تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
البطل حيوان| «مزرعة الحيوان» لأورويل: لا تحلموا بعالم سعيد

البطل حيوان| «مزرعة الحيوان» لأورويل: لا تحلموا بعالم سعيد

الحلقة الأولى من كوكبة «البطل حيوان» 

كتابة: محمد سمير مصباح 12 دقيقة قراءة
التصميم مأخوذ من غلاف طبعة 1986 لدار نشر بينجوين penguin

اعتاد معظمنا، منذ أن كنا صغارًا النوم على حكايات مثل الأرنب والسلحفاة، والأسد والفأر، والغراب والثعلب، والحمار المتخفي في جِلد أسد، وغيرها من الحكايات التي صدقنا حدوثها لمجرد قول أمهاتنا «كان ياما كان، في قديم الزمان...». في الغالب، تحكي الأمهات هذه القصص دون أن تعلم نسبها إلى عبد يوناني يُدعى إيسوب، عاش في القرن السادس قبل الميلاد، ولكن حكاياته المعروفة بـ«خرافات إيسوب»، التي تعمل على ترسيخ التربية الأخلاقية للأطفال، عبرت جسور الزمن وتخطت صاحبها، لدرجة أن البعض يُشكك في وجود إيسوب، لكنهم لا يشكون في وجود الحكايات. ربما سر خلودها وانتشارها هو استخدام الترميز بالحيوانات، وإسقاط الأفعال البشرية عليها؛ فيتحول الأرنب الذي هو رمز للسرعة في أذهاننا إلى رمز للغرور والتكاسل، والسلحفاة التي هي رمز للبطء إلى رمز للسعي والمثابرة، هذا التضاد يُعمِّق المعنى، ويكسر النمط الثابت لدينا ويحثنا على التفكير من زوايا جديدة.

احتلت الحيوانات مكانة مهمة في الأدب منذ آلاف السنين. قبل اختراع الكتابة، صورت الشعوب القديمة قصص الحيوانات من خلال رسم قصص رمزية على جدران الكهوف. كما لعبت الحيوانات، عند المصريين القدماء، أدوارًا مهمة في حضارتهم، سواء كمعبودات وأساطير أو مساعدين في الزراعة أو في الكتابة الهيروغليفية أو غير ذلك. وقدمت اليهودية والمسيحية قصصًا في كلا العهدين القديم والجديد من الكتاب المقدس لشخصيات حيوانات رمزية تُمثِّل مختلف السمات البشرية والإلهية، كالأفعى والخنازير والحِملان. وبالمثل، استخدمت الثقافات الهندية قصصًا من الحيوانات للمساعدة في شرح أسرار الحياة والكون.

يكمن سر نجاح وعالمية هذا النوع من الترميز، في العودة إلى فكرة الأنماط الأولية archetypes. في نظرية عالم النفس السويسري كارل يونغ، هي أفكار رمزية أو صور عامة تَختزِل خبرة البشر في الصراع مع العالم الخارجي عبر حقب زمنية طويلة، تنتقل بالفطرة عبر الأجيال، حتى تصبح جزءًا من مكوناتها. فالخوف الذي يتملك الإنسان المعاصر عند رؤيته بعض الحيوانات، كالأفاعي مثلًا، ما هو إلا راسب نفسي ورثناه عن أسلافنا البدائيين حينما كانوا يعيشون في الكهوف، وتهاجمهم هذه الحيوانات. وتؤلف هذه الأنماط جزءًا هامًا من اللاوعي يسميه يونغ «اللاوعي الجمعي». فرؤية حيوان أو صورة أو رمز ما تثير بداخلنا شعور ما، في الغالب يجتمع عليه البشر، فمثلًا، الصليب رمز للمسيحية، والكلب رمز للوفاء، وكثيرًا ما نستخدم التشبيه بالحيوانات لإيصال المعنى بشكل أوضح، كأن نقول «قوي كالثور»، «سريع كالفهد»، «ماكر كالثعلب». هذا بسبب ارتباط سمات نمطية معينة ببعض الحيوانات والمبالغة فيها وترسيخها في ثقافات الشعوب منذ آلاف السنين.

لا زالت هذه التقنية مستخدمة في الأدب إلى الآن، وتحتفظ بتأثيرها وجاذبيتها على الكاتب والقارئ رغم اختلاف الثقافات والأزمنة. لذا سأشير في هذا البرنامج من سلسلة كوكبة لبعض الروايات التي حاولت إرسال رسائل معينة بشفرات الرمزية، وقرر كُتّابها جعل أبطالها حيوانات.  

مزرعة الحيوان.. الدائرة المقطوعة للثورة

كان مارس شهر الموت والحياة لجورج أورويل؛ في مارس 1943 توفيت والدته وبدأت الحياة تدب في رواية مزرعة الحيوان التي كان يخطط لكتابتها في ذلك الوقت. وفي 29 مارس 1945، توفيت زوجته إيلين، أثناء تواجده في باريس، بعد خضوعها لعملية جراحية لاستئصال الرحم. في ذات الشهر اكتملت روايته ونُشرت في بريطانيا يوم 17 أغسطس من نفس العام. بين مارس الأول والثاني سنتين، موتين وحياة واحدة، عاش فيها أورويل بين حيوانات مزرعته، يناطح الموت ببث الروح البشرية في الحيوانات، ويقاتل القمع بالثورة. لم يكن يعلم أن حياة «مزرعة الحيوان» ستكون بين قوسي الموت.

غالبًا ما يتوارى الروائيون خلف الرموز والإسقاطات عندما يرمون إلى معانٍ سياسية في ظل أنظمة مستبدة، كشكلٍ من أشكال مقاومتها وخوفًا من بطشها. يقول صاحب الرواية الرمزية «رحلات چُليفر» جوناثان سويفت: «إن الرقابة والخوف من البطش، يجعلان الكاتب يتلوى كالأفعى من أجل إيصال فكرته». ربما اختار أورويل الترميز بالحيوانات عندما قرر مهاجمة ستالين ونظامه لنفس السبب، لكنه يروي في مقدمة طبعة أوكرانية لمزرعة الحيوان عام 1947، ما ألهمه باستخدام الحيوانات في القصة: «رأيتُ فتى، ربما في العاشرة، يقود عربة بحصان على طريقٍ ضيق، يضرب حصانه بالسوط إذا حاول الدوران، صدمني أنه لو وعت الحيوانات مدى قوتها فلن يكون لنا سلطان عليها، وأن الإنسان يستغل الحيوانات كما يستغل الأغنياء طبقة البروليتاريا».

غلاف الطبعة الأولى للرواية عام 1945

نُشرَت الرواية في إنجلترا عندما كانت في تحالف مع الاتحاد السوفيتي، ولم يكن يتقبل الشعب البريطاني أي انتقاد لحليفهم، لكن أورويل كان يرى استيلاء ستالين على الحكم، خيانة للمبادئ الاشتراكية التي ثار من أجلها لينين وتروتسكي، وأكد في إحدى رسائله أن روايته كانت لمواجهة ستالين، وتصوير الثورة البلشفية لعام 1917 على أنها ثورة أدت إلى قيام حكومة أكثر قمعًا وشمولية من التي أطاحت بها، وليُصحح الاعتقاد السائد بأنها كانت خطوة نحو الاشتراكية لتحقيق آمال ملايين الفقراء والمضطهدين.

حظت «مزرعة الحيوان» باهتمام بالغ فور صدورها، وترجمت إلى العديد من اللغات وهُرِّبت إلى دول مختلفة، وما زال يُباع منها ملايين النُسخ. دُرِّسَت ضمن مناهج الأدب الدراسية للتعليم الثانوي في إنجلترا، وامتُحِن فيها طلاب المستوى المتقدم في اللغة الإنجليزية في جامعة كمبريدج.

تبدأ القصة بالخنزير العجوز ميجُر مجتمعًا بحيوانات المزرعة ليوصيهم بالثورة. وبعد وفاته بشهور، نسي مالك المزرعة ومساعدوه إطعام الحيوانات بل وأفرطوا في ضربهم بالسياط، فتمردت الحيوانات عليهم وطردتهم خارج المزرعة، أبدلوا اسمها بـ«مزرعة الحيوان»، ووضعوا نظام يُسمى بـ«الحيوانية» ومجموعة من القواعد سُميَّت بـ«الوصايا» لتنظيم حياة الحيوانات. ولأن الثورة اندلعت دون تخطيط أو قائد، تُقرر الخنازير تولي القيادة وإدارة المزرعة، وتسيطر على الحيوانات. يستأثر الخنزير نابليون بالسلطة بعد طرده للخنزير سنوبول رفيقه في القيادة، ويتحول إلى ديكتاتور.

غلاف طبعة 1954

وجها العملة

تماهت الرواية وشخصياتها مع الواقع، وتحولت إلى معادل موضوعي للثورات المُجهضة على يد الأنظمة المستبدة، كما أنها تحتشد بالرموز، فمثلًا، ميجور العجوز مُلهم الثورة، مستوحى من شخصية كارل ماركس حيث تتشابه أفكارهما، وأيضًا هو إسقاط على فلاديمر لينين حيث إن جمجمته معروضة لتوقيرها في المزرعة كما حدث مع جثمان لينين. ويمثل السيد جونز مالك المزرعة السابق، نيقولا الثاني ملك روسيا المخلوع الذي واجه أزمة اقتصادية أدت إلى ازدياد الفقر قبل ثورة 1917.

يعتبر نابليون انعكاسًا لشخصية جوزيف ستالين، حيث يعتمد على كلاب حراسة شرسة تمثل الشرطة السرية السوفيتية KGB لتخويف الآخرين، ويستند على دعاية مضللة يطلقها سكويلر لإحكام قبضته وسيطرته. وكما جوَّع ستالين ملايين المزارعين الأوكرانيين لرفضهم تسليم ممتلكاتهم ومواشيهم لنظامه، جوَّع نابليون أيضًا تسع دجاجات حتى الموت لأنها قاومت أمره بتسليم بيضها.

ويشير سنوبول إلى ليون تروتسكي، أحد الثوريين الأصليين، الذي أزاحه ستالين بعد اعتلائه السلطة، وطرده من المكتب السياسي للحزب البلشفي بتهمة النشاط المعادي للحزب في عام 1926. وكما في الرواية، تم نفي تروتسكي في عام 1929، واعتباره خائنًا ومتآمرًا وإزالة وجهه من الصور الجماعية لزعماء الثورة كمحاولة لطمس وجوده عند الشعب. وفي عام 1940 اغتاله عميل سوفييتي في المكسيك بأمر من ستالين.

غلاف طبعة 1963

سكويلر هو وزير إعلام نابليون الذي يتلاعب باللغة لتبرير أفعاله وتعظيمها، ومستوحى من صحيفة برافدا، وفياتشيسلاف مولوتوف المؤيد الدائم لستالين في كل صراعاته ضد خصومه، ويمثل عمومًا الغطاء الإعلامي الذي استخدمه ستالين لتبرير جرائمه. ويمثل الخنزير مينيموس الذي يمتدح نابليون في أشعاره، الأدباء الذين ارتبطت أسمائهم  بستالين مثل ماكسيم غوركي.

أمر نابليون بإعدام أربعة خنازير متمردين، على غرار الضباط والوزراء الذين أعدموا في التطهير الكبير في الاتحاد السوفيتي؛ حيث عُذِّبوا لانتزاع اعترافات كاذبة منهم، أُخذت كأدلة ضدهم في المحاكمات، كما حدث مع الخنازير المتمردة. على الرغم من معرفة الناس بخطأ ستالين، إلا أنهم لم يتمكنوا من الهمس بالرفض خشية إعدامهم، تمامًا مثل الحيوانات التي شاهدت إعدام الخنازير.

يمثل فريدرك مالك مزرعة بنشفيلد، أدولف هتلر، فهو يشتري الخشب من الحيوانات مقابل أموال مزيفة ثم يهاجمهم لاحقًا إلا أنه ينهزم في معركة الطاحونة التي تشير إلى معركة موسكو أو معركة ستالينغراد. وبِلكِنجتون مالك مزرعة فوكسوود قد يمثل بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، ولعبة الورق في نهاية الرواية إسقاط على مؤتمر طهران الذي تحالف فيه الاتحاد السوفيتي مع الولايات المتحدة وبريطانيا، وهما الدولتان الرأسماليتان اللتان ناضل ضدهما في بداية الثورة.

يرمز الحصان بوكسر للطبقة العاملة، البروليتاريا، فهو متفانٍ في عمله وطيب وقوي، لكنه ساذج. جهله وثقته العمياء في نابليون تقودانه إلى موته. تعتبر الأبقار أيضًا من البروليتاريا، حيث تسرق الخنازير حليبهم ولا يشاركهم فيه الآخرون. من جهة أخرى، مثلت المُهرة مولي التي تحب التزين بالشرائط وأكل السكر وتدليل البشر، طبقة البرجوازيين والنبلاء الذين هاجروا إلى الغرب بعد الثورة الروسية، كما فعلت هي وتركت المزرعة.

يمثل الحمار بنجمين السخرية من المثقفين الذين يملكون حكمة ما قد تجنبهم الخطر، لكنهم يختارون الصمت، وربما تقمصه أورويل نفسه ليؤكد على أبدية عذاب الحياة وأن حكمته لن تُغيِّر الحقيقة. والغراب موسى الذي يأتي إلى المزرعة بحكايات عن مكان يسمى جبل الحلوى ولا يشارك الحيوانات في العمل، يمثل رجال الدين، خاصةً قساوسة الكنيسة الأرثوذوكسية الروسية. اسمه هو اسم النبي موسى، ولونه الأسود هو زِيّ رجال الكنيسة، وجبل الحلوى يرمز إلى الجنة. وتمثل القطة، المنافقين الذين يتظاهرون بالالتزام بأيديولوجيا ما لنيل منفعة شخصية.

ترمز طاحونة الهواء لخطة ستالين «الخمسية»، لقد أمر نابليون ببنائها لجعل حياة الحيوانات أسهل بعد أن سرق فكرتها من سنوبول، وكان من المفترض أن تُطوِّر «الخطة الخمسية» الصناعة السوفيتية من أجل تحسين حياة البروليتاريا. ومثلها مثل الطاحونة، فشلت خطة ستالين. بعد تدمير الطاحونة، أمر نابليون ببناء أخرى، كما واصل ستالين الإعلان عن خطط خمسية. وشعار مزرعة الحيوان «القرن والحافر»، مأخوذ من شعار الاتحاد السوفيتي «المنجل والمطرقة».

غلاف طبعة 1999

في ظل نظام ستالين، أُهدِرت حقوق العمال وتدنى ​​مستوى معيشتهم، عاش معظمهم على الخبز وارتدوا ملابس رثّة قديمة. ونتيجة الفروق في الأجور، امتدت الامتيازات الاجتماعية للبيروقراطية الحاكمة. في الرواية، أعلن نابليون أن اجتماعات الأحد لم تعد ضرورية، وشكَّل لجنة خاصة من الخنازير للإجابة على الأسئلة المتعلقة بالعمل، وعقد الاجتماعات بشكل خاص دون الآخرين. بينما عملت الحيوانات كالعبيد، لستين ساعة في الأسبوع. نقص الطعام، وتقلصت الحصص باستثناء الخنازير والكلاب، بينما كانت الحيوانات على شفا الموت جوعًا. 

نادرًا ما ظهر ستالين علنًا، لم يغادر الكرملين ما لم يكن ضروريًا، وعندما فعل ذلك، سافر في سيارة أمريكية باكارد بستائر سوداء على النوافذ. على الرغم من عدم رؤيته شخصيًا، فإن صورته وتماثيله والكتب والاقتباسات من كتاباته «المقدسة» كانت في كل مكان. مثل نابليون، الذي قل ظهوره علنًا وكان يحرسه دائمًا كلابه. 

عيَّن ستالين أعضاء جدد للحزب بدلًا ممن تخلص منهم في التطهير الكبير. ظل معظمهم موالين لستالين حتى وفاته عام 1953، وحكموا الاتحاد السوفيتي حتى الثمانينيات. كما تعمد نابليون تعليم الخنازير والكلاب وتدريبهم بطريقة منفصلة.

تتشابه هذه الأنماط  والوقائع وتتقاطع مع أمثالها على مر العصور والأمكنة، وربما كان يرمي أورويل إلى ذلك فلجأ للترميز بالحيوانات لتتسع بؤرة رؤيتنا ولا تتقيد بالقياس على نموذج واحد. ما يدل على قدرة الرواية على اختراق الأزمنة، وأن التاريخ يكرر نفسه بأشكال مختلفة.

التلاعب باللغة كمنوم مغناطيسي للجماهير

في مقالته التي كتبها في عام 1946 بعنوان «السياسة واللغة الإنجليزية»، ينتقد أورويل الطريقة التي يستخدم بها السياسيون اللغة، لتجميل أفعالهم ومواقفهم، ويوضح كيف يمكن للغة أن تتغير من الأسود إلى الأبيض للتلاعب بعقول المستمعين وتشويه الحقيقة. في مزرعة الحيوان، تستخدم الخنازير لغة مضللة وتقنيات لغوية متنوعة لخداع الحيوانات والسيطرة على المزرعة، وكلما بدا للحيوانات اكتشاف الخدعة، تخلق الخنازير المزيد من الأكاذيب لإبقاء سلطتهم. توضح الرواية كيف يمكن للغة في يد السلطة أن تخلق دكتاتورية، وتضمن الوصف الأورويلي الأنظمة التي تحكُم بواسطة الإشاعات والبروباجندا وتكذيب الحقائق والتلاعب بالماضي.

غلاف طبعة 2003

يشرح عالم اللغة ويليام لوتز، في مقالته «شكوك حول الإزدواجية»، كيف يتم استخدام الازدواجية أو الإبهام لجعل الأمور تبدو أفضل من الواقع، فهي تجعل «السلبي إيجابي، وغير السار جذاب أو مقبول». كما تبدو الرسائل التي يتم تقديمها وكأنها ذات معنى، ولكنها في الواقع فارغة المعاني. عندما يخبر سكويلر الحيوانات أن المبدأ الجديد هو «نابليون دائمًا على حق»، فقط يؤكد على أنه أقصى ما يحتاجون إليه للإطمئنان.

الازدواجية هي أيضًا لغة مضخمة، لإعطاء أهمية للأفراد أو المواقف، وتعقيد البسيط. تُحوِّل الخنازير المواقف البسيطة إلى معقدة؛ فعندما يطارد نابليون سنوبول خارج المزرعة، يخبر الجميع بقصة مُركبة حول خيانة سنوبول وتواطؤه مع البشر. واستخدمه نابليون ككبش فداء لكل كارثة يريد تمريرها؛ فيقنع الآخرين بمسؤوليته عن تدمير طاحونة الهواء التي استغرقت الحيوانات وقتًا طويلًا في بنائها، على الرغم من أن سبب تدميرها الحقيقي هو عاصفة قوية هبت على المزرعة في الليلة السابقة، بل يحكم عليه بالإعدام غيابيًا ويضع مكافأة لمن يقبض عليه. يقول الناقد كريستيان باليستيروس «كان من الممكن اعتباره حادثًا طبيعيًا، ولكن فكرة وجود شرير يتآمر ضد المزرعة قد تُحفز الحيوانات على العمل أكثر، وتبحث عن الإرشاد من قائدها نابليون، مما يدعم سلطته».

إلى جانب هذه التقنيات، أطلقت الخنازير الوصمات على أعدائهم؛ تبنى نابليون وسكويلر تشويه سمعة سنوبول في المزرعة، بحيث يرتبط اسمه عند الحيوانات بالخيانة. قامت بذلك مع البشر أيضًا، ويتمثل هذا في مبدأ «أربعة أرجل جيدة، وساقان سيئة»، أخبر سنوبول الحيوانات أن هذا هو المبدأ الأساسي للحيوانية، قبل طرده من المزرعة.

استخدمت أيضًا التعميمات، لتبدو قضيتهم وأفعالهم جيدة، وحمل الحيوانات على القبول من دون فحص الأدلة؛ لم يكن للخنازير دور بعد التمرد، غير التوجيه والإشراف على الآخرين، وقبلت الحيوانات بقيادتهم، واقتنعوا بحاجتهم إلى التفاح والحليب بسبب قولهم إنهم عمومًا أكثر الحيوانات ذكاءً. ليس لهذا الادعاء أي دليل علمي، ولكن الحيوانات لم تعترض لأنهم يجهلون أحقيتهم في التغذية والقيادة لقيامهم بالأعمال الشاقة.

غلاف طبعة 2020

لم ترَ الحيوانات سوى ما تفرضه الخنازير على رؤيتهم، فعند ارتكاب الخنازير خطًأ ما، يغيِّرون الوصية التي خالفوها؛ عندما قَتَل نابليون بعض الحيوانات، أحس البقية بالخداع لأن إحدى الوصايا كانت «لا يقتل الحيوان حيوانًا آخر»، ولكن الخنازير حرفتها سرًا إلى «لا يقتل الحيوان أي حيوانًا آخر دون سبب»، ليبدو الأمر وكأنهم لم يعصوا الوصايا. وعندما أقاموا في منزل السيد جونز وغيَّروا اسم المزرعة إلى مزرعة الخنازير، وزادت امتيازاتهم، حوروا الوصية السابعة التي كانت «كل الحيوانات متساوية»، إلى« كل الحيوانات متساوية، ولكن بعضها أكثر مساواة من غيرها»، وهنا قُتِل الغرض الأساسي من الوصايا، التي وضعت للحفاظ على المساواة بين الحيوانات لتوحيدهم ضد البشر، لنكتشف أن العقيدة السياسية مجرد شعارات فارغة. ويشير أورويل إلى أن الشمولية يكفي أن تتخفى تحت ستار «المصلحة العامة» لكي تحقق غرضها، كما حدث في الاتحاد السوفيتي حتى أصبحت الشمولية واضحة.

النهاية/ البداية

تبدأ القصة وتنتهي بطغاة؛ الأول هو جونز صاحب المزرعة، والثاني نابليون؛ حيث يأخذ نابليون موقع جونز، ويشبه الاثنان بعضهما البعض. في ختام الرواية، لم تستطع الحيوانات التمييز بين الإنسان والخنزير، والخنزير والإنسان. لذلك من الصعب تخيل مستقبل أفضل لمزرعة الحيوان؛ حيث إن دائرية الأحداث تقودنا إلى الاعتقاد بأنه إذا حدث تمرد آخر، سيحاكِم قادته نابليون، ثم يحاولون تأمين أنفسهم من ثورة أخرى بقمع حيوانات المزرعة، وتذكيرهم بعهد نابليون.

رواية «مزرعة الحيوان» هي مرثية للأحلام المبتورة، حكاية رمزية بنبرة تهكُمية ساخرة، تقول إن الثورات ستفشل لأن بداخلنا الكثير من الخنازير؛ حيث تدور الثورات في دوائر مفرغة تشبه الأفعى التي تقضم ذيلها، التي كانت رمزًا لأبدية الحكم الروماني؛ تشتعل الثورة، يتحقق انتصار بسيط عند سقوط رأس النظام، ينتشي الثوار بنصرهم معتقدين أن ثورتهم اكتملت، يعتلي السلطة نظامٌ جديد، يتضح أنه نسخة أسوأ من السابقة حيث يُقنِع الشعب الثائر- في بداية حُكمه- بضرورة تقديم تنازلات لكي تسير الدولة الـ«نورماندي تو» على بركة الله، فيفاجئ الشعب بأنه حُبس في سجن الوطن، وممنوع من السفر ومن الغُنا والكلام وكل يوم في حبه تزيد الممنوعات، وعاد للاستعباد مرةً أخرى تحت شعاراتٍ جديدة، حيث تصبح الثورة بحاجة إلى ثورة أخرى. وتتحقق كلمات أمل دنقل على لسان الثائر سبارتكوس: «لا تحلموا بعالم سعيد/ فخلف كلّ قيصرٍ يموت.. قيصر جديد». 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن