تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
استكشاف النمط الفريد| #5

استكشاف النمط الفريد| #5

#112 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: أحمد الفخراني 19 دقيقة قراءة
تصوير: عمر مصطفى

 #جو عام

أثر الأدب بطيء، يأتي على مهله. والقارئ لا ينبغي له أن يكون متلهفًا، بل لا بُد من صبر وتدبر للتعرّف على فرادة النص الأدبي، وهو ما يفعله الكاتب أحمد الفخراني عبر قراءة قصص، مسترشدًا بمحاضرات الأمريكي جورج سوندرز عن قصص تشيكوف وتولستوي وجوجول وتورجينييف السبع.

لن نشير هنا إلى النمط الذي استكشفه الفخراني في قصة «النداهة» ليوسف إدريس (1927-1991)، لأننا فضلنا أن يكون استكشافه خلال رحلة القراءة، لأن أيامًا كثيرة استغرقه، ومسودات عديدة كُتبت وُنقحت، ودردشات كثيرة جرت حتى يصل إليه. ونتمنى أن ينال هذا العدد، الذي يحل خامسًا في «استكشاف النمط الفريد» إعجابكم بعد تلك الرحلة.

#قراءة #استكشاف النمط الفريد

تبدأ قصة يوسف إدريس «النداهة» (1970) من ذروة؛ يدفع البواب، حامد، باب حجرته، ليجد زوجته، فتحية، ترقد عارية تحت أفندي، أي أنها قصة تدور حول المثلث التقليدي الشائع، زوج غافل، زوجة تُغوى، عشيق أو رجل يَغوي، مثلث آنا كارنينا ومدام بوفاري، اللتين نالتا على يد تولستوي وفلوبير التفهم والعقاب أيضًا. [يمكن قراءة القصة كاملة هُنا]

بالطبع تدفعنا بداية «النداهة» إلى الدخول في عالم النص مباشرة، مختصرة بضربة بارعة كل ما يعوقنا عن أن نصير في قلب الحدث الرئيسي، بل زرعت التوتر الذي يدفعنا إلى استكمال القصة، لكن ألم يغامر إدريس بتخليه عن أثر التشويق بعد التوغل أكثر في القصة، لأننا نعلم من البداية أن مراودة الأفندي لفتحية ومقاومتها له، ستنتهي بانتصاره وفشلها؟

في نسخة الفيلم الشهير المأخوذ عن القصة أُعيد ترتيب الحكاية بشكلها الخطي، تبدأ من فتحية في القرية ثم الخروج منها بزواجها من حامد حتى تصل إلى القاهرة وتتعرض لغواية الأفندي، ثم استسلامها له، ثم قرار حامد بأن يعودا معًا إلى القرية، ثم هروبها من المحطة، عائدة بإرادتها إلى المدينة.

مغامرة القصة بحرق ذروة الحدث في البداية، تذكرنا أيضًا بأن ما يميز الأدب عن التجاري، ليس سؤال: ما الذي حدث؟ بل كيف حدث ولماذا؟ هناك فارق حيوي ينقل اللعبة كلها من أن يدفعنا التشويق وحده إلى قلب الصفحات -وهو أمر غير معيب في رأيي وضروري أحيانًا- إلى أن نواصل القراءة من أجل ملاحظة القرارات التي تتخذها الشخصيات، وربما مقارنتها بالقرارات التي اتخذناها، أو كان علينا أن نتخذها في حياتنا الفعلية. ومع إدراكنا المسبق للمصير، يصبح تركيزنا منصبًا أكثر على كيفية حدوثه، وطريقة استجابة الشخصيات للموقف الضاغط الذي وُضعوا فيه، وتأمل معناه. 

لكن هناك فارق آخر؛ ما تخبرنا إياه نسخة الفيلم أن لحظة الشر الكبرى، أي مجامعة الأفندي وفتحية هي الحدث الجلل، الذي بنيت الحكاية كلها من أجله، وتتقدم أحداثها تجاهه. أما في الأصل، فإن إدريس يطلب منّا عبر وضع مشهد الذروة في البداية، بألا ننخدع بصدمته، بل علينا أن نتجاوزه معه سريعًا، لأن هذا ما سيحدث لفتحية حقًا. يخبرنا، هذه ليست قصة عن الخيانة الزوجية، بل الأمر أكبر من هذا، ما يستهدفه من اللعبة كلها هو استجابة فتحية للصدمة، وليس التوقف عند الصدمة. 

***

لكن ثمة مشكلة لم تتجاوزها القصة، ولا الفيلم، أن الحل المطروح كي تكف فتحية عن الانكماش من المدينة هو أن يأتيها الأفندي، ولو عبر اغتصابها.

فكرة -ربما- لم تكن قد تَكشفت تفاهتها حينها، لكن في عام 2021 ككاتب، أرى تفاهة هذه الفكرة وضحالتها، بل لم أستطع مقاومة الشعور باحتقارها، لكن عليّ في الآن نفسه التمييز بين براعة اللعبة وضحالة منطق كاتبها، الذي رغمًا عن سذاجته نفذ إلى لحظة عميقة يمكن أن تمنحنا -عبر التغاضي المؤقت والتجاوز المكره- فرصة للحديث عن أفكار أهم عن التقنية بدرجة، وقراءة الأدب عبر الصوابية السياسية، ورغمًا عنها أيضًا.

القصة دائمًا ما تكون أجمل من مؤلفيها وأنبل، شريطة الاستماع إلى ما تخبرهم إياه القصة، بحواس منتبهة ويقظة، لا تلوي عنقها أو منطقها. الكاتب في الأغلب ليس هو نفس الشخص، هو نسخة من الشخص الذي يصنع نموذجًا للعالم يبدو فيه أنه يدافع عن فضائل معينة، لكن بعض تلك الفضائل لا يستطيع أن يعيشها، لا يعني ذلك أنه كاذب، لكن متحدث باسم أفكاره.

يذهب جورج سوندرز في كتابه A swim in a pond in the rain إلى ما هو أبعد:

«أن الكاتب لا يتحدث حتى باسم أفكاره، بل باسم حكمة أكبر منه» ويضرب مثلًا بتولستوي ذي الأحكام الأخلاقية الصارمة، في المسودة الأولى من رواية آنا كارنينا كتب تولستوي بطلتها كشخصية لا تستحق التعاطف وكانت نهايتها المأساوية مستحقة ومبررة. لكن النسخة النهائية من الرواية مختلفة تمامًا، لا يظن سوندرز أن تولستوي قد راجع أفكاره الأخلاقية في هذه الأثناء، بدلًا من ذلك يقترح أنه، أثناء الكتابة، كان يستمع إلى صوت آخر غير صوت اقتناعه الأخلاقي الشخصي. كان يستمع إلى ما يسميه حكمة الرواية. يستمع كل سارد حقيقي إلى تلك الحكمة التي تتجاوز ذاته المحدودة، وهو ما يفسر سبب كون الروايات والقصص العظيمة دائمًا أكثر ذكاءً من مؤلفيها. «الساردون الأكثر ذكاءً من كتبهم يجب أن ينتقلوا إلى مجال عمل آخر.»

***

المشكلة الكامنة في «النداهة»، والتي تجعل منها مثالًا صالحًا لكن معطوبًا في الوقت نفسه، أن فكرة كاتبها الكبرى هي تحرير المرأة، يؤمن بذلك حقًا في اللحظات التي يتمكن فيها من تجاوز ذاته للوصول إلى حكمة تفوقها، لكن في بقية القصة لا يسمع صوتها -أي القصة- بل يسير وراء  صوت التنويري الساذج، ذلك الريفي الكامن تحت جلد الأفندي الذي يرى المرأة كجسد يحتاج لمسته المباركة كي ينضج، ما يُصور كغواية لها هدف أسمى ومُحرِر، لكنه لا يُسمى باسمه: اغتصاب.

أعتبر إدريس كاتب أخلاقي، عظته هي معكوس عظة الأخلاقي التقليدي: النضال وتنوير المجتمع، وتغييره. يضع ذلك في اعتباره وهو يكتب الأدب، ومن خلال هذا الأدب قدم نفسه كمتمرد على اللغة، والمؤسسة، والسلطة، وكمناصر لحرية المرأة، بل أعاد تخييل نفسه في بعض قصصه كفحل جنسي أيضًا.

هل كانت الصورة التي قدمها إدريس عن نفسه حقيقية؟ بعض الحكايات تخبرنا أنه لم يكن، سواءً في تعامله مع المرأة بوصفها جسدا مُباحًا ولا يحق لها الرفض أمام سلطته ونجوميته ككاتب، أي كمثقف وأفندي، أو مع السلطة التي كانت أحضانها مفتوحة له دائمًا. ومع ذلك، فإن كتاباته مليئة بالتعاطف مع الضعفاء، ومع الحريات. يسكن شخصية تلو أخرى، بحرارة وفهم، نكاد أن نشعر بعالمه الخيالي بالغ التفصيل والتنوع مثل الواقع، بالكاد يمكن لأي شخص أن يقرأ بضعة أسطر لإدريس دون أن تجذبه حيويتها.

«النداهة» أيضًا أكثر ذكاءً من مؤلفها، لكن دعنا نحدد الأمر بشكل أكبر؛ لا يعنينا أن نغفر لإدريس أو ندينه في شيء، نحن هنا لنتجاوزه، نتعلم تقنية ونناقش فكرة. فمن ناحية لم يعد ذلك التناقض بين ادعاء مناصرة المرأة من أجل استغلالها جنسيًا أمرًا مقبولًا، ما يعنينا هنا هو ما يمكن تعلمه في مواقف أخرى، عن الفارق بين سذاجتنا وعاديتنا في الواقع وما تمنحنا إياه الكتابة من القدرة على اتصال بحكمة تفوق ذواتنا.

***

الشيء المثالي في «النداهة» هو الكتابة من داخل ثلاثة عقول مختلفة؛ حامد، وفتحية، والأفندي. يتسلل إدريس إلى أفكار الشخصيات الثلاث كإله كلي العلم، وعبره نصير مثله، ندخل إلى العقول الثلاثة، وتصبح لدينا رؤية أقرب لرؤية الإله، أي أن لدينا كل ما يلزم من معلومات لنحب الشخصيات، لنقلل أحكامنا النهائية عليها، نصير بشرًا أكثر تعاطفًا عبر قدرة الكاتب على أن يجعلنا نتماهى مع أفكار شخصياته، ننفعل بانفعالاتها ونفهم دوافعها وألمها وعريضة دفاعها أحيانًا.

ما يفعله إدريس بمجرد ولوجه داخل ذهن شخصياته التي اختلقها لتوه أنه يسأل نفسه: كيف سأفكر لو كنت مثل تلك الشخصية في هذا الموقف؟ ثم يتمثل الثلاث في حركتها الطبيعية في أرض الواقع، ثم يصبغ على كل شخصية أفكاره في موقف مشابه داخل أرض الخيال الأدبي، المعيار الذي يتبناه إدريس في لحظات فيتجاوز ذاته المحدودة، ويفقده في لحظات أخرى فتصبح الكتابة رديئة.

في الحقيقة الشخصيات الثلاث، هم يوسف إدريس نفسه، أو أفكاره عما يجب أن تكون عليه، لكن طريقة تحركها تأتي من طبيعة دورها في القصة والهدف منها: 

حامد: «ذكر شرقي يمثل رجعية الريف، وخادم ذليل خارج حجرته، وسيد داخلها، لكنه طيب القلب وكل ما يرغب فيه هو الأمان»*

 فتحية: «أنثى مغلوبة على أمرها، يجبرها المجتمع على الانكماش، البديل هو أن تفترس، وكل ما تطلبه أيضًا هو الأمان.»

الأفندي: «ذكر شرقي يدعي التحضر والانفتاح، لكنه لا يرى في الأنثى أكثر من ذبيحة جنسية، ممثل الغواية، نداهة المدينة وشرها القار على هيئة ضبع».

كما تصور الشخصيات الثلاث وكما أراد لها أن تكون.

يخبرنا جورج سوندرز:

«نحن نعلم أن ما نقرأه مجرد وهم صنعه الكاتب، لكننا وافقنا على اللعب معه، شرطنا الوحيد لتقبل لعبة الساحر ألا نراه يشطر جسد مساعدته إلى نصفين، بل أن يوحي لنا أنه فعل، ففي النهاية وقبل كل شيء، تلك الشخصيات لم تكن موجودة في الأساس».

سر لعبة الساحر أن ليس علينا أن نشعر أبدًا أن الشخصيات تتحرك بإجبار وفق منطق الكاتب، بل وفق منطق القصة، وأنها ستتصرف بنفس الطريقة في الحياة الطبيعية وهذا وهم بالطبع، يحدث هذا الإيهام بالطبيعية عبر حرارة التفاصيل، أن يكون كل فعل مبرر، وأن يكون كل رد فعل جزءًا من سلسلة من الأسباب المتصلة، ألا نفاجئ برد فعل لم يُؤسس له، وأن يكون الدفع بالأحداث منطقيًا. 

يمكن لنا إذن أن نصبغ الشخصيات بأفكارنا، لأننا نرغب بكل تأكيد أن نذهب بها في اتجاه ما لتوليد المعنى، شريطة أن نفهم تلك الشخصيات أولًا، أن نقف للحظات على نفس المسافة منها، ألا نقيس ردود أفعالها، قياسًا على محدودية ذواتنا، ذلك ما يفقدها الحياة. 

من بين الشخصيات الثلاث التي رويت قصة النداهة من داخل أفكارها، يظل الأفندي أو الضبع كما وصفته القصة التحدي الأكبر:

كيف نكتب عن ضبع؟

شخص نظن أننا لسنا هو في الحقيقة، وفي الحياة الواقعية، نكرهه وندينه. وإذا كنا هو فنحن ننكره ونتنكر له، ونرغب في تحطيمه على الورق.

دعنا نختبر تلك الفكرة، ما الذي نجح فيه إدريس، وأين فشل؟

الأفندي، كضبع، كعاشق:

يُوصف في البداية كذئب، ممثل لكل ذئاب المدينة، لكن سرعان ما يعود إدريس ليصفه بالضبع، كما رسمه لنا بقفزته الجبانة في ظهوره الأول في القصة. بلا ذمة، متلاعب، على استعداد أن يفعل كل شيء، أن يدمر كل ما في طريقه من أجل الحصول على امرأة، النساء لا يعنين له أكثر من كونهن فرائس. يخفي تحت السطح البراق اللامع خسته، فـ«يمشي مع الشرفاء مرفوع الرأس لا يعرف ما بداخله سوى ضحاياه، وحتى ضحاياه كثيرًا ما غفرن له، بل وبعضهن أحبَّه وتعلَّق به وذاق من العذاب أهوالًا. وهو كذلك أخفُّ سكان العمارة دمًا، وأكثرهم حيوية وتواضعًا، كما أنه خدومٌ شهم يجيد احترام الآخرين ورفع الكلفة معهم»

شيطان مثالي.

في محاولته الأولى مع فتحية، يكشف لنا السمة الأساسية لها: الانكماش.

وما كاد يبدأ التطبيق حتى أدرك «أنه رغم كل ذكائه وفهلوته قد خانته فراسته هذه المرة؛ فهو ما كاد يبدأ الخطوة الأولى لتطمينها بالحديث معها، حتى أدرك أنه ليس أمام إنسانة، وإنما هو أمام حيوان كحيوان القواقع، ما تكاد تُحس باقتراب صوت أو خيال، حتى تنكمش وتنكمش، حتى لتستحيل إلى كتلةٍ صمَّاء من اللحم والعظم غير قادرة على الإرسال أو الاستقبال»

وكذلك ندرك ذكاء فتحية، التي عرفت مراده منذ اللحظة الأولى.

مع صعوبة التحدي أمام القاهري «المرقع»، يحوله إدريس في تلك اللحظة تحديدًا من ضبع جبان إلى عاشق من وجهة نظر الأفندي الزائفة طبعًا، عشق مرده استحالة النزوة وسيختفي هذا العشق إذا حصل على مبتغاه. هو محض هوس، لكن إدريس يجعل إقدام الأفندي على التخطيط لفعل جريء، كمجامعة فتحية في حجرة الأمان نفسها، مبررًا. تلك الحيلة تمنحه عمقًا إنسانيًا، وتجعل منه شخصية سردية ثلاثية الأبعاد، دون أن نتجاوز إدانته أو نتماهى معه بالكامل، إننا ندخل إلى عقله فقط، لنعرف أكثر عن طبيعته. كما أن هذا التحدي يرفع فتحية من فريسة إلى محبوبة، من امرأة مختارة عشوائيًا إلى امرأة لها فرادتها وثقلها كشخصية سردية.

نقترب من لحظة الذروة، بعد أن تأسس لدينا فزع فتحية وإقرارها المكبوت أنها في النهاية لن تتمكن من المقاومة وهوس الأفندي وتخطيطه الدؤوب لاقتحام الحجرة، ليصير كل شيء مهيئًا، لأن نتقبل ما سيحدث.

لكن دعنا نعرف أكثر عن فتحية:

المعلومة الأهم التي ستطرح من داخل عقل فتحية: أنها توقعت ما حدث، منذ أعوام وهي تعرف أن «الشر» سينالها، تخيلته في عقلها بحذافيره، لأن ذلك الخطر تحديدًا هو ما تربت عليه وضخم في عقلها، حتى أنه صار السبب الرئيسي لحراستها وحرمانها من الحياة.

لم تبسط فتحية مسألة السقوط في الغواية إذن.

كاتب أقل، كان سيجعلها مستسلمة بشكل تام، أو مشاركة بشكل تام، ضحية أو قديسة، فتحية نفسها تطرح هذا السؤال على نفسها. لكن بإدراك هذا التعقيد للنفس البشرية، بتعقيد الصراع، لا يجعلنا ذلك نحسم شيئًا، بل نفكر، يتضاعف المعنى. 

في القرية، تقدم لها عريسان، بكل المقاييس كان الأول أفضل من حامد.

لمَ اختارت حامد؟ عبر حدس غامض وضبابي، يشير إليها من وراء العقل. أن الحياة في قريتها محدودة، بينما يعمل حامد في مصر، أي أنها ستذهب إلى «أم الدنيا»، فهي من البداية «ذات عقل راجح، يعرف ما يريده.. ذات حدس صائب يستشعر بطريقة أفضل من العقل» وذلك يؤكد أن الكامن فيها هي ثقة مكبوتة بالذات.

هل قُذفت تلك الأمنية داخلها بلا سبب؟

لا، «ألم تعُد منها «فاطمة» بنت خالتها التي كانت تعمل «خادمة»، وهي كالخواجات بالكاد استطاعت أن تتعرف عليها وهي هابطة من القطار بالفستان والشنطة؟»

تتخيل مصر أيضًا كجنة كاملة الأوصاف، أهم سمة فيها هي اتساع الخيارات بالتضاد مع ضيق عالمها وانكماشها.

كاتب آخر، لم يكن ليهتم بالسبب أو أن تؤدي نقطة إلى أخرى، ويروي لنا نسخة من الأحداث بلا صلة، حركة بشكل عشوائي. لكن كل نقطة يكتبها إدريس تؤدي إلى التي تليها.

يقول جورج سوندرز في كتابه:

«لقد عملت مع العديد من الكتاب الشباب الموهوبين على مر السنين لدرجة أني أشعر أنني مؤهل للقول بأن شيئين يفصلان بين الكتاب الذين يستمرون والذين لا يفعلون كذلك:

أولًا: الاستعداد للمراجعة.

ثانيًا: إلى أي مدى يستوعب الكاتب قانون السببية.

«ماتت الملكة، ثم مات الملك» [الصيغة الشهيرة لإي إم فورستر] تصف حدثين غير مرتبطين يحدثان في تسلسل. هذا لا يعني شيئًا. «ماتت الملكة، ومات الملك حزنًا» جملة تربط الحدثين وتصنع معنىً؛ نحن نفهم أن أحدهما تسبب في الآخر. التسلسل، المشبع بالسببية، يعني أن الملك أحب الملكة حقًا.»

***

تكتشف فتحية سريعًا الفارق بين الجنة في خيالها والحقيقة. يروعها ازدحام مصر وتنوعها، وتعقد مقارنة بين قدرة حامد على الحركة فيها بحيوية وبين انكماشها أمام المدينة.

وكذلك تكتشف الفارق بين ما تصورته عن وظيفة زوجها والذي ظنته بهيبة واحترام الخفير النظامي للبوابة التي يحرسها ليلًا، وبين حقيقته الأقرب ما تكون إلى «الخدام، ينحني لهذا ويسرع في تلبية طلبات الست أم فلان» ويُهان ويُشتم. لم يظهر أي نوع من الهيبة إلا عندما طلب منه صاحب البيت أن تعمل فتحية كخادمة «يرفُض ويركب رأسه، وحين تفتح فمها لتناقشه يصرخ فيها وكأنه صاحب البيت وهي ساكنة الدور الثامن عنده»، وهو ما رأت فيه فتحية -التي تتوق إلى الخروج من الحجرة- موقفًا تافهًا، في ظل حاجتهم إلى كل مليم.

كان أكل العيش حُجَّة، كانت في الواقع تريد أن تتعرف على أهل مصر أكثر، وأن تدخل بيتًا من بيوتهم، وتحادث ناسًا منهم؛ إذ هي في حبستها في الحجرة هكذا لن تُمكِّنها طبيعتها الخجول المنطوية أن تفعل شيئًا من هذا، وتلك الفكرة لم تأتها من فراغ، بل لمراقبتها تغيّر طبيعة حامد من الخجل إلى شيء من التحرر والدردحة في مواجهة الحركة الهائجة للمدينة، التي تدفعها للانكماش.

***

«وإذا كان الشر والوحل والقُبح في القاع، فالنجاة في العوم.»

هذا هو الفارق الجوهري بين الاثنين، الذي يجعل المُنفتِح على المدينة، منكمشًا في داخله، والمنكمشة على أتم الاستعداد للتحرر من انكماشها، قبول أن الشر جزء من العالم، لولا أنها مقتنعة بمبررات «حارسها»، كل أهمية بواب العمارة والحجرة هو حمايتها من الخطر، الكامن في رأسها أكثر من الجميع.

الحل الذي وجدته فتحية لا يجب أن يكون تمردًا فجائيًا على طبيعتها المنكمشة، لذا تجد حلًا سطحيًا في البداية، أن تراوغ الشر وتفر منه والذي يُصور في القصة كـ«بحر جبارٌ صفيق تمتد منه آلاف الأيدي، وتُطِل منه آلاف الابتسامات كابتسامات الجنيات والنداهات، خادعة تدعوها وتُسهِّل لها خوض الماء.»

 الضبع من وجهة نظر فتحية يصفه لنا إدريس هكذا: «ذلك الأفندي والعاري كاليد المهولة الممتدة، مهددة أن تجذبها إلى القاع مباشرة، حيث الوحل والقبح والطين» وتعلم أنها لا بد واقعة في المحظور رغم كل مقاومة وضيق واستنكار، وتقسم أنها لن تفعل، حتى لو دفعت حياتها ثمنًا.

عودة إلى الضبع العاشق:

في الفقرات التي تسبق هجومه عليها، نرى المشهد من خلال عقليهما معًا، قبل أن نراه من داخل عقل الأفندي الذي يسقط عنه قناع العاشق ما أن تستسلم فتحية، التي لا تستسلم عن رغبة فيه، بل لأن تعاظم الخطر في عقلها أقنعها أن كل مقاومة مستحيلة، فذلك هو أكثر شر يرعبها في العالم، لذا تسقط بين يديه من الرعب، وكذا تحين اللحظة المناسبة لينزع عن الأفندي القناع المؤقت للعاشق، ويعود إلى حقيقته كضبع لن يبالي إذا ما افترس جثة، «خرقة مستسلمة»

الأفندي في النهاية مغتصب، شرير، جشع، لن يتوقف، حتى لو كانت ضحيته في الطريق إلى الموت بفعل الصدمة، كما تصف القصة، لكن كل الأطياف موجودة في تلك اللحظة عند فتحية، تقاوم وتتوسل بآخر «لا» تملكها في حياتها، لكن كل مقاومة منها كأنها حطب يزداد به سعار المغتصب اشتعالًا:

 «استدعت إلى الوجود كل قوى الذئب الضبع الكامن وحشدَها في ساقَيه وذراعَيه، حتى التفَّت حولها كقيود من فولاذٍ لا يرحم، وبآخرِ ما تملكُ أيضًا تململَت، وبكل ما يملكُ أطبَق. وكان ممكنًا أن تصرُخ تستنجد بالناس أن يُقاوموا لها، ولكنها رفضَت وأبت؛ فالمعركة معركتها وحدها، ولن يفعل إدخالُ الناس أكثر من فضحها؛ إذ السهم الآن نافذ فعلًا، والمكتوب قد حدَث، وقد يمنع الناسُ استمرار حدوثه، ولكنهم أيضًا سيكونون شهود حدوثه، وتلك هي الكارثة التي تُواجه الموت أو السقوط الخاص الذي لا يعرفه أحد، ولا تُواجهُها.»

واحدة من اللحظات المركبة، هي لحظات الاغتصاب كما تشرحها لنا الناجيات، دون أن نفهمها، خليط من المقاومة والتوسل والضعف والارتباك، والدهشة والحقد والغضب، لحظة الاستسلام قد لا تعني القبول، بل الشعور بالضعف والارتباك أمام سلطة، حتى طيف المتعة التي ستختبرها فتحية بعد أن أيقنت من عبث المقاومة، ألوان المدينة المغرية المتمثلة في الأفندي وتأملها في لحظات لوسامته، لا يقلل كل هذا من فعل الاغتصاب.

وحدها الحكاية المكتوبة جيدًا قادرة على النفاذ إلى لحظة بهذا التركيب.

أين المشكلة؟ أن إدريس لا يدرك معنى نفاذه إلى تلك اللحظة، لا يراه كمشهد اغتصاب، بل فعل اقتحام ضروري من أجل تحرر المرأة.

يقول على لسان الأفندي، الذئب والضبع والمدردح لأنه ابن المدينة: 

«أما تلك الخائفة المنكمشة على نفسها، التي ما خاطبها مرة إلا واستدارت بعيدًا مبتعدة أو هاربة، ذات الثدي الأبيض الضامر وزوجة الأسمر الطويل الفلاح «حامد»، فلا علاج لانكماشها على نفسها وخوفها منه ومن مصر والمصاروة، إلا بأن يأتيَها عساها تكُفُّ عن الانكماش، وتأنس إلى ناس المدينة»

وهو ما يتحقق في القصة بالفعل.

أين المشكلة؟

من منّا الآن قادر على النفاذ إلى تلك اللحظة كما بلغها إدريس عبر قوة الفن، دون حسابات مخيفة من الصوابية السياسية ليصف الأطياف المركبة للحظة، مع الوعي في الآن نفسه بأن ما حدث هو اغتصاب.

عندما نحمل فكرة مسبقة بغرض إثباتها، فكرة تسوقها أيديولوجيا، فالأمر أشبه بالنظر من خلال نقطة عمياء، ثمة شيء لا يُرى، ولا يُكتشف، ولا يلامس الحقيقة.

في البداية نتألم مع الزوج، نكره فتحية والأفندي. قبل أن تُمنح فتحية صوتًا من داخل أفكارها، فنبدأ في التعاطف معها بالتدريج، ثم صوت الأفندي الذي لا نتعاطف معه، لكننا نفهمه بشكل كاف، نعرف مبررات هوسه بما يكفي ليمنحه عمقًا إنسانيًا، ربما نكاد أحيانًا أن نتعاطف فعلًا. من دقة الوصف نكاد أن نتماهى معه كطاقة شر، لكننا لا نفقد إدانتنا له، نعود إلى حامد وإلى فتحية وهما يتخذان قرارهما النهائي لحل الصراع وقد تغيّرت مشاعرنا بالكامل، ولا نفاجئ بقرار فتحية الأخير بالعودة إلى مصدر الشر؛ القاهرة «برغبتها تلك المرة، وليس تلبية لنداء النداهة، بل نفكر في تلك التي لم تعد ضحية ولا قديسة». 

المثير للدهشة أن كلما فهمنا فتحية أكثر، يقل تدريجيًا في عملية معكوسة تعاطفنا مع حامد، بل في العمق يتساوى مع الأفندي، لم يعد مجرد زوج مكلوم بالخيانة، من البداية لم يكن كذلك، فعل الخيانة وهم ومجاز/ محفز لكشف الحقيقة، بل يتضح أنه قامع يكبت فتحية على طريقته.

قبل أن تقرر الهرب، تطرح سؤالًا هامًا عن طبيعة حامد، العالق في تردده، عن «رخرخة طبيعته».

«أكان صنَع هذا لو كانوا في بلدهم؟ أأُصيب هو الآخر باللعنة وهزمَتْه مصر ورخرخَت إرادته وطبيعته، حتى لم يعُد قادرًا على قتل زوجته وهو يضبطها مُتلبِّسة مأخوذة؟ أصحيح لزلَّتِها يبكي؟»

ما تدركه فتحية، هنا هو أثر المدينة على حامد، الذي لم تنجح حيل مراوغته لها، أو العوم فوق شرورها إلا في أن تجعل طبيعته هشة، مترددة، لا هو الريفي القادر على الثأر لشرفه ولا هو ابن المدينة القادر على التفهم والغفران، لأنه لم يواجه الشر بثبات أبدًا، بل فعل مثلها في خيارها الأول للنجاة من المدينة: العوم.

يصير قرارها بالفرار من حامد في المحطة، والعودة إلى المدينة بإرادتها تلك المرة، لا تلبية لنداء النداهة، أكثر القرارات منطقية.

لا تعود المدينة مدينة، بل مواجهة للحياة مع إدراك شرها، لا يعود الريف ريفًا، بل خطوة إلى الوراء.

يقترح إدريس تحولًا جذريًا في شخصية فتحية، لكنه عندما يحدث، لا يحدث من خلال تغيير كامل في طاقة الشخصية، ولا حتى استبدال طاقتها المعتادة، ببعض الطاقة الجديدة الخالصة، لكن من خلال إعادة توجيه طاقة فتحية القديمة نفسها الانكماش الذي تنجح عبره في شيئين؛ امتصاص صدمة الشر، وقرار الهروب من حامد للعودة إلى المدينة. لم يتعين على فتحية أن تصبح شخصًا جديدًا لتتخذ قرارًا أكثر نضجًا، ما حدث بالضبط هو تعديل في وجهة نظرها، وحولت طاقتها الطبيعية في اتجاهها الصحيح، ما أن رأت نظرتها للعالم بالتحصن الدائم خوفًا من الخطر غير صحيحة. 

ما الذي جعلها مذعورة طيلة القصة؟ في الحقيقة لم تكن كذلك، لكن كان عليها أن تكتشف شجاعتها ببطء في النهاية، لن تعود للأفندي، بل إنها عائدة للحياة المتنوعة الثرية، مهما كان ثمن ذلك. وفي مواجهة حامد، لم تجرب التمرد، لم تتب عن هويتها، بل جربت الجزء القديم من نفسها والذي تجيد التصرف من خلاله في مواجهة العالم، الانكماش، لكنها الآن تدرك أنه لم يعد حلًا صالحًا.

بعد أن نتغاضى -دون أن ننسى- عن سذاجة الطرح، يمكن لنا أن نكتشف أفكارًا أهم قد تفيدنا في الحرفة، لقد أدان إدريس خسة وجبن الأفندي وجاذبيته وقدرته على التلاعب، لكن دون أن يتجاهل أن يصل إلى نقطة اتزان يتواصل عبرها معه. لكن أيضًا، تتحول القصة إلى أن السبيل الوحيد للشخصية المنكمشة الخائفة كي تنضج هو أن تختبر الشر، وأن تتجاوزه بثبات لا يعرف الهروب، الثمن الوحيد الممكن لحياة ثرية متنوعة في مقابل حياة الأمان المضمونة لكنها محدودة وفقيرة.

هنا يمكن فهم زاوية أخرى للكتابة، التي لا تهتم بتبرير أو إدانة السقوط في الغواية، الجنس عندها أحيانًا قد لا يعني الجنس. ما يعني إدريس هو تحرير فتحية من الخوف، وكل امرأة تُكبت في المجتمع بداعي الأخطار والشرور التي تتعرض لها مما يجعل من كل «حامد» حاميًا لها وحارسًا في مقابل ألا تغادر انكماشها أو حجرة الأمان التي أعدها لها، أهذا أكبر المخاوف؟ فليتحقق، فبعد أن يحدث الخطر المتمثل في الخيال فعلًا، لا يعود خطرًا، بل محض دافع لنفهم الحياة بشكل أنضج، لذا يعود حامد وحده إلى القرية، بينما تقرر فتحية أن تواصل التوغل في المدينة بإرادتها، وقد صارت شخصية أخرى.

نعم، فعلها بقوة ونفاذ بصيرة، ولكن عبر فكرة ساذجة تحتاج إلى تصحيح.

***

دعني أكرر: يستمع كل سارد حقيقي إلى تلك الحكمة التي تتجاوز ذاته، وهو ما يفسر سبب كون الروايات والقصص العظيمة دائمًا أكثر ذكاءً من مؤلفيها. الساردون الأكثر ذكاءً من قصصهم يجب أن ينتقلوا إلى مجال عمل آخر.

ودعني أضيف، لا تتعلق المسألة برسم الفضائل فقط، فعندما يستخرج إدريس شخصية الأفندي كشخصية تمثل الشر، ويحللها بهذا العمق، فلن يعود مهمًا أن أسأل إذا كان جزء من إدريس هو الأفندي الضبع لذا تمكن من الغوص داخل عقله، بل الإجابة التي تهمنا تكمن في أن حتى الشخصيات التي لا نتوقع أن نكونها، والتي لسنا عليها في الحقيقة، هي بطريقة ما كامنة داخلنا لأننا خبرناها في حياتنا، سواء لأننا قابلناها صدفة، أو لأن كل الأنماط كانت أحد احتمالات وجودنا التي لم نختر تغذيتها وأخذنا مسارات أخرى لذا يمكننا الاتصال بها أثناء الكتابة، هكذا يمكن أن نكتب عن شخصيات نكرهها، أو كما ينبهنا سوندرز على لسان ميلان كونديرا؛ ينفتح الكاتب على تلك «الحكمة الأكبر من ذاته» بالوسائل التقنية. هذا هو المقصود بالحرفة: طريقة لنفتح طريقًا إلى تلك الحكمة داخل أنفسنا. و#سلام.

*الكتابة بالخط المائل من قصة يوسف إدريس «النداهة»

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن