الخوف من اللقاحات قد يؤجل التعافي من «كورونا»
«لأ، مش هاخد اللقاح، نشوف الأول تأثيره على اللي خده وبعدين نفكر»، هكذا قالت علا*، ربة منزل أربعينية، ردًا على سؤال ما إذا كانت ستحصل على اللقاح المضاد لفيروس كورونا إن توفّر. بالنسبة لها٬ فإن اللقاح قد تم تطويره بسرعة فائقة، أو «مقلقة» حسب حديثها.
أمّا سارة، موظفة متقاعدة تجاوزت الـ 60 سنة، فتشير إلى فيديو تم تداوله بكثافة على الإنترنت في يناير الماضي، ونقلته وكالة «آر تي» الروسية، لسيدة تعاني من ارتعاشات قال ابنها، مصوّر الفيديو، إنها ظهرت عقب حصولها على لقاح فايزر. أثار الفيديو مخاوف سارة.
وأخيرًا، يشكو أحمد من رفض حماته التسجيل لأخذ اللقاح. يؤكّد أنها من المواطنين الذين لهم أولوية لأخذ اللقاح، كونها تعاني من ضغط الدم المرتفع، ولكنّها تصر على أنها أن تنتظر لتتأكّد أولًا من عدم حدوث أضرار لمن يتلقونه.
تنتشر مخاوف مثل هذه على منصات التواصل الاجتماعي وعلى جروبات الواتساب، وتعكس احتمال أن تكون مصر تعاني مما يطلق عليه ظاهرة «التردد اللقاحي/ vaccine hesitancy»، التي تنتشر في دول عديدة، في الشمال والجنوب، منها فرنسا وبولندا والهند على سبيل المثال لا الحصر. يحذر خبراء الصحة العامة من هذا «التردد اللقاحي» لما قد يؤدي له من تأخر أو فشل الجهود الرامية إلى إنهاء الجائحة، ويعرض حياة الكثير من المواطنين للخطر.
ليس من المؤكّد انتشار هذه الظاهرة في مصر، خاصة أن جهودنا للبحث عن أي استطلاعات بشأن قبول المصريين للقاحات «كورونا» جاءت دون جدوى، باستثناء استطلاع أجراه تليفونيًا مركز بصيرة حول تطلعات المصريين لعام 2021، وشمل سؤالًا عن استعداد المصريين لأخذ اللقاح إذا ثبت أنه آمن وفعال، فكانت الإجابة أن 67% من المصريين يوافقون بشدة على أخذ اللقاح، و25% منهم موافقين، و3% غير موافقين، و4% غير موافقين على الإطلاق، فيما 1% أجابوا بأنهم لا يستطيعون التحديد.
وبينما قد تبعث هذه النتيجة بآمال أن يأخذ أغلب المصريين اللقاح فور توفّره، إلا أن عينة المسح الذي أجراه «بصيرة» صغيرة للغاية، حوالي 1500 مواطن، كما أن السؤال افترض أن اللقاح فعال وآمن، وهي الفرضية التي تنتفي لمن يخافون من تلقي اللقاح.
يوضح لـ «مدى مصر» الطبيب علاء غنام، الخبير في إصلاح القطاع الصحي ومدير برنامج الحق في الصحة في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أنه من المستحيل التأكّد من انتشار هذه المخاوف من اللقاحات دون وجود استبيانات تشمل عينة كبيرة ومتنوعة، ولكنه يشير بالوقت نفسه إلى أن هناك انطباعًا أنها موجودة: «الكلام بيتقال على السوشيال ميديا وبنسمعه في كل حتة».
الخوف من اللقاح طبيعي كالخوف من أي عقار جديد، يقول الطبيب أحمد حسنين، المتخصص في مجال الصحة العامة وزميل أمراض القلب والأوعية الدموية بكلية الطب بنيويورك، موضحًا أنه ينتشر بشكل أكبر من خلال انتشار المعلومات الخاطئة والمضللة والأكاذيب، ولكنه أيضًا مرتبط بثقة المواطنين في مؤسسات دولهم.
يضرب حسنين مثالًا كاشفًا، وهو رد فعل مؤيدي الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عندما شكك في نصائح الأطباء وآراء العلماء من حيث كيفية علاج حالات «كوفيد-19» ومن خلال التقليل من خطر الجائحة بشكل عام، مما كان على الأرجح أحد العوامل المؤدية إلى أن غالبية من لا يريدون التطعيم في الولايات المتحدة هم من ضمن مؤيدي الحزب الجمهوري.
أمّا بالنسبة للمعلومات الخاطئة التي تنتشر عن خطر اللقاحات، مثل ذلك الفيديو المذكور في أول التقرير، والذي لم يثبت صحة إدعائاته، بل شابها الكثير من الشكوك، فيدعو حسنين إلى مواجهتها بشكل مباشر، سواء من الشركات التي تدير منصات التواصل الاجتماعي نفسها، التي تحجب بالفعل ما تجد أنها معلومات خاطئة عن الجائحة قد تعرّض حياة الناس للخطر، أو من خلال السلطات القضائية.
ولكن يبقى، في رأي حسنين، دور الدولة المهم في حث المواطنين على تلقي اللقاح، «لم نر الدولة تشجّع الناس بفاعلية على أخذ اللقاح، ولم نر مسؤولين كبار أو شخصيات عامة مؤثرة، مثل رئيس الجمهورية أو شيخ الأزهر أو بابا الكنيسة يأخذون اللقاح.. الثقة التي تبعثها مبادرات كهذه مهمة لكي يشعر الناس أن اللقاح آمن»، بحسب ما يقوله حسنين لـ«مدى مصر».
يوافق غنّام حسنين في رأيه، مؤكدًا أن الحملات القومية لحث الناس على أخذ اللقاح لا غنى عنها، وينتقد غيابها: «لا توجد دعايا لتشجيع المواطنين على التلقيح وتتحدث عن أهميته.. لا يبدو أن هناك خطة».
في حال وجود تردد واسع الانتشار في مصر، قد تكون طرق مواجهته أعقد من مجرد قيام الدولة بدور «تثقيفي» وتشجيعي للمواطنين، وذلك لأن ظاهرة انتشار المعلومات التي تشكك في العلوم الطبية الحديثة بشكل عام، وخصوصا في اللقاحات، تطورت وتأثرت بانتشار تكنولوجيا وسّعت تداول المعلومات بين الناس خلال العقدين الماضيين.
وتؤكّد جون دونوفان، مديرة البحوث في مركز شورنستين للإعلام والشؤون السياسية والسياسات العامة، التابع لكلية كينيدي بجامعة هارفارد، أن مواجهة هذه المعلومات الخاطئة يجب أن يتم من خلال «إشراك المجتمع بشكلٍ فعَّال في القضايا ذات الصلة باللقاحات؛ بحيث توضع آراء الأفراد في الاعتبار لدى وضع الخطة البحثية، على أن يستمر ذلك من خلال حوار مفتوح، كلما طرأَتْ أي مخاوف جديدة»، وذلك في مقال بمجلة «نيتشر» بالعربية، عن كتاب لهايدي لارسون -عالمة الأنثروبولوجيا، ومديرة مشروع الثقة باللقاحات، التابع لمدرسة لندن لحفظ الصحة وطب المناطق الحارة-.
وتنتقد لارسون اختزال التواصل العلمي في الأساليب الدعائية القائمة على تسويق الإجراء الطبي، وليس الاستماع للناس وإدماجهم في النقاشات العامة، قائلة، بحسب دونوفان، «إن التردد بشأن تلقِّي اللقاحات هو مشكلة تتعلق باحترام الأشخاص بقدر ما تتعلق بكثرة الأكاذيب؛ إذ يتطلَّع الناس إلى أن تُحترم خياراتهم، وسط شعورهم المتزايد بغياب الثقة في المسؤولين».
فضلًا عن عدم ثقة متلقي اللقاح المحتملين في مؤسسات دولهم، توجد مشكلة أخرى ترتبط بثقة الأشخاص في الدول المصنعة للقاحات، هناك آراء مثلًا مرتبطة برؤية الأشخاص لمستوى الرقابة على تصنيع اللقاحات في أماكن تصنيعها. يقول كريم (40 سنة)، إنه رغم رغبته في الحصول على اللقاح، فإنه لا يثق في اللقاح الصيني أو الروسي، نظرًا لأنه ليست هناك الرقابة الكافية التي قد تضمن فاعلية اللقاحات المطوّرة هناك، حسب قوله. ولكن كريم أربكه أيضًا كيف استجابت بعض الدول الغربية للشكوك المثارة حول احتمالية وجود علاقة لقاح أوكسفورد-أسترازينيكا والجلطات الدموية لدى عدد صغير من متلقيه.
في آخر الأمر، لم يكن لدى كريم الخيار، فمصر ليس لديها غير «استرازينيكا» و«سينوفارم». جاء دور كريم في التطعيم أخيرًا، وتبيّن أن المركز الذي تلقّى منه اللقاح كان لديه «استرازينيكا». وكانت إحدى شكاوى كريم هو عدم وجود لقاحات أخرى أمامه يختار منها.
«كنت بفضّل الصيني عن أسترازنيكا، لأنه مصنّع بتكنولوجيا قديمة وموثوق بها، ومفيش مخاوف من تسببه بجلطات، لكنّى اكتشفت في المركز أنهم معندهمش غير الإنجليزي، وخفت أضيع دوري في التطعيم، فأخذته»، يقول كريم.
قد يكون كريم محقًا، فمصر لديها مشكلة قد تكون أكبر من إحجام مواطنيها عن تناول اللقاح. فبعكس الولايات المتحدة، على سبيل المثال، التي هي على وشك توفير اللقاح للجميع، ويقلق أختصاصيو الصحة فيها من إحجام المواطنين على تناوله، فيما قد تواجه مصر عدم توفّر اللقاح بالشكل الكافي الذي يجعله فعالًا، وهو ما يحدث في دول الجنوب نظرًا لتلقّي الدول الغنية نصيب الأسد من الشحنات الأولى من اللقاحات.
يشير غنّام إلى أنه حتى الآن لا توجد كميات كافية من اللقاح؛ خلال شهر مارس، تسلّمت مصر دفعة إضافية من لقاح سينوفارم الصيني، ثم تلقّت مصر منذ أسبوعين أكثر من 850 ألف جرعة من لقاح أوكسفورد-أسترازينيكا، ليكون إجمالي ما تلقته من اللقاحين مليون و550 ألف جرعة فقط، أي ما يكفي لتطعيم أقل من 800 ألف مواطن.
وأكّدت الحكومة أن مصر تنتظر وصول شحنة خامسة تحتوي 5.8 مليون جرعة من لقاح أسترازينيكا، جاء لمصر منها 850 ألف فقط بنهاية مارس الماضي، بالإضافة إلى ثلاث ملايين جرعة أخرى في شهر مايو، وذلك ضمن اتفاق يشمل 40 مليون جرعة يتم الحصول عليها من خلال التحالف الدولي للأمصال واللقاحات «جافي» عبر آلية «كوفاكس».
في أول شهر فتحت فيه الحكومة الباب للمواطنين للتسجيل للحصول على اللقاحات، سجل حوالي 840 ألف مواطن على الموقع الحكومي للحصول على اللقاح حتى أول شهر أبريل، أخذ اللقاح منهم 153 ألف فقط، أي بين 0.2% و 0.3% ** تقريبًا من الفئات العمرية التي يجب أن تتلقى اللقاح. يقول غنّام إن هذه الأرقام ضئيلة للغاية، مؤكدًا أن فعالية التطعيم تكون في تلقيح أعداد كبيرة به في نفس الوقت.
وبينما يتوقّع حسنين ألّا تحصل الكثير من الدول ذات الدخل المتوسط والمنخفض، ومن بينها مصر، على اللقاحات الكافية قبل حلول عام 2023، يرى أن الدولة يجب أن تصب جهودها في اتجاه توفير اللقاح لكبار السن وتشجيعهم على التطعيم لكي تقلّص الخسائر بقدر الاستطاعة في ظل هذه الظروف.
ويشدد حسنين على أن مصر قد تكون مثالًا يحتذى به في العالم إن طعّمت 10 أو 20 مليون مسن، وأظهرت بشكل قاطع انهيار منحنى الإصابات والوفيات بينهم، إلى أن تحصل على اللقاحات الكافية لتطعيم باقي المواطنين.
طبقًا لمنظمة الصحة العالمية، ليس من المعروف بعد ما هي النسبة المطلوبة من العدوى والتطعيم حتى تصل البشرية إلى مناعة القطيع التي تمنع المرض من الانتشار، ولكن في أمراض معدية أخرى، تتراوح هذه النسبة بين 80% في حالة شلل الأطفال مثلا، و95% للحصبة، فيما يظن كبير خبراء الأمراض المعدية في الولايات المتحدة، أنتوني فاوتشي، بأن مناعة القطيع تستدعي تطعيم ما بين 70-85% من السكّان.
* فضل بعض من تحدث مع «مدى مصر» ذكر اسمائهم الأولى فقط.
**تم حساب النسبة بواسطة «مدى مصر» حيث بلغ عدد السكان أقل من 15 سنة نحو 34.1 % من السكان الذين بلغ عددهم 101 مليون في أكتوبر الماضي حسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. فيما يحق اللقاح لكل من هم فوق 16 سنة.
تقارير ذات صلة
من نار المدارس الخاصة إلى جحيم الحكومية
لماذا هجر الكثير من أبناء الطبقة الوسطى المدارس الخاصة؟
أزمة سلاسل الإمداد: ماذا يحدث اليوم في سفينة العولمة؟
يعاني قطاع الصناعة في مصر من مشكلات مزمنة في إدارة سلاسل الإمداد والتوريد خاصة مع الأزمة العالمية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن