تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
الجمل والتنين وما بينهما

الجمل والتنين وما بينهما

#250| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: مينا مبارك 10 دقيقة قراءة

#جو عام 

لا يزال مينا مبارك يتعرف على مناطق مجهولة أو غير مشهورة ينيرها الأدب كأنه رحالة ووسيلته الكتب، وهذه المرة يضيف إلى «العالم غير المقروء» منغوليا الداخلية وهو الإقليم الذي أكلته الصين بخلاف الدولة الشقيقة التي كانت سوفيتية ثم تحررت مع انحلال عقد الاتحاد، ولهواة هذه الرحلة، يمكن قراءة اكتشاف آخر لمبارك هنا، وقبل ذلك عليكم قراءة حكاية الجمل والتنين.

 #دليل

متى نظرت إلى رَحبْ السماء ليلًا، وقررت أن تتغاضى عمدًا عن عجائب الكون التي تلمع من أزمنة مُلثّمة بالغموض وُلِدتْ حين لم يكن الإنسان قد تعقّل بعد، فتمعّنت في انعكاس كوكب الأرض البادي على القمر، لربما تأملت في تشابههما، وتيقنت أن للأرض كذلك جانبين: المضيء دائمًا، والمُظلِم أبدًا، ولو كان الأمر، كما دائمًا، أكثر تعقيدًا على الأرض، مما في السماء. 

أنظر إلى السماء وأنشغل بالأرض، أغمض عينيّ وأسترجع التاريخ والجغرافيا، لا كموادٍ مدرسية مُملة وبائسة تصب جل اهتمامها على الولاة الذين شيدوا حمامات عامة أو اتجاه الرياح التي تهب على مناطق مناخية لا يسكنها أحد، بل أتخيلهما كلغزٍ مُستتر، كجريمة لم تُحل فقُيّدت تجاه مجهول، أو كمحكمة يحكي فيها ألف طرف قصته، مهما تعارضت مع حكايات الآخرين، ورؤيتهم لذواتهم ولما حدث فعًلا.

أتصور آسيا مثلًا؛ تضيء بشكلٍ مبالغٍ فيه نطاقات حيوية وساخنة، شمالًا في المتجمِدات الروسية، وجنوبًا عبر حرارات عِراك الهند وباكستان، وغربًا من خلال نزاعات الحدود البلطيقية والشامية، ووجود إيران بحد ذاته، وشرقًا عند بلدان اللغات صعبة الكتابة: الصين وكوريا واليابان، فيما تركن قطاعات أخرى في كراتين نُسيت أسفل السرير أو أعلى الدولاب أو في السندرة؛ في مجاهل أواسط القارة، أو من خلال فُسيفسائيّات ضئيلة تُزيّن حدود اللوحة، ككومبارس لا تستقيم اللقطة من دونه، بيد أنه لا يخرج عن دائرة ظلامه في خلفية الأحداث الرئيسة. 

أرى الصين وروسيا تتشاجران على الخريطة الإقليمية، ولا أرى أحدًا يتذكّر أي شيء عن منغوليا سوى الحالة الحرجة لأكبر إمبراطورية برية متجاورة في تاريخ العالم، بانتصارات جنكيز خان، ويوم دينونة المغول وانقراض سيرتهم بعد موته.

لهذا، مثّلتْ الرواية القادمة من مجهولٍ اجتماعي وثقافي وتاريخي يُسمّى منغوليا الداخلية، اختيارًا موفقًا يزيل قليلًا من الغموض عن أقلية عرقية ذات تاريخٍ مُعقد، وعلاقات دبلوماسية شيقة، وحياة فلسفية مغايرة تُقدّم نظرة مختلفة للعيش في عصرٍ ابتُلع بنهم السرعة، ولا يتعارض مع قواعد مشروعي لقراءة أدب العالم كله، بما يتضمن أقلياته، أو أنا الذي أهول الأمور، وأحمّل النصوص البريئة أكثر مما تحوي.

لا أعلم متى نُشِرت رواية الجمل الأبيض، المترجمة بسلاسة إلى العربية من الأصل الصيني، ضمن سلسلة الجوائز التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب، على يد المُترجِم محمود أحمد مالك، لأني لم أجد أي معلومات كافية عن الكتاب أو كاتبه باللغة العربية، عدا مقال نقدي أو اثنين يُلخصانها؛ ولا باللغة الإنجليزية، غير ثلاثة مواقع تجارية تعرض الرواية، بطبعتيها الصينية والإنجليزية المترجمة، للبيع بأسعار فلكية، ودون أدنى إشارة للكاتب الذي تغير اسمه من قراي لايتشيموجي هايخي (وفق الترجمة العربية) إلى هآي هِي (على الغلاف الإنجليزي، وقد عُنوِنتْ بـ«الجمل المُعلَّم بحريرٍ أحمر»، ولم أستطع التيقن من دقة أي الترجمتين من العنوان الصيني المكتوب بحروف مندارينية في نهاية الكتاب). وهو ما يزيد طين هواة نظرية المؤامرة بلة. 

في كتابها الحدود، تلخص الرحالة النرويجية، إيريكا فاتلاند، التاريخَ السياسي لمنغوليا بأبسط الطرق إمكانًا؛ فبعد موت جنكيز خان، تعاقب على السهول المنغولية أباطرة متذبذبين، شذبوا حدود المملكة وقهروا ثورات المستقلين ووحدوا الأراضي التي عُرِفت لاحقًا باسم الصين في مملكة واحدة حكموها ما يقرب من قرنٍ كامل، إلى أن سقطت سلالة يوان الحاكمة تلك، وسط ضوضاء حربية برعاية القبلنة، وانحسرت شمالًا نحو الهضبة المنغولية لتحكم باعتبارها سلالة شمالية مُقصاة، غاصت في مستنقعٍ مُبهم من الصراعات الداخلية التي انتهت في القرن السابع عشر بغزو الصينيين المنشوريين الجنوبيين للهضبة، وقسموها إداريًا إلى إقليمين: داخلي وخارجي.

انقسمتْ إذن بما لا أحصره على اعتباره جبنًا داخليًا على قدر تدخلات خارجية جبرت العرق الواحد على الانفصال؛ كالكوريتين وكردستان الكبرى والدول الستانية، ولا أنفيه عن كونه اعتباطًا غير مدروس، مد أحدهم قلمًا أو ريشة مُحبرة، ورسم خطًا دون أن يعرف أو يفرق بين التكوين السكاني والأعراق والعادات والتقاليد، كذا فعلوا تباعًا بالمنغوليتين، وأيضًا فصلوا الخارجية عن جمهورية توفا السوفيتية، والناس بين هذه وتلك، في الأصل، أقارب، وما زالت الزيارات بين الطرفين على جانبي الحدود مستمرة حتى اليوم، وما زالت أدبيات الوضع الاجتماعي بينهما متقاربة. 

على كل، بالعودة للتاريخ المحكيّ، ضعفت سلالة المنشوريين وهرمت، وتوالت الثورات داخل آسيا الوسطى وخارجها؛ البلاشفة والشيوعيون وفئات متناحرة أخرى، عززت استقلال منغوليا الخارجية في عام 1911، بدعم قيصرة روسيا، دبلوماسيًا وعسكريًا، فارين بجلدهم دونًا عن أخوانهم في منغوليا الداخلية التي حاربت الصين بشراسة ضد استقلالها. إلا أن الفرحة لا تكتمل، فبعد ثمانية أعوام غزا الصينيون، مُستغلين الحرب الأهلية الروسية، ما اعتبروه ملكًا لهم مرة ثانية، لكن حربًا بقيادة رجل ألماني بلطيقي مُختل -على حد وصف «حدود» إيريكا- برتبة بارون، كن ولاءً لعائلة رومانوف، أعاد إلى منغوليا الخارجية استقلالها وحكمها. وفي خلال عام واحد ثارت قواتٌ محلية ضده، مدعومة من البلاشفة أعداء القيصر وبارونه غريب الأطوار، فاستقلتْ الخارجية مجددًا عام 1921، وظلت محتفظة بحدودها رغم مناوشات الصين وخرائطهم الوطنية التي لا تفصل بين المنغوليتين، بفضل تحفظات ستالين في إعلان استقلال «جمهورية الشعب المنغولي»، واشتباكاته الدبلوماسية مع الصينين التي أدت إلى استفتاءٍ شعبي طالب فيه 98.6% من المنغوليين الخارجيين باستقلالهم عن الصين، وهو ما أُعلن رسميًا عام 1946، وانضمت بعدها منغوليا الخارجية للاتحاد السوفيتي، وتُجوهِل المغول المساكين في الجانب الداخليّ.

بالعودة إلى الزمن الحالي، يأخذنا الكاتب رويدًا، في «جمله الأبيض»، نحو المراعي المنغولية الداخلية، إلى قصة جمل أبيض بالغ متهيج، يطارد الرعاة من فرط سُكرِه بهرموناته في موسم التزاوج، يحاولون تهدئته لكنهم يفشلون، فيضطرون إلى قتله؛ لأن «الحيوانات التي لديها ميول إلى مهاجمة البشر لا بد وأن يتم قتلها». من رحم هذا الموت يُولد جمل أبيض جديد في القطيع، نادرٌ وموسوم بظروفٍ قاهرة جعلت راعي أمه «جا بو» يشعر بتميزه بشكل خاص، ترفصه أمه حين يقترب ليرضع منها؛ لأنها كرهته، إذ هاجمتها ذئاب جائعة في مخاضها وكادوا أن يفترسوها لعجزها الناتج عن حاضر ولادتها، ودون تدخل جا بو لوئدت هذه الحكاية من فصولها الأولى. لاحقًا يتولى الراعي الخبير جمله الجديد وأمه عبر مراحل حياتهما المشتركة، فيساعد هو وزوجته في تليين قلب الناقة الرافض نحو وليدها، وينجح في مساعيه بمساندة موسيقى تقليدية منغولية تغني فيها النساء، على أنغام عزف الرجال على كمانٍ تراثي مصنوع من جمجمة حصان، أناشيد محلية مُرققة اعتادتها آذان أجيال من الجمال العاصية، فتقبل الناقة الأم على وليدها وتطعمه. 

يُسرد لنا قراي بعد ذلك عدة وقائع تتضح فيها علاقة الجمل براعيه، وعلاقته بالطبيعة بشكل أعم؛ يدجن جا بو جمله الأبيض الذي أسماه تشا جان وفق طقس رعوي يسمى منجين بولودا؛ وفيه يُحتفى بدق حلقة فضية، مثل خاتمِ زواجٍ أبدي، في أنف الجمل المكدس بنهايات عصبية تجعله يعتاد الألم طوعًا حين يجذبه صاحبه من حبلٍ يُربط بتلك الحلقة، فيصير الجمل طيّعًا في قبضة راعيه؛ تبدأ علاقة الراعي بجمله بالترهيب وتنتهي بصداقته، إذ يثق فيه جا بو في مسابقة جري الجمال السنوية، وينصفه تشا جان ضد صاحب اللقب القديم، وهو الجمل الأبيض الممقوت من البدو المُربيين؛ لأنه هدفٌ سهل لا يتمكن من التخفي وسط الطبيعة. يربطه بعدها بشريط حريري أحمر حول رقبته اعتاد الرعاة أن يميزوا به الجمل غير المستأنس الهارب من القطيع؛ ليبتعد عن شره ويغني له من يراه على بعد في الأفق، لكن جا بو يميز جمله المفضل؛ المحتقر من الآخرين، والمُهاب مثل وحشٍ آبِق بقوته المهولة، بذات الحرير القرمزي.

يصف بعدها الكاتب مظاهر السياحة في المراعي؛ يأتي السياح، يلتقطون صورًا مع الجمل، يأكلون ويشربون قرب المخيم، يُستضافون بكرم من الرعاة، يدخلون الأكواخ ويتعجبون، يسألون مليون سؤال، يأكلهم الفضول ولا يشبع، ثم «يرحلون فجأة كما جاؤوا فجأة»، وقد «تركوا (للرعاة) زجاجات المياه الفارغة وأغلفة وجبات الطعام. ولا مفر من قضاء يوم كامل في التنظيف وإزالة القاذورات». والبدو لا يفهمون ماهية القمامة إذ «لا يعرفون إلا أن أعينهم لم تعتد إلا اللون الأخضر». ومع ذلك لا يحمل الرعاة ضغينة تجاه السياح. 

بالنسبة لي تثير «الجمل الأبيض» الكثير من الأسئلة أدبيًا وفلسفيًا وسياسيًا، بلغتها البسيطة وترجمها المُتقنة والسلسة التي تُفيض الحكاية الخاوية من الحبكات المعقدة أو الشيقة بالمشاعر، وتكلل قارئها بتيجان البطء، والبعد عن صخب حياته السريعة والمادية، نحو هدوء وشساعة المراعي؛ تبرزها طريقة كتابتها، وما تتناوله من أفكار بدوية قديمة، وما قد يُكنى به من جراء نشرها وقوميّة كاتبها والاحتفاء به صينيًا.

أدبيًّا؛ فلا أظن أن كثيرين سيقدرون على تحمل الطريقة التي كتبت بها هذه الرواية؛ لأنها تخلو ظاهريًا من حبكة وشخصياتٍ مُتعددة مثيرة، للدرجة التي تبدو معها بأنها سرد مفكك تلخيصي موجه للسياح لوصف «آلا دان تالا»، أي المراعي الذهبية داخل منغوليا الداخلية، مع الكثير من حب الطبيعة المُتصنّع ووصف عادات البدو في تربية حيوانات المراعي المنغولية الخمسة، وفي التنقل والترحال، ونصيبهم من الإرث الثقافي البشري عبر طرق تربية الجمال المنغولية وبيئتها، وتأصيل للموسيقى البدوية والطعام والأدوات والأخلاق والكرم، إلى نهاية ذلك من «النشرات الترويجية» أو «الكذبات الوطنية البيضاء» التي تُلبِس الواقع رداءً ملائكيًا نقيًا لا يُنصفه. بيد أني لا أرغب في التوقّف عند رؤيتها على تلك الهيئة، بل وددت قراءة النص من موضع أعمق، إذ أعتقد بأن الكاتب قد تعمد الإطالة في الوصف ليعكس طبيعة الحياة البرية في المراعي المُمتدة؛ حياة تمتدح البطء وتفهم الطبيعة والحيوان، عبر محاولة إدراكه ومساعدته، والتقرب من الأرض واستيعاب قيمتها، مثلما قاتل جا بو المد الرأسمالي لشراء مراعيه، وقاوم بصلابة محاولة الحكومة لليّ ذراعه عبر تدمير شاحناتها لأراضيه وهي في طريقها لمنجم الفحم المكتشف حديثًا.

فالرواية تمتدح التمهل، بطريقة غير مباشرة، عبر الهدوء في الحكي، والتريث في الوصف والحوار، وحتى في أشد المواقف قسوة، عندما يهاجم جمل متوحش الراعي، فيهوي به مقربًا إياه من الموت، يـ«تقبل الراعي هذه الحادثة بهدوء، ووصفها بكلمات هادئة، كما لو كان يحكي حادثة لا تمت له بصلة»، وهو بذلك لا يعبر عن لا مبالاة الراعي، بل عن الأسلوب البدوي في أخذ الأشياء على صورتها، دون تهويل ولا قلق مبالغ فيه اعتدناه من فرط صخب الحياة وسرعتها في العالم المشحون بالطاقة وناطحات السحاب وقلق السعي نحو المكانة، واللهاث غير المنقطع من أجل تكديس الأموال.

إلا أن القصة لا تنطوي تحت بساطة تلك الحكاية، بل تتعمق نحو تأصيل الوجود المغولي ذاته، في مواجهة المد الصيني لـ«تصيين» المراعي، باستبدال العرق المنغولي داخل أراضيهم بعرق الهان الصيني، أو على أقل تقدير الاستغلال الصيني للموارد الفحمية للمراعي المغولية، دون العبء بتدمير ممتلكات وسبل معيشة وطبيعة آلاف من المنغوليين الذين لا يرون لهذا التطوير الوطني جدوى.

وفي ظني أن هذه الرواية المُباشِرة ظاهريًا، عبر بطلها الشعبي الجمل الأبيض، هي محاولة انتفاضة داخلية من كاتب من أصول منغولية، يؤصل لتاريخ شعبه وعاداته وتقاليده، ويمتدح البطء وهدوء المعيشة وامتداد المراعي الذهبية والثلج المنغولي في خيام البدو الرحالة، والعزف على الطريقة البدوية، والاحتفاء بألوهية الطبيعة، وكرم المنغوليين، وحبهم لمساعدة المحتاج، وحرب الحياء التي تدور بينهم وبين المحتلين.

أما سياسيًا، فالوضع بين الحكومة المركزية في بكين، والحكومة الذاتية التابعة في منغوليا الداخلية، معقد؛ إذ لا يتضح بيّنًا مَنْ يَصدُق في حكايته؛ فمثلًا لا يتوقّف موه جيو يو، وهو صحفي ورحالة صيني حرر كتابًا سياحيًا ترويجيًا عن منغوليا الداخلية، عن التأكيد على صينية القطاع، مُرجِعًا أصل الحضارة الصينية للمرتفعات الوطنية في منغوليا الداخلية، ومستفيضًا في الحديث عنها بصيغة المفروغ منه. على الناصية الأخرى، يُرفع شعار حركة استقلال منغوليا الداخلية (ويسمونها أحيانا الجنوبية) بواسطة ثلاثة أحزاب تنمو في الشتات خارج البلاد، بالإضافة إلى تاريخ طويل من المحاولة المحلية للاستقلال والاتحاد المغولي مع منغوليا الخارجية عقب الحرب العالميّة الثانية. 

وهو ما يثير المزيد من الأسئلة حول طبيعة كتابة هذه الرواية ونوايا كاتبها. هذا التعقيد يتطور إلى اختلاف في وجهات النظر، ففيما يرى المنغوليون أن سياسة الإحلال الصيني للعرق السائد في القطاع بتهجير عرق الهان للداخل؛ لتغيير التركيبة العرقية المحلية وكسر شوكة التفرّد، يرى الصينيون الوطنيون أن نقص نسبة العرق المنغولي -وتُشكّل 17.1% من مُجمل الساكنين- يرجع إلى كثرة هجرة السكان من البدو المغول الرُحّل شمالًا وشرقًا، بإرادتهم الحرة ورغبتهم وحدها. بيد أن هذا لا يمحو وقائع محورية يصعب إعادة تفسيرها ببراءة، فما تفسير إبادة الحكومة للكتب التاريخية التي تُفصّل تاريخ منغوليا الداخلية، بالإضافة إلى فرض تدريس بعض المواد باللغة الصينية عِوضًا عن المنغولية المحلية للطلاب في المدارس التأهيلية الأولية؟

ولزيادة تعقيد الموقف السياسي الإقليمي، قد يُصاب المؤمنون بنظرية المؤامرة تلك بالهلع حين يعلمون بأن منغوليا الخارجية تخلت عن الأبجدية المنغولية، مُستعيضة عنها بالأحرف الكريلية، ربما بتأثيرٍ حميمي أو إكراهي من الاتحاد السوفيتيّ، فيما احتفظت الحكومة الصينية بكتابة اللغة المحلية في منغوليا الداخلية بالخط المنغولي حتى اليوم.

يرتبط هذا التعقيد للبُعد السياسي والتاريخي برواية الجمل الأبيض بشدة، فالكاتِب يحفظ حكايات شعبه رغم أنه يكتب بالصينية وتنشر له الدولة رسميًا رواياته وتمنحه جوائزها، ليرعى وينمي المنظور المرغوب فيه صينيًا؛ أي المنغولي الداخلي الذي يرى إرثه صينيًا كالرواية الرسمية للحزب الحاكم.

بذلك، لا يمثل «الجمل الأبيض»، بمفرده، كما يخدعنا العنوان، بطل هذه القصة، وليس كذلك راعيه البشري جا بو، بل حكاية منغوليا الداخلية، بما تحمله من ثقافة بدوية، ومراعي خصبة ممتدة، وجدالات سياسية واستيطانية، ومسكن للبشر والطبيعة.

وسلام.

عن الكاتب

مينا مبارك

كاتب مصري، مولود عام 1999 في قنا البلد. أنهى دراسة الطب في جامعة القاهرة وينتظر الأقدار لتقرر له تخصصًا يمنحه وقتًا كافيًا بعيدًا عن ردهات المشافي. يعمل مرمطونًا بدوام شبه…

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن