تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
الحملة على «التيك توكرز».. حين «تحمي» الدولة المجتمع مما فعلته فيه

الحملة على «التيك توكرز».. حين «تحمي» الدولة المجتمع مما فعلته فيه

كتابة: سارة محفوظ 12 دقيقة قراءة

منذ مطلع أغسطس الماضي، شنت وزارة الداخلية حملة موسعة استهدفت بالأساس صنّاع المحتوى على منصة «تيك توك»، قالت إنها جاءت على خلفية بلاغات من مواطنين بخصوص مقاطع فيديو تنتهك الآداب العامة والقيم الأسرية، لتوجه للمقبوض عليهم اتهامات تنوعت بين خدش الحياء العام، والتعدي على قيم الأسرة المصرية، وإساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، وصولًا إلى اتهام بعضهم بـ«غسل الأموال».

الحملة التي انطلقت بالصدفة، حسبما وصفها أحد محركيها لـ«مدى مصر»، رآها محامون وحقوقيون وأكاديميون انعكاسًا لتجاهل الأزمة الاجتماعية الأعمق، الناتجة عن تفشي الفقر وغياب التمثيل الاجتماعي، في ظل احتكار الدولة للسردية العامة، فيما حذّرت مصادر من الكلفة الاقتصادية للخيار الأمني الذي تفضله الدولة في التعامل مع ما تجهل، والذي يساهم، ضمن خسائر أخرى، في «هجرة رقمية» لصنّاع المحتوى إلى الخارج.

منذ انطلاقها، صاحب الحملة الأمنية على «التيك توكرز» غطاء إعلامي، ودعم برلماني واسع، خصوصًا من لجنة الاتصالات بمجلس النواب، التي شاركت في إعداد قوائم بالمخالفين من أجل القبض عليهم، بحسب تصريحات رئيسها، أحمد بدوي، الذي أشار تزامنًا مع بدء الحملة، إلى اجتماع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات كممثل عن الحكومة، مع المدير الإقليمي لمنصة تيك توك، بحضور «اتصالات النواب»، للمطالبة رسميًا بتحسين المحتوى لعدم مطابقته للضوابط والمعايير، ومخالفته قانون تقنية المعلومات وقانون مكافحة الجريمة الإلكترونية، لتطلب «تيك توك» مهلة ثلاثة أشهر للتعامل مع ذلك.

زعم بدوي أن اجتماعهم مع «تيك توك» أسفر عن إزالة نحو مليوني و800 ألف فيديو مخالف على المنصة، بناءً على الشكوى الحكومية البرلمانية، مع اتجاه المنصة لضبط المحتوى عقب توجيهاتهم، إلا أن تقرير الشفافية الصادر عن «تيك توك»، يطرح رواية أخرى.

بالفعل حذفت «تيك توك» ملايين المقاطع من المحتوى المخالف، لكن ليس نتاجًا للحملة الأمنية أو التحرك المصري، وإنما بشكل تلقائي وقبل بدء الحملة الأمنية، وتحديدًا في الربع الأول من العام الجاري، بواقع أكثر من مليوني و971 ألف فيديو، حُذفوا آليًا لمخالفتهم معايير المنصة، وقبل أن يحظى 94% منها حتى بمشاهدة واحدة.

caption

تتيح «تيك توك» للحكومات تقديم طلبات لإزالة المحتوى لمخالفته المعايير أو القوانين المحلية للدولة، إلا أن تقارير الشفافية الخاصة بالمنصة، لم تُظهر مصر ضمن الدول التي قدمت عددًا كبيرًا من طلبات الإزالة الرسمية، منذ بدء إصدارها، وحتى التقرير الأخير الذي يرصد النصف الثاني من 2024.

قدمت الحكومة المصرية 19 طلبًا فقط منذ 2019 وحتى نهاية 2024، في المقابل، حبست الدولة خلال الفترة نفسها عددًا من «التيك توكرز» وصنّاع المحتوى، ضمن أكثر من 150 شخصًا اتهمتهم بـ«مخالفة قيم الأسرة المصرية»، استنادًا إلى المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، التي سُجن بعضهم بموجبها، وهي المادة «الغامضة» بحسب محامين حقوقيين، لفتوا إلى عدم دستوريتها.

في تقرير أصدرته أبريل الماضي، بعنوان: «حرية افتراضية.. نحو إنهاء قمع حرية التعبير في قانون الجريمة الإلكترونية»، أوضحت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن غموض المادة 25 يمتد من نصها إلى تفسير المحاكم لها، في ظل عدم وجود ما يسعفها في تحديد معنى «المبادئ والقيم الأسرية للمجتمع المصري»، وصولًا إلى استنادها لما وصفه التقرير بـ«أضعف المصادر»، وهو الفقه القانوني، بتبني محكمة جنح القاهرة الاقتصادية، في أحد أحكامها، تفسيرًا للمادة من كتاب القاضي بهاء المري «شرح قانون مكافحة تقنية المعلومات»، يعتبر أن «مسألة ما إذا كان سلوك الجاني يعد اعتداءً على المبادئ والقيم الأسرية من عدمه، فذلك مما يخضع لتقدير قاضي الموضوع يستخلصه في ضوء قيم الأسرة المصرية ومبادئها التي استقرت في أذهان الناس وتعارفوا عليها»، ما اعتبرته المبادرة توسيعًا غير مسبوق لسلطة القاضي، يخالف المعايير الحقوقية وما أرسته المحكمة الدستورية من وجوب وضوح النصوص العقابية.

في حديثه لـ«مدى مصر»، حدد المحامي أحمد راغب، الاتهامات التي توجه عادة إلى صنّاع المحتوى في ثلاثة أنماط؛ الأول: اتهامات أخلاقية، كنشر المحتوى المنافي للآداب العامة، والدعوة للفجور، والتعدي على قيم الأسرة، والثاني: هو غسل الأموال، «بتستغل فيها جهات التحقيق عدم تناسب العاملين بالمهن أو الطبقات البسيطة اللي جايين منها، مع مستوى الثراء السريع والنقلات الاجتماعية التي تحدث لهذه الفئة»، والنمط الثالث هو تهمة الاتّجار بالبشر، والتي يتم توجيهها في حال ظهور أطفال ضمن المحتوى، أو استغلال طرف أضعف في إنتاج محتوى مخالف للقانون، وهو ما حدث في حالة حنين حسام ومودة الأدهم، اللتين حُكم عليهما بالسجن ثلاث سنوات وست سنوات.

وقُبض على حسام والأدهم في مستهل حملة أمنية على صنّاع المحتوى انطلقت في 2020، بعد أقل من عام ونصف من إصدار قانوني تنظيم الصحافة والإعلام، ومكافحة جرائم تقنية المعلومات، واتهمتا بموجب نصوص «تقنية المعلومات»، قبل أن يشهد العام نفسه القبض على ثماني أخريات من «التيك توكرز» واتهامهن بـ«التحريض على الفسق»، و«مخالفة قيم الأسرة»، ليبدأ نمط لاستهداف صنّاع المحتوى سيستمر على مدار السنوات الخمسة التالية، بالقبض على أكثر من 151 شخصًا في 109 قضايا على الأقل، وفقًا لتقرير أصدرته «المبادرة» في أغسطس الماضي.

أما الحملة الأخيرة، المستمرة، والتي قُبض خلالها على أكثر من 50 شخصًا، فبدأت عقب القبض على «تيك توكر» تدعى مروة يسري، ادعت أنها ابنة الرئيس الأسبق حسني مبارك، وذلك بعد بلاغ بالتشهير قدمته إحدى الفنانات، «اتهمتها يسري بالاتّجار في الأعضاء البشرية»، وفقًا لبيان وزارة الداخلية.

لم تمر ساعات حتى قدم 32 محاميًا بلاغات في أقسام العجوزة والدقي والوراق وإمبابة، ضد عدد من «التيك توكرز» من النساء، معلنين تدشين حملة شعارها «خليها تنضف»، ليلقى القبض على ثلاث صانعات محتوى، بينهن طفلة، قبل أن تتوسع الحملة تدريجيًا لتشمل صنّاع محتوى من الجنسين، بينهم رسامو وشوم، ومقدمو برامج، وجهت لهم اتهامات التعدي على قيم الأسرة، مع إشارة البيانات الرسمية إلى «اعترافهم» جميعًا بتصوير الفيديوهات «بغرض زيادة المشاهدة وتحقيق الأرباح».

الارتباط بين الحملة الأمنية على صنّاع المحتوى ويسري، أكده وحيد الكيلاني، أحد المحامين الذين تقدموا ببلاغات ضد «التيك توكرز»، والذي يقدم نفسه كرئيس هيئة الدفاع في الدعوى المرفوعة لحجب تطبيق «تيك توك».

«مروة يسري هي كلمة السر، أنا واحد من الناس ما كنتش أعرف يعني إيه تيك توك. مش أنا رئيس هيئة الدفاع ومعايا 92 محامي ما كنتش أعرف يعني إيه تيك توك ولا كنت دخلته، رغم إني عندي صفحة عليه بنزل عليها المرافعات»، يقول الكيلاني لـ«مدى مصر».

ويتابع: «بدأت أدخله، عاوز أسمع البت بنت حسني مبارك اللي بيتكلموا عليها.. نقلتنا نقلة تانية.. يعني إيه وكالة؟ ويعني إيه واحد إسرائيلي عايش بره عامل وكالة بيدعم؟ قالت أسماء، ولما بدأنا نبحث خلف هذه الأسماء لاقيناها بنسبة 60% كلامها صح، فبدأنا نركز بقى.. أنتوا بتترقصوا وتهزروا قدام الشاشة تجيبوا ملايين».

بدورها، رأت عضوة لجنة الاتصالات بمجلس النواب، إيرين سعد، أن «المحتوى على تيك توك زاد عن حده، وكان لدينا تعجب من الثراء السريع بشكل غير منطقي، ونعتبر ما يحدث متعلقًا بقيم المجتمع، وهو أمن قومي… البرلمان والإعلام والمواطنون بدأوا يتحدثون عن فكرة غسيل الأموال، ووزارة الداخلية بدأت تنتبه لهذه التجاوزات»، حسبما سبق وقالت لـ«مدى مصر».

من جهته، دعا راغب إلى البحث في الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي شكلت ظاهرة «التيك توكرز»، بدلًا من التركيز على السباب ومخالفة القيم، وبينما استنكر تجاهل الحكومة للسبب الأساسي الذي دفع المواطنين إلى التكسب باستخدام هذه الآلية، لفت إلى تفشي الفقر والعوز في طبقات ومجتمعات، بما يضطر أفرادها إلى البحث عن مصادر جديدة للتكسب.

«في أوراق التحقيقات في القضايا دي هتلاقي واحدة مثلًا بتقول إنها فتحت لايف لما عرفت من جارتها اللي بتطلع لايف إنها جابت عشرتلاف جنيه، فطلعت تطبخ وتعمل زيها علشان تجيب فلوس»، يقول راغب.

مديرة برنامج حقوق النساء والنوع الاجتماعي بـ«المبادرة المصرية»، لبنى درويش، اعتبرت أن ما يميز الحملة الأخيرة عن سابقاتها، هو عدم اقتصار مزاعم حماية الأخلاق فيها على المحتوى الجنسي، وإنما توسعها لتشمل المنظور الطبقي، مشيرة إلى أن مفهوم الأخلاق امتد ليشمل نبرة الصوت، وفرض أنماط بعينها للأنوثة والرقة، كما تفهمها وتمثلها الطبقة المتوسطة. «زي ما حصل مع أم سجدة وتعليقات الناس عليها، إزاي فيه ست تتكلم كده؟، لازم الست يبقى لها طريقة معينة تتكلم بيها علشان تبقى ست، ونهاجمها ونحبسها انطلاقًا من ده».

في تقريرها الشهر الماضي، الذي لفت عنوانه إلى «خلطة القمع الأمني والذعر الطبقي والتمييز الأخلاقي»، أشارت «المبادرة» إلى استخدام السلطات اتهامات تهديد قيم المجتمع لملاحقة المواطنين بشكل عام على مدار السنوات الماضية، خصوصًا أصحاب الآراء المخالفة، وتوسعها لتطال أطفالًا، وأصحاب تفسيرات دينية مخالفة للمؤسسات الدينية الرسمية، أو أفرادًا للشك في مثليتهم، وحتى أشخاص بناء على محتوى لم يتداول للعامة.

كما سبق ولفت تقرير من «منظمة العفو الدولية « في 2020، إلى استخدام محكمة صورًا خاصة سربت لفتاتين، كأدلة ضدهن في قضايا، رغم إبلاغهن الشرطة عن إساءات تعرضن لها، فضلًا عن حبس ناجية من الاغتصاب، كانت تبلغ 17 عامًا، بدعوى «مشاركة» رواياتها عن «الاعتداء الفاحش» علنًا، بدلًا من إبلاغ السلطات سرًا، والتي أسقطت النيابة التهم الموجهة إليها بعد 114 يومًا من الاحتجاز، استُبدل خلالها بالحبس الاحتياطي إيداعها أحد مراكز استضافة المرأة المعنفة.

وفقًا لدرويش، فإن الحملة الأخيرة على صناع المحتوى هي نتاج تضافر مجموعة من العوامل الجندرية والطبقة والأخلاقية، لكنها تتمحور بالأساس حول ما تصفه لـ«مدى مصر» بـ«الحق في الظهور». 

ترى درويش، أن ظهور نساء من طبقات فقيرة يتحدثن بجرأة أو يحققن صعودًا طبقيًا أو اجتماعيًا سريعًا، يثير توترًا لدى الدولة التي اعتادت التحكم في سرديات الفقر عبر الإعلام الرسمي أو الإنتاج السينمائي، وهنا يصبح «الحق في الظهور» ذاته موضع مساءلة، خصوصًا حين يتحدى صورًا تقليدية للأنوثة أو الطبقة.

«منذ السبعينيات سيطرت الدولة على الخطاب الطبقي في الإعلام» تشرح درويش، «فلو هطلّع واحدة فقيرة، هطلعها في صورة واحدة راضية وبتعاني بشرف، وأي صورة تانية للفقر غير مقبولة من المجتمع والدولة، لكن حاليًا لم تعد السردية التي قد يتم انتقادها تتم تحت سيطرة الدولة، ولو بصورة غير مباشرة عبر الوكالات وشركات الإنتاج، وإنما تتم بشكل تلقائي من خلال واحد بيصحى الصبح يمسك موبايله ويقول اللي في دماغه». 

بخلاف «الظهور»، مثّل الترقي الاجتماعي المفاجئ عاملًا جوهريًا في الحملة الأمنية الأخيرة، بحسب درويش، التي لفتت إلى خوف الدولة من فكرة وجود مجالات جديدة للثراء والصعود الطبقي، لا تخضع لسيطرتها. «زمان كان الترقي الاجتماعي المفاجئ للطبقات الفقيرة محصور في حاجتين، إنك تكون لاعب كرة أو تبقى ممثل أو مغني، وفي الحالتين أنت جزء من مؤسسة محكومة عليها رقابة، سواء تتبع لمؤسسة إنتاج مركزية أو منظومة تشرف عليها الدولة بشكل مباشر».

لم تتمكن الحملات الأمنية المستمرة على صناع المحتوى على مدار خمس سنوات من خفض أعداد مستخدمي «تيك توك» أو تقليل شعبيته، على العكس، تظهر إحصاءات منصة «Data Portal» زيادات مضطردة في مستخدميه، ولجوء المعلنين للترويج من خلاله على مدار الأربع سنوات الماضية.

السنة مستخدمو تيك توك البالغون في مصر النمو مقارنة بالعام السابق نسبة مستخدمي «تيك توك» من مستخدمي الإنترنت البالغين نسبة وصول الإعلانات من إجمالي البالغين في مصر
2022 20.28 مليون 31.6% 26.8%
2023 23.73 مليون +3.45 مليون

 (+17 %)

34.3% 29.4%
2024 32.94 مليون 9.21+ مليون
(+38.8 %)
46.7% 40.2%
2025 41.3 مليون +8.36 مليون (+25.4 %) 56.1% 42.9%

*يسمح «تيك توك» للمعلنين باستهداف مستخدمين تبدأ أعمارهم من 13 سنة فأكثر، إلا أن البيانات الرسمية التي تعرضها المنصة تشمل فقط المستخدمين الأكثر من 18 عامًا.

اتساع انتشار المنصة الصينية دفع الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، الذراع الإعلامية الرئيسية للدولة، إلى عقد شراكة مع «تيك توك»، للاستفادة من الوصول الذي تحققه، خصوصًا لدى فئة الشباب، الأكثر تفاعلًا مع المحتوى الجديد، على حد تعبير بيانها، في 21 أغسطس الماضي.

في بيانها الوحيد بخصوص الحملة الأمنية حين كانت لا تزال في بداياتها، قالت النيابة العامة في 8 أغسطس، إن عشرة متهمين ضُبطوا بعدما تلقت بلاغات من المواطنين والجهات المختصة بشأن إعداد بعض «التيك توكرز» مقاطع تتضمن محتوى مصور يشكل جرائم مخلة بالآداب العامة، وينتهك القيم الأسرية والمجتمعية، أمرت بإخلاء سبيل اثنين منهم، وإدراج الجميع على قوائم المنع من السفر وترقب الوصول، ومنعهم من التصرف في أموالهم.

أحد هؤلاء العشرة كانت محروسة جمال، المعروفة بـ«أم سجدة»، 28 عامًا، التي تواجه تهم «استخدام ألفاظ خادشة للحياء»، و«غسل الأموال»، والتي قالت في التحقيقات إنها خرجت من التعليم من «تانية» إعدادي، ومطلقة ولديها طفلان، وتعمل في تسويق المنتجات على الإنترنت منذ نحو عام، وأن والدها يعمل سائقًا، ووالدتها عاملة في مستشفى.

ناصر يوسف، محامي أم سجدة، أوضح لـ«مدى مصر» أن نتائج الكشف عن سرية حساباتها البنكية أوضحت أنها لا تمتلك سوى عشرة آلاف جنيه، ونحو 31 ألف جنيه في حساب «تيك توك»، وسيارة بنحو 600 ألف جنيه اشترتها بطريقة مشروعة.

كانت أم سجدة من بين كثيرين اتهُموا بغسل الأموال، وروجت وسائل الإعلام لتكسبهم بملايين الجنيهات من نشر المحتوى «المخالف للآداب العامة»، قبل أن يصدر، هذا الأسبوع، حكم بحبسها ستة أشهر، وغرامة 100 ألف جنيه، بعد إدانتها بـ«الاعتداء على المبادئ والقيم الأسرية، بنشر مقاطع مرئية تتضمن استخدام ألفاظ بذيئة»، وتبرئتها من تهمتي: «نشر مقاطع خادشة للحياء، وإدارة واستخدام حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي بهدف ارتكاب جريمة»، بحسب محاميها، الذي قال إن براءتها من نشر المقاطع الخادشة سينفي عنها ارتكاب جريمة غسل الأموال. 

يشرح الباحث في مجال البرمجيات، محمد الطاهر، لـ«مدى مصر» أن آلية تكسب صانعي المحتوى من «تيك توك» تتكون ببساطة من طرفين، أحدهما صانع المحتوى والآخر هو الداعم، الذي يشحن أموالًا في التطبيق يحصل مقابلها على نقاط، يرسلها إلى صانع المحتوى، الذي لا يحصل عليها كلها، وإنما على نسبة غير ثابتة منها، تحتسب بناءً على متغيرات من بينها عدد المشاهدات والتفاعل وهكذا، ويذهب الباقي للمنصة نفسها، فيما تدر أرباح الإعلانات والدعاية مدخلات إضافية لصانع المحتوى. 

بحسب راغب، لا تقع الأموال الناتجة عن نشر المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي ضمن بند غسل الأموال. «المحتوى في رأيي هو مصدر شرعي للأموال، لإنه شغلانة علانية مع مؤسسات معروفة، فأنت تقدر تعرف مصدرها بسهولة، واللي للحكومة عند الناس دي هي الضرائب، وكان يجب التعامل مع الموضوع ده بشكل مختلف». وتابع: «دي ناس طلعت بتتكلم وبتاخد مقابل المشاهدة. أما الألفاظ والقيم فهي مشكلة في القانون لكن مالهاش علاقة بمدى شرعية الأموال من عدمها، وكل حاجة ليها طيف واسع، فلو حد بيستخدم ألفاظ في البث فده له حالات كتير؛ هل ده نقد ولّا سب، ولّا واحد بيسب حد، ولّا بيسب نفسه، ولّا بيسب الناس؟». 

رئيس مجلس إدارة شركة dV الشرق الأوسط للاستشارات والحلول المالية، تامر عبد العزيز، اعتبر أن الهجمات الأمنية على صانعي المحتوى ستحرم الدولة من عائدات كان من الممكن أن تدخل الخزانة العامة. 

«الدولة كانت لديها فرصة ذهبية لتقنين أوضاع «التيك توكرز»، واستيفاء الضرائب منهم»، يشرح عبد العزيز لـ«مدى مصر»، «كان ممكن بكل بساطة تخلي المجلس الأعلى للإعلام يستدعي الناس دي، وتديلهم تدريب عن قيم المجتمع والتزامات البث وتمضيهم تعهد وتمنحهم رخصة إلكترونية بحيث تسيطر على المخالفات، ولو تجاوز ياخد لفت نظر وهكذا، لكن بالقبض عليهم.. أنت نصبت نفسك محكمة تفتيش». 

أما درويش، فاعتبرت أن السلطة لديها توتر وخوف شديد من الإنترنت عمومًا بسبب عدم معرفته. «في قضايا 2020، لما تقرأ ورق التحقيقات هتلاقي النيابة مهووسة بالخلفية الطبقية للمتهمات، بتسأل عن أهلهم ووضعهم الاجتماعي، وكيفية التحصل على الأموال وزيادة المتابعة ونسب البث… لما بتقري بتحسي بقلة معرفة المحققين أصلًا باقتصاديات الإنترنت، البنات كانت بتشرحلهم في التحقيقات يعني إيه ريل ويعني إيه لايف ويعني إيه ستوري، ومن الناحية التانية هما ما عندهومش أي تخيل ليه واحد ممكن يدفع فلوس لست على الإنترنت من غير ما يكون لها علاقة بمحتوى منافي للآداب».

مثل راغب، تستنكر درويش تجاهل النظام للأسباب التي دفعت الأفراد إلى اللجوء لصناعة المحتوى، «الأزمة الأساسية كانت في عدم توافر فرص العمل، وانعدام فرص الصعود الطبقي جوه البلد خلاص، بقى الحل الوحيد أنك تسافر، ولو ما سافرتش فخلاص مفيش. لكن يبقى في صعود طبقي سريع لناس عادية ما عندهاش موهبة استثنائية، فـ ده مخيف لناس كتير، لإنه بيجسد بشكل واضح عبثية الصعود الطبقي والاجتماعي، في ظل تراجع الناس العادية والطبقات الوسطى، مع احتضار صورة العمل والاجتهاد».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن