تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
الشارع لمين؟

الشارع لمين؟

قصة العلاقة المعقدة بين الشارع والسينما في مصر

كتابة: علي زين 7 دقيقة قراءة

على مدار تاريخها، تمشت السينما المصرية في القاهرة وحواريها، لتطبع ذاكرتنا البصرية بشوارعها كما رأيناها في عدد من أهم أفلامنا. نتتبع هنا قصة العلاقة المعقدة بين السينما والشارع في مصر.

قاهرة الخمسينيات والخروج للشارع لأول مرة

في عام 1954 يقدّم لنا كمال الشيخ، أحد أهم كلاسيكيات السينما المصرية، فيلم «حياة أو موت» من إنتاج آسيا. وبسبب التصوير المكثف، غير المسبوق، لشوارع القاهرة، يظل للفيلم، وحتى الآن، قيمة تاريخية كبيرة.

يبدأ الفيلم بمونولوج بالفصحى عن الحياة والموت والقدرية بشكل فلسفي، ثم، بشكل أكثر تحديدًا، ينتقل إلى القاهرة، التي تقترب من فترة العيد، وبينما يحتفل فيها البعض، يكون للآخرين حظ عَسر. يحكي الفيلم قصة الموظف، المفصول من عمله، ولا يمكنه الحصول على مكافأة، من الشركة، حتى بعد شهرين، فيمرّ بأزمة مادية، فيما يشتد المرض عليه، فيُرسل ابنته لإحضار الدواء من الصيدلية. وبسبب إغلاق كل الصيدليات، في هذا التوقيت من منتصف اليوم، (بين الساعة 2 و4)، تضطر الابنة للذهاب إلى العتبة، للعثور على صيدلية كبيرة، لا تغلق أبوابها. 

من فيلم «حياة أو موت» لكمال الشيخ
من فيلم «حياة أو موت» لكمال الشيخ

ومن مصر القديمة للعتبة، تتنقل الطفلة محاولة الوصول إلى العنوان، بمساعدة الكثير من الأشخاص حتى تصل بالفعل، وتأخذ الدواء. وفي طريق عودتها، يكتشف الصيدلي خطأ في تركيب الدواء، قد يسبب الوفاة لمن يتناوله. فيبدأ رحلة بحث عن هذا الشخص وكل ما يملك هو اسمه. 

من فيلم «حياة أو موت» لكمال الشيخ
من فيلم «حياة أو موت» لكمال الشيخ

وفي رحلة من التشويق وتعدد حبكات تعطيل وصول الفتاة لبيتها، نتابع التصوير في أحياء مختلفة من القاهرة. بينما على الناحية الأخرى، يبحث الصيدلي عن طريقة لمنع المريض من تناول الدواء، حتى يصل لحكمدار القاهرة شخصيًا، وينجحان عن طريق بث رسالة إذاعية في الوصول للمواطن أحمد ابراهيم، القاطن بدير النحاس. وبينما تنقذه زوجته قبل أن يأخذ الدواء، بعد أن سمعت رسالة الراديو، يصل الصيدلي مع الحكمدار شخصيًا لتوصيل الدواء السليم. في رسالة بين الواقعية الرومانسية والقومية/الدعاية للدولة الجديدة التي تعلي من شأن الإنسان في زمن ما بعد 52. 

لم يقم أي فيلم بعدها بتصوير الشوارع بهذه الكثافة، حتى سينما الواقعية في الثمانينيات، باستثناءات قليلة، مثل مشاهد ليوسف شاهين في فيلمه «باب الحديد» (1958)، وفيلم «فجر يوم جديد» (1965)، من تصوير عبد العزيز فهمي، الذي قدّم مشاهد بصرية لا تُنسى، مثل مشهد البرج، ومشهد تمشية سناء جميل، حتى الفجر في شوارع القاهرة، في محاكاة لمشهد جان مورو في تحفة لوي مال، في فيلم «مصعد إلي المشنقة» (1958).

من فيلم «فجر يوم جديد»
من فيلم «فجر يوم جديد»

الثمانينيات: الخروج للشارع كاختيار فني وإنتاجي

وحتى هذه اللحظة كانت المشاهد الخارجية مرتبطة بالإنتاجات الكبيرة، للسيطرة على الشوارع والخروج بالممثلين. حتى جاءت الثمانينيات، وأصبح تصوير الشوارع والأماكن الحقيقة اختيار فني للواقعية، وأيضًا خيار إنتاجي للهروب من تأجير الاستوديوهات. وانتشرت أفلام تمتلىء بتصوير الشوارع، وبناء أفلام بطريقة تشبه أفلام الطريق، أو أفلام الليلة الواحدة.

من فيلم «الحريف» لمحمد خان
من تصوير «يوم مر ويوم حلو»

محمد خان يصور شوارع وسط البلد وبولاق في «الحريف» (1984)، وشوارع مصر الجديدة وما حولها في «أحلام هند وكاميليا» (1988)، ويجوب عاطف الطيب شوارع القاهرة في «ليلة ساخنة» (1995)، وداوود عبد السيد يجوبها في «أرض الأحلام» (1993). أما خيري بشاري فيصور شبرا في «يوم مر ويوم حلو» (1988)، والمعادي في «آيس كريم في جليم» (1992)، ويقابل تصوير الأحياء المهمشة بمعاقل سكنى البورجوازية في «حرب الفراولة» (1994) و«كابوريا» (1999).

من فيلم «ليلة ساخنة»
من فيلم «آيس كريم في جليم»
من فيلم «أرض الأحلام»

التسعينيات وشوارع أكثر قسوة

استمرت هذه الموجة مع الجيل التالي، في التسعينيات مع أسامة فوزي مثلًا في فيلمه «عفاريت الأسفلت» (1996) حيث يصور عوالم سائقي الميكروباص في حلوان، بعنفه وقسوته وشهواته مضفرًا إياها مع قصص ألف ليلة وليلة، التي يحكيها حلاق المنطقة في أحد أفضل أدوار حسن حسني. كما يقدم القاهرة كمدينة «بوست أبوكاليبتك» في «جنة الشياطين» (1999)، مدينة فارغة شبحية، تصلح أن تكون جنينة لشياطين يتسكعون فيها ليلًا.

من فيلم «جنة الشياطين»

كذلك نزلت أفلام يسري نصر الله للشارع، مصورة لاقطة روح التسعينيات، وأجواء تشجيع مصر في كأس العالم مع صعود الجماعات الإسلامية، وسيطرتها على الكثير من المناطق، فيما الشباب يتسكعون في سينمات الدرجة الثالثة في «مرسيدس» (1993). 

أيضًا صّور أواخر أيام سوق روض الفرج في «المدينة» (2000)، وطموحات مجموعة من شباب شبرا، بين التحقق وحلم التمثيل أو أحلام الهجرة في واحد من بدايات التصوير بالديجيتال، ثم إعادة طبعه على فيلم خام.

من تصوير «مرسيدس»

الألفينيات والديجيتال والسينما المستقلة

بعد ذلك جاءت مرحلة مزج الديجيتال والخروج للشارع والسينما المستقلة، فخرجت عدة أفلام من الشوارع وابتدت الموجة باشتباك مع الدولة في فيلم «عين شمس» (2009) لإبراهيم البطوط، والذي مُنع من العرض لأنه لم يحصل على موافقة رقابية قبل التصوير. ثم عُرض كفيلم أجنبي، لحصوله على منحة ما بعد الإنتاج، من المركز السينمائي المغربي. وينتهي الفيلم بلقطة ذات دلالة على طريقة إنتاجه، حيث تتحرك السيارة وهي تحمل الكاميرا فوقها، على كوبري قصر النيل، حتى يوقفهم البوليس، أمام الأوبرا، في لحظة حقيقية، قامت الكاميرا بتوثيقها، بالصدفة. 

من «عين شمس» لإبراهيم البطوط

واستمرت المعارك حتى بعد ثورة 2011 بفيلم «آخر أيام المدينة» لتامر السعيد. والذي يمتلئ بلقطات لشوارع وسط البلد، ومظاهراتها، واحتفالات مباريات كرة القدم، وغيرها من لحظات حقيقية ما بين 2008 وحتى نهاية 2010، في شكل سينمائي هجين بين السينما الروائية والتسجيلية. وما بين تصوير الفيلم وعرضه قامت الثورة واتسعت مساحات الحريات لبضعه أشهر، ولكن سريعًا ما تلاشت، حيث منع «آخر أيام المدينة» من العرض، في 2016.

من «آخر أيام المدينة» لتامر السعيد

وحتى هذه اللحظة كان التصوير في الشوارع بتصريح يمتد لـ15 يومًا، قابلة للتجديد، وبمقابل مادي، صغير نسبيًا والكثير من «الإكراميات» لأمناء الشرطة في الشوارع. وكثيرًا ما حاول السينمائيون الاعتراض على اضطرارهم أخذ موافقات وتصاريح ودفع أموال، للتصوير في الشوارع. 

العهد الجديد تحت مظلة «المتحدة»

في عام 2020 بدأت تهل الأخبار بوصول تصاريح التصوير الخارجي لـ100 ألف جنيه، ثم تعديلها لـ50، ثم بعد ذلك لعشرة آلاف جنيه في اليوم، في القاهرة، وتصل أحيانًا لـ30 ألف جنيه للجيزة، وأقل في باقي المحافظات. غير فرض دفع الأموال مقابل إشغال الطريق للحي التابع للتصوير، وإجبار تحديد أسماء الشوارع المراد تصويرها بالتفصيل. بل الدفع أيضًا في التصوير الداخلي، بسبب تواجد عربات التصوير وإشغال الطريق. 

من هذه اللحظة، أصبح تصوير الشوارع رفاهية لا يملكها كل فيلم. بل، وبالعكس، أصبح التصوير الخارجي للأفلام المستقلة وقليلة التكلفة عبئًا ماديًا كبيرًا، على ميزانية الفيلم. ويظهر هذا في فيلم مثل «البحث عن منفذ للسيد رامبو» (2024)، حيث يقوم الفيلم بتحية لسينما الثمانينيات والتسعينيات، بقصة تشبه أفلام الطريق، حيث يتنقّل البطل والكلب هروبًا في الشوارع. لا أعلم بالتحديد إن كان هذا اختيارًا فنيًّا أو إنتاجيًّا، ولكن يبدو بوضوح عدم القدرة على التصوير في الشوارع، عدا لحظات قليلة لا تمثل الرحلة المتصوَّرة للفيلم، كما أن لحظات الخروج إلى الشارع تبدو فقيرة ومقتضبة.

من فيلم «منفذ لخروج السيد رامبو»
من فيلم «منفذ لخروج السيد رامبو»

بينما في دراما  رمضان عام 2025، خرجت بضعة مسلسلات للتصوير بكثافة في الشارع،  بين وسط البلد بممراتها في «ولاد الشمس»، أو فيصل اللبيني في «قلبي ومفتاحه»، أو محافظات غير القاهرة، كما في «ظلم المصطبة». 

من مسلسل «ولاد الشمس»
من مسلسل «ولاد الشمس»

ولكن هذا يطرح سؤالًا مهمًا: هل أصبح تصوير الشوارع حكرًا على الإنتاجات الكبرى، وإنتاجات الشركة المتحدة فقط؟ 

وبشكل عام، ينسحب حال هذه المعركة على معارك سينمائية أخرى، يخوضها السينمائيون المصريون، ليجعلنا نسأل هل خسر السينمائيون معاركهم؟ معركتهم مع  النقابة لأنها المخولة بـ«منح الصفة» (إطلاق صفة المخرج أو المصور) ليصبح الشخص مسموحًا له بالعمل. ثم معركة مع الرقابة في ترقيب الفيلم قبل وبعد التصوير، أي مرة بالسيناريو ومرة بعد التصوير؟  ثم معركتهم الداخلية بإجبارها منح ترخيص التصوير بشكل يومي وبمبالغ طائلة، وهو أمر غير موجود في العالم، طالما لم تكن تشغل الطريق أو تعطل المرور. 

هل يدفع السينمائيون المستقلون ضريبة وجودهم في بلد له ميراث وتاريخ سينمائي ضخم و«صناعة» كبيرة، طالما ما تفاخر بها الصناع على نظرائهم العرب؟ وهل يجب إجبار كل الأفلام، بمختلف أحجامها،  وميزانيتها، وإنتاجها، أن تمر بنفس العملية دون أي تفرقة لحجم وميزانية الفيلم؟ هل علينا للأبد التعامل تحت سيطرة الدولة على المحتوى ثم حتى على الشكل والمحتوى؟ 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن