البطل حيوان| «الحمار الذهبي»: اتسعت الرؤية
الحلقة الثالثة من كوكبة «البطل حيوان»
احتلت الحيوانات مكانة مهمة في الأدب منذ آلاف السنين. قبل اختراع الكتابة، صورت الشعوب القديمة قصص الحيوانات من خلال رسم قصص رمزية على جدران الكهوف. كما لعبت الحيوانات، عند المصريين القدماء، أدوارًا مهمة في حضارتهم، سواء كمعبودات وأساطير أو مساعدين في الزراعة أو في الكتابة الهيروغليفية أو غير ذلك. وقدمت اليهودية والمسيحية قصصًا في كلا العهدين القديم والجديد من الكتاب المقدس لشخصيات حيوانات رمزية تُمثِّل مختلف السمات البشرية والإلهية، كالأفعى والخنازير والحِملان. وبالمثل، استخدمت الثقافات الهندية قصصًا من الحيوانات للمساعدة في شرح أسرار الحياة والكون. يكمن سر نجاح وعالمية هذا النوع من الترميز، في العودة إلى فكرة الأنماط الأولية archetypes. فرؤية حيوان أو صورة أو رمز ما تثير بداخلنا شعور ما، في الغالب يجتمع عليه البشر، كأن نقول «قوي كالثور»، «سريع كالفهد»، «ماكر كالثعلب». لا زالت هذه التقنية مستخدمة في الأدب إلى الآن، وتحتفظ بتأثيرها وجاذبيتها على الكاتب والقارئ رغم اختلاف الثقافات والأزمنة. لذا سأشير في هذا البرنامج من سلسلة كوكبة لبعض الروايات التي حاولت إرسال رسائل معينة بشفرات الرمزية، وقرر كُتّابها جعل أبطالها حيوانات.
هذه حلقتنا الثالثة في السلسة. في الحلقة الأولى قدمنا رواية «مزرعة الحيوان» (1945) لجورج أورويل. لقراءتها مع مقدمة السلسلة اضغط هنا، وفي الحلقة الثانية رواية «النورس جوناثان ليفنجستون»، لقراءتها اضغط هنا.
بعد أن دفع لوكيوس أبوليوس عن نفسه تهمة استخدام السحر في مرافعته الشهيرة «صبراتة»، واتهم خصومه بالجهل وانعدام المعرفة، عاد إلى بيته يفكر فيما قاله بين الناس بانفعالٍ وصدقٍ وقتها. وجد نفسه قد خدعهم وخدع نفسه؛ فقد استخدم السحر بالفعل، لا ليوقع بتلك المرأة التي تزوجها، ولكن ليوقع بنا جميعًا كقراء في سحره السردي الآسر في روايته الشهيرة «التحولات» أو «الحمار الذهبي» The Golden Ass: Being the Metamorphoses of Lucius Apuleius، التي تُعد أول رواية تصلنا مكتملة في التاريخ، حيث يعود عمرها للقرن الثاني بعد الميلاد. ويصدرها لوكيوس بـ «انتبه، ستنال حظك من التسلية»، وكأنه ساحر يقدم فقرته الاستعراضية، على طريقة «قرَّب قرَّب»، واعدًا مَن يقرأ كتابه بالمتعة والتشويق. تخيلته يقرأ حكاياته مزهوًا بنفسه وبخياله الخصب، فقرر أن يضيف تلك العبارة في بداية روايته ذات الأحد عشر جزءًا.
تحكي الرواية عن لوكيوس، الشاب الذي يعيش مغامرات غير متوقعة ويواجه مواقف تحبس الأنفاس، أثناء محاولته التخلص من لعنة تحوله إلى حمار.

نعرف في بداية الرواية أنه ينتقل من مدينة كورنث، إلى مدينة هيباتا بمقاطعة تيساليا، ويلتقي في طريقه مسافرين اثنين آخرين، يسمع من أحدهما حكاية مثيرة عن الأعمال السحرية، فيتحرك فضوله. وأثناء رحلته تحذره قريبة أمه من زوجة الرجل الذي سيستضيفه في هيباتا، حيث إنها معروفة بسحرها الأسود، لكن ذلك يحرك فضوله أكثر وأكثر، ويصر على الذهاب إلى مضيفه ميلو.
يقوم لوكيوس برحلتين مغايرتين؛ الأولى نحو المجهول وقبل التحول، والثانية هي رحلة الخلاص.
رحلة المجهول: تبدأ عندما يتأهب لوكيوس للقيام برحلة إلى تيساليا دون أن يحدد دوافعه، ولكن مع تطور السرد نجده مدفوعًا بشكلٍ واضح نحو المعرفة والفضول إلى اكتشاف الآخرين، والعالم من حوله. يقول للرجلين اللذين يقصان عليه حكاية تدور حول السحر: «فلما سمعت ذلك وأنا مولع بالأخبار الطريفة، قلت له: دعه يكمل رجاءً، وافتحا لي المجال لأشارككما الحديث، ليس لأني رجل فضولي، وإنما لأني أريد أن أعرف كل شيء أو بعضه على الأقل». ورغم أن الحكاية كانت تمثل تحذيرًا غير مباشرٍ له للابتعاد عن الأعمال السحرية، لكنه أصر على مواصلة طريقه والانقياد وراء فضوله.
رحلة الخلاص: تبدأ عقب تحوله إلى حمار، بعد تقربه من فوتيس، خادمة بامفيلا زوجة مضيفه، حيث أقنعها بتمكينه من رؤية سيدتها وهي تمارس أعمالها السحرية، وبالفعل استطاع رؤيتها وهي تدهن جسدها بمرهم فتتحول إلى بومة وتطير، فتمنى أن يعيش بدوره تجربة التحول إلى طائر. ولكن عندما أحضرت له فوتيس المرهم واستخدمه تحول إلى حمار، لأنها أخطأت العلبة المطلوبة. تخبره فوتيس أنه يجب عليه تناول وردة ليتخلص من لعنته. ومن بعدها يتعرض للكثير من المخاطر التي كادت أن تودي بحياته. وإن كانت هذه الرحلة غير معروفة الوجهة، ولكن دافعها الرغبة في الهرب، سواء الهرب من جسده الجديد أو من مخاوفه وهواجسه وعقبات طريقه. وهذا الدافع هو ما سيُمكِّنه من النجاة في النهاية.
تضاد الأمكنة
تقع قصة لوكيوس، من حيث المكان، بين نقيضين؛ فالمدينة التي تحول فيها إلى حمار، تعتبر المحطة الأولى للرحلة، وتمثل عالمًا مليئًا بالشرور؛ حيث السَحَرة، واللصوص وقُطَّاع الطرق، البخلاء، ممارسو الرذيلة، الأغنياء الذين يستضعفون الفقراء ويستغلونهم، إضافة إلى أنماط النساء السلبية المختلفة؛ كالمرأة الساحرة، والغاوية، والقاتلة، والآوية للصوص.
يُعبِّر منزل المضيف ميلو عن ساكنيه، ويعتبر انعكاسًا لشخصياتهم؛ فهو مكان مُغلق وشِبه مُعتم وغير مؤثث جيدًا، مما يدل على بُخل صاحبه، كما يدل على الغموض ويثير الفضول والخوف وربما الكُره؛ لأنه مكان التحول.
وتمثل بامفيلا زوجة ميلو، الشر والفساد؛ إذ تمارس السحر وتغوي به الرجال لتسيطر عليهم وتسلبهم أموالهم، أو تنتقم منهم وتعاقبهم.
على الجانب الآخر، تنتهي رحلته في مكان، يمثل الخير والقداسة والطهارة؛ حيث معبد إيزيس والتعاليم المقدسة التي تلقّاها بداخله. ويُعد الأشخاص والمواقف التي تعرض لها في رحلته، عقبات طريقه، أو درجات في سلم صعوده وتحرره الروحي.
تتبنى الرواية فكرة فلسفية دينية، وهي رحلة الإنسان في الدنيا وعلاقته بربه، حيث يولد بريئًا ونقيًا، ثم يرتكب الخطايا والذنوب، ثم تأتي مرحلة التوبة والتطهر. يبدأ لوكيوس رحلته كالطفل الذي يخرج للحياة دون أن يتبنى هدفًا معينًا، فبداية رحلته كانت تتميز بالصفاء؛ حيث أن المكان الذي خرج منه أول مرة لا يحمل ملامح معينة ولا يصفه إلا بالجمال، معه حصانه الأبيض يوحي بالطهارة والنقاء، ولا يذكر هدفًا لرحلته إلا التطلع للمعرفة والتواصل مع الآخرين والخوض في المجهول. أو هي القصة الأولى؛ آدم الذي كان يعيش في الجنة، ولكنه يقع في الغواية ويعصي الأمر فيُعاقب بالنزول للأرض ولكنه سيتخلص من لعنته (الحياة) بالموت والتحرر الجسدي والعودة إلى الجنة.
توازي حركة البطل في البُعدين المكاني والزماني، من مكان إلى آخر في طريقه نحو الشفاء، حركة داخلية أو استشفاء روحي ونضج باطني بسبب ما تعرض له من تحديات وتجارب ملهمة، مكنته من إعادة اكتشاف ذاته. وقد لعب الزمن النفسي دورًا هامًا في هذه الرواية، فيستغرق الحدث وقتًا أطول داخل البطل من وقت وقوعه في الزمن الفيزيائي.
يبدأ رحلته مهووسًا بالسحر، راغبًا في التحول والانسلاخ من بشريته لمزيدٍ من التحرر؛ حيث يتمنى التحول إلى طائر، وخلال مسيرته كحمار، يبدأ في حب ذاته البشرية أكثر، ويسعى لعودته إلى طبيعته، حتى تضرع إلى آلهته -بعد أن أغطس رأسه في البحر سبع مرات- لكي تحرره من هيئته الحيوانية، فتظهر له الإلهة إيزيس في حلمه لتخبره أنها استجابت له، ليصبح فيما بعد راهبًا من رهبانها بعد اطلاعه على أسرار عبادتها وعبادة أوزيريس. وبذلك يصل إلى الحرية التي تمناها في البداية، ولكن من خلال التقرب إلى آلهته وطقوس عبادتهم التي تقترب من السحر، وإن كانت سحرًا من نوعٍ آخر.
حكايات أبوليوس وألف ليلة
تتضمن الرواية العديد من القصص الداخلية المتفرعة من القصة الأساسية، أشهرها قصة كِيُوبيد وبْسيشة (تكتب أيضًا بسايكي حسب النطق الإنجليزي، وبسوخي) Psyche، التي تمتد من الفصل الرابع إلى السادس، وتدور حول صراع بين آلهة الجمال فينوس وفتاة بشرية اسمها بسيشة. أرسلت فينوس ابنها كيوبيد لينتقم لها منها، لكنّه وقع في حبّها وتزوجها سرًا، ومنعها من رؤيته، لكن غالبها فضولها وخرقت العهد ورأته، فتركها وعاد لأمه، فانتقمت منها فينوس بإجبارها على خوض اختبارات مستحيلة، لكنها تمكنت من إنجازها بمساعدة كائنات خارقة. واستعان كيوبيد بكبير الآلهة جوبيتر ليقنع ابنته فينوس بأن تقبل مصاهرة أسرة بشريّة، فقبلت. وبذلك ارتقت بسيشة إلى مصاف الآلهة، وصارت خالدة. وفي هذه الحكايات الفرعية، تأكيد من لوكيوس على ضرورة اللجوء للآلهة أو السحر أو قوة خارجية في مختلف أمور الحياة.

تتشابه فكرة قصص الرواية المتوالية مع حكايات ألف ليلة وليلة، لكن أبوليوس يروي حكاياته المتداخلة بنفسه أو من خلال راويه المتحول إلى حمار، لا عن طريق رواة داخليين، مع بعض الاستثناءات أحيانًا.
يقول لوكيوس أبوليوس «أمبيدوقل ينظم القصائد، وأفلاطون يصنّف المحاورات، وسقراط يضع الأناشيد، وأبيكاروس يصنّف مشاهد التمثيل الإيمائي، وكسينوفون يؤلف القصص التاريخية، وغراتس يصنع الأهاجي، أما صاحبكم أبوليوس، فهو يجمع كل هذه الأصناف ويتعامل مع ربات الفنون التسع».
الرواية متورطة في حوار مستمر مع أشكال أدبية أخرى، وتندمج مع الحوار الفلسفي والتاريخ والميثولوجيا والدراما، ضمن بنيتها المعقدة. ويلفت الانتباه إلى بعض المسائل الفلسفية المُضمنة في قصائد هوميروس الملحمية، كما يتشابه البطل مع إيسوب في شكل حياته، حيث يتعرض كلاهما للعبودية ويجمعان بين الحكمة والرغبة في ارتداء قناع الهراء والسخرية. ويتراوح الخطاب الروائي بين الديني والأسطوري والميتافيزيقي، تصاحبه نبرة حزن تُلائم المأساة.
ولد لوكيوس أبوليوس من أصل أمازيغي حوالي عام 125 ميلادي في مدينة مداوروش الجزائرية، أثناء خضوعها لحكم الإمبراطورية الرومانية. وانتقل لروما للعمل بالمحاماة. ومن خلال حياته في روما، انتقد في روايته الوضع السياسي بها مستحضرًا ثنائيات: الحب والكره، الفضيلة والرذيلة، الدراما والكوميديا، التضحية والخيانة، الوفاء والغدر، الاحترام والتطاول، الإيمان والتحرر. ويظهر هذا التضاد والتنوع أيضًا في شخصيات الرواية المتناقضة: الغني والفقير، القرصان والفلاح، العسكري والتاجر، الساقطة والعفيفة، الساحرة والمؤمنة.
تبحث الرواية عن حقيقة الأشياء عبر النظر إليها من زوايا مختلفة، فميزة التحول كانت الاختباء، وكأنه لبس طاقية الإخفاء. ومن خلال التحول الظاهري الشكلي أصبح يرى بعينٍ أخرى ويفكر بطريقة مختلفة. فلم يكن حمارًا عاديًا، بل هو حمار في الشكل فقط يحتفظ بقوة الملاحظة، ويسجل ما يمر به في عقله دون أن يدري أو ينتبه الآخرين.
اختيار الحمار
بعد تجاهل التحذيرات، واتباعه فضوله وارتكابه الخطأ، كان لا بد من عقاب. لم يتم تحويل لوكيوس إلى شكل غير إنساني فحسب، بل إلى أكثر الحيوانات شقاءً. ما يؤكد لدينا ولدى البطل حجم الجهود الهائلة اللازمة لإعادة التحول إلى إنسان.
ما لإنسان أن يُقدِم على هذه الرحلة الشاقة والخطيرة بإرادته الحرة، فكان لابد من التحول إلى حمار لكي يُساق إلى المجهول من مكانٍ إلى آخر دون إرادة منه أو قدرة على التعبير عن رفضه لهذا المصير. ورُبما لرصد قسوة الإنسان من الخارج على الحيوان، فنحن أمام حمار بروح وعقل إنسان يشعر ويرى من زاويةٍ أخرى ما يحدث للحيوانات على يد بني جنسه، فيُمرر لنا فكرة ماذا لو تبدلت الأدوار.
يوصم الحمار في الثقافة الأمازيغية بالبلادة، ولكن أيضًا يتصف بالمكر. ويتضح ذلك في الرواية، حين يقول «وقد تنبأ الحمار الآخر بقصدي وسبقني إليه، فتصنع فجأة التعب وهوى بكل ثقل جثته وظل ممددًا على الأرض كما لو أنه جثة هامدة، فلا الضرب بالعصا التي انهالت عليه، ولا الوخز بالقضيب، ولا الجذب والشد الذي تعرض له عنقه وقوائمه، كل هذا لم يفلح في رفعه من على الأرض...».

لا تملك إلا أن تتبع مصير هذا الحمار البائس الذي ما أن يخرج من مأزق حتى يقع في غيره. دائمًا ما كنت أتخيل بأني أهرول خلف هذا الحمار تحت الشمس الحارقة لأتتبع قصته مع اللصوص، وفي المرعى مع الخيول وهو يحمل الحطب من الجبل إلى السهل، ومع رئيس الإسطبل الذي سرقه وهرب به، ثم مع الرهبان والطحان والبستاني والجندي، و غيرهم، وأصحابه أحيانًا أثناء هرولته وهروبه من هذا أو ذاك لأسأله ماذا بعد؟ ماذا ستفعل؟ فيجيب بمزيد من الجري ليتمكن من الاختباء أولًا.
بعد التحول، تكتسب الرؤية السردية خواص رؤية ومنظور الحمار من حيث الاتساع والمحيطية؛ فيصف الأماكن والأشياء بدقة، ويرصد الحركات والظواهر والمواقف ويحللها بنظره الحيواني وعقله البشري. ستشعر أنك ترى أغلب مشاهده بصورة بانورامية، وكأنك تشاهد حكايته من جبلٍ شاهق أو من على ظهر طائر؛ حيث تتسع الأماكن بالأشخاص والأحداث، وتجد أن عينيك تنتقل من مغارة إلى بيتٍ إلى حظيرة إلى طريقٍ صحراوي إلى معبد... إلخ. وتَسَارُع حركة المشاهد وإيقاعها في مناطق سردية معينة لمجاراة المفارقة الساخرة التي تحتويها المشاهد، يجبرك على هذه الرؤية البانورامية أيضًا.
رمزية الوردة
منذ لحظة تحول لوكيوس إلى حمار حتى الكتاب الحادي عشر، يعتقد أن الوردة هي وسيلة خَلاصِه، حتى تتحول نتيجة بحثه المتواصل عنها للعودة لبشريته إلى رمز روحاني ينشده للتخلص من لعنته، وكأنها سر النجاة. ومع ذلك، في الجزء الحادي عشر، اتضح لنا أن التدخل الإلهي هو سبب خلاصه لأن الوردة بدون ألوهية مضافة لم تفعل شيئًا له، أو نستطيع القول إن الوردة قادته إلى الحل الإلهي.
وبشكلٍ عام، تحتل الوردة مكانة خاصة في الحكايات الشعبية الغربية والأساطير (يوازيها زهرة اللوتس في الأساطير الشرقية)، مثل روايات «الأميرة النائمة» و«الجميلة والوحش»، وأساطير مثل أدونيس، وإيريس، وهياسينثوس، ونرسيس، ودافني، وغيرهم. بالإضافة إلى تأسيسها الحالي كرمز للتعبير عن العاطفة والحب، وعن السرية أيضًا.
وتعود دلالة الوردة على السرية إلى الأساطير اليونانية أيضًا؛ حيث يقال إن «أفروديت/ فينوس» أعطت وردة لابنها «إيروس/ كيوبيد» إله الحب، أعطاها بدوره إلى حورس/ حربوقراط كرمز للامتنان لعدم كشفه للأمور العاطفية لفينوس، أم كيوبيد، وهكذا أصبحت الوردة مرتبطة بشكل مزدوج بالسرية من خلال حورس.
وفي مصر، كانت الوردة مقدسة في عبادة إيزيس، ولكن يبدو أن ذلك كان خلال فترة الحكم الروماني لمصر، ربما بسبب الاندماج مع الإلهة أفروديت (فينوس)، خلال الفترة الرومانية. وكان الإغريق القدماء قد طوروا نظامًا يحدد النباتات والزهور المقابلة لآلهة معينة، ثم قاموا بعد ذلك بتخصيص بعض النباتات والزهور لأكاليل الزهور، لتزيين تماثيل الآلهة ورؤوس الأشخاص المشهورين. واستخدم أتباع إيزيس الورود في العصر اليوناني الروماني لإنشاء «أكاليل التبرير» للموتى الصالحين، كعلامة على أن المتوفى قد اجتاز بنجاح قاعة محكمة الموتى التي يرأسها زوجها أوزوريس. ووُضعت أكاليل الورود داخل المعابد، وأصبحت الوردة مرادفة للإلهة إيزيس كمعالج وحامي لشعب روما، وتم ارتداء تمائم الورد باسمها كحماية ضد العين الشريرة.
في رواية «التحولات»، تظهر الإلهة إيزيس للوكيوس وهو في قمة يأسه، لتمنحه الحل النهائي لمأساته: «سآمر الكاهن الأكبر أن يحمل إكليلًا من الورود في موكبي، مربوطًا بالصولجان الذي يحمله في يده اليمنى. لا تتردد، ادفع الحشد جانبًا، انضم إلى الموكب واثقًا من إرادتي، ثم اقترب من الكاهن الأكبر كما لو كنت ترغب في تقبيل يده، واقطف الورود وستتخلص في الحال من جلد هذا الحيوان، الذي أعتبره أشد الحيوانات مقتًا في الوجود...».
كُتبت هذه الرواية خلال فترة زمنية كان فيها الطلب على الورود في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية مرتفعًا، مما حوّل زراعة الورود إلى عمل مهم.
السحر والنساء
نلاحظ أن حالات السحر في الرواية ترتكبها النساء الجذابات. وحتى عندما يتم تقديم عبادة إيزيس في ضوء أكثر إيجابية، تأتي عبادة أوزوريس كعبادة أعمق. وبالنظر إلى ارتباط السحر مع الجمال الجنسي والجسماني، تشير الرواية إلى تمتع النساء الجميلات جنسيًا بجاذبية وسلطة لا يمكن تفسيرها، أو على الأقل يعتقد الرجال أن هذا هو الحال.
في قصة كيوبيد وبسيشة، تخبر فينوس بسيشة أنها يجب أن تكون ساحرة، لأنها كانت قوية جدًا لدرجة أنها كانت قادرة على اجتياز المهام المستحيلة التي فرضتها عليها. وأيضًا الساحرة في بداية الرواية التي أقامت مع سقراط علاقة جنسية، تسيطر عليه وتستخدم سحرها للعنه وقتله. توحي هذه الأمثلة من النساء اللواتي يتمتعن بسلطات سحرية أو غامضة، بشيء حول حرص المجتمع على إظهار النساء -سواء كن عاديات أو آلهة- أن لا تكون قوية ببساطة، بل يجب أن تستخدم السحر.
التحرر من القيود والثقافات الشرقية
ينشأ الصراع في الرواية من رغبات الإنسان الداخلية للمتعة. في هذا نجد تماسًا مع بعض الثقافات الشرقية؛ فرحلة الهروب من قيود الرغبة التي يعاني منها لوكيوس مماثلة للهندوس في مفهوم موكشا (الانعتاق أو التحرر)، الذي يعبر عنه حوار أرجونا وكريشنا في الكتاب الهندي المقدس في الديانة الهندوسية «البهاغافاد غيتا»، الذي قال عنه غاندي: «إن هدف الغيتا كما يبدو لي يكمن في إظهار أفضل طريق لبلوغ تحقيق الذات»، وأكد أن ذلك لن يتحقق إلا «من خلال العمل المتفاني، بالتخلي عن الأنانية، نبذ ثمار العمل وتخصيص كل الأعمال لله، عن طريق تسليمه الجسد والروح».
يحتفل أبوليوس بالجوانب الحسية للحياة، ووصفه الحيوي للمشاهد المثيرة يوضح امتلاكه الرغبة في معرفة تفاصيل الحياة على أكمل وجه، سواء كانت ممتعة أو مؤلمة، تمامًا كما توجد مدرسة هندوسية تانترية لا تسعى لتجنب الجانب الحسي من الخبرة. لذلك تعد رواية التحولات هي قصة النضوج والحصول على الحكمة اللازمة للبقاء.
يقول أبوليوس إنه «نظرًا لأن الصوت البشري هو هبة إلهية مهمة، فإنه يحتاج إلى ممارسة مستمرة، خاصة أمام جمهور كبير...»، و«مَن سينتج أغنية تفيد الرجال والبالغين وكبار السن يجب أن يغني قبل الآلاف». لذلك كتب لوكيوس قصته، التي بها تداخل كبير بين شخصه وبطل الرواية، مستخدمًا مهاراته الخطابية ومستعينًا بالنمط الميليسي (تضمين حبكات فرعية متشعبة داخل حبكة رئيسية)، ليكون فيما بعد سببًا في اعتماد القصة الإطارية كشكل مثالي للرواية حتى وقتنا هذا.
تقارير ذات صلة
ما رآه سعد زهران في الأوردي: سلخانة التعذيب لتركيع المخالفين (2-2)
الحلقة الثالثة من كوكبة «المصريون والسجن: سنوات دامية للمثقفين والجلادين خلف الأسوار»
في شهادة تأخرت ثمانين عامًا (2-2): أنا توماس راسل باشا حكمدار بوليس القاهرة
حلقة جديدة من برنامج قراءة «شهود عيان»
في أوراق أحمد عباس صالح: تغريبة بغدادية وأخرى لندنية (2-2)
الحلقة الحادية عشر من برنامج قراءة «شهود عيان»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن