تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«الشارع لمين» في السينما المصرية: 7 أيام من الارتباك  

«الشارع لمين» في السينما المصرية: 7 أيام من الارتباك  

كتابة: ناهد نصر 17 دقيقة قراءة
سعيد شيمي مع محمد خان، أثناء تصوير فيلم «ضربة شمس»، 1980، في حي المنيل بالقاهرة، بجوار كلية طب الأسنان.

في أقل من أسبوع، تحوّل تصوير الأفلام في الشارع إلى أزمة تتفاقم مع مرور الوقت في وسائل الإعلام، وفي أروقة صناع السينما. بدأ الأمر بقرار يكشف عن زيادة رسوم تصوير الإعلانات والمشاهد السينمائية في شوارع محافظة القاهرة، لكنه يكشف أيضًا ارتباك الجهات التنفيذية وتخبط الجهات المسؤولة عن الصناعة، لتصبح المحصلة عشرات السيناريوهات الافتراضية والكثير من التصريحات والبيانات والمقترحات، يتلقفها الإعلام لتزيد الصورة تعقيدًا. بينما العنصر الأوضح وسط تشابكات المشهد هو أن وجود الشارع المصري في أفلامنا مهدد بالخطر.

في هذا التقرير، نحاول تقديم خط زمني لما حصل في الأيام السبعة الماضية، متلمسين تقديم صورة وافية للمشهد المعقد، من خلال طيف واسع من آراء السينمائيين المنخرطين في التعاطي مع الأزمة، والتي كشفت تحركاتهم عن ارتباك في التنسيق بين الجهات المسؤولة عن صناعة السينما في مواجهة القرارات المصيرية التي تخص الصناعة، وخلاف حول الممثل الشرعي للصناعة أمام الجهات المختلفة. 

في 23 أغسطس الجاري، فاجأ الرئيس عبد الفتاح السيسي متابعي برنامج «صالة التحرير» على قناة «صدى البلد» بمداخلة هاتفية، بينما كانت الإعلامية عزة مصطفى تدير حوارًا مع الكاتب عبد الرحيم كمال مؤلف مسلسل «القاهرة كابول» (2021)، حول القضايا المجتمعية الملحة في السينما والدراما التليفزيونية.  تحدث في مداخلته عن دعمه الشخصي لخطاب كمال، حول ما وصفه بتجديد الخطاب الروحي وربطه بالتاريخ، قائلًا «أشكرك على الكلام الرائع والشخصية الرائعة اللي بتتحدث، بشكل يعكس حجم من المعرفة وحجم من الرقي الفكري والثقافي. عاوز أقولك إيه، جهز اللي انت عاوزه وأنا معاك. أنا داعم لك في عمل على مستوى الدولة». وأضاف أن قضايا الإعلام والثقافة والفنون كانت دائمًا لها أولوية متقدمة «بس مش كل حاجة بنفكر فيها بنقدر نوصل فيها للنتائج المرجوة. الدولة كده الدولة بتاخد سنين كتير عقبال ما تتجاوز  تحدياتها». وأشار إلى أن فكرة تحقيق الربح قد تتوارى عندما تكون هناك قضية من المستهدف طرحها على الناس «إذا كانت التكلفة المالية والربح ممكن يكونوا عائق أمام عمل زي كده، أنا بقولك دلوقت أهو وطبًعا كل الناس سامعاني، أنا معاك. إحنا قضيتنا قضية وعي».

لائحة المحافظة 

لم تكد تمر عدة ساعات على تلك المداخلة حتى أصدرت محافظة القاهرة في اليوم التالي، 24 أغسطس، بيانًا من الإدارة العامة للعلاقات العامة بالمحافظة، موقّع من عميد مهندس أحمد الدميري، مدير العلاقات العامة، بتاريخ اليوم السابق 23، يشير إلى صدور لائحة جديدة، جاء في البيان، أنها صدرت بتاريخ 16 أغسطس «بعد اعتمادها من السيد اللواء/ محافظ القاهرة 'في إطار حرص المحافظة على تحصيل مستحقاتها من تصوير الإعلانات والمشاهد السينمائية في شوارع وأبنية وأنفاق وجراجات محافظة القاهرة'». وتضمنت اللائحة الجديدة «تحصيل رسوم بواقع 15 ألف جنيه في الساعة مقابل التصوير، وتحصيل رسوم بواقع 100 ألف جنيه في اليوم الكامل مقابل التصوير».

بيان محافظة القاهرة يوم 23 أغسطس

مثّل البيان مفاجأة مزعجة لصناع السينما والدراما خاصة مع توقيت صدوره، بالنسبة للصناعة التي تعاني من عثرات مستمرة خلال السنوات الأخيرة، بلغت ذروتها مع الإجراءات المصاحبة لمواجهة جائحة كورونا، العام الماضي 2020.  

وعسى أن تكرهوا شيئًا

رسميًا، دعت غرفة صناعة السينما الجهات الممثلة للصناعة لاجتماع طارئ على وجه السرعة، يوم 25 أغسطس، ضم أعضاء الغرفة ولجنة السينما بالمجلس الأعلى للثقافة ونقيب المهن السينمائية ورئيس اتحاد النقابات الفنية بوصفها «الجهات المعنية والمنوطة بكل ما يتعلق بالأعمال السينمائية والدرامية والسمعية والبصرية» لمناقشة اللائحة التي أصدرتها محافظة القاهرة.

وبينما كانت المناقشات تدور داخل الاجتماع حول الأسلوب الأمثل للتعاطي مع الأزمة، فوجئ المجتمعون ببيان جديد منشور على الصفحة الرسمية لمحافظة القاهرة، موقّع هذه المرة من محافظ القاهرة، اللواء خالد عبد العال، يشير إلى أنه «في إطار حرص الدولة ومحافظة القاهرة على الدعم الكامل لصناعة السينما وتقديرًا لدور الفن والإعلاميين، فإنه بالتنسيق مع الدكتور أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، والنائبة سها سعيد، وكيل لجنة الإعلام بمجلس الشيوخ، وأمين سر تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، والنائب نادر مصطفى، وكيل لجنة الإعلام بمجلس النواب وعضو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، تم التوافق على وضع ضوابط للقيمة المالية حسب التصوير لأعمال تجارية أو إعلانية أو فنية للقرار السابق صدوره بشأن التصوير داخل محافظة القاهرة».

بيان محافظة القاهرة 25 أغسطس

لم يوضح البيان ما المقصود بوضع ضوابط على القيمة المالية حسب التصوير، كما لم يُشر إلى وضع القرار الجديد من التنفيذ. لكن الثلاثي: نقيب المهن التمثيلية وعضوة مجلس الشيوخ وعضو مجلس النواب، كثّفوا من ظهورهم في وسائل الإعلام المختلفة، بمداخلات هاتفية يتحدثون فيها عن تفسيراتهم للبيان، وعن رضاهم لما توصلوا إليه مع المحافظ، في إطار أنه ترجمة حقيقية لتوجيهات الرئيس. 

على سبيل المثال، أشارت النائبة سها سعيد في مداخلة على قناة النيل للأخبار إلى أن المحافظ أخبرهم خلال لقائه بهم أن اللائحة المثيرة للجدل «كأن لم تكن» وأنه ستكون هناك عودة للرسوم القديمة، وأن أي قرارات جديدة بشأن رسوم التصوير ستصدر عن المحافظة. فيما أشار النائب نادر مصطفى في مداخلة لبرنامج الحياة اليوم إلى أن ما سيتم الآن هو «الرجوع كما كنت، الرجوع للوضع السابق». وبدوره ظهر نقيب المهن التمثيلية في مداخلة لقناة الشمس يتحدث عن رضاه عن النتيجة التي توصل إليها وزميلاه مع المحافظ. 

عندما تحدثتُ إلى نقيب المهن التمثيلية، أشرف زكي، هاتفيًا فور صدور البيان عن كون البيان غير واضح بشأن القرار، كان رده «هنتفق بكرة ولا بعده، هنقعد ونشوف التفاصيل». وأضاف «إحنا مش ضد إننا ندفع الفلوس، بس ما يصحش الإعلان التجاري يكون زي السينما أو الدراما. لكن عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم. بلا شك ستشهد المرحلة القادمة دعم إيجابي لصناعة السينما وصناعة الدراما». 

المجتمعون بالغرفة يمتنعون

عَمّق البيان الجديد حالة الارتباك حول القرار، خاصة بعد أن فسر العديد من وسائل الإعلام في عناوينها الرئيسية البيان بأنه إلغاء للائحة الرسوم الجديدة المثيرة للجدل. لكن البيان على الجانب الآخر أثار حالة من الغضب لدى المجتمعين بغرفة صناعة السينما، الذين فوجئوا بلقاء زكي والنائبين بالمحافظ، باعتبار أن نقابة المهن التمثيلية لا تمثل طرفًا ذا صفة، حسب المجتمعين. 

وفي حين كان المجتمعون بالمُحافظ يملأون وسائل الإعلام بتصريحات تشي بإحرازهم تقدمًا مرضيًا، أعلن المجتمعون بغرفة صناعة السينما بيانًا بدورهم، في نفس اليوم، في أعقاب اجتماعهم جاء فيه «عقدت منذ ساعات غرفة صناعة السينما اجتماع عاجل وطارئ..[...] وتم إعداد خطاب ضم جميع التحفظات على تلك اللائحة التي وضعها محافظ القاهرة، وتم رفعها فورًا إلى معالي وزير الثقافة وطلب منها التدخل مع الجهات المعنية والمسئولين في هذا الشأن باعتبارها الوزيرة المنوط بها كل ما يتعلق بالثقافة والفنون».

وأضاف البيان أنه «قد أكد الحاضرون على أن مناقشة أي تصورات أو حلول لا يمكن أن يتم اتخاذها في غياب الجهات المعنية المتعلقة بهذا الشأن وأن المجتمعين يؤكدون على ضرورة الالتزام بالعمل المؤسسي»، في إشارة إلى خطوة نقيب المهن التمثيلية. 

المخرج عمر عبد العزيز، أحد الممثلين في الاجتماع الطارئ، بصفته رئيس الاتحاد العام للنقابات الفنية، أعرب عن دهشته من تصرف نقيب المهن التمثيلية ومن بيان المحافظ: «اجتمعنا كغرفة، واتحاد نقابات، ولجنة السينما في الوزارة ونقابة السينمائيين وفندنا في خطاب للوزيرة كل اللي حصل من امبارح للنهاردة وسنرفعه لمجلس الوزراء. ماعندناش علم كاتحاد نقابات أو أي طرف آخر بتحرك أشرف زكي. أنا مستغرب قوي إن نقابة المهن التمثيلية هي اللي تتكلم عن رسوم التصوير في الشوارع، لإن ده دور نقابة السينمائيين واتحاد النقابات الفنية. البيان ده لا يعنينا في شيء لأنه تم في نفس وقت اجتماعنا».

وأشار عبد العزيز إلى أن الخطاب الذي تم رفعه لوزيرة الثقافة، إيناس عبد الدايم، لترفعه بدورها إلى مجلس الوزراء، تضمن علامات استفهام حول صدور لائحة بهذا الشكل من موظف بعد ظهور الرئيس السيسي في مداخلة تليفزيونية متحدثًا عن دعمه للفن «هل اللائحة هدفها تدمير الصناعة. هل المقصود إننا نطلع نصور برة مصر زي ما حصل في الستينيات؟ عاوزين الأمور تمشي حسب تصريحات الرئيس»، مشيرًا إلى أن سياسة الدولة هي ما عبّر عنه الرئيس مؤخرًا، بينما لا تعبر عنها لائحة المحافظة. وأضاف رئيس اتحاد النقابات الفنية أنه تمت مناشدة أعضاء النقابات الفنية وخاصة المنتجين بالتوقف عن التصوير في الشارع حتى إلغاء القرار «إحنا في كارثة بسبب الكورونا، وإلغاء حفلة منتصف الليل اللي بتجيب دخل للمنتجين، ورفع رسوم الكهرباء والمياه في دور العرض. ولن نطبق القرار الغريب والظالم».

السينما التجارية في خطر

المخرج شريف مندور، عضو غرفة صناعة السينما، والذي حضر الاجتماع، أبدى بدوره رفضه للتحرك الذي وصفه بالفردي لنقيب المهن التمثيلية: «مع كامل احترامي للأستاذ أشرف، آخر حد ممكن يتكلم عن منظومة صناعة السينما هي نقابة الممثلين. إحنا بنشتغل بنظام مؤسسي مش فردي. ثم إن بيان المحافظ الأخير بلا قيمة وعايم ويفتح باب للفساد ولم يلغ القرار». 

وأشار أيضًا إلى أن لائحة الرسوم الجديدة لا يمكن أن تكون تعبيرًا عن توجه الدولة «بعض الناس بتشتغل في الدولة وبتاخد قرارات مع نفسها متصورين إن ده ذكاء. بس هو بيضر الدولة»، مشيرًا إلى أن دور السينما مهم في التعبير عن التغيرات الإيجابية التي طرأت على الشارع المصري حسب تعبيره «لو ده مش بيظهر في السينما من خلال الشارع يبقى إيه اللي مفروض أظهره؟». وقال مندور إن السينما هي ذاكرة الأمة، وهي الوثيقة الوحيدة للشارع المصري في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، مشيرًا إلى أن قرارًا شبيهًا قبل سنوات برفع رسوم التصوير في مطار القاهرة إلى عشرة آلاف جنيه في الساعة أدى إلى تحويل المطار إلى منطقة محظورة: «ماحدش بقى يصور في المطار». وأضاف مندور أن لائحة الرسوم الجديدة ستؤثر سلبًا على السينما التجارية «المنتج اللي هايدفع 100 ألف جنيه تكاليف يوم تصوير لازم يبيع تذاكر بـ250 ألف جنيه لتسوية التكاليف فقط وليس للربح»، مشيرًا إلى أن صناعة السينما ليست هينة، وأن مكاسبها غير المباشرة أضخم بكثير من مكاسبها المالية المباشرة «المسلسلات التركية بتتصور في شوارع وقصور غير أثرية، فتتحول إلى مزارات سياحية للجمهور. ليه المحافظة ما تبذلش مجهود، وتشوف حد بيعرف إنجليزي، وتشوف كيف تتعامل المحافظات مع التصوير السينمائي في أي دولة في العالم؟».

ووصف مندور اللائحة بأنها جاءت بناءً على قرار «أرعن وغير مدروس» وأنه لو لم يتم إلغاء القرار فإن الخطوة التالية ستكون وقف تصوير الأفلام إلى أجل غير مسمى: «لا الدولة ولا إحنا نحب التصعيد. مش معقول رأس الدولة يتبنانا وبيحاول يخلي صناعة الإبداع تاخد شكل أفضل، وفي نفس الوقت موظفي الدولة يحاربونا». 

الشارع ملكية عامة

المخرج أمير رمسيس، مقرر لجنة السينما بالمجلس الأعلى للثقافة، وممثل اللجنة باجتماع الغرفة، أشار بدوره إلى أن وزيرة الثقافة متحمسة للتحرك في الموضوع «تابعت الأزمة من بدايتها وطلبت اطلاعها سريعًا على نتائج الاجتماع، ومن المفترض أن ترفع شكوانا إلى مجلس الوزراء». وأضاف رمسيس أن هناك أفكارًا لتحركات مختلفة من غرفة صناعة السينما ومن النقابات الفنية وكل الكيانات الممثلة في البيان الصادر عن الاجتماع «ما حدش عنده استعداد يخضع للقرار الغريب ده. وفيه تساؤلات كتير حول قانونية ودستورية فرض رسوم وضرائب دون الرجوع للتشريعات اللازمة»، لكنه أشار إلى أنه من المبكر اللجوء لتحرك قضائي «لكن ما يستلزمه الأمر عشان إيقاف هذا القرار هنتخذه»، مشيرًا إلى أن أي تحرك مستقبلي سيخضع للعمل المؤسسي «في مؤسسات مختصة بهذه الصناعة، في تمثيل رسمي لهذه الصناعة في الغرفة التجارية ولها صوت رسمي أمام الحكومة».

وأضاف رمسيس إلى أن هناك دولًا في العالم العربي تقدم تسهيلات وامتيازات كبيرة للتصوير الخارجي «بنفس تكلفة لائحة المحافظة للتصوير في يوم نقدر نصور أسبوع في بيروت، ويوم في متحف اللوفر»، مشيرًا إلى أن الأثر السياحي للتصوير الخارجي ليس مثار الاهتمام الوحيد، وإنما حرية مزاولة المهنة «كمبدع مش المفروض تكون حدودي البلكونة. الشارع ليس مملوكًا لشخص بعينه وإنما هو ملكية عامة»، مشيرًا إلى أن هناك رسومًا بالفعل تدفع مقابل التصوير في الشارع منذ عام 2016، تبلغ قيمتها عُشر الرسوم المطروحة في اللائحة الجديدة، بالإضافة إلى الضرائب. «بيان المحافظة يوحي بأن الصناعات السينمائية تدفع القليل وكأنه إهدار للمال العام، وعليهم مراجعة قانون الضرائب في مصر عشان يفهموا إننا بندفع ضرايب». 

من فيلم «ليل خارجي»، 2018، للمخرج أحمد عبد الله السيد

لائحة مشكوك في دستوريتها

من جهته، أشار المستشار القانوني، محمود عثمان، إلى أن لائحة الرسوم التي أصدرتها محافظة القاهرة، وكذلك بيان المحافظ يتضمنان الكثير من المخالفات القانونية والدستورية. استند عثمان في حديثه على نص الحكم الصادر في 17 أبريل 2016 من الدائرة الثانية بمحكمة القضاء الإداري في الدعوى رقم 8330 لسنة 70 قضائية، وهي الدعوى المعروفة بالضبطية القضائية. «جزء من حيثيات الحكم بيتكلم على مفهوم الرسوم والضرائب، وإيه الفرق ما بين الاتنين، وإمتى الدولة يكون من حقها تفرض ضرائب أو رسوم، وما الحكمة من ورائها. وده هيجاوب على سؤال مدى دستورية اللائحة الجديدة». 

ينص الجزء المشار إليه في حيثيات الحكم على أنه:

«وحيث أنه من المستقر عليه قضائيًا أن الضريبة هي تلك الفريضة المالية التي تقتضيها الدولة جبرًا من المكلفين بأدائها إسهامًا من جهتهم في أعبائها، أملتها ضرورات قانونية تتمثل في المساواة أمام التكاليف العامة، فالضريبة تعد أداة لتوزيع الأعباء والتكاليف العامة بين المواطنين ارتكازًا إلى مقدرتهم المالية وهي لا تُفرض نظير خدمة يتحصل عليها المكلف بالوفاء بها. وتتميز بذلك عن غيرها من الفرائض المالية كالرسوم والتي هي عبارة عن مبالغ نقدية يحصلها الشخص العام جبرًا في مقابل خدمة تؤدى للأشخاص بمناسبة طلب الخدمة القائم عليها الشخص العام». 

من حيثيات الحكم

ويقول عثمان إن فرض الرسوم مقترن بتقديم خدمة توازيها، فما هي الخدمة التي تؤديها الدولة مقابل الـ100 ألف جنيه المقررة في اللائحة الجديدة؟ هل سيحصل صناع السينما على حماية الشرطة وقت التصوير؟ ألا يلجأ صناع السينما على أرض الواقع للاستعانة بأفراد لحماية الفنانين وقت التصوير؟ ولو افترضنا وجود حماية الشرطة، هل تتناسب الخدمة مع حجم الرسوم المفروضة ليوم واحد؟ هل تتكلف الدولة 100 ألف جنيه مقابل حماية فريق التصوير ليوم واحد؟

ويضيف عثمان أن اللائحة الجديدة تخالف أيضًا، وبشكل أساسي، المادة 76 من الدستور الخاصة بحرية الإبداع الفني، والتي تنص على أن على الدولة حمايتها وتشجيعها. كما تخالف لائحة الرسوم الجديدة المواد الخاصة بالحق في العمل في الدستور، لأن الفنان في هذه الحالة لا يمارس الفن كهاوٍ وإنما هو يعمل فنانًا، وبالتالي فإن حقه في العمل سيُنتهك، لأن المنتجين سيحجمون عن التصوير في الشارع وفق الرسوم الجديدة الباهظة ليوم تصوير واحد. بالإضافة لذلك، يقول محمود عثمان إن القرار سيزيد من فكرة الرقابة الذاتية على الكُتاب الذين سيضطرون للتقليل من مشاهد التصوير الخارجي في أعمالهم. من جهة ثانية، ستتحول جهات أخرى إلى رقيب جديد وفق بيان المحافظ، الذي يشير إلى «التوافق على وضع ضوابط للقيمة المالية حسب التصوير» لأن الضوابط والمعايير المشار إليها غير مبينة، وبالتالي قد يصبح التقرب لهذه الجهات هو الأساس في التعامل، وهو ما يجعل الرقابة على المصنفات الفنية ليست الجهة الوحيدة التي تمارس الدور الرقابي الموكل إليها.   

من فيلم «عندي صورة»، 2017، لمحمد زيدان

بيان غرفة صناعة السينما 

وبينما لا تزال نتائج الاجتماع الطارئ العاجل لغرفة صناعة السينما، الذي ضم أعضائها بالإضافة إلى نقيب السينمائيين ورئيس اتحاد النقابات الفنية ومقرر لجنة السينما بوزارة الثقافة، لم تظهر بعد، يبدو أن تحركات نقيب المهن التمثيلية لدى محافظ القاهرة تواصل إثارة الجدل.

ففي 29 أغسطس أصدرت غرفة صناعة السينما بيانًا ثانيًا غاضبًا تؤكد فيه على أنها «الممثل الوحيد لجميع المنتجين والموزعين وأصحاب دور العرض، وأنها الجهة الوحيدة المنوط بها التحدث نيابة عن أعضائها والدفاع عن مصالحهم فيما يتعلق بقرار رسوم التصوير الصادر من محافظ القاهرة». 

caption

وأشار البيان إلى أن بعض وسائل الإعلام أعلنت على لسان سكرتير عام محافظة القاهرة بأنه جاری تشكيل لجنة لبحث الأمر مع نقيب المهن التمثيلية، «وذلك في غيبة من أصحاب المصلحة الحقيقيين، غرفة صناعة السينما ونقابة المهن السينمائية». 

إحنا مش اكسسوار

من جهتها، ترى المخرجة والمنتجة، هالة لطفي، أن الوجه الإيجابي في الأزمة الحالية هو أنها قد تدفع السينمائيين من كل اتجاه لتشكيل جبهة موحدة طال انتظارها، لوقف القرار وفتح ملفات أخرى كثيرة ضد العوائق أمام حرية الإبداع والإجراءات المستمرة لرفع الرسوم. 

من فيلم «الخروج للنهار» لهالة لطفي

وتضيف لطفي أن الأزمة الحقيقية تكمن في أن من يمثلون صناعة السينما هم جزء من المشكلة. وعلى الجانب الآخر، فإن صناع الأفلام في السينما المستقلة يناضلون للبقاء، وهم أضعف بكثير من أن يكون لهم صوت مؤثر «إحنا بنعمل محاولات بائسة للتشبث بحفظ ماء وجهنا. يعني ايه سينمائي بيعمل فيلم كل عشر سنين؟ إيه اللي يخليه يكون اسمه سينمائي مثلًا؟ بدون شك إحنا في لحظة سيئة جدًا مافيهاش عمل جماعي، ولو في أي حراك بيحصل بيكون على قضايا صغيرة. من حسن حظنا القضية دي ممكن تبقى جامعة». 

لكنها تعرب في الوقت نفسه عن مخاوفها من أن محاولات التهدئة قد تؤثر على توحيد السينمائيين، مشيرة إلى أن محاولات شبيهة للتهدئة جرت خلال أزمة منح أعضاء نقابة المهن التمثيلية صفة مأمور الضبط القضائي عام 2012، وهو ما قضت محكمة القضاء الإداري ببطلانه في العام 2016. «أيام الضبطية القضائية كله كان بيهدي ويقول هاتتحل ورفعنا القضية قبل يوم واحد من نهاية الستين يوم، المهلة الممنوحة للطعن على القرار». 

وترى لطفي أن طريق الحوار والوساطات قد يكون بلا جدوى. «المحايلة مش هتجيب نتيجة»، تقول مشيرة إلى أن هناك مشاورات بين السينمائيين من كل الاتجاهات لتكوين جبهة موحدة «في مشاورات بين السينمائيين المصريين لتكوين جبهة. دي قضية كبيرة أتمنى كل السينمائيين يعملوا جبهة واحدة، نتمنى يكون فيها أسماء لأهم السينمائيين وتكون جبهة مستقلة».

أضافت أن خطوات التصعيد مفتوحة على الكثير من الخيارات، بداية من اللجوء للقضاء ووصولًا إلى مقاطعة أنشطة وزارة الثقافة بما فيها مهرجانات السينما «السينمائيين المصريين مش المفروض يحضروا فعاليات بصفتهم اكسسوار وهمّ مش مسموح لهم يشتغلوا. مايروحوش يتفرجوا على أفلام وهمّ مش مسموح لهم يعملوا افلام».

وتقول لطفي إن خطورة التضييق على التصوير في الشارع سيؤدي إلى أن كل الأفلام سيتم تصويرها في الكومباوند «جزء من أهمية السينما المصرية إنها بتعكس الحياة في مصر. التصوير في الشارع معناه إن في مخرج عنده وجهة نظر. أهم أفلام السينما المصرية هي أفلام الواقعية. إحنا بنأرخ للسينما الجادة بفيلم العزيمة. لو منعنا ده من السينما يبقى فاضل لينا إيه؟ تقليد هوليود؟ هي دي القوة الناعمة بتاعتنا؟»

«مصور الشوارع»

مدير التصوير، سعيد شيمي، واحد من أعضاء الواقعية الجديدة في مصر أوائل الثمانينيات والذي يفخر بأن لقبه «مصور الشوارع»، يرى بدوره أن غياب الشارع عن السينما المصرية أمر كارثي، مشيرًا إلى أن اتجاه مخرجي الواقعية الجديدة أمثال محمد خان وخيري بشارة وعاطف الطيب، وغيرهم، إلى التصوير في الشارع أحدث انقلابًا حقيقيًا في المشهد السينمائي المصري. «الفيلم كان معناه بلاتوه وكام لقطة في الشارع لتكميل الصورة. أما إنك تصور فيلم كامل في الشارع فده كانت حاجة جديدة قلبت السينما ودفعت المخرجين القدامى للتفكير في موضوعات لها علاقة بالحقيقة والواقع»، مشيرًا إلى أن فيلم مثل بطل من ورق إخراج نادر جلال عام 1988 رغم أنه عمل كوميدي، لكنه اكتسب حيويته ونجاحه من كونه مصورًا في الشوارع ومحطة القطار. 

سعيد شيمي مع عاطف الطيب

وأضاف «اللي متخيلين إن الفلوس دي لصالح الدولة ميعرفوش إننا هنخسر دعاية للبلد وحلاوة البلد»، مشيرًا إلى أنه في عمر الثمانين صار يجد صعوبة في المشي في الشارع وعلى المسؤولين إصلاح الشوارع بدل فرض الرسوم على السينما «نفسي امشي على رصيف من غير ما أتكعبل حتى في الأحياء الراقية لأن مافيش رصيف عدل». 

أفلام البلاتوه لم تعد تصلح

من جهته، الناقد السينمائي عصام زكريا، رئيس مهرجان الإسماعيلية للفيلم التسجيلي والقصير، يرى أن فكرة تصوير الأفلام في البلاتوه لم تعد صالحة بأي حال في مصر، لأنه لا وجود لاستوديوهات ضخمة كتلك الموجودة في هوليود، تسمح ببناء شوارع وتغيير معالمها حسب الحاجة، كما أن هناك نوعية من الأفلام لا يمكن تصويرها داخل ديكور. 

من فيلم آخر أيام المدينة

ويشير زكريا إلى أن الفجوة بين التوجيهات العليا وبين التنفيذ سببها عقلية الموظف، التي تتصرف وكأن مهمتها مكافحة التصوير في الشارع. فقرار رفع الرسوم في رأيه ليس العقبة الوحيدة أمام التصوير الخارجي، لكنه حرَّك المشكلة القائمة أصلًا، «من ناحية لا يوجد فهم شامل من الدولة ومن المؤسسات الخاصة لأهمية السينما والتصوير. فقطعة الآثار في فيلم سينمائي أهم بكثير من الأفلام السياحية المملة والضعيفة. فيلم غرام في الكرنك أهم من 100 فيديو سياحي. ومن ناحية أخرى، عمل أي فيلم هو عامل من عوامل التنشيط الاقتصادي وعمل ثقافي يفيد الحياة الثقافية، لكن المشكلة مفيش وعي شامل. فيه صراع دائم بين عقلية بتحتضن السينما باعتبارها جزءًا من نشاط يهم الدولة ويفيدها وعقلية تنظر بعدائية وتربص لصناع الأفلام، ولأي كاميرا تدخل المكان. العقليتين دول موجودين طول الوقت وماشيين ضد بعض». 

من  فيلم «غرام في الكرنك»،1967، علي رضا

وهو ما ينعكس أيضًا، في رأيه، على الموقف من تصوير الأفلام الأجنبية وعمل شركات التصوير الأجنبية في مصر «هل يعقل أن كل الأفلام عن مصر بتتصور برة مصر؟ فيه تربص بالناس دي وشك في نواياهم ورغبة في تنفيذ اللي في عقلية الموظف مش عقلية الفنان. عاوزين سيناريو معقم مفيهوش أي حاجة، وما بيقولش أي حاجة، ويفرضوا عليه كل شروطهم. وده مستحيل»، وهو ما يدفع في رأيه للهروب من المعوقات والتصوير في الخارج: «عندنا أماكن ساحرة ممكن نصور فيها، لكن مش موجودة في السينما علشان بنروح نصور في أوروبا الشرقية وتركيا لأنها أرخص بالنسبة للمنتج. مين الخسران؟». 

ويرى زكريا أن الخطوة نحو الحل تتمثل في إنشاء كيان بقرار جمهوري مسؤول عن السينما والدراما، أعلى من جميع الكيانات القائمة ينأى بنفسه عن المصالح الفردية الضيقة لأعضائه، تُمثل فيه كل الجهات المعنية بنزاهة ويتم اختيار أعضائه بعناية شديدة ويتمتع بصلاحيات نافذة وتشريعات مناسبة، وأن يكون على صلة مباشرة برئاسة الجمهورية أو مجلس الوزراء على غرار المركز الوطني للسينما في المغرب والهيئة الملكية الأردنية للأفلام والهيئة العامة للترفيه بالسعودية. «لازم ندرس الكيانات الشبيهة في الجمهوريات والملكيات المحيطة لوضع تشريعات مضبوطة لهذا الكيان».

ويعتقد زكريا أن قرار محافظة القاهرة سيُلغى لأنه أزعج الكثيرين ومن بينهم غرفة صناعة السينما، «لكن إحنا بنتحرك دايمًا بانزعاج مؤقت، بينما الموضوع كله محتاج إعادة نظر». 

ويرى زكريا أن هناك ضرورة لاجتماع جميع الأطراف المعنية: المسؤولون بوزارة الثقافة وغرفة صناعة السينما وغرفة تنشيط السياحة ووزارة السياحة والآثار والداخلية للإجابة على سؤال جوهري «أنتم عاوزين تموتوا السينما ولا يكون في صناعة سينما في مصر. والإجابة لازم تكون بصراحة لأن أي حل مؤقت لن ينجح بوجود عقليات ضد حرية صناعة السينما. التوجيهات العليا مش هاتنفذ نفسها وإنما لازم يعقبها نية وتنفيذ». 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن