تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
الحمارة ورضعة البطولة

الحمارة ورضعة البطولة

أليف ووحشي#6

كتابة: ياسر فرحات 6 دقيقة قراءة
تصميم: عمر مصطفى

#جو عام

ندخل مع ياسر فرحات، في سادس حلقات «أليف ووحشي»، مستوى جديدًا من العلاقة بالحيوان، تلعب الأتان أو الحمارة دورًا محوريًا في طفولة الراوي، تجعله بطلًا لحكاية لا تُصدق، وهي أجواء تتماشى مع السلسلة التي يعدّها ويحررها ياسر عبد اللطيف ومي المغربي، وتعمل على علاقة الإنسان بذاته، وتسير مع كُتّابها في رحلتهم لاكتشاف حيوانهم الداخلي، وتنسجم مع شقيقتها «جيوب المدينة» التي تتجول في المكان بحثًا عن أوكار وخبايا المدينة. ابقوا معنا ولا تتركوا حبلي السلسلتين.

#أليف ووحشي

حتى الثامنة من عمري، كنتُ لا أتحدث كثيرًا وأتجنب المفردات التي تنطوي على حرف «س». يسخرون مني لأني بنصف لسان، تلازمني أيضًا كل أمراض الطفولة: السعال الديكي والضعف العام وحشرجة النفس الملازمة لحساسية الصدر، وهو مرض لا يعرف معاناته سوى مَن تجرع أدويته غير الفعّالة. وتشتد الأمراض عليّ في القاهرة أوقات الدراسة. لم أسلم يومًا من التنمر وقتها، ودائمًا ما ينتهي عراكي مع أقراني بهزيمتى بسبب اشتداد السعال الذي يزداد معه الهُزال واختناق النفس. لكن بعد تلك الرحلة المفاجئة، تغيّر كل ذلك.

كنتُ في الصف الثالث الابتدائي حينما طلب مني أبي السفر معه إلى الفيوم وحدنا. كان أسعد ما سمعت في حياتي، عصفوران بحجر واحد، بل عدة عصافير، التخلص من المدرسة والقاهرة والتنمر، والذهاب إلى الجنة. أجلس بجوار أبي في سيارته «الفيات الخضراء»، طوال الطريق أسمع الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، وبعده أم كلثوم، كنت أكره الاثنين وقتها لكثرة التكرار. هل سأموت هناك وأدفن في مقابر العائلة؟ يختتم أبي الجرعة بيوسف شتا يتلو علينا مواعظه التي لا أحبها. كلما نظرت من النافذة تغمرني السعادة وأنا أرى الطريق والصحراء، وأشعر أنها زيارة غير عادية. ففي العادة نسافر إلى الفيوم برفقة أمي وأشقائي.

حصل أبي على شهادة الثانوية من مسقط رأسه بمحافظة الفيوم، وأتى إلى القاهرة في مطلع الستينيات ليلتحق بمعهد التكنولوجيا الذي أصبح فيما بعد جامعة حلوان. كان ضمن أولى دفعات تخرج المعهد فتلقفه مصنع الحديد والصلب حديث الإنشاء. هناك رأى الميكنة الصناعية السوفيتية الضخمة، ومعها خبراء المنشأ. لم أعرف أبدًا إن كان أبي تأثر بأفكار هؤلاء السوفييت. ورغم ذلك لم ينفصل أبي قط عن جذوره الريفية. ذهب إلى قريته وتزوج من ابنة عمه وأتى بها إلى منزله في القاهرة، وبعدها أنجب ثلاثة أبناء. أحمل أنا رقم اثنين في الترتيب. 

يقود أبي «الفيات الخضراء» ببطء وحذر ويقف أحيانًا ليزود المحرك الساخن بالماء، ويعود ليُكمل رحلته البطيئة. أنظر الى الطريق وأسرح، لا يخبرني بشيء عن غرض الرحلة. أتمنى لو يتركنى هناك ويعود. لم أتحرر أبدًا أمام أبي من قيود التبجيل والاحترام المفرط، لم أعتد مخاطبته سوى بلقب «حضرتك»، حتى إنني لا أستطيع اللعب والمرح في حضوره، بل أنتهز فرصة اختفائه لأجعل اللعب هدفي الأسمى. 

قرية أبي كنت أراها الجنة، وملعبي المليء بالمغامرات، أجري مع أبناء عمي في كل مكان، والكل يحتفي بالضيف القاهري باللعب وصعود النخل والتقاط التمرات. نذهب إلى البحيرة لنسبح ونطارد أسماك موسى وبناء أفخاخ لها على طول الشاطئ.

تتلاشى الصحراء ويبدأ اللون الأخضر. أتأمل الصورة واختلاف الألوان: القاهرة طبق الكشري مبعثر الألوان والمكونات، أما الصحراء تُشبه العدس الأصفر، ولون الحقول يُشبة الجنة! تزداد الحماسة في قلبي لاقتراب النخيل والحقول وبحيرة قارون المسحورة ومن خلفها الجبل القطراني المهيب. تكتسي السماء بالسُحب، وتتسع رئتاي مع استنشاق الهواء البارد، يقترب أبي أكثر من قريته. ويزداد الاشتياق واللهفة لحضن جدتي إحسان. تجلس دائمًا في ردهة الدوار الكبير الذي شيده جدي وقام ببناء سور عازل بينه وبين ابن عمه، جدي الآخر من الأم، إذ نشبت بينهما خصومة. لا يجرؤ أحدٌ على عبور هذا السور إلا أنا فقط، أقفز فوقه لأعبر من بيت أعمامي إلى بيت أخوالي، لأن تلك الخصومة لا تنطبق عليَّ، فهم جميعًا لي!  يدخل أبي القرية أخيرًا، بيوت ريفية من الطوب اللبن، وطرق ترابية وروائح كثيرة متداخلة تستقبلني.

أخرج من «الفيات الخضراء» وأجري تجاه الدوار، لأجد جدتي إحسان، تفتح ذراعيها وتغمرني بأحضانها، أتركها وأبحث عن أعمامي تباعًا، ثم أقفز فوق السور العازل وأهبط في أرض أخوالي مباشرةً، لأجد جدتي صابرين في انتظاري بأحضانها الدافئة. أتنقل بين أحضان جدتي من الأب وجدتي من الأم فقط عبر تسلق السور الفاصل بينهما، مضت الليلة هكذا ونمت.

في الفجر أيقظني عمي من النوم وطلب منى النهوض لتناول الإفطار. على الفور انتفضت من الفراش وذهبت إلى دورة المياه، وبعدها توجهت إلى جدتي إحسان، كانت تجلس على الأرض وأمامها موقد صغير. تضع على اللهب نصل سكين، وتتركه حتى يستعر، ثم تلتقط من جوارها كوب صغير بداخله القليل من الحليب يكفي شربة واحدة. تلتقط السكين المشتعل وتُطفئ ناره في كوب الحليب الصغير. طشيشُ التقاء النصل المستعر مع الحليب أشعرني بالرهبة.

لا أفهم ماذا تفعل إحسان. أعطت الكوب لعمي، بدوره تقدم وناولني إياه وطلب مني بلهجة آمرة أن أتجرع هذه الشربة الصغيرة من الحليب على دفعة واحدة. اعتدت شرب الحليب من يد أمي، كوب كبير وممتلئ، لذلك لم أتردد وأخذتُ منه الكوب، وشربت. لم يكن الحليب الذي اعتدتُ طعمه، كان أسوأ شيء تذوقته في حياتي، كدت أن أتقيأ. سارعت جدتي بإعطائي ملعقة من السكر لأنها تعرف ما أشعر به. كانت مرارة من الجحيم. أخذتني بعدها إلى الحقول وطلبت مني استنشاق هواء الفجر وكتمانه فى رئتيَّ. ثم سقتني من ماء نتح نبات الجراوة ذي الأوراق الكبيرة.

أفعل ما تأمرني به إحسان. كل يوم صباحًا لمدة سبعة أيام أتجرع ذلك الحليب شديد المرارة، لتأخذني بعدها إلى الحقول أشرب ندى الجراوة وأستنشق هواء الفجر الرطب. ماذا تفعل بي جدتي؟ كل يوم يمرّ أشعر أنني أفضل من سابقه، لم تعد هناك أنفاس مختنقة أو سعال، بل أصبحت أنام قرير العين وأجري وأصارع أبناء أعمامي الأشداء. ما الذي حل بي؟ لم أنتظر إجابة وقتها، كان عليّ الاستمتاع بهذه القوة الجديدة، لكن إحسان أخبرتني يومها ووجهها ممتلئ بالرضا، «كده إنت بقيت بني آدم تاني».

حضر أبي بعد الأسبوع المُتفق عليه ليعود بي إلى بيتنا بالقاهرة، ليجدني فوق نخلة جدى الطويلة، نظر إليّ وكأنه يراني لأول مرة. مرحبًا بالقاهرة وعراكها، لم يهزمني أحدٌ بعد عودتي، بل صار كل المتنمرين رفاقي. لكني لم أتنمر يومًا على أحد، بل تعودت على إيقاف التنمر. ومع كل احتكاك واختبار لقوتي كنت أثبت دائمًا أن يدي هي العليا، ولم يبارح عقلي سؤال: من أين لي بكل هذا؟ فأتذكر ذاك الحليب المرير، وبعد البحث علمت أنه كان حليب حمارة قوية يمتلكها جدي لأمي. أعرفها جيدًا، وكثيرًا ما لعبت معها. كانت قد وضعت مولودةً جديدة وقتها، فأرسلوا لأبي كي يأتي بي في الحال. وكانت جدتي، صابرين، هي مَن غامرت بحلب تلك الشربة الصغيرة من ضرع الحمارة بصعوبة، مع إرسالها فجرًا إلى جدتي الأخرى عبر السور لكي أتجرّعها كل صباح لسبعة أيام. أي سر ينطوي عليه هذا الحليب؟ لم يكن كوبًا عاديًا كلبن البقر أو الجاموس الذي نتجرعه يوميًا، كان كلبن الأم لقاحًا لتفعيل مناعة الجسد الضعيفة.

بعد أعوام زرتُ الفيوم مرة أخرى، كنتُ مشتاقًا لرؤية تلك الأنثى وابنتها التي رضعت معها. وكان لقاءً حميميًا بيني وبين حمارة جدى الشيباء، اقتربتُ منها ومسّدت رأسها. ودودة كما كانت دائمًا، لكني لم أرَ ابنتها. علمتُ من جدتي صابرين أنها مع خالي يحمل على ظهرها جوال طحين يزن مئة كيلوجرام. ثم رأيتها آتية أمامي تتقدم برشاقة بالغة وعلى ظهرها الجوال وفوق الجوال يجلس خالي. تتبختر بخطواتها الثابتة نحو البيت، قوية ويعتمدون عليها في المهام الثقيلة والصعبة .

توقفت عن ركوب حمير جدي، ولم أعد مجرد صديقها الذي يلعب معها، صرتُ أشعر بعلاقة أقوى تربطني بهذه الأنثى وابنتها، كأنني أصبحتُ ابنًا لهذه الأنثى وأخًا لتلك الشابة اليافعة. مرت السنوات ورحلت الأنثى التى أرضعتني، وباع جدي ابنتها، أختي في الرضاعة، بالسوق. شعرتُ بالحزن وقتها، وتذكرت شعوري قبل السفر في تلك الإجازة الغامضة. ظننت عند استدعاء جدتي في تلك الإجازة البعيدة أنها ستحكي لي حدوتة جديدة من حواديت الفيوم الخرافية، ولم أتوقع أنها كانت تريد أن تصنع مني بطلًا من أبطال تلك الحواديت.

وسلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن