تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
السكر المهدور في منظومة تحتضر

السكر المهدور في منظومة تحتضر

كتابة: ندى عرفات 16 دقيقة قراءة

على مدار العامين الماضي والجاري، شهد السكر أزمة غير مسبوقة، حين شح في الأسواق، وانتشرت طوابير الباحثين عنه أمام المنافذ، وارتفعت أسعاره حتى بلغت، في مارس الماضي، أكثر من 300% مقارنة بعام 2022، وسط تفسيرات متباينة للأزمة بين إلقاء التجار اللوم على الإجراءات الحكومية لإتاحة السكر، واتهام الحكومة «جشع التجار» بخلق الأزمة. في هذه الأثناء أعلن مصنع أبو قرقاص، الحكومي، في يناير الماضي، توقفه عن إنتاج السكر من القصب لأول مرة منذ 155 عامًا، ليتكشف وجه آخر من الأزمة. 

الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة السكر والصناعات التكاملية المصرية، عصام البديوي، برر توقف «أبو قرقاص» -المملوك للشركة- بتراجع توريد القصب للمصنع في الموسم الأخير إلى مستوى غير مسبوق، بسبب المنافسة «غير العادلة» مع مصانع العسل الأسود على شراء القصب من المزارعين بأسعار أعلى مما تعرضه الحكومة، ما مكنهم من الاستحواذ على معظم إنتاج قصب السكر، وتصدير العسل، بالإضافة إلى تراجع مساحات القصب المزروعة لصالح محاصيل أخرى، خلال الموسمين الماضي والجاري.

قدم البديوي تفسيرًا لجاذبية مصانع العسل بأنها تُسعّر فدان القصب بضعف ما تعرضه الحكومة، ورأى الحل في وقف تصدير العسل خلال موسم التوريد، إلا أنه لم يفسر أسباب تراجع المساحات المزروعة سوى بانتهاء نظام الدورة الزراعية التي كانت تُلزم الفلاحين بزراعة محاصيل معينة في مناطق ومواسم محددة. 

لكن «الأزمة مش وليدة اللحظة. ساعات عمل أبو قرقاص كانت بتقل على مدار 14 سنة. وآخر موسم، المصنع اشتغل 10 أيام بس. مصنع نجع حمادي من 20 سنة كان بيشتغل مليون و700 ألف طن قصب في السنة. السنة دي اشتغل 850 ألف طن. ومصنع جرجا السنة دي اشتغل 50% من طاقته، والاتنين قدامهم سنتين بالكتير ويقفلوا لنفس الأسباب. وبرضه هنعمل متفاجئين ساعتها»، يقول مصدر مسؤول بشركة «السكر» لـ«مدى مصر»، مشيرًا إلى أزمة هيكلية في مصانع قصب السكر تُنذر بتوقفها نهائيًا قريبًا إن لم يتم إصلاح منظومة زراعة القصب وصناعة السكر.

caption

caption

معرفة المصريين بصناعة السكر قديمة، تعود إلى القرن الثامن الميلادي، فيما بدأت صناعة السكر الحديثة مع إنشاء محمد علي أول معمل لصناعة السكر من القصب بمحافظة المنيا عام 1818. توسعت زراعة القصب وإنتاج السكر في مصر، تأثرًا بانخفاض أسعار القطن المصري، مع نهاية الحرب الأهلية الأمريكية، ما دفع الخديوي إسماعيل إلى تنويع المحاصيل التي يعتمد عليها اقتصاد الدولة، وأنشأ 18 مصنعًا للسكر في محافظات الصعيد. 

منذ ذلك الحين، نشأت علاقة خاصة بين ملايين الفقراء في مصر والسكر، فكان مصدرًا رخيصًا لمدهم بالكثير من الطاقة، وبعض السعادة عبر «كوباية شاي» أو قطعة بسبوسة. 

ولهذه الأهمية، دخل السكر -لاحقًا- كسلعة أساسية في منظومة الدعم التمويني. ورغم إلغاء الدعم عن سلع مختلفة عبر العقود الماضية، ورفع سعر السكر المدعم وتقليص كمياته، حرصت الحكومة على إتاحته للبطاقات التموينية عبر إنتاج مصانعها من القصب، بالأساس، قبل أن تدخل زراعة البنجر بشكل جدي مصر خلال ثمانينيات القرن الماضي، وتساهم في استكمال بقية الاحتياجات التموينية.

ولكي تضمن الحكومة تأمين احتياجات ملايين المواطنين من مستحقي الدعم، عمدت عبر عقود إلى خلق منظومة متكاملة لزراعة القصب وصناعة السكر منه.

caption

caption

كفاءة إنتاج أي محصول تتوقف على ثلاثة عوامل أساسية: بذرة/ شتلة جيدة، ومياه، وتربة صحية. وهذه العوامل جميعها لا تتوافر لمعظم مزارع قصب السكر في مصر، حسبما قال مزارعون ومهندسون زراعيون وباحثون بمعهد المحاصيل السكرية لـ«مدى مصر». 

على مدار العقد الأخير تدهورت الصفات الوراثية للصنف الأكثر شيوعًا لقصب السكر في مصر «سـ9»، الذي يُزرع منذ مطلع الألفية، نتيجة عدم تطويره، ما صّعب ملاءمته للظروف المناخية والطقسية الحالية، بالإضافة إلى ضعف مقاومته للعديد من الأمراض وأخطرها «التفحم»، الذي يسبب خسائر في المحصول تصل إلى 60%، بحسب المصادر.

إنتاج شتلات «سـ9» في مصر يعتمد على طريقة تقليدية لها مشكلاتها وهي «التعقيل»، بحسب الأستاذ بمعهد المحاصيل السكرية، أحمد أبو كنيز. يحتفظ المزارعون بعد كل حصاد بأعواد قصب ويقطعونها إلى أجزاء (عُقل) صغيرة، ويعيدون غرسها في الأرض، لتصبح شتلات فيما بعد. إلا أن عشوائية هذه العملية لا تضمن انتقاء الشتلات الأفضل في الإنتاجية ومقاومة الأمراض، ولا تضمن حتى خروج شتلات من العُقل، فضلًا عن أن هذه العُقل قد تكون مصابة بالأمراض ما يجعلها تنتشر، خصوصًا لو تداولها المزارعون فيما بينهم.

هذه الشتلات الضعيفة زاد من مشكلاتها تقلص كمية المياه اللازمة لريها خلال السنوات الأخيرة، حسبما قال عشرة مزارعين لـ«مدى مصر». صلاح أبو جمال، مزارع قصب بكوم أمبو، أوضح أن أرضه تروى بنظام «المناوبة»، إذ تسمح وزارة الري بوصول المياه إلى بعض الترع في أيام محددة تختلف من منطقة لأخرى، قبل أن تغلقها وتفتحها لترع أخرى تخدم أراضي مختلفة. فترات انقطاع المياه التي طالت خلال العقد الأخير، دفعت المزارعين إلى حفر آبار مياه جوفية، تكلفهم الكثير في ظل ارتفاع أسعار المحروقات بعد رفع الدعم عنها تدريجيًا. 

لم ترفع الحكومة الدعم عن الوقود فقط، بل عن العديد من مدخلات الإنتاج الزراعي: مبيدات، بذور، آلات زراعية.. وغيرها، لكنها في الوقت نفسه لم تتخلَ عن حاجتها للقصب كمحصول استراتيجي ترغب في تشجيع المزارعين على زراعته من خلال: أولًا، الالتزام بشراء المحصول بسعر معلن مسبقًا، وثانيًا، إتاحة قروض ميسرة بفائدة منخفضة يقدمها البنك الزراعي المصري بضمان المحصول، فيما يعرفه الفلاحون بـ«سُلفة القصب»، حسبما قال المستشار التنفيذي لرئيس مجلس إدارة البنك الزراعي، علاء علي، لـ«مدى مصر».

أدت «السُلفة» دورها وضمنت استمرار زراعة القصب، لكنها أضرت بصحة التربة. 

بحسب مزارعين ومهندسين زراعيين، يستمر الفلاحون في زراعة القصب عامًا تلو الآخر دون توقف، لضمان حصولهم على «سُلفة» جديدة، ما يشكل خطورة على خصوبة التربة. الدورة الصحية لزراعة القصب مدتها خمس سنوات، بعدها يُنصح بضرورة زراعة محاصيل أخرى لفترة، فيما يُعرف بـ«الدورة الزراعية»، لتجديد العناصر الغذائية بالتربة قبل العودة للمحصول الأساسي مرة أخرى. لكن رفع الدعم في ظل الظروف الاقتصادية السيئة، وتراكم الديون على الفلاحين، حال دون ذلك.

«أنا أعرف ناس معداش عليهم سنة مخدوش سلفة القصب،» يقول علي مدني، مهندس زراعي بمصنع قوص للسكر لـ«مدى مصر». 

كما صعّب إلغاء الإلزام الرسمي بتلك الدورة، في ظل تفتت الحيازات الزراعية، إمكانية اتباع الفلاح للدورة بمبادرة منه. مثلًا، إذا التزم مزارع بالدورة الزراعية، واستبدل القصب بالذرة، فلن تتمكن الميكنة أو سيارات النقل من المرور إلى أرضه المحاصرة بمزارع القصب الأخرى. «علشان كده الفلاح بيزرع قصب، والأرض تجيب اللي تجيبه، حتى لو الإنتاج هيقل أحسن ما الأرض متتزرعش خالص»، بحسب مدني. 

تتعرض خصوبة التربة أيضًا للتدمير بسبب المبيدات. ففي ظل اختفاء الإرشاد الزراعي، وارتفاع الأسعار، يلجأ المزارعون إلى مبيدات «بير السلم» لأنها متاحة أو أرخص، لمكافحة الحشائش والآفات، لكنها تقتل في الوقت ذاته معظم العناصر المغذية للتربة، ما ينعكس على صحة النبات. 

هذا الضرر في التربة يعالجه الفلاحون بمضاعفة كميات الأسمدة المُصنعة، ما يرفع تكاليف الإنتاج، خصوصًا مع النقص المتكرر للمدعمة منها، وارتفاع أسعار الحرة. «لو كنت بكلف زمان 14 شيكارة ملح [سماد] دلوقتي بكلف 20»، يقول صلاح أبو جمال، مزارع قصب بكوم أمبو، محافظة أسوان، مضيفًا أن الأسمدة المدعمة لا تكفي ربع احتياجات الزراعة، ما يجبره على شراء باقي احتياجاته من السوق الحر. 

مشكلات القصب تمتد حتى عملية الحصاد، الذي أصبح أكثر صعوبة نتيجة نقص العمالة الزراعية وارتفاع تكاليفها، بحسب الباحث في كلية الزراعة جامعة أسيوط، رفعت مدني.

«القصب ورقه حاد وبيعوّر، ومحتاج مجهود بدني، والأرض بتتملي حشائش وثعابين ومحتاجة رعاية دورية، علشان كده العمالة غالية، ده لو لقيناهم. معظم الشباب سابوا الزراعة وبيشتغلوا شيالين في العمارة في المدن الجديدة»، يقول مدني، موضحًا أن انخفاض جودة الحصاد يخلف شوائب في القصب تقلل نحو 30% من سعره لدى المصنع.

كل ذلك تراكم عبر سنوات، ما أدى إلى تقلص إنتاجية الفدان والإنتاج الكلي من قصب السكر، بحسب بيانات رسمية أوردتها دراسة للمجلة المصرية للاقتصاد الزراعي عن الفترة من 2005 إلى 2021. 

caption

على أرض الواقع، تشير تقديرات العاملين بالقطاع إلى تدهور الإنتاجية بمعدلات أسوأ، إذ أكد الكثير من الفلاحين والمهندسين الزراعيين، بالإضافة إلى مسؤول بمعهد المحاصيل السكرية، طلب عدم ذكر اسمه، تقلص إنتاجية الفدان إلى ما بين 25 و35 طنًا حاليًا مقارنة بـ60 طنًا مطلع الألفية. 

وبينما قال المسؤول إن البيانات الخاصة بحجم المحاصيل السكرية -وبالتالي إنتاج قصب السكر- في العامين الماضي والجاري، لم تصدر بعد، قالت وزارة التموين في مايو الماضي إنها تسلمت هذا العام 6.5 مليون طن قصب، بتراجع 500 ألف طن عن عام 2023.

عقب الحصاد يتحمل المزارعون تكلفة نقل القصب إلى المصانع، التي تتضاعف أسعارها عامًا بعد عام، حتى بلغت 200 جنيه للطن هذا الموسم. بعد النقل، لا توجد طريقة منظمة لاستلام القصب من المزارعين، لذلك -نظريًا- تتبع المصانع نظام أولوية الحضور، لكن عمليًا، تحكم المحاباة وبعض من الرشاوى استلام القصب. وبمجرد وصول كمية تكفي لبدء عمل خط الإنتاج، يتوقف المصنع عن تسلم القصب، وتتراكم أطنان منه أمام المصنع في انتظار دورها، وفقًا لمزارعين ومهندسين بمصانع السكر، تحدثوا إلى «مدى مصر»، مشيرين إلى أن الانتظار يُبخر جزءًا من عصير القصب فيقلص وزنه، ما يزيد من خسائر المزارعين. 

كل هذا العناء في مقابل أسعار اعتبرها المزارعون غير متناسبة مع تكاليف الزراعة وأعباء حياتهم اليومية. حددت الحكومة سعر شراء القصب للموسم الأخير، مطلع العام الجاري، بـ1500 جنيه للطن، فيما ترى المصادر أن السعر العادل لا يجب أن يقل عن 2300 جنيه. وحتى هذا العائد المنخفض تتأخر المصانع في سداده للمزارعين لأشهر كل عام.

وضع المزارعين هذا العام ليس استثنائيًا. تتكرر نفس شكاواهم كل عام منذ أكثر من عقد، من أسعار التوريد، ونقص الأسمدة، وتأخر صرف المستحقات، ومشكلات النقل، دون أي استجابة حكومية. 

لذلك، بمجرد ظهور بديل أفضل لبيع القصب لا يتردد الفلاحون في الاتجاه إليه. هذا البديل كان عصّارات القصب، ومصانع العسل الأسود، التي عرضت شراء القصب بسعر 2500 جنيه للطن، بزيادة قدرها ألف جنيه عن سعر الحكومة هذا الموسم. «الحكومة تشتري متوسط الفدان بنحو 52 ألف جنيه، فيما تشتريه مصانع العسل الأسود بسعر 100 ألف جنيه»، وفقًا لتصريحات البديوي في يناير الماضي، معللًا انهيار مستوى التوريد إلى «أبو قرقاص» في الموسم الجاري إلى عشرة آلاف طن قصب مقابل 750 ألف طن في 2020.

مصانع العسل الأسود تقدم أيضًا ميزة إضافية للمزارعين في الحصاد والنقل، إذ تتولى بنفسها هاتين المهمتين. بالإضافة إلى أن «مصانع العسل والعصّارات مش بيّقدّروا بالطن زي مصانع السكر، بيقدّروا بالفدان، فالفلاح بياخد فلوس أكتر وهو مرتاح»، يقول مهندس بمصنع سكر قوص، طلب عدم ذكر اسمه.

مسؤول بشركة السكر للصناعات التكاملية قال لـ«مدى مصر» إن تراجع كمية القصب المورّدة للمصانع خلال السنوات الأخيرة تسبب لها خسائر فادحة، لأن المصانع تعمل بأقل من طاقتها القصوى التي تعطي كفاءة اقتصادية أفضل. «تيجي كمية متشغلش خط الإنتاج، نقول طيب نصبر نجمع كميات أكتر، الفلاحين يعملوا مشاكل، نشتغل بالكميات القليلة دي ونقول أحسن من مفيش، فالخط يحقق خساير»، يقول المسؤول. 

بحسب دراسة مجلة الاقتصاد الزراعي، تراجع الإنتاج الكلي من سكر القصب إلى 876 ألفًا و60 طنًا في 2021، مقابل مليون و48 ألفًا و330 طنًا في 2005. وأشارت الدراسة إلى تناقص عام في إنتاج كل مصنع من الثمانية التابعة لشركة «السكر» وعلى رأسها «أبو قرقاص» بمعدل تناقص 2.62%. «أبو قرقاص» سجل أيضًا أقل نسبة كفاءة تشغيلية بين المصانع بنسبة 49.2% ما بين 2016 وحتى 2021، بحسب الدراسة. 

تأتي هذه التراجعات رغم الآليات التي وضعتها المصانع لمتابعة المساحات المزروعة بهدف تحسين الإنتاجية وزيادة واردات المصنع، وتوقع حجم المحصول وإبلاغ المصنع بها لتقدير توقعات الإنتاج، عبر تعيين مهندسين زراعيين لأداء هذه المهام.

لكن «معظم المهندسين مش بيشتغلوا. يعني لما يسيب الفلاح طول السنة، وفجأة وهو بيمر يكتشف إنه القصب أصيب بالتفحم، ده معناه إن الإنتاجية نزلت النص، لكن المهندس ميقدرش يبلغ لأن ده معناه إنه مكنش بيشتغل طول السنة. هيقول كله تمام ويضرب بيانات وهمية عن حجم الإنتاج المتوقع، والبيانات دي ينبني عليها خطط عمل المصنع وبعدين وقت الشغل ميلاقيش الكميات فيعطل وخسايره تزيد»، حسبما قال مصدر بإحدى شركات الاستشارات الزراعية لـ«مدى مصر»، مفسرًا هذا الأداء بسوء أوضاع المهندسين الوظيفية، مثل انخفاض المرتبات وتدني كفاءة التعيينات الجديدة. 

هذه البيانات تفتح بابًا واسعًا للفساد، يفاقم من خسائر المصانع، بحسب المصدر السابق، الذي أوضح أن هناك كميات وهمية من القصب يتم تسجيل دخولها المصنع ودفع ثمنها على الورق فقط، وبالمثل، تُسجل على الورق كميات وهمية من إنتاج السكر، و«بعدين نلاقي فيه نقص في السكر في مخازن التموين، والحكومة تقول عندنا فجوة نص مليون طن، في حين إن بياناتها كلها مبنية على معلومات وأرقام غلط، والفجوة [الحقيقية] مليون طن»، يقول المصدر.

المصدر المسؤول بشركة «السكر»، أوضح: «علشان ده يحصل بيكون فيه مافيا مكونة من 15 موظف في وظائف مختلفة من أول المهندس الزراعي [بالمصنع]، لحد مخازن التموين، يتفقوا مع بعض علشان يقدروا ينفذوا ده».

وفقًا للمصدرين بشركتي «السكر» و«الاستشارات الزراعية»، يتلاعب موظفو المصانع في كمية السكر المُنتجة عبر ما يُعرف بالكفاءة الإنتاجية، أي كميات القصب اللازمة لإنتاج كل طن سكر.

توضح دراسة مجلة الاقتصاد الزراعي، أن متوسط الكفاءة في مصانع قصب السكر، ما بين عامي 2005 و2021 كان تسعة أطنان قصب لإنتاج طن سكر.

لكن، ظهرت في بعض الأعوام تغييرات كبيرة في معدلات الكفاءة الإنتاجية، ما أرجعته المصادر لعمليات الفساد والتلاعب في الكميات. إذ أنتجت المصانع في عام 2014، مليونًا و24 ألف طن سكر، باستخدام أكثر من تسعة ملايين طن قصب، وبلغت الكفاءة وقتها 9.1 طن قصب لإنتاج طن سكر.

وفي العام التالي، تمكنت من إنتاج كمية أكبر من السكر بنحو ألف طن، باستخدام كمية أقل من القصب بحوالي مليوني طن، وهو ما بررته الدراسة بتحسن الكفاءة الإنتاجية إذ استخدموا 7.4 طن قصب لإنتاج طن سكر. 

أما في العام التالي، 2016، الذي شهد أزمة سكر ضخمة في البلاد، أنتجت 931 ألف طن سكر، باستخدام أكثر من تسعة ملايين طن قصب، وذلك بعدما انخفضت الكفاءة الإنتاجية لأقل معدل لها في فترة الدراسة لتصل إلى 9.7 طن قصب لإنتاج نفس طن السكر.

caption

خسائر المصانع لا تتوقف عند البيانات الخاطئة والفساد، إذ تتحمل شركة «السكر» خسائر سنوية تصل إلى 3.5 مليار جنيه بسبب منظومة الدعم، حسبما قال البديوي في يناير الماضي: «بصرف على طن السكر 15 ألف [جنيه]، وبسلمه للحكومة بـ12.600. الفرق ده أنا بتحمله، لو الدولة بتديني؛ أنا هكسب». 

تقع منظومة السكر بالكامل تقريبًا تحت إشراف وزارة التموين منذ 2014، حين نُقلت تبعية المصانع لها بدلًا من وزارة الاستثمار. هذا الانتقال سهّل عمليات توريد السكر إلى «التموين» بأسعار مناسبة نظرًا لتحكمها في التصنيع والتوزيع على المنافذ التموينية.

مصدر مسؤول بوزارة الزراعة قال لـ«مدى مصر» إن الحكومة لا تسدد للمصانع الفارق بين سعر «التموين» وتكلفة الإنتاج الحقيقية، كما أن الحكومة تتأخر في دفع ثمن السكر للمصانع، كل «ده بيجبرها [المصانع] إنها تاخد قروض، فطبيعي تخسر بسبب المديونيات».

المصانع ليست وحدها التي تتحمل دعم السكر نيابة عن الحكومة، المزارعون أيضًا يتحملون جزءًا عبر اضطرارهم قبول أسعار الحكومة المنخفضة لشراء القصب، قبل ظهور بدائل للبيع، دون أن توفر لهم الحكومة أي دعم للزراعة باستثناء كمية محدودة من الأسمدة «الدعم الحقيقي للسكر جاي من قلة مكاسب المزارع وخسارة المصانع»، يقول المسؤول بوزارة الزراعة لـ«مدى مصر».

بالتزامن مع الخسائر والتدهور في صناعة السكر من القصب، أعربت الحكومة عن نيتها التوسع في زراعة البنجر على حساب القصب، بهدف خفض كميات مياه الري بمقدار 1.5 مليار متر مكعب. وفي سبيل ذلك أنشأت في 2019 مزارع جديدة للبنجر، مثل غرب المنيا، ومشروع مصر، حسبما قال رئيس شركة الدلتا للسكر، أحمد أبو زيد لـ«مدى مصر». كما عكفت على دراسة سبل تحويل مصانع قصب السكر إلى البنجر، بحسب أبو كنيز. 

على خطى الحكومة، وربما بتشجيع منها، جذبت صناعة السكر من البنجر العديد من الاستثمارات الخاصة، المحلية والأجنبية، على رأسها الإمارات. تنتج هذه الشركات وحدها نحو مليون طن من سكر البنجر سنويًا، عبر مساحات تعاقدت عليها مع الفلاحين، بالإضافة إلى أراضٍ زراعية شاسعة تملكها وتزرعها ببنجر السكر، بحسب المصدر المسؤول بوزارة الزراعة.

هذا التوسع ساهم بالفعل في تقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.

ليست لدينا بيانات أو معلومات حديثة ودقيقة عن حجم إنتاج واستهلاك السكر في مصر، فهناك الكثير من التصريحات والتقديرات. بحسب مصدر مسؤول في مجلس المحاصيل السكرية، نقلًا عن تقرير المجلس عن عام 2022، كان إنتاج مصر من السكر مليوني و793 ألفًا و600 طن، منها 835 ألفًا و200 طن من القصب، ومليون و708 آلاف و400 طن من البنجر، و250 ألف طن من المُحليات الصناعية.

أما هذا العام قال البديوي، في مايو الجاري، إن شركة «السكر» أنتجت 640 ألف طن من سكر القصب، بنسبة انخفاض 16.8% عن إنتاج عام 2023. وبينما لم يتضح بعد حجم إنتاج السكر من البنجر هذا العام، حيث ما زال التوريد، الذي بدأ مطلع مارس الماضي، جاريًا، لكن الحكومة ثبتت مستهدفها من المحصول عند 1.7 مليون طن سكر.

أما عن الاستهلاك، بحسب مصدر «المحاصيل السكرية»، بلغ عام 2022 ثلاثة ملايين و370 ألف طن، أي أن الفجوة وقتها كانت 576 ألفًا و400 طن. وإذا افترضنا نجاح الحكومة في إنتاج مستهدفها من سكر البنجر العام الجاري، هذا يعني أن الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك في 2024 ستزيد إلى 771 ألفًا و400 طن، بسبب تراجع إنتاج السكر من القصب. وربما يفسر ذلك تصريحات الحكومة، في مارس الماضي، عن عزمها استيراد مليون طن سكر هذا العام.

ورغم مساهمة البنجر في تقليص الفجوة الاستهلاكية، فإن التوسع في زراعته على حساب القصب له أعراض جانبية على الاقتصاد، في ظل ظروف مصر الحالية، وعلى مئات الآلاف من مزارعي القصب، بحسب خبراء في القطاع.

بالفعل، يحتاج فدان البنجر نصف احتياجات فدان القصب من المياه. لكن في الوقت نفسه يُنتج فدان القصب 4.5 طن سكر، أي أكثر من ضعف إنتاج نظيره من البنجر (طنان من السكر)، ما يجعل التوسع في البنجر إهدارًا للمساحة، بحسب أبو كنيز. 

المشكلة الكبرى أن «بذور البنجر كلها مستوردة، لكن القصب ده ابني.. وقت ما اتزنق أقدر أزرعه وأوفر سكر،» هكذا وصف البديوي خطوة الاعتماد على البنجر وحده خلال تصريحاته، يناير الماضي.  

بخلاف ذلك تشير الدراسات إلى أن مصدر رزق مئات الآلاف من الفلاحين في الصعيد يعتمد بشكل أساسي على إنتاج قصب السكر، ما يعني أن أي اضطرابات في زراعته ستؤثر بشكل مباشر على سبل عيش ما يقدر بنحو 200 ألف أسرة تزرعه. ونظرًا لأن متوسط الأسرة يبلغ 5.3 فرد، ما يعني أن أكثر من مليون شخص يعتمدون بشكل مباشر على قصب السكر، فضلًا عن 300 ألف أسرة إضافية تعتمد على الصناعات التكاملية. 

لذلك، وفي محاولة لإنقاذ زراعة القصب وتحسين إنتاجيته من السكر، ناشد معهد المحاصيل السكرية، قبل خمس سنوات، الحكومة لتبني مشروع «زراعة القصب بالشتلات»، وهي طريقة تعتمد على استبدال نظم زراعة القصب التقليدية عبر «التعقيل»، بزراعة شتلات من نفس الصنف القديم «سـ9»، يتم انتقاؤها بعناية في المعامل لاختيار شتلات قوية الإنتاجية ومقاومة للأمراض، ويتم ريها بنظم الري بالتنقيط، ما يضاعف الإنتاجية ويوفر المياه، ويوفر أيضًا في كميات القصب التي يحتفظ بها الفلاحون لزراعتها كشتلات، مع ضرورة عمل مراكز البحوث الزراعية بالتوازي على تطوير أصناف جديدة أكثر ملاءمة للظروف الطقسية.

مناشدات المعهد لاقت صدى عند صانعي القرار، وبالفعل تم افتتاح محطة لإنتاج الشتلات بكوم أمبو، مطلع العام.

لكن، على أرض الواقع لم يصل صدى المشروع إلى المزارعين بعد، بسبب عدة عقبات؛ أولها احتياج زراعة الشتلات إلى تغيير نظم الري التقليدي من الغمر إلى التنقيط، وهو ما يحتاج إلى تكاليف مادية إضافية، فضلًا عن إقناع المزارعين بشراء «عُقل» القصب بدلًا من الاحتفاظ بها بشكل سنوي وتداولها بينهم مجانًا كما في السابق، حسبما قال مدير معهد المحاصيل السكرية، أيمن العش، لـ«مدى مصر». 

لحل هذه العقبة بدأ البنك الزراعي المصري في عرض قروض ميسرة للمزارعين للتحول لنظام الزراعة بالشتلات، لكن ثلاثة مزراعين قالوا لـ«مدى مصر»، إنهم غارقون في الديون بما لا يسمح بالتورط في ديون جديدة. 

إنقاذ الفلاحين من الديون، ودعمهم بتطوير الزراعة عبر نظم أفضل للري والإرشاد، وتوفير المبيدات والأسمدة الصحية للتربة وشراء محاصيلهم بسعر عادل، قد يكون الطريق لحل أزمة السكر في مصر كما طرحه البديوي في سياق تفسيره لأزمة مصنع أبو قرقاص: «لو اشتغلت بطاقتي كلها مش هنستورد سكر أبدًا».

لكن «الموظفين في مصانع قصب السكر بيشتغلوا وهما عارفين إنه كلها كام سنة ومش هيبقى عندهم شغل لأنهم ينتظرون نفس المصير لمصانعهم. كأنهم يُساقون للموت وهم ينظرون،» يقول المصدر المسؤول بشركة السكر لـ«مدى مصر».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن