تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«الخيمة بـ1000 دولار».. الغلاء يحاصر هروب «نازحي غزة» من الموت

«الخيمة بـ1000 دولار».. الغلاء يحاصر هروب «نازحي غزة» من الموت

كتابة: ثائر أبو عون 5 دقيقة قراءة
نزوح العائلات من شمال غزة باتجاه جنوب القطاع، 1 سبتمبر. تصوير ابراهيم أبو غزلة

بات سكان مدينة غزة بين فكي كماشة: حصار خانق يفرضه جيش الاحتلال بالتزامن مع قصف جوي ومدفعي متواصل، وأوامر إخلاء قسرية تدفعهم للنزوح جنوبًا. إلا أن من يقرر النزوح والهرب من الموت يواجه أزمة حادة في إيجاد مأوى، سواء شقة أو خيمة، وسط ارتفاع جنوني في الأسعار. 

منذ مطلع أغسطس الماضي، شن جيش الاحتلال عملية عسكرية على المدينة، أحكم خلالها الحصار عبر توغلات في أحياء أطراف غزة، مستخدمًا الروبوتات المتفجرة والقصف الجوي والمدفعي المكثف على منازل الأهالي، بالتوازي مع إصداره أوامر إخلاء متكررة. ومع بداية سبتمبر الجاري، أعلن رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، الانتقال إلى المرحلة الثانية من العملية المسماة «عربات جدعون» التي تهدف إلى احتلال المدينة، ما تبعه تكثيف القصف، واستهداف الأبراج السكنية المأهولة، قبل أن يصدر الاحتلال أمر إخلاء لكامل المدينة، مطالبًا سكانها بالنزوح باتجاه مواصي خان يونس، جنوبي القطاع.

هذا التصعيد دفع المئات من السكان إلى النزوح بعيدًا عن مناطق التوغل العسكري، خاصة من أحياء مثل الزيتون والصبرة والصفطاوي وغيرها، والذين نزح بعضهم داخل المدينة، وقرر آخرون النزوح إلى جنوبي القطاع، قبل أن يتسع نطاق أوامر الإخلاء ليشمل المدينة بأكملها، دافعًا مئات الأسر في أحياء ومناطق أخرى إلى الامتثال لخيار النزوح جنوبًا، الذي فُرض على نحو مليون و200 ألف فلسطيني يقيمون في غزة وشمال القطاع، بحسب المكتب الإعلامي الحكومي.

بينما قررت بعض الأسر البقاء في المدينة، إيمانًا بعدم وجود مكان آمن في القطاع، حتى تلك التي حددها الاحتلال كملاذات آمنة، أو أملًا في إفشال خطته لتفريغ غزة لتسهيل احتلالها، اختارت أسرٌ أخرى البقاء في المدينة، بسبب صعوبات تعيق النزوح، أو تجعله أصعب على أقل تقدير، أولها ارتفاع تكلفة الحصول على مُستقر جديد جنوبي القطاع، سواء شقة سكنية أو خيمة قائمة أو بضعة أمتار لنصب خيمة، بخلاف تكلفة الانتقال بالسيارات، التي بلغت نحو ألف دولار للشاحنة الكبيرة، و600 دولار للشاحنة الصغيرة.

مؤمن العكلوك، الذي قرر النزوح من مسقط رأسه في حي الشيخ رضوان، شمالي مدينة غزة، تجاه مواصي خان يونس، اضطر إلى تأجير سيارة مقابل ستمائة دولار، لنقله مع أسرته وبعض أغراضهم الشخصية إلى «المواصي» التي يزعم الاحتلال أنها «منطقة إنسانية» تتوافر فيها مقومات الحياة من مياه ونقاط طبية ومراكز توزيع مساعدات.

عانى العكلوك الأمرّين حتى عثر على بضعة أمتار مربعة وسط آلاف الخيام المنصوبة في المنطقة، حسبما قال لـ«مدى مصر» موضحًا أنه اضطر إلى تأجير مساحة لا تتجاوز 20 مترًا مربعًا بنحو 300 دولار شهريًا، لنصب خيمة تؤويهم، وسط انعدام الخيارات.

في المقابل، وضمن محاولات الاحتلال الترويج لصورة مغايرة، نشر، أمس، صورًا جوية لمناطق فارغة في «المواصي»، زاعمًا أنها صالحة لنصب الخيام، مؤكدًا أن أوامر الإخلاء «مُنقذة للأرواح». لكن المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، فيليب لازاريني، وصف المنطقة، في بيانٍ الثلاثاء الماضي، بأنها «مخيم ضخم ومتزايد يُحشَر فيه الفلسطينيون الجائعون في حالة يأس»، مؤكدًا عدم وجود مكان آمن في القطاع.

التكلفة المرتفعة للنزوح اضطرت عشرات الأسر للعودة إلى مدينة غزة بعدما وصلوا إلى جنوبي القطاع بالفعل، حيث وصل سعر إيجار الشقة إلى ألفي دولار، بينما كانت تكلفتها قبل الحرب لا تتجاوز 100 دولار، حسبما قال لـ«مدى مصر» أحد سكان غزة.

أحمد نسمان، ابن المدينة والمسؤول عن عائلة مكونة من عشرة أفراد، تواصل مع سماسرة تأجير الشقق في دير البلح وسط القطاع، في محاولة لتدبير مأوى قبل اتخاذ قرار النزوح، لكنه فوجئ أن إيجار الشقة المفتقرة للخدمات الأساسية، مثل المياه والكهرباء، وصل إلى نحو ألف دولار شهريًا، ما اضطره للتراجع عن النزوح.

تواصل «مدى مصر» مع نحو 20 شخصًا من المُلاك في محاولة لاستطلاع تكلفة تأجير شقة في دير البلح وخان يونس، جنوبي القطاع، ما انتهى بتأكيد الأرقام التي ذكرها نسمان، إذ بلغ إيجار شقة صغيرة «استديو» مكونة من غرفة ومطبخ صغير وحمام، تفتقر للخدمات كالمياه والكهرباء، نحو ألف دولار، فيما ارتفع إيجار الشقة الكبيرة إلى ثلاثة آلاف دولار.

حتى الخيام التي باتت مأوى لآلاف الأسر، وسط منع الاحتلال دخولها إلى القطاع، وتعمده قصف الأحياء السكنية وتدمير المنازل، فارتفعت تكلفة شرائها، لتتراوح بين ألف و1500 دولار حسب نوعها وخامتها، حسبما أكد سكان محليون لـ«مدى مصر».

الحصول على خيمة ليس نهاية المطاف، فإن تمكنت أسرة من شرائها، تواجه صعوبة في الحصول على أرض فضاء يمكن نصبها عليها، وسط سيطرة مجموعات مسلحة على الأراضي الفضاء بقوة السلاح، وتأجيرها قطعًا منها بمقابل مادي. 

منير عودة، أحد من اصطدموا بهولاء المسلحين بعدما استقر في منطقة المواصي بعد رحلة نزوح من مدينة غزة، وجد قطعة أرض فضاء، ونصب خيمته فيها، قبل أن تهاجمه مجموعة مسلحة خلعت أوتاد الخيمة، وخيرته: إما دفع إتاوة قدرها 400 دولار شهريًا نظير نصب الخيمة، وإما المغادرة، حسبما قال لـ«مدى مصر».

قرر عودة ترك المكان نتيجة ارتفاع تكلفة الإتاوة، وتوجه مع أسرته إلى مستشفى ناصر، وسط خان يونس، ليستقر بها حتى يقرر ماذا يفعل في خطوته المقبلة.

وفقًا لتقدير مجموعة تنسيق وإدارة المخيمات العالمية «CCCM» نزح نحو 73 ألف شخص من شمال القطاع إلى جنوبه منذ منتصف أغسطس الماضي، فيما انتقل آخرون غربًا من شرق مدينة غزة.

محدودية أعداد النازحين تأتي وسط موقف شعبي ورسمي رافض للنزوح وترك المدينة. المكتب الإعلامي الحكومي أكد في بيانٍ، الثلاثاء، أن نحو مليون و200 ألف فلسطيني في مدينة غزة وشمالها «ثابتون ويرفضون النزوح ويتصدون للتهجير القسري»، وذلك بعد «مسيرة أكفان» شارك فيها المئات من سكان المدينة ووجهاء العشائر ومديرو القطاع الطبي والصحي، تعبيرًا عن رفضهم لأوامر الإخلاء.

كما دعا «تجمع عوائل مدينة غزة»، السكان إلى «رفض النزوح من مدينة غزة والبقاء في المدينة مهما اشتد العدوان وتصاعد التهديد»، بحسب بيان نشرته قناة إذاعة الأقصى على تليجرام، أشار إلى أن «جميع مناطق القطاع تحت القصف، بما فيها المناطق التي يزعم أنها مناطق إنسانية، فلا مأمن من هذا العدو، في ظل ما يتعرض له قطاع غزة من حرب إبادة شاملة»، مؤكدًا على «البقاء والثبات فيها مهما اشتد العدوان وتصاعد التهديد»، وأن «ما يحاول جيش الاحتلال فرضه ليس مجرد إخلاء مؤقت بل هو مخطط تهجير قسري يستهدف اقتلاع أهل غزة من أرضهم ومحو وجودهم».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن