تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
اسم ونصيب

اسم ونصيب

كتابة: آلاء عبد الوهاب 9 دقيقة قراءة

#جو عام

اسم الكاتبة آلاء عبد الوهاب موضوع الكتابة هنا، انطلاقًا من كون الإنسان أكبر من اسم مفروض عليه ومنسوب إليه، تحكي عن علاقتها بـ«آلاء» بين رفضه عبر الاختباء وراء ألقاب وأسماء تنكرية، والبحث عن نصيبها من معناه ودلالاته.

#دليل

«يعني إيه كلسون؟»

توقفت أصابع أبي عن النقر فوق الآلة الكاتبة، أزاح وجهه إليّ وأجاب سؤالي بجدية ثم عاد إلى عمله، كنتُ طفلةً عمرها أربع سنوات أو ربما خمس، وأخطأت نطق الحروف، فغرت حينها فاهي وأنا أنظر إلى المرأة داخل شاشة التلفاز، فهي بالتأكيد تُمسك كلسونها في يدها، تهزه وهي تغني «هذه ليلتي»، وفكرتُ، إذًا، كُل شخصٍ يُمثل اسمه حرفيًا ومجازيًا.

بعد سنواتٍ من الريبة، عرفت حقيقة معنى اسمها في المدرسة. تحولت هذه الذكرى في منزلنا إلى نكتةٍ دائمة خلال اجتماعات الأعياد، أو كلما شاهدنا أم كلثوم ومنديلها، وهي أول ما يمر بخاطري حين أُفكر في معنى اسمي وعلاقتي بالأسماء وأثرها عليّ، فأنا رغبتُ طيلة عمري في  معانٍ أخرى تُغلفني باسمي، وكنت أكثر سذاجةً لأتمنى هذا لأمي أيضًا. 

ن: نجمة هادية

اعتاد والدايّ كبح نفوري من اسمي عبر تذكيري أن آلاء تعني نِعَمًا عديدة لا واحدة، ولي نصيبٌ من إحداها بلا شك. لم يغيّر كلامهما قناعتي، حتى عَرفتُ أن أبي كان ينوي تسميتي ولّادة، تيمنًا بالشاعرة والأميرة الأندلسية ولادة بنت المستكفي، فشعرت أنني نجوت، وأدركت أن اسمًا رقيقًا يُعبّر عني، مثل ليلى أو هيام، لم يكن قريبًا مني قط.

لكن حديث والِدَيّ يُقارب الصواب، ولم يكن غرضه توطيد علاقتي باسمي فحسب، فتعلم خواص الأسماء وأثرها على أصحابها هو المستوى الأبسط  في علم الحروف عند محي الدين بن عربي، فهو يرى أن الحروف مثلنا واحدةً من المخلوقات، مكلفة ولها ذواتٌ وأسماء خاصةٌ بها، يُمكننا هنا بالتبعية تَخيُل كيف تُصبح أسماؤنا، وما تحمله من حروفٍ لها حياة كاملة؛ لفظًا مهيبًا ومفصليًا في أقدارنا، لذا بديهي اللعب بالأحرف للوصول إلى المعاني المُقدسة ذاتها في أسماءٍ عديدة، ولا أقصد هنا فقط أسماء الجذر الواحد مثل محمد، وأحمد، ومحمود. 

خلال سنوات دراستي الجامعية، تشاركت غرفةً مع فتاة أخرى توفيرًا للنفقات، كنت أظن أن مساحتنا مُباركة فهي نعمة، تحمل اسمي ذاته بحروفٍ أخرى، لكن غابت البركة سريعًا حين توفيت أمها، بدا لي أن اسميّنا لعنة، يغلفها مصيرٌ وصفاتٌ متقاربة، فأنا أيضًا فقدتُ أمي قبلها بسنوات، وكلانا ننفر من اسمنا، ودراستنا علمية، ومررنا بأحزان طفولة، كما أن ملامح وجهينا متشابهةٌ أيضًا. لا أعرف هل يتبدل المصير إن تغيّر الاسم؟ غيّرت «نعمة» اسمها إلى آخر مثلما أرادت، وأظنها الآن أسعد من الماضي، أو هكذا أتمنى. 

لإيمان البشر بتأثير الاسم وديمومته على المصائر، يلجأون إلى قوةٍ خارقة لاختيار أسماء المواليد، وعدم العبث في مستقبلهم، أذكر في حفلة سبوع أصغر إخوتي، أضاءت جدتي ثلاث شمعات، كل واحدةٍ منها تُمثل اسمًا، والشمعة التي يصمد لهيبها بعد انطفاء البقية يحمل أخي اسمها، بالطبع تلك طريقةً عشوائية للغاية، تؤثر عليها قوانين الفيزياء، وأحوال الطقس، وحتى جودة فتيل الشمع، لكن بحسب تيتة؛ الهدف هو أن يكون لأخي اسمًا يعيش، ويستمر ضوءه به في الحياة طويلًا.

بالمبدأ ذاته لكن دون سطوة الشموع، يسمِي مثلنا السكان الأصليين في أمريكا الوسطى أبنائهم بعد الولادة خلال اليوم السابع، وفقًا لأيام تقويم يحمل 260 يومًا، يتكون اليوم الواحد من عشرين اسمًا، وتُعرف تلك العملية بالنغمة أو النغمية tonalism-tonali، وتحدد مصير الطفل عبر برجه، كما يعد التونالي جوهرًا للروح، تنقلب حياة الفرد إلى الأسوأ إن فقده، ويتعافى إن أُعيد إليه، لا تتعلق أسماء التقويم بالحالة السياسية والاجتماعية والدينية، بل كائنات من محيطهم، مثل عشب، مطر، سحلية، زهرة، بالنسبة لهم الأيام التي تحمل الأسماء هي كائنات حية مثل حروف ابن عربي.

إن صادف يوم التونالي طالعًا سيئًا ومصيرًا مشئومًا، يؤجل مدةٍ لا تتجاوز 13 يومًا، بعدها لا بأس إن كان طالع الطفل شريرًا، فالشعوب الأصلية تؤمن بالإرادة الحرة للإنسان، قد يُغيّر الطفل قدره ويُبدل حاله للخير متى أراد ذلك. 

بعيدًا عن الخير والشر، يألف الناس أصحاب الأسماء التي تتكون من أصوات ساكنة ناعمة مثل الميم، واللام، والنون، أكثر من تلك التي تحتوي حروفًا ساكنة صلبة مثل الجيم، ربما لهذا تمنيت أن يكون اسمي ليلى وليس جميلة، بيد أن الاسم الذي ذيلت به كتاباتي و كلماتي في اوتجرافات صديقاتي خلال مراهقتي هو «همسة قلب»، اسمٌ أراه الآن مريبًا ومبتذلًا، لكنه جمع بين جوانب شخصيتي في هذا السن، الرومانسية والرهافة، والهشاشة التي كنت أظنها ميزة تستحق الاحتفاء، ثم تطور لقبي ليكون في ايميلات الياهو و الماسنجر إلى «cardia white»، كنت أنتشي حين يسألني شخص عن معناه فأخبره أنه يعني قلب باللاتيني، فأنا بالطبع سأتخصص في الكارديولوجي حين أصبح طبيبة، كان هذا قبل أن تتحطم أحلامي وأغيّر أسماء ايميلاتي إلى اسمي وعام ولادتي، حين دخلت كلية العلوم.

أظن هكذا تتشكل علاقتنا مع الأسماء، عبر تأثيرها على ديناميات قوتنا نحو من حولنا، سواء التعالي عمَن لا يفهم أسماء نتغنى بها، مرورًا بكراهية مَن يحملون أسماء معينة، حتى التنصل من أسماء عائلاتنا. التسمية دلالة قوة مثلما يسمي المحتلون أرضهم الجديدة، ربما لهذا رغبت في الماضي تبديل اسمي بآخر، كي أنزع عني، ولو صوريًا سُلطة الوالدين التي تلبستني منذ الولادة بالاسم وما قبلها بالجينات، لكنني أفكر كيف لم تسنح لي الفرصة لأكوّن علاقة خاصة مع اسمي، كان بُغضي لاسمي انعكاسًا لعلاقة أمي باسمها، احتذيتها في أزمتها معه، مثلما فعلت مع أحمر شفاهها وملابسها الحريرية ككل الفتيات الصغار مع أمهاتهن.

ع: عائلة كاملة

كرهت أمي اسمها وحكت لنا ألمها معه، فلم يشفع لها عندي ذلك، وكرهته أنا أيضًا، كنت أحاول التظاهر أمامها أنه اسمٌ عادي، حتى أذهب إلى المدرسة وأجد أمهات صديقاتي أسمائهن لُبنى، وإيمان، ومها، يسألونني عن اسمها، فلا أبدأ به أبدًا، أُهيئهن أولًا له، أداري خجلي بالسخرية والكوميديا، أقول اسم جدتي الأنيق، ثم اسم أم جدتي الغنج، وأخيرًا اسم أمي فنضحك جميعًا، ونستغرب من سوء اختيارهم لاسم الحفيدة المسكينة.

غاب حرجي حين سألت فتاة جواري في مقعد الصف الابتدائي عن اسم أمها، وكان هو اسم أمي، هل لذلك شعرت بألفةٍ معها وأصبحت صديقتي المُقربة لسنواتٍ طويلة؟

تشاركنا الحرج من اسم أمهاتنا فيما يشبه التواطؤ، عندما يسألها أحد في المدرسة عن اسم أمها وتجيبه، أقول وأنا أيضًا فينتهي العبء سريعًا، سُئلت زميلتنا في الفصل السؤال عينه، فأخبرتنا أن اسم امها ساندي بل، كنا جميعًا نعلم أنها اختارت هذا الاسم من مسلسل كرتوني للأطفال على قناة «سبيس تون»، ضحكت الفتيات عليها، عَداي أنا وصديقتي، لكننا حكينا لعائلتينا عنها، وسخرنا منها معهم، حتى أصبح أبوينا يسألوننا عنها في جَمعات الأعياد، رغم أنها كانت أكثر شجاعة منا، فعلت ما كنّا نود فعله، أنا وصديقتي، ولو في أحلامنا، أن  نكذب، نستبدل اسم أمنا باسمٍ آخر، دون خططٍ محكمة للسرد وإطلاقٍ للضحكات.

لكنني لطالما خفت الكذب، أعرف يقينًا أنني سأنكشف يومًا ما، مهما قصرت المدة أو طالت حتى العالم الآخر، كيف سأتصرف يوم القيامة حين يُنادى عليّ؟ ماذا سأقول لفلانة وهي تقف وسط الجموع مذهولة، تحتقرني أنني آلاء مش بنت حنان! هكذا فكرت آلاء الصغيرة، ففي الميثولوجيا الإسلامية يُنادي الله الخلق يوم الحِساب بأسماء أمهاتهم لا آبائهم.

لا تؤثر أسماء الأمهات على أقدار البشر في الآخرة فقط، في الدنيا يجعل اسم الأم سحر الناس مُمكنًا لدى المؤمنين به، كما يحمل اسم الإنسان القوى ذاتها التي تحملها رائحته وصورته وجسده، يُكتب اسمه على نعش، أو ورقة وتُخرق بالدبابيس، ثم تُحرق خلال تلاوة التعاويذ ويتألم معها صاحب الاسم. في أستراليا تحجب قبائل السكان الأصليين أسماء الأطفال عندما يتموا عمرًا محددًا، وفي جنوب  شرق البلاد يخفي أهل القبيلة أسماء بعضهم عن الغرباء لحمايتهم، كما يحرك السكان الأصليون في أمريكا شفاههم دون لفظ أسماء بعضهم خوفًا أن يصيبوهم بأذى دون قصد.

وأنا أبحث في موضوع هذا النص، وقع في يدي كتاب «السر المألوف في خواص الأسماء والآيات والحروف»، ذكرتني صفحاته بما نراه على وسائل التواصل الاجتماعي، حين ينشر شخص ما أنه وجد عملًا سحريًا مدفونًا جوار مقبرة، فيه جداول وأرقام وأسماء غريبة، وجلتُ قليلًا، وأنا أقلب صفحاته خوفًا أن يعلق في عقلي تعويذة أو اسم ماردٍ ما، كيف لا أصدق في السحر وأخشى النظر في كتابٍ يحكي عنه؟ هذه ملاحظةٌ مهمة أخبرها مُعالجي في جلستنا القادمة.

م: مفتاح مضيء

تأتي أهمية الأسماء في السحر إثر هيمنته الضخمة على الأديان، على وجه الخصوص الغنوصية منها، في الشق الإسلامي، «كل اسمٍ إلهي هو حضرة» أي حضور الذات الإلهية وصفاتها وأفعالها ومظاهرها وتجليها للعباد، على قدر إدراكهم  للأسماء ومعانيها يكون الكشف أو التجلي، وفي العقيدة الإسلامية فرع خاص من التوحيد، يُعرف بتوحيد الأسماء والصفات، ودونه لا يتم إيمان الإنسان، كما أن اسم الله الأعظم هو سبب وجود كل شيء، نراه في أدعية الإمام علي بن أبي طالب، هو الاسم الذي خلق الله به الكرسي والعرش الذي استوى عليه، ويدعو به النبي محمد والمسلمون حتى وهم يجهلونه، فلأجل قدره المهيب حُجب عن الإنسان، يُقال إنه الاسم المائة من أسماء الله التسعة وتسعين، ولا ننسى استحقاق آدم سجود الملائكة، لأنه عرف أسماء المخلوقات جميعها.

 تعتمد الطريقة الصوفية في الدين اليهودي، الكبالة، وأساسها نصوص الزوهار، على تحليل قيم الأرقام وموافقتها مع حروف الأبجدية العبرية، في مسارات تعرف بشجرة الحياة وهي أداة لانتقال الكيان الإلهي لعالمنا، وبالعكس مرور العباد المتصوفين إلى عالم الرب، والقسم الحرفي من علم الكبالة يهتم بتحويل الكلمات إلى أرقام تراتبية، وجمع القيم لمعرفة غايات معينة، يصبح لكل اسم قيمته الرقمية، ويخبرك عن حياتك وجسدك وصحتك.

ويعادله بالعربية علم الحرف وهو حساب الجمل. وبالعودة للعالم فيه ابن عربي، يخبرنا أنه سبيل معرفة يتجاوز العرافة، ولا يستند فقط للأرقام والحسابات بل الكشف والفطنة، وهو ما يعرف بعلم السيمياء يسهل التنبؤ بمستقبل الإنسان، وفي مراحله المتقدمة قد تُمكنه تغيير الأحداث المستقبلية. لذا حين نعرف اسم كائنٍ ما يمكننا التحكم فيه وطلب حضوره، من هنا جاءت سياسة معرفة أسماء الشياطين والملائكة لتسخيرهم، وتحقيق المطالب، كذلك، يتمكن الساحر، والراقي من صرف العفريت عبر مناداته باسمه ليكف الأذى عن الإنسي المسكين، بالتبعية هذا سر فعالية الاسم الإلهي لنزول الشفاء على المرضى، يرقي المؤمنون في دياناتٍ عديدة أبنائهم وسط نفثاتٍ ولمسات مُباركة أملًا في الشفاء، إذ يحضر الله بقوته ومجده عبر ترديد اسمه، ففي المسيحية اسم الله عمانوئيل يعني «الله معنا».

لا تنحصر أهمية الأسماء في ميثولوجيا الأديان الإبراهيمية، يتماثل الأمر في الميثولوجيا المصرية القديمة خاصةً في أسطورة بداية الحياة، خلق بتاح الكون حين نطق أسماء الموجودات، مثلما خلق الله الكون عبر نطقه الأحرف العبرية وتشكّل كل شيء، وكأن الاسم فقط هو سر وجود الكائنات ونشأتها، ونقطة الوصول النهائية لتفسيراتنا حول بداية العالم ونهايته.

ربما تدرج علاقتي مع اسمي يعود إلى بداية خلق الكون، لذا ألِفته، أدركت اقترانه بي ومشاركته لحياتي، وبدأت التكيف مع منغصاته الضئيلة، كأن أُنادى بمدٍ طويل لا تنهيه همزة كالخوار، وسجعه مع بلاء وعلاء، كما أتقنت الهرب السريع من المزحة السمجة حول معناه «لأنك نعمة نبوسك ونحطك جنب الحيط».

العناوين الجانبية للنص، هي عناوين تجريبية تحمل معنى اسمي، اختلقت تفسيرًا للحروف، لعله يساعدني في حب اسمي والنظر إليه بصورةٍ أخرى مضيئة، تُلائم فصول حكايتي. لكنني في نهاية هذا النص، أظن لا بد لي بوح ما حاولت طيلة عمري التملص منه، وهو أن ماما اسمها فتحية.

وسلام.

اعتمد هذا الديتوكس على قراءة المصادر التالية، ونرشحها للقراءة لمَن يحب:
1- دراسة عبد الباقي مفتاح، «علم الحروف عند الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي».
 2-ابن عربي «الفتوحات المكية»، الجزء الأول.
3-ديفيد كريستال «مختصر تاريخ اللغة»
4-يوليوس ليبس، «أصل الأشياء بدايات الثقافة الإنسانية» 
5-أحمد محمد حيدر، «التكوين والتجلي».
6-إميل عباس «القبالة والسحر اليهودي».
7-القمص أثناسيوس فهمي جورج، قوة الاسم صلاة يسوع في الروحانية الأرثوذكسية 
8- The nomenology project, the hidden truth of your name.
9-Botolv Hellelnd, Christia-Emil Ore, and Solveig Wikstrom, names and identities.
عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن