، فإن ظلال هذه الرغبة هي ما شكلت صورة بطله ومعادله الذاتي. في الفيلم الذي يحمل الملامح البكر لسينما مصرية جديدة، يمكنني أن أشير إلى أن لمسة التجديد الأجمل والأهم ربما في فيلم بشارة كانت صورة بطله. لا أعتقد أننا قبل هذا الفيلم قد شاهدنا بطلًا يشبه أحمد الشاذلي (أحمد زكي). بطل يفتقد أي معايير بطولية تقليدية.
يخلق بشارة رفقة فايز غالي كاتب السيناريو شخصية رئيسية من الصعب الوقوع في حبها، لكن بإمكانك التعاطف مع حيرتها وروحها المعذبة. فيها شيء من هاملت، متردد، ومطارد بالأشباح وعاجز عن الفعل. أحمد أناني وملئ بالتناقضات. شخص مثقل بما في رأسه، غاضب وغضبه يشوش رؤيته وعلاقته بكل من حوله بمن فيهم، حبيبته وداد (تيسير فهمي).
الملمح الأبرز في شخصية أحمد هو تناقضاته، يحاول تصوير الواقع والإمساك بحقيقته، بحكم عمله كمخرج أفلام وثائقية، ومع ذلك يدير ظهره لهذا الواقع ويعيش في عزلة. رغم أن سكناه في عوامة مبرر دراميًا بأزمة السكن العامة، إلا أنه يحمل أيضًا انحيازًا لا واعيا لفكرة العزلة. ينحاز للفقراء في فنه، وأيضًا مستهلك في برجوازيته الخاصة كتلك الأماكن باهظة الثمن التي يستدين لكي يتردد عليها.
إنه ممزق أيضًا بين وصاية الأب الذي يمثل ما هو راكد وتقليدي وتمرد العم الذي يمثل المغامرة والانطلاق. بين أخلاق القرية التي لا تزال حية في أعماقه، ونمط الحياة المتحررة التي يعيشها في المدينة. يريد أن يعيش ولا يعرف كيف، فتناقضاته الداخلية تكدر صفو روحه. يمكننا أن نشير هنا لمدى المجازفة التي أقدم عليها بشارة بصنع عمل ذاتي كهذا في بداية مسيرته. في وقت لم يكن هذا مطروقًا في السينما المصرية، ففي 1982 حين عرض الفيلم لم يكن شاهين -وهو المخرج الذي تقف وراءه آنذاك مسيرة طويلة- قد أخرج من رباعيته الذاتية سوى «إسكندرية ليه؟»
حكاية تشبه صاحبها

يتخلص بشارة في فيلمه من فكرة الحبكة التقليدية. يفك أصابعها القدرية من حول حكايته، ليترك لها حرية أن تتشكل على إيقاع شخصياتها. على الحكاية أن تشبه أصحابها. لا ترغب الشخصية الرئيسية في فيلم بشارة في خوض أي صراع . يقول لعمه: «حياتى فاضية، تقدر تقول ملخبطة» أو «نفسي في حكيوة واحدة زي حكاويك». حياته شظايا وخطوط سردية لا تكتمل. كيف تنتظم حياة شخصية كهذه ضمن حبكة. الأشياء تنتهي فور أن تبدأ، مثل حكايته مع سعاد (ماجدة الخطيب). تظهر حاملة معها تهاويم من براءة الأيام الأولى ليكتشف سريعًا أنها هي الأخرى قد انتهكتها الأيام والأحلام.
يعمل على فيلم عن أحد محالج القطن. يكشف له أحد العمال يدعى عبد العاطي عن حقيقة الفساد في المحلج، ويقتل بعد مقابلته. يجد نفسه متورطًا في الكواليس المظلمة لهذه الحكاية دون إرادة أو رغبة في ذلك. لا شيء يكتمل. خيوط السرد مبتورة كحياة محكومة بعدم التحقق. يصنع بشارة فيلمًا يصعب تسكينه تحت أي نوع سينمائي (genre)، حتى خط الجريمة والجانب البوليسي يتم بتره بعد أن يؤدي وظيفته السردية. وظيفة العلاقات التي يتورط فيها البطل بإرادته أو رغمًا عنه، وكذلك الخطوط السردية المبتورة والمتفرقة وظيفتها هي أن تصدمه، أن تستعيده من تشوشه، وتصل به نحو لحظة تنوير يعرف خلالها ما الذي يجب عليه أن يفعله. طيلة الطريق الصاعد نحو لحظة التنوير الأخيرة يتلقى البطل الضربات من هنا وهناك مجازيًا وحرفيًا.
هذا لا يعنى أن الشخصيات المحيطة مجرد ظلال في بورتريه البطل أو مرايا له. تمتلك الشخصيات ملامحها الخاصة ومعاناتها المتفردة، لكن تصادمها مع البطل يعرى شخصيته. حيث شخصية دلال الواقعية والمبادرة تكشف نقيضها في شخصية أحمد. تحكى له ذات مشهد عن معاناتها من شكل وطبيعة علاقة والديها، وتخبره أن هذا لا يجب أن يتكرر في علاقتهما، فيجيبها وكأنه لم يسمع ما قالته: «عارفة أنا بحلم إننا نزور جزر الكناري، نعيش سوا في جزيرة تاهيتي».
تفضي الحكاية إلى مواجهة البطل لذاته ولواقعه عبر رحلة يتخلص خلالها من تردده وعجزه. واحدة من الأفكار الرئيسية في فيلم بشارة أنه لا مهرب من الواقع. يمكنك أن تدير ظهرك له وأن تغمس نفسك في أحلام ناعمة، أو أمان زائف، لكن الواقع سيعرف دائمًا كيف يجدك، حتى إذا اختبأت داخل عوامة ضائعة، بين عوامات متشابهة، سيطفو الواقع أمام عينيك وسيبدو قبيحًا كجثة متفسخة.
سينما الحقيقة: واقع لا يتجمل

«أحذركم كصديق
لا تخفو رؤسكم كالنعامة
افتحو عيونكم
تنبهوا
إنني أرى ، كما ترى ذلك كل عيون الأطفال
الأحشاء تتساقط، أمعاء المعاناة تخرج من معدة السينما
كتاب «العين السينمائية والحقيقة السينمائية» لدزيجا فيرتوف.
في المشهد الأخير لفيلمه، يظهر كتاب فيرتوف في لقطة مكبرة. فيرتوف مخرج الأفلام الوثائقية، والطليعي الروسي، هو بمثابة «البابا» لتيار سينما الحقيقة. كان فيرتوف متطرفًا ضد كل ما يزيف الواقع، كان ضد السينما الروائية برمتها باعتبارها انحرافًا. كان بشارة محبًا ليفرتوف، لكنه كان بعيدًا عن تطرفه. كان يؤمن أن بإمكان الفيلم الروائي أن يعبر عن الواقع بصورة صادقة. لذلك جاء فيلمه -موضوعيًا وأسلوبيًا- تمردًا على السينما التقليدية.

أسلوبه الإخراجي واقعي، يمزج تقنيات الوثائقي بالروائي. بكاميرا ديناميكية ولقطات طويلة؛ يصور في الشارع وفي الأماكن الحقيقية للأحداث عبر إضاءة طبيعية. نفذ فيلمه كاملًا دون أي ديكورات تذكر. يمكنك أيضًا أن تلمس الأثر الممتد من أفلامه الوثائقية الأولى من خلال لقطات المحلج، فرح الأخت، ولقطات سير البطل في ليالي القاهرة، في بداية الفيلم، حيث الإضاءة الطبيعية للمشهد، تظهر مدينة غارقة في الظلام، وبطلًا يعبرها كظل. الأثر الوثائقي موجود أيضًا في الوجوه البريئة والتلقائية للناس الحقيقيين، الذين يظهرون في فيلمه، في اختيار ممثلين غير محترفين، مثل شفيع شلبي ومحمد خان، أو الطبيعية والتلقائية التي تطبع أداء ممثليه المحترفين. يسعى بشارة من خلال سرده وأسلوبه لجعل كل شيء في فيلمه أقرب ما يكون للحقيقة.
يميل بشارة نفسه لروح الارتجال والعفوية في موقع التصوير. يعمل دائما دون ديكوباج*، يذهب قبل الجميع إلى موقع التصوير ويترك حدسه يقوده. هو الحدس نفسه، الذي يُظهر الحقيقة داخل الفيلم الوثائقي داخل الفيلم.
في «العوامة رقم 70» يلجأ بشارة إلى مقاربة سردية، تخلد مغامرته عبر فكرة الفيلم داخل الفيلم. عبر الفيلم الوثائقي الذي يصنعه أحمد الشاذلي، عن المحلج، يمكنك أن تلمس قلق ومجازفة بشارة في عمل فيلمه الذي صنع دون تنازلات. حين يطلب مثلًا من المونتير أن يصاحب صوت المعلق صورة عبد العاطي، ليخبر المشاهدين أنه قتل، وهو يحاول الكشف عن جريمة خطيرة. يعترض المونتير أنه بذلك يخرج عن الموضوع الرئيسي لفيلمه، فيخبره أنه المسؤول. أو حين يرغب المنتج في فرض نهاية سعيدة للفيلم الوثائقي، فيجيبه أحمد «عبد العاطي مات ومش هسمح لنفسي أصحيه في فيلمي».

في واحد من المشاهد يوجه أحمد الكاميرا ناحية أحد المباني القديمة للمحلج، من أجل تصويره. يظهر عبد العاطى، رسول الحقيقة مصادفة داخل الكادر. وكأنما إذا وضعت الكاميرا في المكان الصحيح، فإن ما تغفله العين البشرية تلتقطه العين السينمائية.
(*)- الديكوباج -Decoupage
هو السيناريو الاخراجى ويتم حينما ينتهى المخرج من فهم وتفسير نص السيناريو عن طريق تقطيع مشاهد السيناريو السينمائي إلى لقطات محددة، ويتضمن هذا تصميم اللقطات من حجم اللقطة، ومكان الكاميرا، وتكوين الصورة، والحركة والإيقاع والمؤثرات الصوتية والموسيقى التصويرية، ويعتبر تصميم اللقطة هو المجال الأول الذي يتيح للمخرج فرصة للإبداع في عمل الفيلم.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن