الصحافة الإسرائيلية: قوة الردع شبه معدومة.. وحماس تربح الحرب
لا شك أن ما يحدث في فلسطين هو حدثًا كبيرًا. البعض يراه الأهم منذ الانتفاضة الثانية. البعض الآخر يذهب إلى لحظة النكسة في 1967. ويصل البعض إلى أن اللحظة الحالية هي الأهم منذ نكبة 1948. أسباب ذلك من الجهة الفلسطينية عديدة. بعد عقود على محاولات الاحتلال للفصل بين قضايا قطاع غزة المحاصر وقضايا الفلسطينيين في الضفة، جاءت تلك الأحداث لتؤكد على وحدة القضية. كذلك الأمر بين فلسطينيي الداخل المحتل والضفة وغزة.
لكن ماذا عن الجانب الإسرائيلي؟ كيف يرى ما يحدث؟ وما هي الأسئلة المسيطرة على مجتمع الاحتلال؟
بداية، يبدو أن الإعلام الإسرائيلي بدأ يضيق ذرعًا بالرقابة العسكرية المفروضة عليه، وخرجت انتقادات علنية للأداء السياسي والإعلامي للحكومة الإسرائيلية، وطال التشكيك المعلومات التي يبلغها القادة العسكريين للكنيست وللإعلام الغربي والمحلي.
ألموج بن زكري، مراسل جريدة «هآرتس»، صحيفة يومية تعبّر عن توجهات يسارية إسرائيلية، أشار إلى ذلك مباشرة في تغطيته، وقال إن «الجيش الإسرائيلي لا يتيح بيانات دقيقة عن الصواريخ المنطلقة من غزة. وقدّم صورة غير صحيحة، أقل بمئات الصواريخ عن العدد الفعلي، في تقريره المقدم إلى لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست».
وفي مقال ياكوف كاتز في «جيروزاليم بوست»، جريدة يومية إسرائيلية تصدر بالإنجليزية، اتهم الكاتب قيادة الجيش بزعزعة ثقة الإعلام المحلّي والأجنبي بالكلام الرسمي الصادر عنه، بعد أن اعتمد الجيش تكتيك الخداع. يشرح كاتز أن أحد المتحدّثين الرسميين باسم الجيش قال لمراسلي مؤسسات إعلامية أجنبية إن الجنود عبروا الحدود البرّية مع غزة، إلا أن الأمر لم يكن صحيحًا وكان هدفه التضليل كجزء من الخطة العسكرية.
لكن الكاتب أشار إلى أن لهذا السلوك تبعات سيئة إذ أن الصحافيين لن يصدّقوا ما يقوله المتحدّثون باسم الجيش بعد الآن، وقد اعتبر معظمهم في الأيام الأخيرة أنه «تمّ خداعهم عن قصد من قبل المؤسسة العسكرية».
ورغم محاولات القيادات العسكرية في جيش الاحتلال لتقليل أثر وكم الضربات التي وجهتها، ولا تزال، المقاومة الفلسطينية على مدار الأسبوع الماضي، غير أن تلك المحاولات لم تمنع العديد من الكتاب والباحثين الإسرائيليين من طرح تساؤلات حول جدوى العدوان الأخير على غزة، ونتائجه، التي ذهبت بعضها إلى أن الأمر بات يطرح أسئلة وجودية تخص الاحتلال بشكل استراتيجي.
في مقدمة هؤلاء كان آفي إيزاكشاورف، وهو محلل سياسي يكتب لعدد من الصحف الإسرائيلية كما شارك في كتابة مسلسل «فوضى» الشهير. قال الكاتب إن العملية العسكرية في غزة يجب أن تتوقف فورًا، وأعاد ذلك إلى عدد من الأسباب: إن الإنجازات التكتيكية التي حققها جيش الاحتلال بضرب مخازن وأنفاق في غزة لن تغير من الإنجاز الاستراتيجي التي حققته حركة المقاومة الإسلامية حماس واستطاعت فيه تحريك الأمور في غزة والضفة ولبنان وسوريا وحتى إسرائيل، مضيفًا «لو قتلنا عشرة أو مئة آخرين في غزة، فذلك لن يغير الصورة الأكبر».
وشرح إيزاكشاورف المزيد من الأسباب: «الضفة الغربية استيقظت بعد سنوات من السبات، وكان هناك اشتباكات كثيفة أدت إلى مقتل 11 فلسطينيًا، ووقف الحرب في غزة قادر على إعادة الهدوء هناك. كما أنه لا بد من إعادة التفكير في سؤال غزة نفسها، سياسة حكومة نتنياهو بتقوية حماس كانت ولا تزال خطأ كبير، من المستحيل إطعام الوحش والتفكير في السيطرة عليه. من الممكن، ومن المحبذ، إلحاق الأذى بحماس عندما لا تكون مستعدة حتى لو كانت تكلفة الأمر كبيرة، لكن الآن وفي المواجهة الحالية فإن هذا المسعى ليس واقعيًا». وأشار إلى أن «المسعى الوحيد القادر على إلحاق الأذى بحماس الآن هو العملية البرية، ولا يبدو أن هذا الخيار مفضلًا لدى رأس السلطة الإسرائيلية».
بدا واضحًا أن النخب الإسرائيلية تنشغل كثيرًا بالعلاقة بين الحراك الميداني في الداخل المحتل ونظيره في الضفة، وليس فقط بالمقاومة المسلحة المنطلقة من قطاع غزة. هكذا رأي المحلل السياسي لـ«هآرتس» جاك خوري أن الأمر تجاوز «اللامبالاة الفلسطينية التي عايشتها إسرائيل في العقد الماضي».
قال خوري في تحليله «الأحداث خلال الأسبوع الماضي في الضفة الغربية وفي الداخل تقدم تحذيرات ملحة لكل من الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية على حد السواء. الفلسطينيون في الضفة الغربية وفي الداخل (المحتل) لديهم حياتين مختلفتين. الحكومة تعاملهم بطريقتين مختلفتين، والفروق الاقتصادية والاجتماعية بينهما لا يستهان بها. لكن في الأسبوع الماضي بدا أن الخط الأخضر (الخط الفاصل بين الأراضي المحتلة عام 1948 والأراضي المحتلة عام 1967) قد اختفى، وبات جليًا أن لا فرق بين الفلسطينيين على كلا الجانبين وأنه من الممكن إيجاد أرضية مشتركة للتظاهر والنزول إلى الشوارع في مواجهة القمع والبلطجة. سكان القدس الشرقية ونابلس وجدوا أنفسهم في نفس الموقع مع سكان الناصرة وأم الفحم، وحتى مع سكان المدن المختلطة (المحتلة) في حيفا واللد».
الكاتب في جريدة «جيروزاليم بوست» تسفي جوفري، ذهب إلى أبعد من ذلك في تحليله: «إسرائيل تربح معارك، وحماس تربح الحرب». قال جوفري في تحليله «في هذه الجولة، ليس مهمًا عدد الأهداف التي ضُربت في قطاع غزة. في الستة أيام الأولى كان جليًا أن لحماس اليد العليا، إذ تمكنت من تجاوز نطاقات صواريخها التقليدية وأشعلت كل الجبهات، في ظل حالة تمرد هزت كل جزء في إسرائيل».
وأشار الكاتب إلى أن المقاومة الفلسطينية استطاعت تحديد نقطة انطلاق الصراع هذه المرة زمانيًا وجغرافيًا. إذ أشار إلى أن الفصائل الفلسطينية أطلقت صواريخها ردًا على إخلاء حي الشيخ جراح في القدس وعلى الإجراءات التشددية في المدينة، وبينما كانت إسرائيل تواجه أزمة اقتصادية جراء وباء «كورونا»، وفي ظل غياب الاستقرار السياسي عن إسرائيل، اختارت المقاومة بدء الصراع، ونجحت بالفعل في توحيد الجهود مع الضفة والقدس وفلسطينيي الداخل.
وفي نفس السياق٬ قال رون بن يشاري في «يديعوت أحرونوت»، جريدة يومية تصدر بالعبرية وتمثّل الوسط الإسرائيلي، إن إسرائيل استهانت بالقدرات الصاروخية لحماس وحركة الجهاد الإسلامي، موضحًا أيضًا أن قوة الردع الإسرائيلية باتت شبه معدومة، وهي قضية تتطلب اهتمامًا فوريًا. يميل الجيش الإسرائيلي والسياسيون وحتى وسائل الإعلام إلى التقليل من شأن تلك القدرات، لكن الأمر الأكثر قلقًا هو دقة تلك الهجمات. في الماضي كانت تلك الصواريخ تسقط في البحر أو تنفجر في الجو، لكن الصواريخ التي أطلقت هذه المرة لم تكن فقط مدججة بالمتفجرات، بل كانت دقيقة إلى درجة لم تتخيلها إسرائيل من قبل.
واستطرد الكاتب «قد يدعي البعض من المجتمع العسكري والاستخباري أن لديهم تصور سابق عن تلك القدرات الصاروخية، لكن حتى لو كان ذلك صحيحًا إلا أن هذا بعيد تمامًا عن الصورة التي عُرضت على الجمهور الإسرائيلي. قدّر صناع القرار أن مقاتلين غزة لا يزالوا في مرحلة مبكرة من تطوير الصواريخ، وأنهم اختاروا بدلًا عن ذلك الاعتماد على الطائرات المسيرة. تبيّن ليلة الثلاثاء (ليلة اشتداد قصف المقاومة لتل أبيب وعسقلان) أن كل هذه الأمور خاطئة. وكان يجب أن يكون الجمهور مستعدًا لما حدث، على الأقل من الناحية النفسية، فعلى الرغم من الانخفاض النسبي لعدد القتلى والمصابين في إسرائيل، غير أن حماس والجهاد قد حققا انتصارًا جديًا في الحرب النفسية ضد إسرائيل».
وفي مقاله، استطرد جوفري في «جيروزاليم بوست»: «في الأيام الأخيرة خرج اليهود والعرب في جميع أنحاء إسرائيل إلى الشوارع مستعدين للعنف. دعت الجماعات اليهودية المتطرفة الناس للخروج لمواجهة أي عربي يصادفهم. وبينما صورت هذه الجماعات اليهودية نفسها على أنها تحمي المدنيين اليهود، كانت في حقيقة الأمر وفي كثير من الأحيان مجموعات من المشاغبين الذين يتطلعون ببساطة إلى إخراج غضبهم على العرب بشكل عشوائي. هزّت حادثة واحدة على وجه الخصوص في بات يام البلاد، حيث اقتلع شباب يهودي أحد المارة العرب من سيارته وبدأوا في ضربه بلا رحمة».
دلل الكاتب على خطورة الأمر باقتباس كلمة من المتحدث العسكري باسم كتائب عز الدين القسام، أبو عبيدة، والتي جاء فيها «ما يميز هذه المعركة هو تضامن أهلنا في كل الساحات، ومقاومتهم للاحتلال».
وختم الكاتب مقاله بـ «نعم، الجيش الإسرائيلي يحقق إنجازات عظيمة في العملية، ولكن في غضون ذلك يبدو أن المنزل ينهار من الداخل. إسرائيل تكسب المعارك بالتأكيد، لكن يبدو أن حماس تكسب الحرب. في غضون أسبوع واحد فقط نجحت حماس في إشعال صراع أهلي بين اليهود والعرب داخل إسرائيل وإثارة واحدة من أكبر الحروب مع غزة في السنوات الأخيرة (...) لقد رأت حماس الوضع واستغلته لمصلحتها فاغتنمت الغضب والأذى المتصاعد في عموم المجتمع الإسرائيلي. ربما أشعلوا عود الثقاب لكننا بالتأكيد جهزنا الحطب (...) لقد خلق الأسبوع الماضي جروحًا عميقة في وجه المجتمع الإسرائيلي ستستغرق شهورًا، إن لم يكن سنوات للشفاء. وربما يكون المجتمع الإسرائيلي أكثر انقسامًا مما كان عليه في أي وقت مضى».
وفي نفس السياق، قال المحلل السياسي «بن يشاري» في «يديعوت أحرونوت»، إن «أعمال التمرد في القدس ولدى عرب الداخل، إلى جانب مفاجأة القادة الإسرائيليين من قدرات حماس الصاروخية، تخاطر بمنح إيران وحزب الله أفكارًا أكثر فتكًا مما رأيناه حتى الآن».
كما قال «بن يشاري» «تظهر الأحداث في اللد والرملة، حيث أطلق عرب الداخل النار على الشرطة، وكذلك حيث قررت قوات الأمن اقتحام الحرم القدسي، أن العنف في هذا البلد قادر على التطور إلى حرب عرقية شاملة (...) يجب أن نسأل أنفسنا: ما هو القاسم المشترك لكل هذه المفاجآت غير السارة التي شاهدناها في الأيام القليلة الماضية؟ الإجابة ذات شقين: العداء الديني المتزايد باستمرار بين المسلمين واليهود وافتقار إسرائيل للحكم السليم»، موضحًا «ركز قادة البلاد لأكثر من عامين فقط على أنفسهم وسلطتهم، متجاهلين القضية الفلسطينية وتصاعد العنف في الوسط العربي. لعامين كانت حكومتنا غير راغبة في معالجة هذه المشاكل والآن كل شيء ينفجر في وجوهنا».
تستمر هذه الجولة من المواجهات وسط انتقادات عالية في أوساط النخب الإسرائيلية تأرجحت بين الانزعاج من حكومة الاحتلال التي أنهت طمأنينة الإسرائيليين بأن الفلسطينيين تفرقوا بين ثلاثة مجتمعات منفصلة، وبين التفاجؤ بالقدرات الصاروخية لفصائل المقاومة. غير أن الثابت الأساسي في خطابات النخب الإسرائيلية هو الهوس الواضح بحركة حماس وجناحها العسكري كتائب عز الدين القسّام، وتصوير المعركة على أنها حصرية مع حماس دون الفلسطينيين، بالطبع كل ما أكدت عليه أحداث الأيام الماضية، أن الهوس هذا لا يزال متأخرًا عن مجاراة الواقع.
تقارير ذات صلة
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
تحرك الغرب للاعتراف بدولة فلسطينية.. هل لذلك أهمية؟
عبّرت أصوات فلسطينية عديدة عن مشكلات مختلفة في تعهد الاعتراف بالدولة
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن