التزامات قانونية تفرض على الاحتلال.. نظرة لرأي «العدل الدولية» حول عرقلة إسرائيل للمساعدات
قضت محكمة العدل الدولية برأي استشاري صدر الأربعاء الماضي، أن عرقلة إسرائيل لعمل وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى في الأراضي الفلسطينية المحتلة يُمثل انتهاكًا لالتزاماتها القانونية تجاه الفلسطينيين.
ورأت المحكمة أن منع إسرائيل لتلك الوكالات الأممية والمنظمات الإغاثية من الوصول الإنساني أسهم في استخدام التجويع كسلاح حرب وفي التهجير القسري للسكان.
وجاء هذا الرأي الاستشاري استجابةً طلب قدمته الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر الماضي، طالبت فيه المحكمة بتوضيح مسؤوليات إسرائيل تجاه الأمم المتحدة ووكالاتها في ما يخص الأراضي الفلسطينية المحتلة، وذلك بعد أن أصدرت إسرائيل قانونًا يحظر التعاون مع وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا».
وأوضحت المحكمة أن على إسرائيل ضمان وصول الفلسطينيين في الأراضي المحتلة للمستلزمات الأساسية للحياة اليومية، وتيسير برامج الإغاثة واحترام وحماية العاملين في المجالين الإغاثي والطبي ومرافقهم.
كما اعتبرت المحكمة أن مبررات إسرائيل وأدلتها لرفض التعاون مع «أونروا» باطلة، مؤكدة عدم وجود أي دليل على مزاعم ارتباط الوكالة بجماعات فلسطينية مسلحة كما يدّعي المسؤولون الإسرائيليون.
أجرينا حوارًا مع الأكاديمي والمحاضر في القانون الدولي وعضو مكتب الادعاء العام السابق في المحكمة الجنائية الدولية، عبد الغني سيد، لتحليل هذا الرأي الاستشاري والوقوف على تداعياته وحدود تأثيره وفرص فعاليته في التصدي لانتهاكات إسرائيل في فلسطين، خصوصًا بعد أن رفض كل من إسرائيل والولايات المتحدة له علنًا.
خضع الحوار لتعديلات طفيفة لأغراض التوضيح. وإلى نص الحوار.
مدى مصر: هل يمكن أن تعطينا لمحة عامة عن الرأي الاستشاري للمحكمة؟
عبد الغني سيد: من الأوجه الإيجابية له أن المحكمة لم تكتفِ بالتأكيد على التزامات إسرائيل بشكل نظري، وهو ما كان له أن يُثير خيبة أمل، بل حددت خطوات ملموسة يتعيّن على إسرائيل اتخاذها.
وتشمل هذه الخطوات وقف سياسات التجويع والتهجير القسري والترحيل، وإنهاء عرقلة عمل وكالات الأمم المتحدة، وإعادة تمكين «أونروا» من الوصول، والسماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارة المعتقلين الفلسطينيين، واحترام حصانات الأمم المتحدة.
غير أن المحكمة لم تتطرق إلى التزامات إسرائيل الثانوية المتعلقة بالتعويض عن أفعالها غير القانونية.
م.م: حدّدت المحكمة التزامات إسرائيل تجاه وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية، وأثر عرقلة عملها في سياق جرائم التجويع والتهجير -وهما ما يُخشى أنهما هدفا الحرب الأكبر. كيف توصّلت المحكمة إلى آرائها؟
ع. س: تعاملت المحكمة مع عرقلة عمل وكالات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة باعتبارها جزءًا من جريمة التجويع والتهجير القسري، وأجمعت على أن هذه الجرائم ارتُكبت ويجب أن تتوقف. وعليه، يمكن القول إن المحكمة ترى أن إسرائيل تستخدم التجويع كسلاح حرب.
كما أشارت المحكمة إلى أنه لا يجوز لإسرائيل أن تقيد وجود وأنشطة وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى إلى حد «يخلق أو يسهم في خلق ظروف معيشية تُجبر السكان على الرحيل».
وكانت إسرائيل أقرت في أكتوبر 2024 قانونًا يمنع «أونروا» من العمل داخل أراضيها، ويحظر على المؤسسات الإسرائيلية التعاون معها، بزعم ارتباطها بجماعات «إرهابية».
وفي حكمها، اعتبرت المحكمة المزاعم الإسرائيلية بعدم حياد «أونروا» باطلة، والخطوات التي اتخذتها لتعطيل عمل الوكالة غير مبررة، مؤكدة أن الوكالة محايدة ولا غنى عنها، ولا دليل على خرقها لمبدأ الحياد، إذ فشلت إسرائيل في إثبات ادعائها أن عددًا كبيرًا من موظفي «أونروا» ينتمون إلى حركة حماس. وشددت المحكمة على أن «أونروا» تمثل «الوسيلة الرئيسية والعمود الفقري للاستجابة الإنسانية في قطاع غزة، وتقدم خدماتها للاجئين الفلسطينيين والمدنيين ممن هم في حوجة ملحة للمساعدات المنقذة للحياة»، ولذا رأت المحكمة أن «أونروا» تعد جزءًا لا يتجزأ من المجتمع الفلسطيني وتؤدي دورًا محوريًا لا يمكن استبداله في غضون مهلة قصيرة.
كما أوضحت المحكمة أن وصف وكالة تابعة للأمم المتحدة بأنها غير محايدة لا يمكن أن يكون قرارًا أحاديًا، بل يجب أن يستند إلى عملية موضوعية تقودها الأمم المتحدة.
إلى جانب تعطيل عمل «أونروا»، أشارت المحكمة إلى منع إسرائيل إدخال المساعدات الإنسانية منذ مارس 2025، وسماحها بعمل «مؤسسة غزة الإنسانية»، التي وصفتها المحكمة بأنها «بديل مزعوم لأونروا»، مشيرة إلى أنها تعرضت «لانتقادات واسعة من الأمم المتحدة وفاعلين دوليين آخرين»، و«زُعم أن عملياتها لا تتسق مع المبادئ الإنسانية الأساسية». واستشهدت المحكمة بتقارير وكالات الأمم المتحدة التي تفيد بأن أكثر من ألفين و100 فلسطيني قُتلوا عند مواقع توزيع المساعدات التابعة لتلك المؤسسة أو في محيطها، وذلك منذ بدء عملها في 27 مايو 2025.
وأكدت المحكمة أن الاعتبارات الأمنية لا تشكل مبررًا قانونيًا لمنع المساعدات الإنسانية، مشددة على أنه رغم سماح بعض أحكام اتفاقية جنيف الرابعة وغيرها من قواعد القانون الدولي للقوة القائمة بالاحتلال أن تأخذ في الاعتبار مسائل الأمن أو الضرورات العسكرية، فإن حماية المصالح الأمنية لا تُعفي إسرائيل من التزاماتها كقوة احتلال بضمان حصول الفلسطينيين على مقومات الحياة الأساسية.
م.م: تتمثل نقطة الانطلاق المهمة في أن المحكمة قيّمت التزامات إسرائيل بصفتها قوة احتلال وكذلك تعد دولة عضوًا في الأمم المتحدة. هل يمكنك توضيح ذلك؟
ع. س: تنظر المحكمة في مسؤوليات إسرائيل بموجب القواعد الدولية التي تنطبق عندما تحتل دولة ما أراضٍ وتخضعها لسيطرتها الفعلية. ورغم انسحاب إسرائيل من قطاع غزة عام 2005 وسحبها للمستوطنين وقواتها منه، إلا أن المحكمة أشارت إلى أن إسرائيل ما زالت تسيطر على حدود القطاع ومجاله الجوي والوصول البحري له، فضلًا عن الخدمات الأساسية وحركة الأفراد. وبناءً على ذلك، خلصت المحكمة إلى أن إسرائيل لا تزال تُعدّ «قوة احتلال»، وأن غزة تظلّ «أرضًا محتلة» وفقًا للقانون الدولي.
كما أشارت المحكمة إلى أنه منذ أكتوبر 2023، ازدادت سيطرة إسرائيل على قطاع غزة بشكل ملحوظ، مستشهدةً بتوسع انتشارها العسكري على أجزاء واسعة من القطاع وعرقلتها لدخول المساعدات الإنسانية بالكامل.
وبالتالي، رأت المحكمة أن التزامات إسرائيل بموجب قانون الاحتلال تعاظمت بقدر ما اتسع نطاق سيطرتها الفعلية على الأرض.
قانون الاحتلال، وهو جزء من القانون الدولي الإنساني، يُلزم القوة القائمة بالاحتلال برعاية الاحتياجات الأساسية للسكان -من غذاء ودواء ومساعدات إنسانية- وتمكين إيصال الإغاثة إليهم دون عرقلة. ولا يجوز لإسرائيل أن تمنع أو تؤخر المساعدات إلا لفترة وجيزة ولأسباب أمنية حقيقية.
وخلصت المحكمة إلى أن سكان غزة لم يتلقوا ما يكفي من الإمدادات، ما يعني أن إسرائيل لم تفِ بالتزاماتها القانونية في هذا الصدد.
أما بصفتها دولة عضوًا في الأمم المتحدة، فإن على إسرائيل التعاون مع المنظمة والدول الأخرى لتعزيز السلام وحقوق الإنسان، كما يتعين عليها احترام استقلال الأمم المتحدة وضمان سلامة موظفيها ومرافقها. وفي المناطق المحتلة، لا يمكن لإسرائيل أن تدّعي السيادة لتقييد عمل الأمم المتحدة، ما يعني أنه يجب عليها السماح للوكالات الأممية -مثل أونروا- بالعمل بحرية، وألا تستهدف مدارسها أو مستشفياتها أو مراكز إيوائها أو تتدخل في عملها.
وبيّنت المحكمة أن فقدان أي منشأة أممية لوضعها المحمي لا يمكن أن يُقرّر إلا من قبل الأمم المتحدة نفسها. ومن خلال تقييد وصول الأمم المتحدة ورفض التعاون في بعض الملفات، رأت المحكمة أن إسرائيل أخلّت بمسؤولياتها كعضو في الأمم المتحدة.
م.م: استندت مطالبة المحكمة لإسرائيل باحترام التزاماتها في التعاون مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية إلى كونها قوة احتلال. هل يمكنك شرح هذه النقطة؟
ع. س: احتلال إسرائيل لا يمنحها السيادة على المناطق التي تحتلها، وبالتالي فهي لا تستطيع منع الأمم المتحدة من الوصول إليها.
وبناءً على ذلك، لا يجوز لإسرائيل، بصفتها قوة احتلال، أن توسّع نطاق تأثير قوانينها الخاصة على نحو يعيق حق الفلسطينيين في تقرير المصير، ويتوجّب عليها الوفاء بالالتزامات التالية:
- ضمان إمداد السكان بالمستلزمات الأساسية للحياة اليومية.
- الموافقة على وتسهيل برامج الإغاثة طالما لم يُلب احتياجات السكان بشكل كاف.
- تيسير وصول الكوادر الطبية إلى السكان.
- وقف التهجير القسري والترحيل.
- وقف استخدام التجويع كسلاح حرب.
وبذلك، تتحمّل إسرائيل نوعين من الالتزامات: التزامًا إيجابيًا يقضي بضمان تزويد السكان بما يحتاجونه من ضروريات الحياة قدر الإمكان، والتزامًا سلبيًا يتمثل في عدم عرقلة جهود الإغاثة.
التزامات إسرائيل تمتد أيضًا إلى الضفة الغربية والقدس. وأشارت المحكمة إلى أن ضمّ إسرائيل للقدس ما زال يشكّل انتهاكًا لالتزاماتها تجاه الأمم المتحدة وتجاه الشعب الفلسطيني، وجاء في نص الرأي: «ما زالت إسرائيل تمارس سلطتها السيادية في القدس الشرقية. وبالإضافة إلى ذلك، فقد أدت هذه القوانين بشكل مباشر إلى عرقلة عمل أونروا داخل الأرض الفلسطينية المحتلة وفي ما يتعلق بها». وأضافت المحكمة تذكيرًا بأنّ الادعاء الإسرائيلي بالسيادة على القدس الشرقية اٌعتُبر منذ زمن طويل «باطلًا ولاغيًا».
م.م: كيف يمكن توظيف الرأي الاستشاري للمحكمة؟
ع. س: يُعد أكثر نتائج الرأي الاستشاري المحتملة تأثيرًا هو إمكانية استخدامه لتعزيز الجهود الدبلوماسية القائمة، ودعم حملة يقودها المجتمع المدني الفلسطيني إلى جانب مجموعات من القانونيين الدوليين للمطالبة بتعليق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة.
وفي تقريرها الأخير بعنوان «الإبادة الجماعية في غزة: جريمة جماعية»، أوصت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، بأن تقوم الدول «بتعليق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة بموجب المادة السادسة من ميثاق الأمم المتحدة».
وإلى جانب هذه الخطوة المحتملة، يُنشئ الرأي الاستشاري التزامات قانونية دولية ملزِمة.
صحيح أن الآلة الدعائية الإسرائيلية والأمريكية (وكذلك في السابق جنوب إفريقيا إبان نظام الفصل العنصري) حاولت لعقود التقليل من شأن الآراء الاستشارية لـ«العدل الدولية» بوصفها «غير ملزمة»، إلا أن هذه الآراء، ومنها الأخير، تُعلن ماهية القانون الدولي القائم، وهي ذات حجية وملزِمة في مضمونها. وعندما يصفها القانونيون بأنها «غير ملزمة»، فإننا نقصد بذلك أنها لا تُرفق بأوامر تنفيذية، مثل التعويضات، كما في القضايا الخلافية، إلا أنها توضّح القواعد القانونية القائمة، وتُنشئ التزامات جديدة للدول وتكون واجبة عليها أمام المحكمة نفسها.
القرارات القانونية التي خلصت إليها المحكمة مهمة ومُلزمة، ومن المنتظر أن يُستند إلى هذه النتائج (بخصوص عرقلة إسرائيل للوكالات الأممية، واستخدامها التجويع كسلاح حرب، وممارستها التهجير القسري والترحيل للفلسطينيين) أمام المحكمة الجنائية الدولية في قضايا مثل تلك الجارية ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق، يوآف جالانت- وكذلك في أي دعاوى مستقبلية أمام المحاكم الوطنية.
ومن بين النتائج المحتملة الأخرى، أن تستفيد الجمعية العامة للأمم المتحدة من الزخم والشرعية اللذين وفّرهما الرأي الاستشاري لتفعيل إطار «الاتحاد من أجل السلام»، من أجل فرض تدابير جماعية على إسرائيل (مثل العقوبات الاقتصادية) بسبب انتهاكها امتيازات الأمم المتحدة وحصانات موظفيها.
فعندما يُحجب عمل مجلس الأمن بفعل استخدام حق الفيتو -كما حدث مرارًا خلال العامين الماضيين في التصويت على قرارات وقف إطلاق النار- يتيح إطار «الاتحاد من أجل السلام» للجمعية العامة أن تتحرك وتفرض، عبر أعضائها، إجراءات جماعية.
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن